تقديم الرواية :
يقوم عنوان «عرس بغل» على مفارقة لغوية ورمزية تصبح مفتاحًا لقراءة الرواية كلها، فعندما يجتمع هذان العنصران في إضافة واحدة، فإن الكاتب يكشف منذ العتبة الأولى عن عالمٍ يبدو جميلًا في مظهره، لكنه في جوهره عبثيّ وعقيم. إن «عرس بغل» ليس مجرد عنوان غريب، بل هو صيغة روائية مكثّفة تختصر رسالة وطار؛ فما يبدو احتفالًا شريفًا في الظاهر قد يكون، في العمق، احتفالًا عبثيًا عقيمًا يُعرّي زيف الإنسان والمجتمع معًا. وفي التراث؛ "عرس بغل" يقال عن زواج لا يُرجى منه ذرية أو استمرارية، وهذا يُشير إلى أن العرس تمهيدا لنهاية، لا لبداية.
و تتابع الرواية مسار شخصية ‘‘الحاج كيان‘‘، منذ بداياته وهو طالبً يدرس علوم القرآن والحديث بجامع الزيتونة، إلى أن أصبح ‘‘هُزٍّيا‘‘ بماخور ‘‘العنابية‘‘، والهزي، هو الذي يقوم بحماية العاهرة، مقابل مجانية خدماتها. وقد كانت نقطة تحوله من طالب إلى هزي طريفة؛ فبعدما سمع شيخ التوحيد يقول عن ‘‘ حسن البنا‘‘ إنه كان ‘‘ لا يبشر بالإسـلام أو يدعو للدخول إليه، إنما يستنهض المسلمين، فكما يدخل المقاهي والملاعـب والمسـارح، ويقـيم التجمعات في الساحات العامة، يقصد أيضا الغاويات الضالات.‘‘ (ص:24)، فلم يكن من الطالب الزيتوني إلا أن يعلن ‘‘في قرارة نفسه انتماءه إلى “حزب حسن البنّا” (ص 24)، وقد استهوته فكرة الدعوة إلى الله في المواخير، يقول:‘‘ أكون الإمام الثاني. أنشر الدعوة على غرار السلف الصالح...أبدأ التجربة من دار البغاء...كل واحدة تتوب أجندها، ونضيفها في قائمة الإخوان.‘‘( ص: 31). وكانت البداية من أكبر مواخير المنطقة، ماخور العنابية، لكن، وعند التجربة، وعوض أن تتم هداية البغيات، تم الاستقطاب عليه، فما أن بدأ خطبته حتى تكالبت عليه عاهرات الماخور، وحملنه بإيعاز من العنابية التي أمرتهن: ‘‘ إلى غرفتي. إلى غرفتي. سأريه جنته. إلى غرفتي. سيعرف رحمة ربه... أدخلوه هنا. سيرى معنى فعلته. قولوا للزبائن، العنابية مشغولة بمريض.‘‘( ص: 35-36)، هذه النتيجة المعكوسة التي آل إليها جعلته يتساءل بريبة : ‘‘ هل تعرض الإمام لما أتعرض له ؟.... أيها الإمام، بم تقنع الضالات في المواخير؟ ماذا تقول لهن. بأي مصير تتنبأ لهن. إنهن يقلن لك إن كل ذنبنا، أننا كنا واقفات، مع الواقفين على حافات الجرف، وأن الجرف هوى بنا.‘‘ ص: 42-46). ثم ما فتئت رحلته الروحية هذه، أن انتهت بوقوعه في حب صاحبة الماخور( العنابية)، التي يقول عنها:‘‘ شعرها الفاحم يتوهج تاجا على رأسها، عيناها الواسعتان تنطلق منهما السهام. بين رأسها وصدرها....آه، يا شيخ البلاغة، لا يكفي هنا شاهدك، ليست بعيدة مهوى القرط فحسب، إنما القرط هنا، نقطة في بحر......‘‘(ص: 43)، وهو الحب الذي دفعه إلى ارتكاب جريمة قتل منافسيه:‘‘ بعد أسبوعين، عثر على زمردة والعين الزرقاء، وغلام مطعونين بخنجر واحد...لم يتعرف على القاتل،....ظن البعض أن الهزيين اقتتلا بسبب الغلام، أو بسبب اقتسام أموال مسروقة، إلا أن السلطات ألقت القبض على الطالب الزيتوني، الذي ترك طربوشه، وجبته وإضبارته وشيخ التجويد،
والإمام حسن ليصير هزيا، يتبادل العشق مع غادة جميلة في ماخور ... حوكم واقتيد إلى ‘‘كيان‘‘، حيث لم يكن أحد يظن أنه سيعود يوما.‘‘( ص: 48)، إلا أن الطالب الزيتوني خرج بعد تماني سنوات، بفضل تدخل العنابية، ولأنه حج إلى سجن ‘‘كيان‘‘، استحق اسمه الجديد ‘‘ الحاج كيان‘‘ الذي عوض الرجوع إلى جامع الزيتونة لمتابعة دروسه، فضل ملازمة ماخور العنابية، بعد أن وصل إلى قناعة أن بيع الخبز لا يفرق عن بيع الجنس.
