في مقالته الشهيرة "ما المؤلف؟"، تحدّث ميشال فوكو عن "اسم المؤلف" (1) بوصفه لا يقف خارج النص، بل يؤدي وظيفة داخل الخطاب، ويسهم في تصنيف النصوص وتحديد طريقة تلقيها، فالاسم ليس علامة محايدة، وإنما يدخل في تشكيل هوية الكاتب وموقعه داخل المجال الأدبي. لذلك عرفت علاقة المرأة الكاتبة بالاسم، في تجارب أدبية وثقافية مختلفة، تحولات مهمة: من إخفاء الاسم الحقيقي والالتجاء إلى الاسم المستعار بوصفه درع نجاة، إلى تحوّله لاحقًا إلى تعبير عن هوية أدبية، وصولًا إلى الحاجة أحيانًا إلى سند خارجي يثبت شرعيته الإبداعية.
وعلى امتداد تاريخ المرأة الكاتبة، بدت إشكالية الاسم معقدة، تعكس في جانب منها طبيعة الوضع الملتبس للمرأة في المجال الأدبي داخل مجتمع تحكمه خصوصياته الاجتماعية والثقافية. فكيف تشكلت علاقة المرأة الكاتبة باسمها؟ وإلى أي مدى استطاعت أن تتحكم فيه، وأن تجعله يعكس هويتها الإبداعية ويمنح النص استقلاله عن سلطة الآخرين؟ لعل تجربة المرأة العربية الكاتبة تلتقي، في بعض جوانبها، مع مشاغل المرأة الكاتبة وأسئلتها في تجارب وثقافات أخرى، لكنها تختلف عنها أيضًا وفق سياقات اجتماعية وثقافية مغايرة. فما خصوصية علاقة الكاتبة العربية باسمها؟ وما الرهانات التي تطرحها هذه العلاقة في مسارها نحو تثبيت حضورها الأدبي؟
1- الاسم بوصفه قناعًا
عندما وضع جيرار جينيت مفهوم "عتبات النص"، قصد العناصر التي تسبق النص وتحیط به، مثل العنوان والإهداء والغلاف واسم المؤلف وغيرها، واعتبرها من مكوّنات النص الموازي التي تسهم في توجيه القراءة والتأثير في تلقي النص (2). أن يضع المؤلف اسمه واضحًا على غلاف كتابه يعكس رغبة في التواصل مع القارئ بوجه مكشوف، ويشير أيضًا ضمنًا إلى رغبة في تقديم نفسه وعمله بمسؤولية كاملة، لكن لم يكن الوضع دائمًا بهذا الشكل، إذ نجد في التاريخ الأدبي العديد من المؤلفين يتراجعون عن التعريف بأنفسهم ويضعون حواجز مع القارئ ويختارون الكتابة من خلف أسماء مستعارة لإخفاء الهوية، وبمرور الوقت يصير القناع هو الوجه الظاهر أمام الآخرين، الوجه الأكثر شهرة وتحققًا أدبيًا. حدث هذا في كل الثقافات تقريبًا ولكلا الجنسين.
في سنة 1804 وُلدت أمانتين أوروا لوسيل في فرنسا، التي ستعرف لاحقًا باسم "جورج صاند"، تَخَفَّت باسم رجل لتكتب كل نصوصها، وفي سنة 1886 وُلدت في الناصرة ماري إلياس زيادة، التي اختارت لنفسها اسم "مي" وعُرفت باسم مي زيادة. واختارت عائشة عبد الرحمن أن تنسب إلى المكان لتكتب تحت اسم مستعار هو "بنت الشاطئ". لم يقتصر الأمر على النساء فقط، فقد عُرف عن العديد من مشاهير الأدب لجوئهم إلى الكتابة تحت أقنعة، من ذلك أن علي أحمد سعيد صار أدونيس، والكاتب الجزائري محمد مولسهول الذي نشر رواياته باسم ياسمينة خضرا، وهو اسم زوجته، والقائمة تطول.
2 - الاسم المستعار: من درع النجاة إلى صناعة الحضور
التجأت بعض النساء المبدعات إلى الكتابة باستعمال أسماء مستعارة، يخترنها من المكان الذي ينشأن فيه، للتعبير عن انتمائهن المتجذر في الفضاء المكاني، بكل ما يمثله من إرث ثقافي وقيم أخلاقية وضوابط اجتماعية، فنجد: "بنت الشاطئ" (3)، و"بنت البادية"، و"بنت البحر".
