ملخّص
يعدّ كلّ من الدين والعلم والفلسفة مناهج معرفية يسعى كلّ منها بطريقته لاكتشاف المجهول. ويبقى البحث عن الخالق أو عن العلّة الأولى من أبرز القضايا التي تثير دهشة الإنسان وتفتح آفاق التساؤل العميق لديه. وسيبيّن هذا البحث أنّ التطور العلمي ودور الأديان يكمل أحدهما الآخر في مقاربة هذه الإشكالية. فقد أثبتت الروحانية جوهريّة العالم الروحي وواقعيته، وبالتالي إمكانية خضوعه للدراسات العلمية في إطار تطوره التاريخي، بمشاركة مختلف الباحثين عبر مراحل زمنية مختلفة. ومن الجدير بالذكر الإشارة إلى أهمية دور الإنسان المراقب[1] في علاقته مع العالم الذي يحيط به، واكتشافاته وإبداعاته الخاصة أثناء رحلته إلى الخالق.
فنحن من طريق علاقتنا مع العالم – سواءً مع الناس أم الأشياء أو الأفكار- نصل إلى معرفة ذاتنا، وذلك عبر إدراكٍ فعّالٍ وواعٍ يخلو من الأحكام أو المطالب أو التفسيرات. فعن طريق هذا الإدراك سنتمكن من معرفة الذات، عبر توجيه أفكارنا ومشاعرنا توجيهاً منسجماً وسليماً.
أريسمار ليون بيريرا
طبيب أشعة، منسّق دراسة أعمال أندريه لويز، ومقدّم دراسة كتاب "الوسطاء" التابع للاتحاد الروحاني البرازيلي، ورئيس الجمعية الطبية الروحانية في بلانالتو، ومتعاون مع قسم الأسرة في الجمعية الطبية الروحانية البرازيلية.
الجوهريّ يخفى عن العين المجردة
من رواية الأمير الصغير للكاتب سانت-إكزوبيري
إنّ علاقة الإنسان ببيئته تنطوي على مزيج من الفضول والافتتان كما الخوف أمام اتساع المجهول وقدرته. فأكثر ما نعجب به نخشاه وأكثر ما نخشاه يثير إعجابنا. وفي خضم هذه العلاقة الملتبسة، نحاول أن نفهم ما يحيط بنا، ونفهم من نكون، ومن أين أتينا. ولذلك فإنّ الدين والعلم والفلسفة طرق متكاملة نسلكها جميعها في هذه الرحلة البحثية.
قد نميل للاعتقاد بنظرة سطحيّة، أنّ الدين والعلم اللذين هما ركيزتان أساسيّتان من ركائز الفكر الإنسانيّ، متعارضان، وغير متناسقين وحتى غير متوافقين في طروحاتهما الفكرية. ولكن في دراسة معمقة أكثر، نجد أنفسنا منقادين باتجاه شيء يجمعهما بطريقة معقدة ألا وهي فرضية أننا نعيش في كون تعود أصوله إلى ماضٍ سحيق. ولهذا تُثار في الفلسفة إشكالية العلّة الأولى وهي: كيف خلق الكون؟
بالنسبة للعديد من الديانات، فإنّ هذا الكون قد نشأ نتيجة فعلٍ مقصودٍ نابع من إرادة قوية لذكاء ما، أو وعي فائق، أو ألوهية ما أو الله. أمّا العلم، فينظر إلى هذا الموضوع على أنّه حصيلة مجموعة من الظروف أو الشروط، التي ليست بالضرورة مقصودة أو واعية بذاتها.