ومع أنّ الحاج كيان كان يقضي معظم أيام الأسبوع في الماخور، إلا أنّه كان يخصّ يومي السبت والأحد للخلوة في “خَقّ” يوجد بالمقبرة، الخلوة التي يقول عنها:‘‘ تعيدني إلى نفسي. تمدني بالحياة، وتربطني إليها‘‘(.ص: 63). في هذا المكان، ووسط صمت الأموات، كان يغوص في تأملاته واستيهاماته؛ هناك يقرأ هويّات تاريخية ويتقمصها، كاشفا من خلالها عن نقد يعري تمويه السلطة، ونفاق المثقف العربي، وفساد النخب، وزيف القيم الثورية والدينية.
تمويه السلطة:
إن ارتداد الحاج كيان أثناء خلوته إلى التاريخ العربي والاسلامي، يتماهى مع شخصيات من هذا التاريخ ويتقمصها، كما في قوله: ‘‘ترى من أكون اليوم؟ المتنبي؟ حمدان قرمط؟ زكرويه الدندان؟ المعتصم؟ المنتصر بالله؟ المعتز بالله؟ موسى بن بغا؟ وما يهم؟ ليس في الجبة سواي. سوى رحى في حجم الأرض، تطحن، والألم يقطر"(ص 7)، لم يكن عبثًا؛ فكل اسم يعتبر إشارة سياسية وإيديولوجية تُلقي ضوءا على الواقع الذي نعيشه، وتكشف أن السلطة وما تقترفه من فساد وتمويه، لم يكن وليد سياق زمن عربي مخصوص، بل إن جذوره تضرب بعيدا في بنية العقل العربي، منذ الأزمنة الأولى.
من هذا المنطلق، يأتي ذكر الخليفة العباسي ‘‘المعتصم‘‘، بسبب شخصية هذا الأخير، وطبيعة المرحلة التاريخية التي ارتبط بها، فالمعتصم رمز للقوّة العسكريّة؛ حيث اعتمد على الجند وخاصة الأتراك، وأسس مدينة ‘‘سُرّمَن رأى‘‘ذات الطابع العسكري، وأقصى كبار العرب والفرس لصالح قوى جديدة، وهذا تلميح لواقع سياسي مشابه، يتميز بتشتت البنية السياسية، وتحول السلطة إلى لعبة في يد مجموعات نفوذ، كما يحيل إلى الاستبداد، وسقوط المؤسسات، وتحوّل المجد العسكري ( فتح عمورية في عهد المعتصم) إلى قناع يغطي فساد السلطة.
وإذا كان المعتصم رمزًا للقوة العسكرية، فالمنتصر بالله (الخليفة الذي تآمر على أبيه المتوكّل، وشارك في قتله للوصول إلى الحكم)، يُستدعى لتوضيح أنّ السلطة الفاسدة لا تلد إلا سلطة أشد فسادًا، وأن أسلوب الوصول إلى الحكم (بالقوة، أو بالخيانة، أو بالمؤامرة) يحدد طبيعة النظام: ‘‘أنت الآن الخليفة العباسي، المعتز بالله بن المتوكل. أخوك المنتصر قتل أباه المتوكل، ليستولي على الخلافة، ويموت بعد ستة أشهر بسم طبيبه بن طيغور، جئت لتسد الفراغ الذي خلفه هروب المستعين بالله إلى بغداد‘‘(ص: 106). ثم إن الاسم نفسه (المنتصر بالله) يحمل مفارقة؛ فهو “منتصر” من حيث اللقب، لكنه في الواقع لم ينتصر لا سياسيًا، ولا أخلاقيًا، وهنا يعمّق وطار السخرية من التناقض بين اللقب (المنتصر بالله) والواقع.، ومن شرعية معلنة، لكنها زائفة.
