الكاتبة والجامعية العراقية تعمل تدريسية في كلية الآداب، في الجامعة المستنصرية، وقد ترجمت ما يقارب الثلاثين كتابا، وفازت بجائزة الابداع العراقي في مجال الترجمة لسنة 2026. وفي هذه المقالة المهمة التي تترجم إلى العربية للمرة الأولى، نحاول أن نتابع الأسئلة حول الشعر، ولكل سؤال نكهته الخاصة، وتعدد إجاباته من القراء! فما إجابتك، أنت حول هذه الأسئلة؟

كراهية الشَّعر: مقابلة مع بِن ليرنر

مايكل كلون

ترجمة: هناء خليف غني

 

ما الذي نريدهُ من الشّعر؟ أنَّ تقرأ قصيدةً، على نحوٍ ما، هو أن تمقتها؛ فالقصيدة والشَّاعر كلاهما يطمحان إلى تلبية مجموعة من التّوقعات المستحيلة التي تفرضها الثّقافة. يقول بِن ليرنر في كتابهِ الجديد، كراهية الشّعر إنَّ ازدراء الشعر مترابطٌ ترابطًا وثيقًا مع الشّكل الفني نفسه. في وقتٍ مبكرٍ من هذا الشّهر، تحدث مايكل كلون إلى ليرنر في مكتبة غرينلايت بوكس بمدينة بروكلين. وأدناه نسخةٌ منقحةٌ مما دار بينهما من حوار.

المحاور: من الأمور اللافتة التي فعلتها في كراهية الشّعر محاولتك إعادة توجيه إحساسنا بالقيمة. كما أنَّك، في معجمك الأدبي، تصنف الشعراء إلى: "شعراء رهيبون، شعراء عظماء، وشعراء صامتون" في مقابل الشّعراء الجيدين أو متوسطي الموهبة، وتكتب عن أسوأ شاعر في التّاريخ، وليم مغونغال، وعن تحفته الشّعرية المروعة أو ربما عمله الشّعري الكارثيّ، "كارثة جسر تاي":

جسر السّكة الحديدية الجميل في مدينة تاي الفضيّة

وأحسرتاه! يُحزنني أن أقول:

إنَّ تسعين حياةً قد أهدرت

في آخر يوم أحدٍ من عام 1879،

يومٌ سيخلّد على مر الزّمن.

ليرنر: يقول موقع ويكيبيديا إنَّه يُعدّ أسوأ شاعر على الإطلاق.

المحاور: لقد قدّمت قراءة عميقة ومتأنية لوليم مغونغال؛ إذ قرأت قصائده سطرًا سطرًا، وأوضحت كيف يكون الفشل في النص الشّعري المكتوب انعكاسًا لصورةٍ ذهنيّة عن قصيدة مثاليّة لم تتحقق. أود أن أسألك عمّا تفكر فيه بشأن القيمة. هناك نوعان من كراهية الشعر، أليس كذلك؟ أحدهما ينبع من عجز القصيدة عن أن تكون ما تطمح إليه؛ أمّا الآخر فينبع من كراهية صادقة للقصائد الجيدة بالفعل. 

ليرنر: أعتقد أنَّ هناك العديد من القصائد الجيدة والرّائعة التي تمكنت من بلوغ ما تطمح إليه. غير أنَّ جزءًا من الإحساس المتواصل بأنَّ القصائد تفشل دائمًا في الارتقاء إلى مستوى توقعات اللحظة التّاريخية يرتبط بكيف أنَّ الشّعر لا يكشف عن مجموعةٍ مستقرةٍ من الممارسات بقدر ما يكشف عن مجموعة من المطالب المستحيلة. ولست أدعي هنا أنَّ ما أقوله يصدق على الجميع أو في جميع الأزمنة. بيد أنني أعتقد أنَّها بنية لافتة من المشاعر الجديرة بالتأمل. ويتمثل المطلب الرّئيس المرتبط بالشّعر الوجداني في أن الشّاعر يستطيع أو يجب عليه تقديم أغنية عميقة في طابعها الشّخصي؛ فهي من جهةٍ التّعبير عن إنسانيتهِ وتجربتهِ الجوانية المكثفة، ومن جهةٍ أخرى يستطيع الجميع مشاركتها لأنَّها مفهومة لهم؛ وبذلك يمكنها أن توحد المجتمع المحلي على اختلاف توجهاته. وهذا المطلب مستحيل من وجهة نظري؛ إذ يُطالب القصيدة بأن تفعل شيئًا لا تستطيع سوى الثّورات فعله: أن تستأصل مختلف أشكال اللامساواة والفوارق الاجتماعيّة والعنف. وقد كُتبت الكثير من القصائد الرّائعة تحديدًا لأنها ابتعدت عن ذلك الضّغط بأسلوبٍ استراتيجي بارع؛ إذ تمكّن مؤلفوها من الانطلاق في عملهم من افتراضات قائمة على طموح غنائي محوري، ثمَّ تقويضها ونسفها على نحوٍ جوهري. إنَّه إخفاق تكتيكي نجحت كثير من القصائد التي أحبها في تحقيقه، ومنها قصائد سيئة، سيئة بالفعل، مثل قصائد مغونغال، لأنَّ راديكاليّة الإخفاق تتيح لك أن تُدرك بالفطرة أهمية الطّموح. غير أنَّ طريقة الكلام هذه ليس لديها الكثير لتقوله عن القصائد الجيدة بكل تنويعاتها وثرائها. وليس هذا موضوعي في هذا المقام.

