تكشف الكاتبة السورية هنا، ومن خلال استعراض عدد من الأعمال الأدبية – العربية منها والعالمية – أهمية الأب في هذه النصوص. وأن قراءة هذه الأعمال يطرح سؤالًا حول الحضور الرمزي والجوهري للأب في لاوعي الإنسان، فالفهم هو محاولة للتواصل مع غيابه. ومنابع الرفض والتمرد في الأعمال الأدبية لا تحيد عنه.

الأب في نصوص أدبيّة: ما وراء الرفضِ والتمرّد

فـدوى العـبود

 

الاعتقاد السائد بكون الرحلة قد شكلت صلب النصوص الأدبية والفنية، والمرويّات الأسطورية والميثولوجية، وصولًا للقصص الدينيّة، صحيح نسبيًا. لكن ما يجدر الالتفات له هو كون الرحلة في أغلب هذه الأعمال هي الجزء البارز من جبل الجليد فقط. ويأتي هذا الاهتمام بالرحلة لارتباطها في الوعي بالمغامرة، وهي تقوم على فكرة الابتعاد عن مسقط الرأس، وهجرِ المكان الحميم والبيت الأول؛ غير أن هذا التحول يقترن بأزمة روحيّة، أو ماديّة، أو إنسانيّة، تحرّض على الاستكشاف. وفي معظم هذه الأعمال، كما يبدو لي، كان الدافع هو الأب، سواء بالمعنى الروحي، أو المادي، فـ"أوديب" عاد لقتله. فقد تشكل حضوره عبر ما يجب التخلص منه، وفي مسرحية "هاملت" لوليم شكسبير كان هاجس الشخصية هو الثأر للأب المقتول. وفي مسرحيته الأشهر "الملك لير" ركز شكسبير على العلاقة الأبوية بالأبناء، وعلى الحب المشروط، ثم العمى في حالة الملك.

كما يمكن قراءة فيلمي "سينما باراديسو"، أو "الجميع بخير"، للمخرج الإيطالي جوزيبي تورناتوري، بكونهما تحقيقًا لمفهوم الرحلة التي يحث عليها، أو يقوم بها. فقد أتت رحلة الفتى توتو في أولهما، ورحلة العجوز للقاء أولاده في المدينة في الثاني، ضمن فضاء يحضر فيه الأب بوصفه ثيمة العمل. ولقد حل ألفريدو محل الأب ودفعه لإيجاد طريقه عبر حثه الدائم له على أن يكون ذاته، وأن يتبع شغفه. وبعد حريق السينما، وفقدان ألفريدو لنظره، يتولى توتو عرض الأفلام نيابة عنه، لكن ألفريدو يغذي فيه هذا النهم للسينما، ويدفعه بعيدًا عن المكان إذ يلعب دورًا كبيرًا في ملء الفراغ الذي تركه غياب الأب الحقيقي. وفي "الجميع بخير"، فإن رحلة الأب لزيارة أبنائه تكشف له عن أثره الفادح على حياتهم.

وتعكس مذكرات الفلاسفة والكتاب هذا الأثر وأهمية حضوره، أو غيابه في نظرتهم للحياة، إذ يشرح جان بول سارتر أثر غياب والده جان بابتيست على فلسفته التي تعنى بالعدم والغياب. فقد سارتر والده في سِن مبكرة، وترعرع في منزل جده من أمه كارل شفايتزر، أستاذ اللغة الألمانية في جامعة السوربون، وفي ذلك الوقت كان سارتر طفلًا قصير القامة أحول العينين. وعن طفولته يبدأ كتابه "الكلمات": "لحاجتي أن أبرر وجودي جعلتُ من الأدبِ مُطلقًا، وكان لا بدّ لي من ثلاثين سنة كي أتخلص من هذه الحالة الذهنية، وكانت وفاة جان بابتيست أكبر حدث في حياتي، إذ أعاد أمي إلى أغلالها ومنحني الحرية"(1). ويتابع في السياق ذاته "مات صغير السن فشعرت بعد ذلك بأني مذنب". لقد تكشف للطفل وعبر موت الأب فقط "دوار الحريـّة"، وقد وصل هذا اليتيم الواعي ــ كما يحب أن يصف نفسه ــ إلى أقصاها.