ولكن ثمّة سؤال جوهريّ يفرض نفسه في هذا البحث، وفي جميع المجالات التي يقوم عليها الفكر الإنسانيّ وهو: هل يمكننا فهم العلّة الأولى، وواقعنا وكل ما يحيط بنا باستخدام وعينا وحواسنا، حتى وإن كانت هذه الحواس مدعّمة بالأدوات التي نبتكرها؟
أصدقاؤنا الروحيون يقولون لنا إنّ هذا غير ممكن، لأننا لا نملك الحدس (كارديك، 2023، 57) الذي يأتي من التطهير الكامل للنفس. (كارديك، 2023، 51). فهل من الممكن قياس اللانهائي بمسطرة؟
إنّ حالنا هذا يشبه حال الأسماك التي تعيش في حوض مائيّ، فنحن نعرف بعض الوقائع المهمة المحيطة بنا، ولكن لا نملك الوسائل لفهمها، لأنّ الجوهر يظلّ خافياً عن أعيننا. وهنا يأتي دور العلم والإيمان فهما بطريقة ما، مثل النوافذ التي تسمح لنا بأن نطلّ على المجهول وعلى غير المرئي، فيقوداننا إلى ما وراء حدود إدراكنا الحسّي المحدود.
عند هذه النقطة بالذّات ندخل مجالاً حاسماً، يتصادم فيه عادة الحوار بين الإيمان والعلم. فهل ينتمي هذا العالم غير المرئي الذي نسعى لفهمه إلى العالم الطبيعي أو فوق الطبيعي؟ وعلى اعتبار أنّ العلم مسؤول عن دراسة العالم الطبيعي، فلا مكان إذاً لدراسة ما هو فوق الطبيعي أو العجائبي. ولكن هنا، على خلاف ما نجده في تيارات دينية أخرى – أي مسارات الإيمان - يظهر جسر ضيق يربط بين العقيدة الروحية والعلم. فكلّ منهما يعتبر أنّ العالم غير المرئي يشكل جزءاً من العالم الطبيعي ويمتدّ إلى ما هو أبعد من ذلك أيضاً، فهو جوهريّ وماديّ، وإن كان مكوّناً من مادة حقيقية إلّا أنّها في أغلب الحالات، تفلت من إدراك حواسنا ووسائلنا العلمية.
يقدّم لنا كارديك ببراعة هذه الرؤية الموسّعة للواقع عندما يقول لنا: " بعد أن أقصى العلم عالم العجائب[2] عن مجال المادّة، وجد ملاذه الأخير في الروحانية. ومن طريق إثبات أنّ العنصر الروحي واحد من القوى الحية للطبيعة، أي قوّة تعمل باستمرار بالتوازي مع القوة المادية، فإنّ الروحانية أعادت إدراج عالم العجائب تحت قائمة الظواهر الطبيعية، لأنّ هذه الظواهر شأنها شأن غيرها تخضع أيضاً للقوانين. وإذا أقصيت[3] العجائب من الروحانية لن يبقى هناك مبرر لوجودها[4]، وحينها فقط يمكن أن نقول إنّ زمن المعجزات قد ولّى[5]". (كارديك، 2013، 232).
بإزالة الطابع الأسطوري عنه، تجعل الروحانية العالم الروحاني في متناول الدراسة والتطور العلمي. فالعلم من خلال تحليلاته يوسّع رؤيتنا لما هو غير مرئيّ، وذلك بالدخول في المجهول وتوسيع حدود العالم الطبيعي. وفي بعض الأحيان، يبلغ هذا الاتساع حدّاً كبيراً من الوضوح والتأثير، ممّا يعمّق فهمنا للجوهر، ولقوانين الطبيعة ويقربنا بذلك من الخلق ومن الله.
على سبيل المثال، في عام 1610م عندما نشر غاليليو غاليلي (1564-1642) كتابه (الرسول النجمي) متجاوزاً حدود عالمٍ مركزُه الأرض إلى عالمٍ مركزُه الشمس، عالمٍ عظيم ولا محدود بما يحتويه من سُدُم متنوعة. أو عندما نشر نيوتن (1643م-1727م) في العام 1687م، كتابه " المبادئ الرياضية للفلسفة الطبيعية" فسمح لنا من طريق رياضياته الحديثة وقانون الجاذبية بفهم العالم الطبيعي. أو عندما نشر دارون (1809م-1882م) في العام 1859م كتابه "أصل الأنواع" مظهراً فيه الانتقاء الطبيعي وتطور الأنواع كلّ في مجالها الماديّ. وماذا نقول أيضاً عن " نظرية النسبية العامة" للعالم ألبرت أينشتاين (1879م-1955م) التي نشرها عام 1916م والتي أحدثت ثورة في رؤيتنا للكون وقوانينه؟
ومع أهمية هذه المراحل التي وسّعت رؤيتنا للعالم الطبيعي، نستطيع أن نذكر أيضاً الأعمال التي نتجت عن التجارب التي أجراها الأستاذ هيبوليت ليون دينيزارد ريفايل في نيسان من عام 1857م، عند نشر كتابه تحت عنوان "كتاب الأرواح". ومنذ تلك اللحظة، ظهر ازدهار هائل لا يحدّ للعالم الطبيعي وقوانينه.