الانتماء إلى المكان لا يعني أن المرأة ترفض قيم المكان وثقافته، غير أن في تلك الثقافة وعيًا ذكوريًا يميل إلى التشدد، ويمنع المرأة من حقها في حياة عادية تتوافر فيها شروط إنسانية من كرامة وتقدير، ويَحُول دون تحقيقها لذاتها من خلال وسائط متعددة، من بينها الكتابة التي تسمح لها بالخروج إلى المجتمع للتعبير عن رؤيتها للعالم، وموقفها من الوجود، وآرائها في الحياة، وانفعالاتها في تجارب مختلفة.
من خلال مناورة واعية، تعلن المرأة الكاتبة تشبثها بالمكان وانتماءها إليه، وفي الوقت نفسه ترفض الوعي الذكوري المتشدد الذي يحاصر حضورها فيه؛ لذلك تلجأ إلى الكتابة تحت اسم مستعار يستمد شرعيته من المكان نفسه.
كأن المرأة تريد أن تقول: أنا ابنة هذا المكان، ولذلك لي الحق في أن أتكلم باسمه ومن داخله.
2أ - الاسم المستعار: درع نجاة
أظهرت بعض الدراسات أن استعمال الكاتبات للأسماء المستعارة لم يكن مجرد وسيلة لإخفاء الهوية، بل ارتبط أيضًا باستراتيجيات الظهور والتفاوض مع المجال الأدبي وبناء صورة المؤلفة (4). ومن هنا يمكن النظر إلى الاسم المستعار لا بوصفه أداة للاختفاء فحسب، وإنما بوصفه وسيلة لإتاحة الظهور؛ فالكاتبة تخفي هويتها الاجتماعية لكي تُظهر صوتها الإبداعي، بمعنى أن الاسم المستعار، أو الاسم البديل، لا تعتمده المرأة للتخفي من المجتمع أو للهروب منه أو للتخفيف من تشابكاته؛ فهي تلجأ إليه لتخفي نفسها من جهة، ولتُبرز أفكارها ومواقفها وانفعالاتها من جهة أخرى. لذلك يتحول الاسم إلى قناع يقيها شرّ المجتمع المنغلق، وفي الوقت نفسه يتيح لها التعبير عن ذاتها. وهذا يعني أن غايتها من استعمال الاسم المستعار ليست الاختفاء في حد ذاته، بل البروز وتقديم ذاتها بدون الدخول في مواجهات قد تعطل مسارها، وتشوش أفكارها، وتجهض أحلامها. كأن المرأة تقول، بصورة ضمنية: "لكي أستطيع أن أكتب، ينبغي ألا يعرفوا أنني أنا التي أكتب".
فالاسم المستعار هنا يصبح قناعًا دفاعيًا في مواجهة مجتمع يرى المرأة من خلال موقعها الاجتماعي والجندري قبل أن يراها كاتبة، في ظل ثقافة محافظة تميل إلى التشدد وتحاصر المرأة في البيت. وهذا يعني أنها ثقافة تتعمد إخفاء المرأة تمامًا عن المشهد العام. لذلك وظيفة الاسم المستعار هنا ليست إخفاء المرأة، بل تقديمها حتى تستطيع أن تعبر عن إبداعها بدون عوائق، فهو قناع دفاعي يخفف عنها المواجهات التي تعرقل مسيرتها ويحميها من تشدّد المجتمع.
إن الاسم المستعار لا يؤدي بالضرورة وظيفة الإخفاء بقدر ما قد يتحول إلى وسيلة لإتاحة الظهور؛ فالكاتبة تخفي هويتها الاجتماعية لكي تُظهر صوتها الإبداعي، وتدخل إلى المجال الأدبي من دون أن تجعل هويتها عائقًا أمام تلقي نصها. ينطبق هذا على ملك حفني ناصف التي اختارت أن تكتب تحت اسم "باحثة البادية" لتكون إحدى أهم أصوات الحركة النسوية في مصر في بداياتها، وقد نشرت باحثة البادية آراءها في قصائدها وفي مقالات صحافية كانت تنشرها في كبرى صحف مصر في ذلك الوقت مثل "الصحيفة" و"المؤيد".