لقد أراد الحرية المدوِّخة، لأنه كان مقتنعًا أن ولادته أعشت عيني والده؛ فقرر الانسحاب إلى جناحه الذهبي في السماء. ما جعله يحاول طيلة حياته أن يتجاوز هذه اللحظة عبر تشكيل حريته على طريقته "والحقيقة أن انسحاب أبي السريع وهبني أوديبًا غاية في النقصان، لا أنا عُليَا". بخلافه، فإن حرية سورين كيركجارد مستمدة من الذنب الذي حمَّله إياه والده، فلقد شعر بأنه الخطيئة التي ارتكبتها الحياة. فاندفع في كليته للعيش في صرخة المسيح. في سياق مواز، شكل والد فرانز كافكا تهديدًا دائمًا لذاته، انتهاكًا لعزلته الروحيّة وكيانه عبر السخرية، أشعره بالعار الذي تسببت به بنيته الجسدية النحيلة، وطبيعته الهادئة. ولم يكن والده سوى الرجلين اللذين يقفان قرب سرير نومه ويراقبانه في رواية "المحاكمة"(2). وعبر السخرية تمكن من اختراق روح الابن؛ ومن خلال اللامعقوليّة اخترق الأخير جوهر العالم ومعقوليته. كان كافكا يشعر بسطوة ووطأة نظرة والده، وهذا ما جعله غير قادر على التصالح مع ذاته، ومع العالم، إذ أسهمت هذه النظرة في وسم علاقته بهذا الأخير، وهي تقوم على الذنب الذي تركه فيه هزاله ورفض الأب له.

يبدو الأب خلف كل الكلمات التي يكتبها الأدب وتخطّها الفلسفة، فـ"لأنا" التي تنبت في تربة الآباء، ومهما رنَت بعيدًا عن الجذور، يجري في نسغها حضوره. إذ يطبع بطابعه المستقبل حتى في غيابه. والقاعدة هنا أننا نحب الآباء الطيبين، لكننا سنسعى جهدنا ألاّ نشبههم وهم يدركون ذلك. فالمسالمون منهم يرتضون بالاختلاف، والأكثر عنادًا سيسعون بكل جهد ليتجذّروا في أعماق مستقبلنا؛ واللاّفت أن الأدب في تاريخه الأكبر قائم على قتله وإحيائه من جديد.
سائرًا فوق درب الألم يقف خوسيه في رواية "ساق البامبو"(3) للكاتب الكويتي سعود السنعوسي. يقف البطل بملامحه الفلبينية في مطار الكويت، يريد أن يلتقي والده. صحيح أن الأب مات في حرب الكويت، لكنها الأرض التي شهدت حياته واحتضنت رفاته. لقد حدثته أمه عن والده وهو يرغب في أن يتنفس الهواء الذي تنفسه ذات يوم. لا شك في أن خوسيه بخلاف أوديب ليس عائدًا ليقتله، بل ليملأ فجوة غذّتها حكايات الأم بوصفها للأب البعيد. على عكس أوديب الذي يشعر بالحسد والمنافسة، ويريد أن يمتلك امتيازات والده؛ كان خوسيه عائدًا للقاء بوطنه ومنبع وجوده.
وفي رواية "بيدرو بارامو"(4) تكون العودة إلى "كومالا" مدينة الأموات للقائه، صحيح أنها تبدو كعملية ثأر: "خذ منه غاليًا ثمن الهجران الذي تركنا فيه"، لكن الحقيقة أنها رحلة أخيرة نحوه؛ لذا لن يعود الشاب من رحلته، سيموت هناك بجانب والده بعد أن يفهم حياته.
يمكن القول إنه وبمقدار ما نبتعد عنه فإننا نخلق وبشكل قهري مطلقنا، وبمقدار ما نسخر من أوهامه نخلق أوهامنا، فالتورط بمطلق الأب يبدأ لحظة مفارقته، ولكن سيطول اكتشاف ذلك. إذ يمكن قتله عبر تدخين السجائر وأحلام اليقظة العاطفية، والسير بعكس خطواته، لكن كل عمل أدبي هو انعطافة في اتجاهه، أو تلويحة اعتذار له.

