حين عُيّن روبرت ريزو مديراً لمدينة بل الصغيرة في ولاية كاليفورنيا عام 1993، كان راتبه السنوي 72 ألف دولار، وظلت ميزانية المدينة متوازنة خلال سنوات طويلة من إدارته. لكن حين أُجبر على الرحيل عام 2010، كان راتبه قد وصل إلى 787 ألف دولار سنوياً، أي ما يقارب سبعة أضعاف ما كان سيحصل عليه لو زاد راتبه بمعدل التضخم المعتاد فقط. فخلف الصورة المحلية لمدينة فقيرة ومستقرة، كانت تتشكل شبكة من الولاءات والمصالح انتهت بفضيحة فساد كبرى.
يبدأ كتاب "كيف تصبح طاغية؟ دليل الديكتاتور: لماذا يكون السلوك السيئ سياسة جيدة في معظم الأحيان؟" (ترجمة عن الإنكليزية: كريم داود، ببلومانيا للنشر والتوزيع، القاهرة، 2026)، للباحثَين الأميركيين بروس بوينو دي ميسكيتا وأليستير سميث، من هذه القصة ليثبت أن ما يبدو لنا فساداً يمكن أن يكون نتيجة منطقية للمغريات والشروط التي تحكم البقاء في السلطة.
لا أحد يحكم وحده
يسعى الكتاب إلى تفسير السلوك الجيد والسيّئ في الإدارة والحكم بعيداً عن طبيعة النظام نفسه، سواء كان سلطوياً أو ديمقراطياً. يفترض المؤلفان أن أي قائد لا يصل إلى السلطة ولا يبقى فيها بمفرده، ويقترحان النظر إلى كل نظام سياسي من خلال ثلاث محددات أو مجموعات، وهي مجموعة الأفراد القابلين للاستبدال، والمؤثرون، والأفراد الضروريون. المجموعة الأولى هي الدائرة الواسعة التي يمكن للقائد أن يستبدل أفرادها، والثانية تضم أصحاب النفوذ، أما المجموعة الثالثة فتتمثل في الدائرة الضيقة التي تضم الأشخاص الذين يحتاج الحاكم إلى دعمهم فعلياً كي يحتفظ بالسلطة.
وفق هذا التصور، لا تكمن المعضلة الأساسية في كون الحاكم ديمقراطياً أو مستبداً، وإنما في حجم الائتلاف الذي يصل إلى السلطة، سواء بالانتخاب أو بأي وسيلة أُخرى، وهو الائتلاف الذي يحتاج إليه للبقاء. وكلما صغر هذا الائتلاف، أصبح من السهل على الحاكم أن يكافئ أفراده بمنافع خاصة ومباشرة، وهو ما ينطبق على الدول السلطوية. وحين يتسع هذا الائتلاف، كما في الأنظمة الديمقراطية، يصبح تقديم المنافع العامة أكثر ضرورة وفائدة للحاكم من إرضاء دائرته الضيقة. ولهذا يرفض المؤلفان النظر إلى الديمقراطية والديكتاتورية باعتبارهما نوعين منفصلين تماماً من السياسة، ويعتبران المصطلحين مجرد اختصارين لفروق أكثر دقة في أحجام دوائر السلطة.
يقدّم قراءة لثنائية الفساد والاستبداد ومدى تداخلهما
وبدلاً من السؤال حول أسباب فساد الحاكم، يسأل المؤلفان عن الحوافز التي تجعل الفساد مفيداً للحاكم. فحاكم مدينة بل الذي تم الاستشهاد به في البداية لم يكن في حاجة إلى إقناع سكان المدينة جميعاً بأن راتبه المتضخم ضروري لإدارة المدينة، لكنه كان يحتاج فقط إلى دعم عدد محدود من الأشخاص القادرين على إبقائه في السلطة. هذا المنطق نفسه يحكم كافة الأنظمة السلطوية تقريباً التي يستشهد بها الكتاب، من الصين وروسيا، وأنظمة الحكم في أميركا اللاتينية وحتى الشرق الأوسط وأفريقيا.
من ميكيافيلي إلى التنظير المعاصر
يتخذ الكتاب موقفاً حاداً من تاريخ الفكر السياسي، إذ يرى المؤلفان أن ميكيافيلي، وهوبز، ومونتسكيو وغيرهم كانوا أسرى للظروف التاريخية التي عاشوا فيها. يذهب الكتاب إلى أن هؤلاء المفكرين لم يمتلكوا أدوات التحليل الحديثة التي تسمح، في رأيهما، باختبار الفرضيات على نطاق واسع. حتى المفكرون المعاصرون، مثل ميشيل فوكو، ويورغن هابرماس، وجون رولز يدخلون في دائرة النقد. تبدو رغبة المؤلفين هنا في تحويل السياسة إلى نموذج قابل للقياس مغرية، لكنها تدفعهما أحياناً إلى اختزال دوافع الفاعلين السياسيين. إذ يبني المؤلفان وجهة نظرهما على افتراض أساسي، وهو أن القادة يسعون دائماً للوصول إلى السلطة والبقاء فيها والحصول على أكبر قدر ممكن من الموارد.
تكمن أهمية الكتاب في أنه يقدم لنا عدسة واحدة يمكن من خلالها تفسير جانب مهم من السياسة. فالكتاب يذكرنا بأن أي حاكم، مهما بدا قوياً، لا بد له من الاعتماد على آخرين، وأن حجم الدائرة التي يحتاج إلى إرضائها يغير طبيعة ما يستطيع فعله. فالكتاب ليس مرشداً للديكتاتور، ولكنه يشرح لنا كيف يحكم، ومن هم الذين يحتاج إليهم كي يبقى في السلطة؟ فهو ليس دليلاً للطغاة كما يبدو من العنوان، لكنه دليل لفهم آليات السلطة.
العربي الجديد