يقف بلال أمام جسد أبيه المتهالك ليرى مريضاً أرهقه ألزهايمر؛ فيتأمل بوجل مكتوم نسخته القادمة. ذلك الوجه المتسلط الذي أخفى خلفه على مدى عقود قسوة ظاهرية وشغفاً غامضاً بحبيبة قديمة، يتسلل اليوم إلى وعي الابن نفسه. تبدأ الأزمة من حيرة مشوشة؛ عطف يكتنفه الواجب، وتبرم ينحت فيه الملل، ثم تطفو على السطح تلك الأمنيات الشريرة المبطنة التي تتمنى موت الأب للفكاك من إرهاق الرعاية. هذا السؤال الحاد عن الجحود والبر يمثل الخيط الأول الذي يربط بلال بوراثة خطايا الأب وسلطته، ليفتح الباب واسعاً أمام رحلة غائرة في الوعي، تتجسد في رواية "رأيتَ ما لا يجوز لك" (الدار المصرية اللبنانية، القاهرة، 2025) للكاتب السوداني طارق الطيب ، التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة كتارا للرواية العربية عام 2026.
يدخل بلال منهكاً بين حالة من الوهن وتأجج الإدراك إلى عالم موتى الجبانة، ليعيد استرجاع مآزقه عبر استدعاء من فارقوه وصاروا في عالم الأموات. يتنازل بلال عن دور الراوي ضمناً لـ"سريد"؛ ذلك السارد الذي يقرأ ما يدور بذهنه حتى يتجلى بوصفه صوته الذي يتجنب الجهر به في علن الدنيا. يدفع الخجل والتأزم النفسي إلى خلق هذا العالم رغبة في استدعاء كل شخصية رحلت مع إضفاء قانون البوح واللاخجل في ذلك الفضاء الآخر لتكشف كل شخصية أسرارها أمام البطل. يتأسس تعاطف بلال مع الشخصيات التي يتيح لها الراوي البديل (سريد) البوح عما عرفه الوعي وضمرته النفس؛ إذ تبدو حكايات الخالة والأم معارف مخبوءة يحملها البطل في الأصل وتمنعه كوابيس الذنب من الإقرار بها على لسانه.
تظهر بنية العلاقات داخل البيت الأول عبر توزيع مريب للذاكرة والاهتمام. تبرز الخالة رحمة بصفتها الجدار العاطفي الصلب الذي يمتص صدمات الأسرة عقب إنجاب الأم طفلها الثالث، فتتحول الخالة إلى الذاكرة الحقيقية للبيت بفضل رعايتها اليومية، بينما تبتعد الأم في زاوية انشغالها الدائم. يولّد هذا الارتباك العائلي لدى بلال تساؤلات مبكرة حول أصل الجميل وحقيقة الانتماء، فيما تكمن الطبقة الأكثر كتماناً في هذا التكوين النفسي بذاكرة الطفولة الأولى. يستعيد بلال ذكريات خنق أخته الصغرى منار أثناء حمى أصابتها تحت وطأة الغيرة ومقت الثناء الموجه إليها، لتبقى الحادثة معلقة في المنطقة الفاصلة بين الكابوس والرغبة الواقعية، ثم يتعمق هذا الإحساس بالذنب فور وفاة توأمه الذي تمنى زواله ليحظى بالامتيازات كاملاً، فتتجمع هذه الشظايا لتصنع رصيداً نادماً يطارد البطل في كل نقطة يتحرك إليها.
متاهة المقبرة
ينتقل بلال من ضغط البيت إلى الجبانة/ المقبرة، بيد أن هذا الانتقال يضعه أمام نموذج آخر للإكراه. يقدم الحارس سريد سلطة ناعمة تمنح الزائر فرصة الاطلاع على أسرار الحياة السابقة شريطة محوها تماماً عند الخروج، بدعوى أن الستر رحمة والنسيان نجاة. يتأمل بلال المقيمين فيجد مجتمعات تسير بابتسامات شجية، خالية من أي امتعاض أو سخط أو اعتراض، في شكل اجتماعي يفرض مساواة صورية تدعي كمال الفردوس، لكن هذا السلام الظاهري يثير الارتياب، وحين يحاول بلال الاقتراب من شخص ينزوي في ركن ليكتب في أوراق، في عالم يُحظر فيه فعل الكتابة، يكتشف ثبات المسافة بينه وبين هدفه مهما تقدم، وكأنه يسبح في ماء شفاف لا ينتهي إلى أرض ثابتة. تؤكد هذه التجربة أن السلام المعروض هنا يمثل آلية ناعمة لتجريد الفرد من إرادته ومنعه من طرح التساؤلات الحرة.