أما بالنسبة لحضور الخليفة المعتز بالله في رواية «عرس بغل‘‘، وهو الخليفة الذي كان محكوما بسطوة الأتراك وقادة الجند، وانتهى مقتولا بعد عزله وإذلاله، فالرواية لا تستدعي شخص المعتز لذاته، بل لكونه رمزا لكل سلطة تحمل اسم الحكم، لكنها فاقدة للقرار. سلطة مموّهة؛ قائمة شكليًا، لكنها منهارة فعليًا، ونموذج للواجهة التي تدار خلف الستار. وضمن هذه السلسلة الرمزية من العصر العباسي، يأتي ذكر موسى بن بغا؛ أحد كبار القادة الأتراك في الدولة العباسية، الذي عرف بالحزم والقمع، وكان صاحب نفوذ كبير في الجيش، وله سلطة فعلية تفوق سلطة عدد من الخلفاء، وذكره في الرواية يشير إلى تلك القوى غير المرئية في الوقت الراهن، لكنها تتحكم في القرار السياسي، كما يلمّح إلى تحويل القوة إلى أداة لإدارة المجتمع، وإرهاب الناس.
انحراف المثقف:
تُقدّم رواية ‘‘عرس بغل‘‘ نقدًا صارخًا لصورة المثقف، وقد أبان عن نموذجين من المثقفين يوجدان في وقتنا الحاضر: نموذج متضخم الأنا، متعالي، فقد رسالته، مقابل مصالح شخصية، ومثل له ب‘‘المتنبي‘‘، ونموذج ركن إلى الصمت والعزلة/ الخلوة، ومثل له بشخصية‘‘ الحاج كيان‘‘. فبالنسبة للنموذج الأول، نستهله من خلال قول ‘‘الحاج كيان‘‘ عن ‘‘ المتنبي‘‘ :‘‘ المتنبي يقرر: أن الموت أعذر، وأن الصبر أجمل، وأن البر أوسع، وأن الدنيا لمن غلب. لقد جعل النذل، الدنيا، مفهوما، للقوة والسيطرة وممارسة الحياة. لقد كان هزيا، من نوع خاتم الهزية. ينظر إلى الجدران الأربعة في الآن الواحد. ولو أن عاهراته، كانت الملوك والأمراء، والسلاطين الواهين‘‘ (ص: 102). ونفهم من هذا القول أن المتنبي، يُستدعى في الرواية ليساءل لا ليُمجَّد، كما جرت العادة، فهو كما عرف في التراث العربي بشعره العظيم، اشتهر، أيضا، بتعاليه وتضخم أناه، وادّعائه النبوة، ومن ثم، يصبح حضور المتنبي في رواية ‘‘عرس بغل‘‘ لا بوصفه شاعرًا مجيدًا فقط، بل رمزا للمثقف، الذي عاش تناقضًا بين تمرده الظاهري وتزلّفه إلى السلطة.
إن الطاهر وطار يفضح، من خلال المتنبي، (الشاعر الذي ارتبط تاريخيًا بالسلطان، وبمدح الخلفاء والأمراء، وسعى للسلطة بنفسه)، "العظمة" الثقافية الزائفة، التي لا تنبع من واقع الناس، ولا من نضالاتهم، ويلمز إلى وجود "متنبيين جدد" في زمننا الحاضر، كثيرو الكلام، قليلو الفعل، يبحثون عن مدح أنفسهم كما فعل المتنبي أمام سيف الدولة، ويدّعون الحكمة والبطولة، بينما هم في الواقع يخدمون مصالح شخصية أو سلطوية.تماما كما المتنبي في قول ‘‘ الحاج كيان‘‘ عنه: ‘‘كان ، خاوي النفس. لم تكن عيناه تستقران في مكان واحد. ما كان المتنبي يقوى على التحديق في شيء، حتى ذاته لم يكن يحدق فيها...هو ذاك إذن ياخولة، لو لم يكن نذلا، لحافظ على قرمطيته، على الأقل ما كان يوجه لهم الشتم‘‘ (ص: 71)،
أما بخصوص النموذج الثاني، وتمثله شخصية ‘‘ الحاج كيان‘‘ ( الطالب الزيتوني)، فهو نموذج لتلك الفئة المتعلمة/المثقفة، التي تعرف الحقيقة، لكنها محبطة وعاجزة عن الفعل، تراقب فقط، وتدين في صمت دون مواجهة، فكان أن لجأت إلى العزلة والخلوة، كما فعل‘‘الحاج كيان‘‘، هو الذي يقول:‘‘ لا شيء من الأعماق. كل ما هنالك عرس بغل، أعراس بغل في حجم الكرة الأرضية. كلهم، كلنا، نهرب إلى مقبرة‘‘(ص: 12 ).