وبالتالي فإنّ المستوى الميتافيزيقي الذي كان سابقاً محدود الدراسة بسبب الدوغمائية والاستنتاجات الشخصية أو التخيلات في مجال ما وراء الطبيعة أو خارج متناول العلم، يصبح واقعياً، "وملموساً" وذا جوهر، له قوانينه الخاصة ضمن إطار القوانين الطبيعية، بما في ذلك قوانينه المتعلقة بالعالم المادي المرئي وقوانينه الأخلاقية القطعية والثابتة، التي قد تختلف عن المعتقدات التقليدية لبعض كبار المعلمين الروحيين الإنسانيين لكنها تتوافق مع تعاليم المسيح.
وهكذا، فإنّ الروحانية توسّع مجال دراسة العلم، كما يوضّح لنا كارديك: " يمكن للمادية أن ترى أنّ الروحانية بعيدة عن الخوف من اكتشافات العلم ومنهجه الوضعي[6]، تسير نحوها وتحثّها على التقدم، لأنّ هناك يقيناً أنّ المبدأ الروحي، بما يمتلكه من طبيعة خاصة، لا يمكن بأي شكل كان إخضاعه للاختبار العلمي. (كارديك 2013، 180)
من المثير للاهتمام الإشارة إلى أنّه باتباع المبادئ المنطقية للمنهج الوضعي، الذي يهتم بدراسة المادة وتكوينها وتفاعلاتها وتحولاتها، أي ما يمكن التحقق منه وقياسه وملاحظته، فإنّ العلم يواجه مفارقة باضطراره التخلي عن العالم المادي القابل للقياس للغوص في دراسات وأبحاث في الجانب المجهول و"غير المادي" للكون.
بدأت هذه الحركة في القرن السابع عشر مع إدخال العلم الحديث القائم على التجربة على يد العالم غاليليو غاليلي، وتواصل مع قانون الجاذبية لنيوتن، الذي قدّم رؤية ميكانيكية وقابلة للتنبؤ لعناصر الطبيعة. فقد كان يُنظر للكون على أنّه آلة عملاقة قائمة على بنية من الزمان والمكان المطلقَين، حيث يعمل كل شيء فيه بيقين مدروس يمكن حسابه. لم يكن هناك أي مجال لعدم اليقين، فكل شيء كان يحدث ببساطة نتيجة لسبب سابق: وهذا ما يعرف بالحتمية.
ولكن هذه الرؤية الآلية والحتمية للكون بدأت تتغير في مطلع القرن الثامن عشر. فبالنسبة للفيلسوف والرّياضي لايبنتس (1646م-1716م) فقد خضع مفهوم القوة لتحول جذري في معناه، إذ انتقل من نموذج آليّ تشغيليّ كان سائداَ[7] في ذلك الحين، إلى مبدأ النشاط الحيوي. فالقوّة بحسب رأيه تكمنُ في المادة وتمثّل طبيعتها الأعمق؛ لم تكن شيئاً يؤثر في الجسم ليغير حركته، ولكنها بالأحرى شيء يمتلكه الجسم نفسه، وهذا ما يعرف بـِ vis viva أي (القوة الحية باللاتينية).
