شعرية الأمكنة وسحرها وألقها هو ما يجعل الشاعر العراقي يخيط بعضا من "كلام" الذاكرة كي يكتب على هذا الذي يربطنا بحبل السرة الى الأبد حيث تستحيل الفقد ولا أحاسيس الاغتراب ولا شعور مضني بالمنفى والغياب هناك سحر المكان الذي يقيم فيك وتقيم فيه وبينكما ما يخطه الشاعر هنا بعض من التفاصيل وسحر اللغة ومجازاتها.

البيتُ الذي يسكنني ولم أَلِدْ فيه

عصـام البـرام

 

البيتُ ليس جدارًا، ولا ظلَّ نخلةٍ في مهبِّ الرُّؤى،
إنه الطيفُ،
ذاك الذي فاضَ من غيبِ أنفاسيَ الأولى
حين كنتُ صدىً في فمِ الملَكِ الذاهبِ نحو اللوحِ
والروحُ ماءٌ،
يُكفّنُهُ النورُ في بُردةِ الوجدِ
ويَنفَضُّ عن عَتَباتِ المدى.

البيتُ، آهٍ،
هو المنفى الذي حَملَني إليهِ الحنينُ بلا خارطة،
هو العدمُ الذي ربّتَ على كتفيه يدُ اللهِ
حين نادى: كُنْ، فكنتُ سؤالًا
يتمشّى على سرجِ الغيبِ
ويركضُ في نَسَقِ الكائناتِ بلا وجهةٍ
أو جدارٍ يردُّ الصدى.

سكنتُهُ
قبل أن يُبنى من الطينِ أو من رخامِ العصور،
قبل أن تَلدَ الأمُّ أطفالَها في دفاترِ هذا النزوحِ الطويل،
سكنتُ خيالهُ
كما تسكنُ النبوةُ قلبَ المجازِ
وكما يسكبُ الماءُ صورتهُ
في المرايا التي لا تعودُ.

ذاك بيتي،
ولا شاهِدٌ فوقهُ غيرُ أنفاسيَ المُستعارةِ من رعشةِ الأزلِ،
ولا حارسٌ غيرُ ظلّي
إذا انعكستْ شمسُ ربي على صدرِه المُشتهى،
بيتي أنا
حين لا أنتمي لغيرِ انكساري،
وحين أكونُ نبيًّا بلا أتباعٍ
يمشي على ماءِ ذاكرتهِ،
ويُصلي على مدرجاتِ الغيابِ.

أتراني وُلدتُ هناك؟
في فجوةِ الضوءِ،
حيث تشقُّ الأرواحُ جدارَ الغمامِ
وتُغني صلاةً بلا صوت؟
ما وُلدتُ، وما خُلقتُ،
بل كنتُ رؤيا تنقَّلتْ بين كفِّ الخليقةِ والعرشِ
باحثةً عن يقينٍ
تدلُّ به النارُ موسى
وتُرشدُ مريمَ في تعبِ الماءِ.

أنا لستُ من تربِ هذا التراب،
ولا من سلالةِ هذا الظلام،
أنا من نَفَسِ القُدُسِ
حين تعرّى عن اللغةِ السابعة،
ومن ضلعِ آدمَ
حين انقسمَ إلى جوعٍ وبُكاءٍ
فصار الطريقُ إلى الجنةِ منفى.

بيتي أنا
بابُهُ لا يُرى،
وشبابيكهُ لا تُطلُّ على غيرِ ذاكرةِ المُطلقِ المتكسّرِ في الريحِ،
بيتي أنا
كلمةٌ ضلّتْ طريقَ النحوِ
فصارت قصيدةً
تجسّدُ فيها الترابُ نبيًّا،
وتَرنَّحَ فيها الجسدُ
فأزهرتْ فيهِ سماء.

ذاك الذي يسكنني
ويُناديني إذا غرُبتْ بي الجهاتُ،
ويُمهّدُ لي فِراشَ الطمأنينةِ
حين تَلسَعُني حروفُ الشكوك،
لا يُشبه بيتًا
ولا يحتويه مكان،
هو بيتٌ
تتوضأُ فيهِ الحروفُ
وتنامُ القصائدُ في حجرهِ مطمئنةً.