هكذا، يوجّه الطاهر وطار من خلال ‘‘ الحاج كيان‘‘، والاستدعاء الرمزي للمتنبي، نقدًا لاذعًا إلى الطبقة المثقفة، التي كان يُفترض أن تقود الوعي، فإذا بها تتورّط في التواطؤ، أوالصمت، أو التزييف، وأصبحت بالتالي طبقة انتهازية، متسلقة، متعالية، فقدت رسالتها، وتحولت إلى شاهد زور، لصالح مجدها الشخصي، فانتهت إلى السقوط في خيانة الذات والواقع.
ابتذال القيم الدينية والثورية:
ابتذال القيم الدينية: كان أول ما تعرضت إليه الرواية لانتقاد هذا الابتذال، هو السلوك المريب لشيخ التجويد مع الطالب الزيتوني، كما يجليه هذا الشاهد: ‘‘ أمسك شيخ التجويد بيده وقاده إلى سارية بزاوية مظلمة، وراح يعلمه القراءات السبع....في حين ظل يحتفظ بيده، ويدلكها من حين لآخر....حاول مرة أن ينزع يده من كف الشيخ، فنهره قائلا:‘‘ لا تقطع الصلة الروحية بيننا، ومنذ ذلك اليوم، تعود أن يترك يده، غير مبال بأصابع الشيخ التي تواصل حركة مريبة‘‘ (ص: 20-21). ولا يخفى ما يتضمنه من فضح وإدانة لانتهاك القيم الدينية، والأخلاقية، من لدن من يفترض فيهم صون هذه القيم، وتمثيلها في سلوكهم وطريقة عيشهم.
وفي السياق نفسه، نقف عند واقعة ذهاب الحاج كيان إلى ماخور العنابية ساعة كان طالبا بالزيتونة، قصد الدعوة إلى الله، لكنه عند المحاولة اصطدم بغضب العنابية، التي أمرت عاهرات الماخور أن يساعدنها في حمله إلى غرفتها وهي تأمر: ‘‘ إلى غرفتي، إلى غرفتي، سأريه جنة ربه ...‘‘. وهو محمول نحو الغرفة، أخد يردد آيات قرآنية ومنها: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾، وإدراج هذه الآية في الرواية، وفي موقف كهذا لا يمكن النظر إليها إلا باعتبارها علامة رمزية تعبّر عن مفارقات المجتمع؛ فاستحضار الآية يعيد التساؤل: ‘‘من مات حقا؟ أهم الشهداء ( الأحياء عند ربهم)؟ أم من يعيشون (هم الأموات الحقيقيون معنويا)؟. ثم إن الآية، بما تحمله من قداسة وروحانية وسموّ، مرتبط بالشهادة، تتجاور في هذا المشهد مع العبث والدناءة، مما يخلق صدمة جمالية مقصودة تفضي إلى الوعي بأن الشهداء لم يعودوا حاضرين كقيم، بل كخُطَب فقط. وبالنسبة للآية الكريمة: ‘‘وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبِّه لهم‘‘، فالحاج كيان‘‘ يعبر من خلالها عن براءته من الفعل المشين، الذي يُظنّ أنه يقترفه، رغم المظهر الذي يوحي بالعكس. ومن خلال هذا التناص القرآني، يُدين وطار مجتمعًا يُصلب فيه المصلحون رمزيًا، وتُشوَّه فيه صورة الداعين إلى الحق بالافتراء والسخرية، فيغدون، كما الحاج كيان‘‘، شهداء القيم في زمن الانحطاط.