كان لفكرة القوة الحية أهمية كبيرة لاحقاً في الدراسات المتعلقة بدرجة الحرارة وسخونة الأجسام، الأمر الذي أتاح بفضل أبحاث الطبيب يوليوس ماير(1812م- 1878م) الوصول إلى مفهوم الطاقة، التي تعدّ تجلّياً لهذه "القوة" إذ تظهر في أشكال عدّة قابلة للعكس والتبادل مثل السقوط والحركة، والحرارة والمغناطيسية والكهرباء. (ماير 1984،85-95).
إنّ الرؤية القائمة على التفاعل الميكانيكي والحتمي للعناصر المادية، وإمكانية التنبّؤ بها في المكان والزمان وفقاً لقواها وسرعتها، تطورت لتصبح شكلاً من أشكال التفاعل عن بعد بين البُنى، حيث تقوم هذه البنى بالتأثير في الفضاء المحيط بها وتعديله من خلال مفاهيم الطاقة والحرارة والكهرباء والمغناطيسية.
كما أنّ دراسة الضوء بسلوكه الثنائي القائم على الموجات والجسيمات في آن معاً، كشفت عن مفاهيم جديدة تتعلق بالعناصر المادية، كما أنّ دراسة الكهرومغناطيسية، بدورها، أدّت إلى تطوير مفهوم أكثر تجريداً في العلم، ألا وهو مفهوم الحقل الكهرومغناطيسي الذي كان مجهولاً من قبل، مما أتاح تطور المعرفة العلمية بالتوازي مع التقدم التكنولوجي، سيّما في استخدام الموجات الراديوية، التي تنقل الطاقة والمعلومات إلى مسافات أبعد من الخيال.
أمّا فيما يتعلّق بالبنية الداخلية للعناصر الكيميائية، فقد أثبتت العالمة ماري كوري (1867م- 1934م) وزوجها بيار كوري (1859م- 1906م) في القرن التاسع عشر ظاهرة " تحول" المادة إلى إشعاعات، أي جسيمات ألفا وبيتا وغاما، مظهرين بذلك حالة عدم استقرار بعض العناصر المادية.
ومن القرن العشرين حتى يومنا هذا، شهدنا تطوراً هائلاً في الأدوات العلمية عززت قدرة الحواس البشرية ووسّعتها، سواء من خلال رصد العالم المجهري بالغ الصغر أو العالم الكونيّ الواسع، ممّا سرّع من رحلتنا الملحميّة، رحلتنا نحو الكون المجهول والذي يزداد شيئاً فشيئاً تجرّداً و"لا مادية". وتلاشى بذلك الاعتقاد بالمطلق وتلاشت معه اليقينيات والحتمية التي كانت سائدة في القرون السابقة. فالزمان والمكان والمادة لم يعد ينظر إليها كما في السابق، وما نعرفه عن أعظم موطن لنا وهو الكون، لا يزال قليلاً جداً.
وفي هذا السياق، يقول كارديك، مستشرفاً التقدم العلميّ المتزايد والمستمرّ، ومدركاً قدرته غير المحدودة على استكشاف المجهول:
" إنّ الروحانية والعلم يتكاملان مع بعضهما تكاملاً متبادلاً؛ فالعلم من دون الروحانية، يجد نفسه عاجزاً عن تفسير بعض الظواهر بالاعتماد على قوانين المادة وحدها. والروحانية من دون العلم، تفتقر للدعم العلمي والرقابة. ولذلك يجب أن تكون دراسة قوانين المادة سابقة للدراسة الروحانية لها، هذا لأنّ المادة تلامس أولاً الحواس[8]. ولو أنّ الدراسة الروحانية سبقت الاكتشافات العلمية، لكانت ستمنى بالفشل، مثلها مثل أيّ شيء يظهر قبل أوانه. (كارديك 2013، 23).