أيضًا نجد عائشة عبد الرحمن، وهي ابنة عالم في الأزهر وحفيدة شيوخ وعلماء دين، منعها والدها من الذهاب إلى المدرسة، فالتجأت إلى التعلُّم في البيت، وقد استطاعت بفضل ذكائها ونبوغها أن تتفوق دراسيًّا، ومن ثَمَّ دخول الجامعة. تحدثت عائشة عبد الرحمن في سيرتها الذاتية فأشارت إلى أن الفضل في ذلك يعود إلى أمها التي دافعت بشراسة عن حقها في دخول الجامعة، وتحصلت على الدكتوراه. التجأت عائشة عبد الرحمن إلى الكتابة تحت اسم مستعار هو "بنت الشاطئ"، وكتبت في كبرى الصحف في زمنها، كما أصدرت العديد من الكتب، من بينها "أعداء البشر" و"أرض المعجزات".
2 - الاسم المستعار: حين يصبح القناع هوية
كانت الكاتبة تستخدم اسمًا مستعارًا لأن اسمها الحقيقي يمثل خطرًا عليها، لكن استمرار النشر بهذا الاسم، وتكوّن قراء ونقاد حوله، وتراكم الدراسات النقدية والمراجعات والندوات، يحوّله تدريجيًا إلى ذاكرة أدبية. أي إن الاسم المستعار يصبح معبِّرًا عن شخصية المرأة الكاتبة في المجال الأدبي، وقد تصبح الكاتبة معروفة باسمها المستعار أكثر مما هي معروفة باسمها المدني. عندها لا يعود الاسم المستعار مجرد درع للنجاة، بل يتحوّل إلى هوية أدبية.
في سنة 1935، وُلِدت في مدينة صيدا بجنوب لبنان حكمت الخطيب، نشأت في بيئة تشجع على العلم والمعرفة، زاولت دراستها في لبنان إلى حين حصولها على شهادة الدكتوراه من السوربون في فرنسا. وجدت حكمت في اسمها حرجًا لأنه يُطلق على الذكر والأنثى، ولذلك اختارت أن تغيِّره كاملًا، فتحولت من حكمت الخطيب إلى يُمنى العيد. هنا يتحول الاسم المستعار من التعبير عن الانتماء إلى مكان جغرافي معين بكل دلالاته الثقافية، إلى اسم جديد تختاره صاحبته بنفسها لتعبر عن إرادتها وحريتها التامة في أن يكون لها الاسم الذي يمثِّل هويتها الأدبية بدلًا عن هويتها المدنية، وتختار ليعرفها الجميع به، حتى إنه لا أحد ينتبه الآن أن يُمنى العيد في الحقيقة هي نفسها حكمت الخطيب (5). اختارت يُمنى اسمًا جديدًا يبعدها عن تلك الثنائية التي تجمع الذكر والأنثى، وكان الاسم الجديد "يمنى"؛ فيه نوع من الليونة والخفة، ويوحي بالخير والبركة والتفاؤل. ونلاحظ أن هذا القطع لم يشمل الاسم فقط، بل اختارت لنفسها لقبًا جديدًا، وكأن المرأة بذلك لم يعد يعنيها الارتباط بالمكان، بل أصبحت مستعدة للتخلي عن مؤسسة العائلة نفسها، وبذلك تقطع مع كل الإرث الثقافي، لتكون المرأة الكاتبة القوية والمتمردة، التي باستطاعتها أن تعلن عن ولادتها من جديد، وأن تختار هويتها بنفسها. مع يمنى العيد يصبح الاسم المستعار أداة للتحرر من الهوية الاجتماعية المفروضة، فبذلك لم يعد الاسم المستعار يخفي الهوية الشخصية للكاتبة ليسمح لها بالتعبير عن ذاتها، بل أصبح هو الطريقة التي تظهر بها المرأة، وتتحوّل تدريجيًا إلى هوية أدبية مستقلة. وبهذا تعلن المرأة عن ولادتها من جديد، فكأني بها تقول: لا تقرؤوني بوصفي "امرأة تكتب"، بل بوصفي "كاتبة".