أما الآية ‘‘يا نار كوني بردًا وسلامًا‘‘، وهي من بين ما ردده الحاج كيان‘‘، أيضا، فتحيل على قصة النبي إبراهيم عليه السلام، عندما أُلقي في النار، فجعلها الله عليه بردًا وسلامًا، لتكون من أكثر اللحظات رمزية وتناصًا قرآنيًا في الرواية؛ فالعنّابية وماخورها يمثلان "نار الفتنة والفساد"، والحاج كيان (الرجل المؤمن) يجد نفسه ملقى فيها قسرًا، وفي هذا دلالة على صراع المصلح الصادق، مع واقع فاسد يحاصره بالإثم.
وفي الموقف نفسه، جاء الحاج كيان‘‘ على ذكر قطام، التي أغرت ‘‘ ابن ملجم‘‘ بقتل علي ابن أبي طالب؛ فهي ترمز، في الذاكرة الإسلامية، إلى الإغواء والخيانة، كما يرمز علي إلى العدالة والإيمان. والحاج كيان باستحضاره لهذا الحدث التاريخي في لحظة إذلاله، يضع نفسه مقابل عليّ،
الذي أغتيل غدرًا على يد الفتنة، ويضع العنابية وعاهراتها في مقابل قطام المعاصرة، فيه إدانة لواقع يقتل فيه مصلحوه، ويحتفى بفساده، وإشارة منه، أيضا، إلى أن الفتنة قدَرًا متكرّرًا في كل زمان ومكان.
ابتدال القيم الثورية:
استدعت الرواية حركة القرامطة، للتدليل على ابتذال القيم الثورية، وهو استدعاء محمّل بدلالات سياسية وتاريخية ورمزية عميقة، تخدم الخطاب النقدي، الذي تبنّته الرواية في فضح واقعنا المعاصر؛ فالقرامطة كحركة باطنية ثورية، نشأت في القرن الثالث الهجري، ورفعت شعار العدالة الاجتماعية، وناهضت السلطة العباسية، لكن رغم طابعها "التحرري" الظاهر، انتهى أمرها إلى عنف دموي وفوضى عارمة، واتهامات بالخروج عن الدين، واشتهرت بأعمال عنيفة وصادمة (سرقة الحجر الأسود). وهو تلميح إلى أن بعض "الثوار الجدد" يشبهون القرامطة في ادعاء النضال، لكنهم يقودون المجتمع إلى الفوضى أو القمع، وأن الشعارات الثورية قد تُستخدم كغطاء للبطش أو الخيانة، وفي هذا تصوير لواقعنا المعاصر كمرحلة "قرمطية": فوضوية، وعبثية، ومبنية على الشعارات، لا على العدالة الحقيقية. القرامطة، هنا، ليسوا مجرد فرقة تاريخية، بل رمزا لكل انحراف أيديولوجي، يبدأ بشعار التحرير، وينتهي بالقمع، ورمزا للزيف الثوري، والتطرف الفكري، والخذلان السياسي، والعنف الثوري الذي قد يتحول إلى غاية بحد ذاته: ‘‘هذه قرمطة زائفة، وطريقة انتهازية للعطاء، وللتلقي. تفوه تفوه‘‘ ص: 128‘‘. وحضور هذه الحركة في رواية ‘‘عرس بغل‘‘، يُمثّل نقدًا ساخرًا ومبطّنًا للثورات التي تنقلب على نفسها، وللنخب التي تتاجر بالشعارات، كما فعل القرامطة.