لنرَ الآن من طريق بعض الأمثلة كيف سبق أصدقاؤنا في العالم الروحي منذ أكثر من قرن بعض هذه الإنجازات العلمية الحالية[9]. وفي هذا السياق، لنلاحظ الإجابة التي قدمها كارديك رداً على السؤال: " هل تعدّ (القابلية للوزن) صفة أساسية للمادة؟"
"بالنسبة للمادة كما هو متعارف عليها لديكم، نعم. ولكن الإجابة ستكون لا إذا اعتبرنا المادة سائلاً كونياً شاملاً. إنّ المادة السماوية الدقيقة التي يتكوّن منها هذا السائل غير قابلة للوزن بالنسبة لكم. ومع ذلك، فهي تبقى في نظركم الأصل الذي تنبثق منه مادتكم الكثيفة." (كارديك 2013، 64)
نحن نعلم اليوم أنّ كل واحد منّا تخترقه في كلّ ثانية تريليون من النيوترينوات – هي جسيمات مصدرها مركز الشمس وتتحرك بسرعة تماثل تقريباً سرعة الضوء-. هذه الجسيمات شبه عديمة الوزن فعلياً وتخترق كلّ شيء تقريباً؛ إذ بإمكانها اختراق عمود هائل من الخرسانة يمكن أن تكون سماكته من مجرّتنا حتى أقرب مجرة لنا ألا وهي مجرة أندروميدا، دون أن يتم اكتشافها، ولهذا السبب يطلق عليها اسم الجسيمات الشبحية.
وتبيّن لنا واحدة من أشهر النظريات العلمية وهي النظرية النسبية لألبرت أينشتاين أنّ مرور الزمن يكون أطول بالنسبة لمراقب متحرك، مقارنة بمرور الزمن بالنسبة لمراقب ساكن. ما يظهر أنّ الزمن ليس شيئاً مطلقاً، وإنّما هو نسبيّ يمكن "أن يتمدّد" وفقاً لسرعة كلا المراقبين. وقد أثبتت هذه الخاصية الجوهرية للطبيعة مراراً وتكراراً عبر تجارب مختلفة، مثل مقارنة الساعات الذرية عالية الدقة الموضوعة في الطائرات، مع الساعات المماثلة الموضوعة على الأرض. فقد لوحظَ أنّ الزمن يمرّ ببطء بالنسبة للساعات الموجودة في الطائرات! (جونيور 2012).
تأمّلوا هذا الحوار اللافت بين كارديك وأحد الأرواح المستحضرة، وهي روح والد جورج الذي كان يعمل صيدلانياً في إحدى مدن جنوب فرنسا، حيث تتحدث الروح في هذا الحوار بوضوح حول نسبية الزمن (كارديك 2004، 46)
كارديك: "(...) ماذا كان شعورك لحظة خروجكَ من قميصكَ الجسديّ؟
الروح: "(...) الاضطراب".
كارديك: كم استمرّ هذا الشعور بالاضطراب؟
الروح: ليس وقتاً طويلاً بالنسبة إليّ، ولكنّه طويل جداً بالنسبة إليك".
كارديك: هل تستطيع تقدير فترة هذا الاضطراب وفقاً لطريقتنا في الحساب؟
الروح: عشر سنوات بالنسبة إليك، وعشر دقائق بالنسبة إليّ".
أما المثال الأخير الذي سوف نقدّمه فيعود للتطورات الحديثة خلال العقدين الأخيرين، ويتعلق بنشوء الكون المادي أو الباريوني. حيث تندرج هذه الأبحاث ضمن مجال محدد من الفيزياء الكمية المسمّى الكروموديناميكا الكمومية[10].