في سنة 1819 وُلدت في إنكلترا ماري آن إيفانس، في مرحلة كانت تشهد تحوّلات اجتماعية وفكرية كبيرة، في ظل هيمنة أفكار محافظة على مجتمع كان يتجه نحو مزيد من التحرّر الاقتصادي، بما خلَّفه ذلك من تأثيرات عميقة في أفراده. اختارت ماري آن إيفانس دخول المجال الأدبي الذكوري باسم ذكوري. أي أنها لم تنسحب من المجال ولم تتعامل معه عن مسافة، بل اختارت أن تواجهه من داخله، وبهذا لا تقطع ماري آن إيفانس انتماءها العائلي فحسب، بل تعيد من خلاله تشكيل حضورها الجندري داخل المجال الأدبي، لتصبح جورج إليوت (6).
اختارت ماري آن اسمًا ذكوريًا، كما فضلت أن تتمثَّل هذه الهوية الذكورية في حياتها اليومية، فأصبحت ترتدي لباس الرجال وتدخل مجالسهم وتدخن الغليون وترفع صوتها عاليًا، وهي حركة قوية من امرأة لم تفضل أن تواجه عن بعد الوعي الذكوري لكي تقاوم نزعته إلى المحافظة، بل اختارت أن تقتحمه من الداخل وتعيش نمط حياته لتكتب كل ما تفكر به وكل ما تحمله من آراء ومشاعر وانفعالات. وهكذا اختارت ماري آن إيفانس، أو جورج إليوت، أن تختبر موهبتها وقدرتها على النجاح الأدبي، فأصدرت سنة 1859 روايتها الأولى "آدم بيد"، التي حققت نجاحًا كبيرًا وأثارت موجة من التساؤلات حول هوية هذا "الكاتب" الجديد. وقد اضطرت ماري آن إيفانس إلى الإعلان عن أنها هي نفسها جورج إليوت. واللافت أنها، بعد هذا الاعتراف، حافظت على هذا الاسم المستعار، وقدَّمت كل منجزها الأدبي تحت اسم "جورج إليوت"، ليصبح حاملًا لهويتها الأدبية.
تمسك ماري آن إيفانس باسم جورج إليوت لم يعد مجرد قناع لتكتب، بل تحوّل إلى نمط حياة وأسلوب كتابة، أي تحوّل إلى استراتيجية اجتماعية وأدبية، فهي لم تختر لها موقعًا معاديًا للرجل ولا مساحة بينهما، بل اقتحمت عالم الذكور وعاشته وكتبت منه، كما أنها اختارت أن تُقرأ أعمالها لا بوصفها "امرأة تكتب" بل بوصفها "ذاتًا تكتب"، وكأنها تقول "اقرؤوا النص من الداخل من دون أحكام قبلية".
وبهذا حرّرت ماري آن إيفانس نصوصها من كل توقعات اجتماعية وأدبية مسبقة، وهي جرأة منها أن تترك كل نصوصها بعيدًا عن تأثيرات اسم صاحبها ونفوذ أصدقائه، وقد حققت رغم ذلك انتصارات أدبية جعلتها واحدة من أهم الأسماء التي تركت أثرًا في الرواية الأوروبية والعالمية. كان يمكن لجورج إليوت ويُمنى العيد (مثلًا) أن تعودا إلى اسميهما الحقيقيين، لكنهما لم تفعلا، لأن الاسم المستعار تجاوز وظيفته الدفاعية وأصبح جزءًا من الهوية الأدبية.
