حضور الحيوان في هذه المجموعة القصصية لا يتوقف عند استعادة عالم القرية الأولى، بل يتجاوز ذلك إلى وظيفة سردية أعمق، حيث يغدو الحيوان وسيطا يكشف ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله. ومن هنا تتحول الحيوانات إلى كائنات تفتح الحكاية على طبقتها الوجدانية، وتستخرج من التجربة ما ظل ساكنا أو مبهما بين السطور.

الحيوان وهشاشة الإنسان المعاصر في البشر والسحالي

ميلا فنتينالي

 

منذ بدايات الأدب العربي، شكل الحيوان أحد المداخل الأساسية إلى التفكير في الإنسان وفي موقعه داخل العالم، حتى غدا التأمل في الحيوان وجها من وجوه التأمل في الطبيعة البشرية، كما نرى منذ الجاحظ في كتاب الحيوان. وفي كليلة ودمنة، تتحول الحكاية الحيوانية إلى وسيلة لتكثيف تعقيد الواقع الإنساني والاجتماعي، عبر شخصيات تختزن أنماط السلوك والسلطة والرغبة والخداع في صور شديدة الدلالة. ومن هنا، يكشف التراث العربي أن الحيوان لم يكن “آخر” الإنسان فقط؛ غير أن حضوره في أدب القرن الحادي والعشرين يكتسب معنى مختلفًا، إذ يعود إلى النص المعاصر كائنا حيّا بلحمه ودمه، لا مجرد صورة مجازية أو عنصرًا هامشيًا في السرد.

الحيوان وذاكرة التكوين الأولى

ويبدو ذلك جليا في مجموعة البشر والسحالي (2021) للكاتب المصري حسن عبد الموجود، حيث ترتبط الحيوانات بذاكرة الطفولة والقرية، وتكشف في الوقت نفسه قدرتها على خلخلة الحدود بين اليومي والأسطوري، وبين الواقع وطبقات الذاكرة. وما يؤكد رسوخ هذا الحضور أنّ الكاتب نفسه لم ينتبه إليه منذ البداية، إذ يقول: «قال لي صديق ذات يوم إن الحيوانات جزء أصيل من عالمك… اندهشت فلم أنتبه قبلها إلى أن الحيوانات تأخذ هذا الحيز من كتابتي». وتكشف هذه الشهادة أنّ الحيوان يمثل أحد المكونات العميقة في نسيج تجربة عبد الموجود السردية.

وقد ارتبطت هذه الكتابة، كما يوضح المؤلف، بعودة متأخرة إلى قرية “شبه بدائية” في السبعينات، عاش فيها الإنسان والحيوان نوعًا من الشراكة اليومية على الأرض وفي موارد العيش القليلة. غير أن هذا العالم، في البشر والسحالي، لا ينهض مجرد خلفية ريفية، وإنما ينفتح على طبقة أولى من الوجود، تتجاور فيها الكائنات، ويتداخل فيها الواقعي بالعجائبي. ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة هذه العودة بوصفها اقترابا من واقع أكثر أولية، يتذكر، على نحو ما، بما نجده عند المفكر الفرنسي روسو من حنين إلى حالة سابقة على تعقد الحضارة وانفصال الإنسان عن الطبيعة. غير أن هذه البداءة لا تظهر هنا في صورة فلسفية مجردة، بل من خلال القرية المصرية نفسها، بما تحمله من تشابك بين الخبرة اليومية والموروث الشعبي والديني. ويتجلى هذا بوضوح في قصة “السحلية”، حيث تخرج السحلية من حدود المألوف اليومي لتدخل في منطقة يلتقي فيها الشعبي بالديني؛ ففي النص أن «داخل كل جسد سحلية مفتاحًا للجنة» (ص ٣٢)، كما تبدو السحالي نفسها أسبق من البشر في امتلاك المكان، إذ «شعرت السحالي بأن بيوتنا بيوتها، وقريتنا قريتها، وأننا ضيوف عليها» (ص ٣٢). ومن هنا تكتسب شهادة الكاتب معناها الكامل حين يقول: «الدين له علاقة كبيرة بالأسطورة، فكل نبي ارتبط بحيوان، وعندما فكَّر بطل قصة “السحلية” في اختيار حيوان يكون رمزًا له مثل بقية الزملاء الأنبياء...». وبهذا لا ينغلق الحيوان في دلالة رمزية ثابتة، وإنما يفتح فضاء تتشابك فيه الذاكرة الشعبية بالمخيال الديني، وتبحث الذات من خلاله عن معنى وجودها ومكانها في العالم.