وأظن أن بعض من أعرفهم يكرهون ما أعدّه قصائد جيدة بالفعل لأنَّهم قلقون للغاية بشأن إمكانية فهمها. يشعر كثير من الناس أنَّهم مهدّدون بالإقصاء من القصائد بأسلوبٍ يختلف عن شعورهم بالتّهديد من الإقصاء من الأنواع الأخرى من أعمال الفن. وهناك اشكال لا حصر لها لهذا الشعور؛ إذ يستغرب بعضهم، في الفن الحديث مثلًا، قائلين: يمكن لأطفالي أن يرسموا هذه اللوحة أو ما الذي يجعلهم يعرضون هذا العمل في متحف؟ وهناك آخرون يشعرون بانزعاج من الشّعر الصعب أعمق من انزعاجهم من الموسيقى غير النّغمية، مثلًا. وأظن أنَّ لهذا الأمر علاقة بأسلوب التّربية المبكرة؛ ما أعنيه هو تلك الصِّلة بين الشّعر والشخصيّة الإنسانيّة. يُلقن الأطفال من عمر مبكر- وهذا على الأقل ما حدث معي- أنَّ الشّاعر يكتب القصيدة بحكم أنَّه كائن بشري. تمور في داخلك تجربة مؤثرة وعميقة، وإذا ما استبدت بك المشاعر وعبرت عنها لغويًا، ستكون مفهومة وواضحة للآخرين. أنت شاعر من غير أن تُدرك ذلك، هذا ما أريد قوله. غير أن ما يحدث هو أنَّ كثيرًا من النّاس توقف عن قراءة الشعر أو عن كتابته، ولم يعد يستمع إليه إلا في حفلات الزفاف، أو حين تلتقي شخصًا بلغ به الحمق أن يدعي أنَّه شاعر. ومرةً أخرى، لا أقول إنَّ هذا الوضع يشمل الجميع؛ فهناك أنواع مختلفة من الممارسات الشعريّة في مجتمعات حية ومزدهرة. أتحدث في كراهية الشّعر عن مراجعة طبيب الأسنان الذي يسألني: "ما الذي تفعله في الحياة؟" فأقول له: "حسنًا، أنا شاعر". ليس ذلك الجواب الصحيح أبدًا. يعود جزء من الإحراج في هذا الحوار إلى أنَّ غير الشّاعر ما يزال مسكونًا بفكرة أنَّك شاعر بحكم كونك كائنًا بشريًا. ولذا يشعر غير الشّاعر بالإقصاء، وبأنَّه قد سقط بعيدًا، فيستبد به هذا الشّعور بالمرارة والاستياء. إنَّ تصريحك أنَّك شاعر يعني تصريحك أنَّك أكثر بشرية من الآخرين، وأنَّك لن تكبر أبدًا أو تعمل في وظيفة. كما أنّك ترجو أن يستوعبك الآخرون وأن يلبوا احتياجاتك لأنَّك ما تزال في حيز الاحتمالات المجردة للغة أو أي شيء آخر. ويمكن أن يؤدي ذلك إلى طيفٍ واسعٍ من مشاعر المرارة والنّفور حتى وإن قابلت شاعرًا جيدًا.

المحاور: عندما كنت على متن الطائرة متجهًا إلى هنا، نشرت مجلة الايكونومست مقالًا عن التَّصويت على الحد الأدنى للراتب السّنوي في سويسرا، وكانت المجلة، بطبيعة الحال، تهاجم الفكرة. وقد ظهرت في مقدمة المقالة رسمة هزلية تصوّر نسخةً مبتذلةً من المدينة الفاضلة: شخص يتسكع وهو يحمل كتابًا عنوانه كتاب الشعر. هذا ما تحاول سويسرا إنشاؤه: عالم يستطيع فيه الجميع تأليف كتاب شعري! وعلينا أن نوقف ذلك.