في فيزياء الجسيمات، نعلم أنّه أكثر من 99 % من كتلة الكون المرئي (الباريوني) تتكون من البروتونات والنيوترونات، وأنّ كل بروتون وكل نيوترون يتكون من ثلاثة جسيمات دون الذرية تسمى الكواركات التي بدورها ترتبط فيما بينهما بواسطة جسيمات دون ذرية أخرى تسمى الغليونات والتي تعمل بطريقة تشبه الغراء حيث تُبقي الكواركات متماسكة مع بعضها. وهذه الغليونات هي المسؤولة عن القوة النووية الشديدة داخل نواة الذرة. وقد تبيّن أنّ هذه الكواركات الثلاثة مع غليوناتها لا تمثّل سوى 1% من كتلة البروتون أو النيوترون. إذاً أين يوجد ما تبقى من كتلة هذه الجسيمات؟ بعبارة أخرى، أين يكمن الباقي من المادة الموجودة؟
اكتشف العلماء أنّ "الفراغ" الهائل هو الذي يشغل جميع البنى الذّرية، النواة ومجالها الإلكتروني، أي كلّ ما يحيط بنا مملوء بطاقة غير مادية، وهي تتكون في الواقع من أزواج من المادة والمادة المضادة، التي تخضع لتقلبات مستمرة، وفقاً لمعادلة التكافؤ بين الطاقة والكتلة (E=mc2) حيث تتكون في خضم هذه التقلبات جسيمات ذات حياة قصيرة جداً، بمقدار ثانية واحدة مقسومة على 1 ومتبوعة بثلاثة وأربعين صفراً، وهو زمن من الصغر بحيث يجعل هذه الجسيمات غير قابلة للرصد المباشر فعلياً، إلّا من خلال تأثيراتها غير المباشرة. هذا "الفراغ" الطاقي وغير الماديّ، المكوّن فعلياً من هذه الجسيمات الافتراضية المذكورة، يسمّى الفراغ الكمّيّ، والذي يمثّل مع تقلباته الطاقية 99% من الكتلة المتبقية من المادة. وبناءً عليه، فإنّ ما نسميه بالفراغ، أيّ الفراغ المطلق أو الكلي، لا وجود له في الطبيعة.
لقد كانت مسألة وجود أو عدم وجود الفراغ موضوع العديد من النقاشات في القرن التاسع عشر. ولكن دعونا ننتبه إلى الإجابة الواردة في "كتاب الأرواح"، هذه الإجابة التي جاءت في زمن كان فيه هذا الموضوع موضع جدل حادّ ومحتدم: هل الفراغ المطلق موجود في مكان ما في هذا الفضاء الكوني؟" "كلا، لا وجود للفراغ. ما يتراءى لكم بأنّه فراغ هو في الحقيقة مملوء بمادة لا تدركها حواسكم وأدواتكم". (كارديك 2013،66)
إنّ خصائص الفراغ الكمّيّ الموصوفة أعلاه تستحق وقفة تأمل خاصة، لأنّ هذا الفراغ موجد في الكون بأسره، متغلغلاً ومشبِعاً كل ما في الوجود، انطلاقاً من البنى دون الذرية وصولاً إلى الفضاءات بين المجرات. لنلاحظ في هذا المنحى التشابه مع ما أسماه أصدقاؤنا الروحيون "بالسائل الكوني الشامل":
"هناك سائل مهيب يملأ الفضاء وينفذ في الأجسام. هذا السائل هو الأثير أو المادة الكونية الأوّلية، التي تخلق العالم والكائنات. إنّ القوى التي قادت عمليات تحولات المادة والقوانين الثابتة والضرورية التي تحكم العالم، كامنة فيه". (كارديك 2013، 97)
وهنا لا بدّ لنا من تسليط الضوء على الثقة التي كان كارديك يوليها للفرضيات التي وضعها أصدقاؤه الروحيون، إذ كان يعلم أنهم أقدر على رؤية الصورة الكاملة، وعلى فهم الرؤية الشاملة للكون على نحو أفضل. فيقول:
"إنّ الأديان الجامدة وحدها التي تخشى من اكتشافات العلم، لأنّ هذه الاكتشافات تضرّ أولئك الذين يسمحون لأنفسهم بالتخلّف عن الأفكار التقدمية، فيتجمّدون في مطلق معتقداتهم. وبوجه عام، فإنهم يحملون تصوراً ضيّقاً جداً عن الألوهية، فلا يفهمون أنّ استيعاب قوانين الطبيعة، التي يكشفها العلم، إنّما هي تمجيدٌ لله في أعماله. ولكنّ هذه الأديان، في عماها، تفضّل أن تنسب هذه القوانين إلى روح الشرّ، فتجعلهُ، من حيث لا تدري، موضع تكريم وتبجيل. أمّا الدين الذي لا يتعارض في أي وقت مع قوانين الطبيعة لا ينبغي له أن يخشى التقدّم، وسيكون بمنأى عن أي زعزعة لمبادئه.) كارديك، 2013، ص 79(
إنّ جميع هذه المعارف المكتسَبة والتي ترتبط بموطننا، الأرض، وبالمسار الشاسع الذي نقطعه، الكون، وكذلك كلّ المعارف التي ستأتي في القرون والألفيات القادمة والتي ستمكّن من فهمٍ أكثر للمجهول الذي لا تزال معرفتنا به معرفةً محدودة، من خلال الولوج في بحارٍ لم تستكشف بعد، كلّ ذلك سيسمح للعلم، دون شك، بأن يبلغ أراضي العالم الروحي التي لا يمكن تخيّلها بكل ما فيها من روعة، وبما تحمله من جمال لا يوصف. ومن المؤكّد أنّه عندما يحدث ذلك، فإنّ العلم ورجاله سيدافعون عن تلك الأراضي بكل قوتهم وإخلاصهم، على نحوٍ لم يسبق له مثيل، وبما يفوق دفاع جميع رجال الأديان والمعتقدات الراسخة في ميدان الإيمان.