على سبيل التركيب:
نستنتج مع الكاتب وطار أنّ التاريخ لا يمضي فعلاً، بل يدور في حلقةٍ مغلقة، فهو تكرار لا نهائي للخطأ ذاته؛ حيث تتلاشى الحدود بين الشخصيات التاريخية التي استحضرها، وبين ما يماثلها في واقعنا، إذ الدور نفسه يعاد بأسماء مختلفة، على حد قول‘‘ الحاج كيان‘‘: ‘‘ إن الدور يعاد، يعاد بأشكال مختلفة." (ص 9). ومن أجل ترسيخ هذه الرؤية، اعتمد الطاهر وطار أسلوبًا سرديًا يقوم على تداخل الأزمنة، بحيث لا يعود الماضي خلفيةً للحاضر، بل جزءًا منه وامتدادًا له؛ فالتاريخ يُستدعى لا للتوثيق، بل لقول الحاضر بلغة الماضي، ما دفع الحاج كيان إلى القول‘‘ كيان يا ابنتي، وما جرى في الدولة الإسلامية منذ انهزام علي، أو موت محمد بالأصح، يجري هنا الآن، شيء واحد. صدقيني، فأنا لا أتحدث جزافًا، وإنما عن علمٍ وتجربةٍ ومعايشة." (ص 102). إن الماضي لا يُستعاد هنا كتاريخ، بل يُستحضر كوعيٍ مأزومٍ يعيش داخل الحاضر؛ حيث يتقاطع الدين بالسلطة، والثقافة بالنفاق، والمقدّس بالمدنّس. وعندما يتساءل ‘‘الحاج كيان‘‘ بما يفيد الإثبات والاستنكار: ‘‘ أيها التاريخّ، ألست سوى ما يكتبه الأعداء المنتصرون عن الخصوم المنهزمين؟‘‘ ص: 36، فهو يقر أن التاريخ ليس هو المجد فقط، بل هو أيضًا بداية الزيف الجديد، وأنّ أزمة الإنسان العربي، في جوهرها، هي أزمة وعيٍ تاريخي، لم يبرح مكانه منذ قرون، أزمة تظهر مفارقة أن واقعًا حديثًا يُشبه عصورًا وُصفت بالتخلّف.
لهذا وذاك، وتلميحا من الكاتب ألا جديد تحت الشمس، ولا طائر يبشر بالانبعاث، كان تفضيل ‘‘الحاج كيان‘‘ البقاء في ماخور العنّابية بعد خروجه من السجن؛ فقد وجد في ماخور العنّابية ملاذًا من زيف المجتمع، لأنه على الأقل مكان واضح في خطيئته، بينما الخارج يغطي فساده بالقداسة الكاذبة، هو الذي يقول مخاطبا الوهرانية عندما اقترحت عليه الخروج من الماخور: ‘‘يا بنت الناس، إذا كان النبع واحدا، فلم الجري وراء طعم مغاير للماء. أنت تاجرة، هنا أو هناك، وأنا هامشي هنا أو هناك.‘‘ (ص: 103).
من هذا المنطلق، لم ير‘‘الحاج كيان‘‘ في العنّابية مجرد امرأة ساقطة أخلاقيًا، كما يصوّرها المحيطون بها، بل الشخصية الأكثر صدقًا ووضوحًا، مقارنةً برجال السلطة والدين في الرواية، حيث يقول: ‘‘العنابية صادقة فيما تفعل، إنها تبيع الخبز أو الحشيش أو الجنس الأمر سيان‘‘ ( ص: 129)، بل هو يراها إنسانة جُرّت إلى واقع قاسٍ لا يرحم، تماما كما أسرت إليه: ‘‘ أبيع وأشتري، ككل عباد الله, أستبدل تحمل شخص على بدني لدقائق، ببدلة اتصال.... اسمع. عندما تكون واقفا في موضع. على حافة جرف مثلا، ويهوي بك ذلك الجرف. من تلوم؟ هل تلوم نفسك، أو تلوم الجرف. أو تلوم من جعله يهوي؟ ماذا تقرؤون في جامع الزيتونة؟ ‘‘ ( ص: 46)
لم تكن إذن، ملازمة ‘‘الحاج كيان‘‘ الماخور، وعدم الرجوع لمتابعة دروسه بجامع الزيتونة، سلوكا عابرًا، بل موقفٌا عبّر عن تحوّل في رؤيته للعالم وللإنسان، فبعد ما عاشه من خيانة وسجن وظلم، أدرك أن الفساد الحقيقي ليس في الماخور، ليقلب الطاهر وطار المعاني رأسًا على عقب؛ فالماخور الذي كان رمزًا للفساد، سيتحول، في النهاية، إلى رمز للصدق، لأن من فيه لا يدّعون الفضيلة، أما العالم الخارجي، فهو ماخور أكبر، يخفي رذيلته تحت قناع الدين والسياسة.
الهوامش:
«عرس بغل» (رواية)، دار الهلال، مصر، 1978
*باحث من المغرب