ليرنر: "التسكع" هي الكلمة المفتاحية. إنَّها كلمة والت ويتمان. ثمّة تناقضٌ غريبٌ يكتنف الشاعر ويتمان؛ فمن جهةٍ، يدّعي دائمًا بأنَّه ينجز العمل الأهم الذي يُمكن إنجازه، أيّ تقديمه لهذا الإنجيل العلماني إلى الولايات المتحدة. إنَّه العمل الذي سيُجسد أمريكا ويحولها إلى واقعٍ في المستقبل. ومن جهةٍ أخرى، نراه جالسًا دائمًا تحت شجرة مزهرةٍ، مسترخيًا، يراقب الناس وهم يستحمّون. وهذا التّقسيم بين العمل والرّاحة في تاريخ الدِّفاعات عن الشّعر وإداناته يعدّ مسألة جوهريّة؛ فالعمل الذي يؤديه الشّاعر أكثر أهمية من العمل الذي قد يُنجّز في الاقتصاد التّقليدي؛ غير أنَّه لا يختلف في جوهره عن الرّاحة. إنَّك تكتب ما يوحى لك به فحسب. وقد يشعر النّاس بالإهانة إذا اعتقدت أنَّ كتابة الشّعر عملٌ. غير أنَّ جزءًا من ذلك مرتبطٌ بتلك الرؤية المثالية لنوعٍ من العمل يرتقي فوق مستوى تقسيم العمل/الرّاحة، وهذا حاضرٌ في كل أعمال ويتمان. والخطاب نفسه يحيط بأيّ حركة سياسيّة متمردة. إنَّها مشكلة تتعلق بالعمل/الرّاحة أو رفض للنماذج المتاحة من العمل، ومطالبة بالاستعانة بلغةٍ جديدةٍ للتعبير عما يُعدّ عملًا وراحةً. 

المحاور: كنت أقرأ رواية رجل بلا صفات للكاتب النمساوي روبرت موزيل، حيث يقول أولريش، الشّخصية الرّئيسة: "لا يجذبني تحقق الشّيء بقدر ما يجذبني عدم تحقّقه". يرى موزيل أنَّ هذه هي مشكلة الحياة الحديثة؛ إذ نواجه هذا الانقسام بين الفعلي المتحقِّق، حيث لا نتوقّع أن يحدث شيء، وبين ذلك الحيز الافتراضي أو غير المتحقق أو المستحيل، حيث نضع أحلامنا وآمالنا ورغباتنا. إنَّ هذا يوهن إمكانية إضفاء معنى وقيمةً على جوانب الوجود في ’هذا‘ العالم وفي ذلك ’الحيز‘. وبصفتي شخصًا منجذبًا انجذابًا تامًا إلى عدم التّحقق، أرى أنَّ وجود هذا الكاتب النمساوي وقوله، قبل مائة عام، بأنَّ هذا هو مرض الحداثة، يُعدّ تحديًا عميقًا.

ليرنر: أولريش عالِم رياضيّات سابق فقد إيمانه بثراء خطاب الموضوعية العلميّة. لكنَّه أيضًا من المنتقدين للتعبيرات والمفردات الميتافيزيقيّة الشّائعة في زمنه. ويرتبط تحيّر أولريش بشعوره بأنَّ لغة العلم أو اللغات الأخرى المعبّرة عن القيم ليست ذات معنى. وهذا قولٌ مبالغ به إلى حد نفي صحته مع أني أعتقد أنَّ الفن يستطيع أن يتشبّب بفسحة من الخيال أو بحيّز سلبي يسبق الفعل. وهذا حيّزٌ مهم، فهو ما نلجأ إلى الفن من أجله. ربما يمثل ما أسماه روبرت كوفمان المجال "السياسي الأولي"؛ أيّ الحيز الذي يذكّرك فيه الآخرون بأنَّ البدائل للواقعي فحسب موجودة. وإعلاء قيمة ذلك الحيز في الفن هو إعلاء لقيمة الوسيلة التي يستطيع الأدب بها أن ينعش القدرة على تخيّل البدائل. غير أنَّ فعل ذلك في ’الحياة‘ يظل مغايرًا؛ فالقول، كقاعدة عامة، أنَّه لا ينبغي التّشبث بالواقع مسألة مختلفة. عليك أن تكون أبًا صالحًا في الواقع، أو مواطنًا صالحًا. ولا يعدّ قولنا أنَّ الفن ذو قيمة بوصفه ميدانًا للخيال السّابق على الفعل أو المجاور له حجّةً ضد سلطة الفعل التّاريخي الواقعي.