ولكن هل هذا هو هدفنا الأسمى؟ هل تقتصر مهمّتنا فقط على الانبهار بالجماليات التي تزداد غرابة وروعة على الدوام من جهة، وعلى الابتهاج بالتجارب التي نعيشها خلال رحلتنا من جهة أخرى؟ أليس هناك غاية لكل ذلك؟ ومن ثمّ أليس للمسافر نفسه أهمية بحدّ ذاته؟ وهل سنتمكن من الولوج إلى أسرار العلّة الأولى، الخالق، الألوهية، الله — أو أيًّاً كان الاسم الذي نطلقه عليه — وأن نستقبله في أعماقنا؟ وأن نفهمه؟
تخيّل كتاباً بين يديك، جميلاً وفاتناً، ولمَ لا نقول ساحراً، لشدّة روعته وعظمته! تخيّل الآن أنّك، كطفل مندهش، تنظر إلى هذا الكتاب، وتعرف جميع تفاصيله: ارتفاعه، وعرضه، والمادة التي صنعت منها أوراقه، والأشجار التي أُخذت منها، وعدد صفحاته. وقد ذهبت أبعد من ذلك، واكتشفت أدقّ التفاصيل حول خصائص الصباغ الذي صُنعت به الرموز التي فككتها داخل هذا الكتاب التي سمّيتها بالحروف. ومن ثم تمضي أبعد في الاستكشاف، وتكتشف، عبر صيغ تكاد تكون سرية وغير قابلة للفك، كيف تُنظّم هذه الرموز فيما بينها، والمسافات والزوايا التي تحافظ عليها بين بعضها، فتكوّن كلمات، وهذه الكلمات، عند ترتيبها معاً، كيف تُشكّل سطوراً. وأخيراً، تقيس وتكتشف عدد السطور التي تحتويها كل صفحة، والمسافة التي تفصلها عن بعضها، وكذلك المسافات بين الهوامش.
فهل سيكون كلّ هذا كافياً لنفهم الكتاب؟ بل أكثر من ذلك، هل يجعلنا ذلك نعي أنّ لهذا الكتاب مؤلفاً وأنّنا قادرون على فهمه؟ أم أنّه كما قيل لنا سابقاً، لن نستطيع فهم معناه أبداً؟ وما هو هذا المعنى؟ وما الذي ينقصنا؟ علينا أن نتعلّم كيف نقرأ!
في مدينة الأقصر المصرية، وفي المعبد الذي يحمل الاسم نفسه، وعلى أحد أعمدة فنائه الخارجي، كتبت هذه الحكمة التي استخدمها لاحقاً الحكماء اليونانيون: "الجسد هو بيت الله". ولهذا يقولون: "أيها الإنسان، اعرف نفسك بنفسك." (دي لوبينز، لامي، وهار-باك 1954(
أليس هذا ما نفتقده؟ ألا وهو معرفة الذات؟ أليس في داخلنا يمكن أن نجد مؤلف هذا الكتاب الرائع للحياة؟ وهكذا أوضح لنا المعلم الجليليّ[11] قائلاً: "الآب فيّ، وأنا في الآب".