الحيوان ولغة الصمت

غير أن حضور الحيوان في البشر والسحالي لا يتوقف عند استعادة عالم القرية الأولى، بل يتجاوز ذلك إلى وظيفة سردية أعمق، حيث يغدو الحيوان وسيطا يكشف ما تعجز اللغة المباشرة عن قوله. ومن هنا تتحول الحيوانات إلى كائنات تفتح الحكاية على طبقتها الوجدانية، وتستخرج من التجربة ما ظل ساكنا أو مبهما بين السطور. وينطبق ذلك على صورة صيد العقارب، التي تفتح ممرا بين الخارج والداخل. فالعقرب تتحول إلى بؤرة تتقاطع عندها مشاعر متنافرة: الخوف والأمان، القسوة والألفة، مهابة الأب وحنين الطفل إلى احتمائه به. وبهذا تنقل الحيوانات السرد من ظاهر التجربة إلى طبقتها الوجدانية، وتجعل الذاكرة إعادة تشكيل لأوليات الذات.

ويظهر هذا المنحى أيضًا في قصة “الكلب: أعمى في غابة”، حيث تكشف الكلاب في البداية هشاشة الأب وانكشافه أمام عالم فقد توازنه الأخلاقي. ففي المشهد الذي تجد فيه الراوية أباها محاصرا وسط الكلاب، تبدو هذه الحيوانات «متحفزة، بآذان مشرعة، وذيول تشكل بها أشباه دوائر» (ص ٥١)، فيتحول وجودها إلى طاقة توتر تدفع السرد إلى الأمام، وتستخرج إلى السطح مشاعر الضعف والخوف والإذلال. غير أن النص يمضي أبعد من مجرد تصوير الخطر الحيواني، إذ ينقل مركز العنف من الكلاب إلى البشر أنفسهم. ولهذا تكتسب الجملة التي تقول فيها الراوية: «عضة الكلب قابلة للشفاء بينما عضة الإنسان مميتة» (ص ٥٢) معناها الحاسم؛ فهي لا تقارن بين نوعين من الأذى فحسب، بل تكشف أن ما يبدو تهديدا طبيعيا وعابرا عند الحيوان، يتحول عند الإنسان إلى قسوة أعمق وأكثر دواما.

ويتكرر هذا المعنى بصورة أخرى في قصة “السحلية” نفسها، حين ترتبط الفراشات أولا بإحساس الطفل بامتلاك معجزة خفية، ثم تنقلب إلى موضع ألم وذنب. فالطفل، الذي يتخيل أنه قادر على التأثير فيها، يكتشف متأخرا أنه كان سببا في هلاكها، ويعترف قائلا: «تنبهت متأخرا أنه لكي أثبت قدرتي على تنويم الفراشات... فإنني قد تسببت في إبادة عائلات كاملة منها» (ص ٢٨)، قبل أن يضيف: «تألمت كثيرًا، ثم طمأنت نفسي: لا عليك. لكل نبي خطيئة» (ص ٣٢). هنا أيضا تعمل الحيوانات ككائنات تستخرج من الداخل مشاعر يصعب القبض عليها لولا هذا الاحتكاك المباشر بها: الإحساس بالقوة، ثم انكساره، فظهور الذنب بوصفه أول خبرة أخلاقية عميقة وهكذا تبدو الحيوانات في البشر والسحالي شخصيات تفتح السرد على لغة الصمت، وتمنح ما بين السطور صوتا خافتا.

الحيوان وأزمة الإنسان المعاصر

ولعل هذا الحضور المتجدد للحيوان في كتابة حسن عبد الموجود لا ينفصل عن لحظة إنسانية أوسع، تتسم بأزمات متلاحقة تمس صورة الإنسان الحديث نفسه، في عالم تتآكل فيه الحدود بين القيم والمعايير والوقائع، ، وإن كان هذا الحضور قد بدأ يتشكل مبكرًا في عالمه السردي منذ روايته عين القط (2003). وفي قلب هذا الاضطراب، يبدو الالتفات إلى الحيوان محاولة مزدوجة: فمن جهة، تنطوي الكتابة عنه على سعي إلى اكتشاف ما يجاور الإنساني فيه، وما يتيحه التأمل في حضوره من فهم أعمق لهشاشة الإنسان نفسه؛ ومن جهة أخرى، يكشف هذا الالتفات مقدار ما انحدر إليه الإنسان المعاصر من قسوة وتوحش، حين تضيق المسافة بينه وبين ما كان ينسبه إلى “قانون الغابة”. ومن هنا، يغدو الحيوان في البشر والسحالي مرآة لأزمة الإنسان المعاصر، لأنه يكشفها من الداخل، عبر الخوف والذاكرة والصمت والانفعال. وهكذا يصبح الحيوان في كتابة حسن عبد الموجود شخصية تتيح للسرد أن يلامس ما تبقى في الإنسان من هشاشة أولى، وما تراكم فيه، في الوقت نفسه، من عنف وتعقيد.