المحاور: يكشف كتابك عن تأثرٍ واضحٍٍ بما كتبه آلان غروسمان وفكرته عن التّعارض بين الافتراضي والفعلي في الشّعر، وهي فكرة أفاض في الحديث عنها. وبعد قراءة كتابك، فكرت في الدّين؛ إذ كان غروسمان يرتبط بعلاقة معقدة باليهوديّة على وجه الخصوص، وبالدّين عمومًا. ألن تكون أيّ وسيلة غير سياسيّة للتعبير عن هذا الاستياء من الواقعي قريبة الشّبه بتقليد تحدي المعتقّدات والأفكار السّائدة؟ حيث لا يمكن لأيّ صورةٍ عن الإله أن تكون مناسبة أبدًا، ولو بقدرٍ ضئيل، وحيث يعبّر الفرد عن علاقته بالإله فعليًا من خلال تقويض الصّورة.

ليرنر: ذهبت إلى كنيس يهودي في توبيكا بولاية كنساس، ورويّت على مسامعنا قصّةً عن طفلٍ كان يقرأ بصوتٍ عالٍ الأبجدية العبرية في حين كان يفترض به الصلاة. فتوجّه نحوه الحاخام وسأله: "لماذا تقرأ الابجدية فقط؟"، فأجابه الطفل: "أقدم حروف الابجدية إلى الرب كي يكتب صلاة تليق به". وبكلمات أخرى، فإنَّ أيّ نص أستطيع كتابته بالفعل بالحروف المتوفرة لن يكون كافيًا. وأظن أنَّ هذا هو أحد جوانب فكرة غروسمان المبنية على ثيولوجيا أو صلاة سلبية تُضحي بالقطعة الفنية الفعليّة على مذبح الافتراضي. وهناك تلك الحكايات المضحكة التي سردها غروسمان عن أشخاصٍ حاولوا الاستشهاد بأمثلةٍ عن شعراء ناجحين: ماذا عن شارون أولدز؟ وماذا عن جون اشبري؟ فيرد عليهم دائمًا: كلا، لقد فشلوا؟ والفكرة هنا أن الأمر ليس صعبًا، بل مستحيل. إنَّه أمر بنيوي.

ومع ذلك، ليس هذا الجانب ما يلفت انتباهي في القصّة؛ إذ أميل أكثر إلى التّعامل معها من منظور تاريخ الشّعريات اليساريّة. ندرك جميعًا أنّنا لن نستطيع فعل شيء من غير أن يكون مشبعًا برأس المال. غير أنَّنا نتوق إلى معرفة ما يحيط بنا. تستطيع أن تقدم أعمالًا تصوّر، تصويرًا سلبيًا، ما لا تستطيع تحقيقه بالفعل.

المحاور: قدّمت تلك القراءة الرائعة لقصيدة كلوديا رانكن الطّويلة ’مواطن‘، حيث قلت: "كيف كتبتها؟ كيف عبّرت عن مضمونها؟ تبدو القصيدة كما لو أنها تعبيرٌ عن الفقد. هناك ذلك الإحساس الموحش بما يمكن للقصيدة الغنائيّة تقديمه، مع أنَّه غير متاح لها بسبب التّمييز العنصري في حالة الشّاعرة. غير أنَّني أفكر، بوصفه مثالًا مضادًا، بمقالة غروسمان عن الشّاعر هارت كرين الذي يرى أنَّ الأمر لا يتعلق بأنَّ الافتراضي يشير إلى المثالي، بل بأنَّ الالتزام بالافتراضي، وبالمستحيل، يحمل قوّةً تشوّه الشّعر. ليس الافتراضي شيئًا ’خارج‘ القصيدة، بل داخلها. وهذا الالتزام بالمستحيل أضر باللغة الشعرية كما في حالة كرين في محاولته المستحيلة لمزج صور متنافرة تمامًا يتعذر التّعبير عنها بمقياسٍ مشترك. 