يا بيتًا
لم ألدْ فيهِ،
لكنه وُلِدَ فيَّ
كما تولدُ النارُ في جذوةِ الرملِ
حين يشتهي الليلُ نورًا،
كأنك قبلةٌ
نزلتْ من فمِ اللهِ
فسكنتْ لُجَّتي،
وسكبتْ طمأنينةَ الأسرارِ
في فوضى الكلام.

أيا بيتًا
تحمّلني
كلما ضجَّ في داخلي الزمانُ
وتكسّرَ صوتي على درجِ الأرضِ،
ها أنا الآن أعودُ إليك
عاريًا من صهيلِ الممالك،
عارفًا أنني
لم أكن إلا نَفَسًا
في صَدَركَ الأزليِّ.

يا بيتًا
لم أَطَأْ تُرابَكَ،
لكنّك كنتَ نَفَسَ الطينِ في خَلقي،
وكنتَ فَجرًا
تَكسَّرَ في رحمِ الغيبِ،
يناديني كلَّما انشقَّ قلبي عن جُرحِ المعنى،
وها أنا أُمسِكُ بأهدابِكَ
كأنّك الحبلُ الذي لم ينقطع
حين أوجَعَني النداءُ في صَدرِ صمتي.

كنتَ لي...
في المَهبِّ وفي السَّفَرِ
كمنارةٍ تنقذُ الحرفَ من غرقِ التردّد،
كحُلُمٍ
يمدُّ ضفيرتَهُ من شباكِ الغيبِ
ليغسلَ وجهي من سخامِ المسافات.

كلّما ابتعدتُ،
كنتَ أنتَ الوطنَ المختبئَ
تحت أضلاعي،
بيتًا يَفتحُ أبوابهُ في المنامِ
ويضعُ في يديَّ مفتاحًا
من ضوءٍ
ومن ذاكرةٍ
ومن يقينٍ.

يا بيتًا...
لم أَشهَدْ مولِدي على ترابِكَ،
لكنّني أشهدُ ميلادي فيكَ
كلَّما سَكَنَتْني صلاةٌ،
أو ارتعشتْ في فمي آيةٌ
من سورةِ الطمأنينةِ.

أنا العابرُ في الريحِ،
المكتوبُ بالحِبرِ السابعِ
على صفحةِ النسيانِ،
لكنّك تَحملُني كأنّي يقينُك،
كأنّي النورُ الذي كنتَ تنتظرُه
لينهضَ فيكَ المعنى.

أرأيتَ يا بيتُ،
كيفَ نَبَتَّ في القلبِ
كما تنبتُ القصائدُ في ظِلِّ الحنينِ؟
أرأيتَ كيفَ صارَ فيك الغيابُ
حضورا؟
وكيف تفتّحَ من بين جدرانِك
ربيعٌ لا يشبهُ الفصولَ،
ولا يعرفُ الذبولَ؟

إنّي الآنَ،
وفي تعبِ هذا السيرِ
أخلعُ نعلَيَّ
وأدخلكَ كمن يدخلُ مِحرابًا
قد غَسلتهُ الملائكةُ
وكتبَتْ على عتبتِه:
"
السلامُ على من عادَ إلى نفسهِ."

الآنَ
وقد شبَّ في داخلي ضوءُكَ العتيقُ
كأنّي خرجتُ من نفسي
إلى نفسي
فوجدتُكَ تقرأُني
وترفعُني
وتُسمّيني من جديد.

يا بيتًا
كنتَ فيَّ،
وكنتُ فيكَ،
يا بدايةَ النورِ في آخرِ الدربِ،
يا انحناءةَ القلبِ
حين يفهمُ أن الجُرحَ
ما كان إلا بابًا للفتح.

فليكنْ هذا المساءُ لكَ،
ولِتُزهرْ في جدرانِك الأحلامُ
كشجرةِ زيتونٍ تُصلّي للضوء،
وليكنْ قلبي مصباحًا
تُعلّقُهُ في أعلى سَقفِكَ،
لأنّي،
ولأولِ مرةٍ
أشعرُ أنني
ولدتُ،
وأنّ هذا البيتَ
قد ولدَ فيَّ أيضًا.