تصبح المقبرة نموذجاً مصغراً لمجتمع قمعي يمحو التمايز الفردي
تكتسب الرواية عمقها الفلسفي والنفسي حين تفكك ظاهرة استبداد السلام وتحول الرقابة من قيد خارجي إلى هاجس داخلي. يتقاطع الخوف المترسب من السلطة الأبوية مع الخنوع الجمعي الذي يقبل المساواة المزيفة أملاً في الهروب من المواجهة، فتصبح الجبانة نموذجاً مصغراً لمجتمع قمعي يمحو التمايز الفردي، ويلغي القيمة الحقيقية للذاكرة، ويُحوِّل السكوت المفتعل إلى قانون أول للبقاء. تندمج العقدة النفسية الناشئة عن الذنب الفردي مع الهيمنة السياسية الشاملة، ليغدو الاستسلام للنسيان الخيار الأسهل للفكاك من إكراهات الوعي ومسؤولية الحقيقة.
الأب والحاكم في مرآة واحدة
يتجلى التشكيل الرمزي للنص في لحظة تلاقٍ حاسمة تجمع بين الأب والحاكم السيادي داخل الجبانة. يرى بلال الحاكم جالساً بالقرب منه بابتسامته اللزجة ذاتها التي طالعت الناس عقوداً طويلة، ويتعجب كيف ضاع اسم هذا الحاكم من ذاكرته بينما بقيت أفعاله وإنجازاته الخائبة وكوارثها مغروسة في الأرض. تُحوِّل هذه المفارقة السلطة من وجه فردي إلى بنية ممتدة؛ فالأب الذي مارس تسلّطه داخل جدران البيت يتقاطع مع السياسي الذي أدار الخراب في المجال العام، وكلاهما يترك آثاره حية في أجساد الرعايا حتى بعد زوال قدرتهما المباشرة.
يصل النص إلى نقطة تحوله البنيوي حين يستند بلال إلى زجاج مغبش بارد، ليتطلّع خلفه نحو المطهر المحجوب. يرى حشداً من العرايا في ازدحام مرعب، ترشح من أجسادهم الدماء وتظهر على جلودهم كلمات محفورة ومحتومة مثل "رأيتَ ما لا يجوز لك". تتحول الكتابة على الجلد إلى السجل النهائي للعقاب، ويتحول سريد إلى كائن صريح في تهديده، موضحاً لبلال أن المعرفة المحظورة تنفي عنه صفة الضيف، وتجعله مقيماً دائماً، أو تدفع بشبيه له إلى العالم الخارجي ليحل محله. تكتمل اللوحة حين يحذره رجل زاحف من الوقوع في هفوة تمنع خروجه، مؤكداً أن حدود السلطة في الجبانة لا تقف عند حدود الجسد بل تمتد لحراسة حدود الرؤية والمعرفة.
يغدو الاستسلام للنسيان الخيار الأسهل للفكاك من إكراهات الوعي
دائرية الذاكرة
تتكثّف في الصفحات الأخيرة عقدة البطل حين تنقضي مهلة الأيام السبعة، وهي مهلة تخضع لقياس زمني مغاير يجعل اليوم الواحد يوازي دهوراً في عالم الدنيا. يعود بلال -بعد أن تقدم به العمر، وأصيب هو الآخر بمرض ألزهايمر على خُطا أبيه- إلى البيت الأول برفقة رجل مجهول الهوية، فيجد المكان مهجوراً وتغيرت ملامحه، ليعثر على ورقة كتب فيها الأب بخط حافر: "أين أنت يا بلال؟ أنا في خير. أريد أن أراك بعد غيابي".
تعيد هذه الخاتمة السرد إلى حركة دائرية مقفلة، لتطرح احتمالاً جاداً بأن تجربة الجبانة برمتها كانت فجوة إدراكية عاشها الابن تحت تأثير المرض واقتطاع الذاكرة، تماماً كما عاش الأب غيبوبته الخاصة. تتشابه الأقدار ويضيع الفارق بين البداية والنهاية؛ فإما أن الأب يستعيده مجدداً إلى ذلك العالم المغلق، وإما أن بلال لم يغادر قط مدار السجن النفسي الذي ورثه كلمة كلمة ورغبة رغبة. يظل السؤال المفتوح يلاحق القارئ: هل يملك الإنسان فرصة للخلاص من سلطة ماضيه، أم أنه محكوم بتكرار خطايا الذين سبقوه حتى ينطفئ الأثر؟
العربي الجديد