ليرنر: لدى غروسمان أشياء مهمة ليقولها عن المدة التي قضاها والت ويتمان ممرضًا في الحرب الأهلية؛ كيف تمكن من أن يكون قريبًا من التاريخ، ويعتني بالجرحى من كلا طرفي النزاع. غير أنَّه لم يستطع دخول التّاريخ من باب الحرب لأنَّ الانحياز إلى أحد الجانبين كان سيُضعف ادعاءه بالكونيّة. وقد أدى ذلك القرار إلى الإضرار بويتمان الشّاعر بطريقةٍ ما. ففي دفتر ملاحظاته، يقول: "أنا شاعر السّيد وشاعر العبد"، وهو التّناقض الذي لم يستطع معالجته أبدًا. بل إنَّه لم يستطع التّعبير عنه في القصيدة. إنَّها تجسيد لفكرة أنَّ بوسعك التّغاضي عن الفارق العرقي من دون معالجته في التاريخ، وهو ما أظن أنَّه قد شوّه بالفعل نتاجه الشّعري، الذي كان بمنزلة استجابةٍ للضغط بألَّا ينحاز إلى أحد الطرفين.

المحاور: يقدّم ويتمان في قصائده هذه المجموعة العامة والمجردة من الصّور الذهنيّة التي يستطيع الجميع مشاركتها. وتنطوي قصيدة ’مواطن‘ على فكرة ويتمانية جوهريّة، هي فكرة الشعر التّمثيلي؛ إذ يرغب الشاعر بكتابة قصائد تمثل تجربته وتجربتك، وتجربة الذكر الأبيض وتجربة المرأة الأفرو-أمريكيّة. والطّموح المستحيل هو ما تنسجم معه رؤى كلود رانكين انسجامًا مذهلًا. ووفقًا للنموذج الويتماني، يرغب الشاعر في كتابة قصيدة تجسّد ما تكون عليه تجربتك الشخصيّة مسبقًا قبل أن تقرأها. لكنني أتساءل: هل هذا هو النّموذج الوحيد؟ هناك نوعٌ آخر من الافتراضيّة؛ إذ يُسهم لقاؤك بالقصيدة نفسها في تغيير تجربتك الشخصية؛ فلا تظل الشخص ذاته الذي كان قبل الارتباط بعلاقةٍ مع قصيدةٍ ما، وهناك احتمال المشاركة العميقة في الجانب الآخر.

ليرنر: تدحض كلوديا في قصيدتها دحضًا قويًا ’كونيّة‘ محددة تقبع في تقاليد الطّموح الشّعري. وأعتقد أنَّ ’الكونيّة‘ مُضلِّلة دائمًا. ومع ذلك، ما تزال احتمالية التّوسع والشّمول قائمة، أو اختبار أيّ من أنواع الوعي قابل للمشاركة، عبر تكنولوجيا القصيدة. وليس بالضرورة أن تكون القصيدة مطلقةً بقدر الكونيّة. كما أنَّ إدانات الشعر ودفاعاته تميل إلى الإسهام في ترسيخ الكونيّة، وهذا ما أستجيب له. ولكن، كلا، ليس هذا هو النّموذج الوحيد المتاح.

إنَّ السّبب الذي دعاني إلى تأليف كراهية الشعر كان مقالة نشرها مارك ادموندسن في مجلة هاربر، قدّم فيها السّؤال الآتي: "أين جميع أولئك الشّعراء الذين يمكنهم توحيدنا؟ فالشّعراء اليوم لا يكتبون سوى عن تجاربهم الشخصيّة". جدير بالملاحظة أنَّ جميع الشعراء الذين قال ادموندسن إنَّهم يوجهون خطابهم للجميع كانوا رجالًا بيض يكتبون بالأشكال الشّعرية التقليدية. بل إنَّ هناك مقطعًا يقول فيه ادموندسن: "وكانت سلفيا بلاث شاعرة عظيمة"، ثم اقتبس مقاطع من قصيدة "أبي"، أو نحوها، قائلًا: "علّمت هذه القصيدة كثيرًا من النّساء مراجعة علاقاتهن بآبائهن". كما كشفت المقالة عن قراءةٍ خاطئةٍ وغريبةٍ لقصيدة اميري باركا. وأرى أنَّ هناك كثيرًا من الأساليب القوية الأخرى للرد على كاتب المقال، وعلى هذه الأنواع من الإدانات من خلال التّعريف بجميع الشّعراء الرّائعين الذين يكتبون حاليًا بأنماط متنوعة. 

وهناك أيضًا ذلك الخيال المفعم بالشّعور بالحنين الذي يعيد النقاد تدويره عادةً، ويوحي ضمنًا بأنَّ الرؤية الشعريّة الويتمانية قد تحقّقت في الماضي. إنها ’الكونيَّة‘ الرَّديئة التي تعاود الظهور مرة بعد أخرى. غير أنَّ ذلك لا يعني غياب وسائل أخرى لاختبار ما هو اجتماعي على الأرجح في الممارسة الأدبيّة. فجميع البشر منهمكون في فعل ذلك باستمرار.