في خاتمة رواية "ألعاب العمر المتقدّم"(5)، يروي المؤلف لويس لانديرو، قصة روايته، وأنه حين كان شابًا صغيرًا (إسبانيا، 1959) أخذوهم مع مروّضي الوحوش ورجال السيرك إلى طريق المطار لاستقبال الرئيس الأميركي آيزنهاور، وكان الجنرال فرانكو يرتدي قفازات بيضاء، ويحيي بوهن، وبيد متيبسة، وكان آيزنهاور يرد على الحشود بنزع قبعته، وإعادة وضعها على رأسه. يكتب لانديرو: "رويت المشهد لأبي الذي لم يملّ من سماع الوصف: إروِ لي ذلك مرة أخرى، ماذا كان يفعل المروّض، كيف كان آيزنهاور يحرك قبعته؟ وهكذا ولد خليل، بطل ألعاب العمر المتقدم الذي كان يطالب بكشف حساب عن التقدم الذي وصلت له المدينة". وتنتهي الرواية بلقاء الأب الرمزي/ خيل والابن غريغوريو أولياس في حظيرة صغيرة كتب فوقها "منتدى فاروني الثقافي".
يعترف لويس لانديرو: "حسنًا، أظن أن أبي هو خيال في العمق". ويتعامل بول أوستر في كتابه "اختراع العزلة"(6) مع والده كحالة أدبية، إذ يريد أن يثبّت الوجود الزائل للأب عبر سبر الموت الرمزي الماثل في عزلة والده الذي أراد أن يكون لا مرئيًّا. والكشف الذي يحدث هنا يتعلق بأمر في غاية الأهمية، وهو الذات التي تنسحب. فالانسحاب كما وصفه أوستر له دلالات تأويليّة، إنه انتقام من العالم، موت مسبق وفناء معترف فيه، إذ تنكشف شخصية الأب من خلال عاداته التي تشكل جزءًا من كينونته؛ لذلك يتحدث أوستر من الذاكرة إلى جانب تحليل طباع رجل ألف العادة، وأراد لها أن تطمسه.
ينقّب أوستر في آثار والده، وأغراضه، كبرهان على عزلته، ويصبح موته بمثابة وسيلة للكشف، ومن خلال هذا التنقيب، يتكشف ماضي الأخير عبر الأشياء التي لمسها وتركها. هذا الفهم يجعله ظاهرة، ويكشف عن الميل لجرح هذا الوجود عبر الخفة التي ميزت علاقته بالعالم والناس. ذات مغلقة لا يمكن لشيء اقتحامها، هذه الذات تترك في الابن شعورًا باللاجدوى، واستحالة التواصل. فهذا الجليد الذي تشكل منه والده هو ما يحاول أوستر سبره عبر تحليل الحياة الداخلية العصية حتى على صاحبها، للتصالح مع الأب الذي كان لاهيًا عن أي وجود لطفله.
إنّ قراءة هذه الأعمال يطرح سؤالًا حول الحضور الرمزي والجوهري للأب في لاوعي الإنسان، فالفهم هو محاولة للتواصل مع غيابه. ومنابع الرفض والتمرد في الأعمال الأدبية لا تحيد عنه.
يلدنا آباؤنا مرتين: مرة بمنحنا الحياة، ومرة بموتهم. في الأولى، نكون أطفالًا، وفي الثانية نهرم. وسندرك متأخرين أننا كنا نجتر العشب ذاته الذي مرّ في فم الآباء؛ يكتب سارتر: لكل إنسان مكانه الطبيعي، لا الكبرياء، ولا القيمة، هما اللتان تحددان ارتفاعه: "إنّ الطفولة هي التي تقرر".
ما إن يصبح الرجل أبًا حتى تسقط ورقة من شجرة العالم. ولفهم النزعات الفكريـّة والأدبية: فتّش عن الأب. حتى الرفض هو شكل من تأكيد الحضور، وكأنّ حياة أحدنا أشبه بالقارب الذي اعتقدنا مرة أنه سيبحر بعيدًا عنه حدّ أن موجنا لن يتلاقى مع موجه، وإذْ بنا نكمل ما تركه خلفه.


هوامش:
(1) جان بول سارتر، الكلمات، ترجمة محمد مندور وخليل صابات، دار شرقيات للنشر والتوزيع.
(2) فرانز كافكا، المحاكمة، ترجمة جرجس منسي.
(3) سعود السنعوسي، ساق البامبو، دار كلمات.
(4) خوان رولفو، بيدرو بارامو.
(5) لويس لانديرو، ألعاب العمر المتقدم، ترجمة، صالح علماني.
(6) بول أوستر، اختراع العزلة.


* كاتبة سورية.

 

عن (ضفة ثالثة)