وربما، لأنه كان على علم بأنّ إخوته الأعزاء لن يصدّقوه، ولأنّه يحبّهم كثيراً، كرّر ذلك كي لا يبقى هناك أدنى شك: "ألا تؤمنون أنني في الآب وأنّ الآب فيّ؟ الكلام الذي أقولهُ لا أقولهُ من عندي، والأعمال التي أعملها يعملُها الآب الذي هو فيّ". فنحن من طريق علاقتنا مع العالم – الناس والأشياء والأفكار- نلتقي بأنفسنا، عن طريق الإدراك الواعي الخالي من إطلاق الأحكام أو المطالب أو التفسيرات لهذه العلاقة. وهكذا، عندما نمنح أنفسنا الفكر الصائب والشعور السليم، سنعرف ذاتنا، ونسلك الطريق نحو الخالق، الذي ينتظرنا بصبره اللانهائي ورعايته، في قلبنا وجوهرنا.
وعندما نحرز تقدّماً في قراءة كتاب الحياة المفتوح، سنكتشف، مندهشين، أنّه لا نهاية له؛ فقد كتبنا وما زلنا نكتب العديد من فصوله، فبدونها سيكون الكتاب ناقصاً.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
أريج حمود:
مترجمة سورية من مدينة طرطوس
ماجستير تربية، جامعة السوربون، 2014
إجازة في التربية من جامعة تشرين 2015
من ـعمالها في الترجمة
ترجمة رواية " إمبراطورية الملائكة" للكاتب الفرنسي برنارد فيربير، دار المدى، بغداد، العراق
ترجمة رواية " صندوق باندورا" للكاتب الفرنسي برنارد فيربير، دار المدى، بغداد، 2022
ترجمة رواية " مدرسة الطبيعة" للكاتب الفرنسي نيكولا فانييه، قيد الطباعة، دار الخيال، بيروت، لبنان، 2019
ترجمة رواية " مفارقة أندرسون" للكاتب الفرنسي باسكال مانوكيان، قيد الطباعة، دار الخيال، بيروت، لبنان 2018
[1] الإنسان الراصد أو "الذات المُدرِكة". المترجمة
[2] يقصد كارديك بكلمة (العجائب) كلّ الظواهر التي لم يتوصل الإنسان لاكتشاف قوانينها بعد. المترجمة
[3] يقصد كارديك إقصاء العجائب من الإطار الروحي التقليدي الذي ينظر للعجائب على أنها خوارق لا يمكن فهمها، ويُدرجها ضمن قوانين الروحانية التي تشرحها وتفهم قوانينها الحاكمة. المترجمة
[4] وجودها كمفهوم يجب البحث في قوانينه وشروطه، وليس كوجود واقعيّ. المترجمة
[5] ليس لأنّ أحداثها توقفت بل لأنّ الإنسان استطاع فهم قوانينها. المترجمة
[6] الوضعية العلمية: تيار فلسفي يركز على أنّ المعرفة الحقيقية هي التي يمكن رصدها وقياسها وإخضاعها للتجربة. المترجمة
[7] يعني نموذج يفسر الطبيعة بوصفها آلة تعمل بتأثير قوى خارجية دون أي دافع ذاتي أو داخلي للمادة. المترجمة
[8] يقصد كارديك أنّ الإنسان يدرك العالم المادي قبل أن يكون قادراً على استيعاب المفاهيم الروحية. المترجمة
[9] الروحانيون لديهم معرفة مسبقة بالظواهر العلمية قبل أن يكتشفها البشر فعلياً، أمّا البشر العاديون فهم بحاجة لاكتساب العلم أولاً من أجل فهم الروحانية. المترجمة
[10] الديناميكا اللونية الكمّية (QCD – Quantum Chromodynamics) نظرية فيزيائية تشرح التفاعل الذي يربط الكواركات داخل البروتونات والنيوترونات، هذا التفاعل الذي هو أصل تماسك المادة النووية. المترجمة
[11] يقصد به يسوع المسيح، يصفه بالجليليّ نسبة إلى الجليل في فلسطين. المترجمة