3 - من امتلاك الاسم إلى طلب الاعتراف: حاجة الكاتبة العربية إلى الوسيط
شهدت المجتمعات تطورات عديدة، ودخل الفعل الكتابي مرحلة توهج سمحت بظهور أسماء نسائية عديدة في كل الثقافات، ساهمت في إثراء المنجز الأدبي وتراكمه، بحيث لم يعد اسم الكاتبة يُشكّل خطرًا على البيئة التي تعيشها الكاتبة مثلما كان في السابق، وخَفّت الحاجة إلى القناع، وهنا ظهرت حاجة أخرى هي: الحصول على الاعتراف. تعززت الوساطة الأدبية، التي تبدو شائعة في مختلف الثقافات، واتخذت أشكالًا مختلفة، أبرزها المؤسسات المرتبطة عادة بدور النشر، والتي تضم المحرر والمدقق اللغوي، وتنفتح على الناقد والإعلامي، بحيث يعمل كل منهم، كلٌّ من موقعه، على تقديم الاسم الأدبي ومنحه شرعية تسهم في ترسيخ حضوره ونجاحه. وقد برزت هذه الوساطة مع انتشار الرواية وذيوع صيتها، واشتدت مع تطور المنظومة الاقتصادية التي أدخلت الرواية في مجال الاستثمار والربح، فتحول الروائي نفسه، بالنسبة إلى دور النشر، إلى منتج يمكن أن يحقق عائدًا اقتصاديًا. وبذلك تحول الاسم الأدبي بدوره إلى صناعة. وقد شمل هذا الأمر الروائيين والروائيات على حد سواء، وفي مختلف الثقافات. وقد أشار بيير بورديو صراحة إلى دور الناشر في منح النص والمؤلف وجودًا عامًا معترفًا به (7).
العديد من المقدمات التي تضمنتها روايات جين أوستن مثلًا كانت بأقلام شخصيات أدبية وثقافية مرموقة، ساهمت في التأثير على المتلقي واستطاعت أن توجه اهتمامه لتلك الروايات التي استفادت من هذا التمهيد واستطاعت أن تحقق نجاحًا لافتًا، بمعنى أن المؤسسة الأدبية نفسها كانت تنتج وسطاء يملكون سلطة منح النص مكانته. وهنا نقترب جدًا من بيير بورديو الذي يعتبر أن الحقل الأدبي لا يعمل فقط بالنصوص، وإنما أيضًا بمواقع الفاعلين، والاعتراف، والرأسمال الرمزي، والمؤسسات والوسطاء (8). حتى إن الدراسات الحديثة عندما تتناول صناعة النشر تتحدث صراحة عن دور هؤلاء الوسطاء بوصفهم أصبحوا بمثابة حراس للبوابة الأدبية، وتحديدًا عرابي الرواية الغربية.
في المقابل، تشير دراسة عن النشر العربي إلى أن الشكل المؤسسي يغيب عن نسبة مهمة من دور النشر العربية، بمعنى لا نجد تضمين المحرر والمدقق، واستقطاب الناقد والأكاديمي والإعلامي، وهو ما يعني أن وجود المحررين المتخصصين لا يزال محدودًا نسبيًا، وأن من التقاليد الموجودة في أجزاء من العالم العربي أن يدفع المؤلف للناشر في مقابل إنتاج طبعات صغيرة من كتابه. ولا يعني ذلك غياب مؤسسات نشر عربية مهنية فعلًا؛ فبعضها يعلن صراحة عن وجود فرق تحريرية متخصصة واستراتيجية واضحة لصناعة الكتاب، غير أن غياب هذا التنظيم المؤسسي عن نسبة مهمة من دور النشر يجعل بعضها أقرب إلى محالّ لطباعة الكتب ونشرها والتعامل معها بوصفها منتجًا تجاريًا إذا لم تكن المؤسسة هي التي تمنح الاسم الأدبي شرعيته، فمن الذي يقوم بهذه الوظيفة؟ هنا تحدث فجوة عميقة بين الكاتب وكتابه، ويضطر هذا الأخير إلى ملء الفراغ الذي تخلفه أغلب دور مؤسسة النشر، والبحث بنفسه عن اسم يعتبر سندًا له يساهم في حسن تقبل روايته لدى المتلقي.
وفي هذا الإطار تبرز إشكالية بالنسبة للمرأة الكاتبة عندما يتحول سؤالها من: الحاجة إلى اسم مستعار يمثل درعًا لها لتكتب بأمان، إلى الحاجة إلى اسم له سلطة أدبية يمنح قيمة أدبية لما تكتبه، هذا الاسم الكبير الذي تحتاجه المرأة الكاتبة يصبح بديلًا عن المؤسسة الأدبية التي تمثلها عادة دور النشر بما هي شبكة من المصالح والوظائف المتشابكة التي تروّج للعمل الأدبي وتعمل على "صناعة" اسم صاحبه.
إذا كان اسم المرأة في الماضي خطرًا ويعيش هشاشة تجعلها تلجأ إلى اسم مستعار لتدافع عن نفسها وتقدم أعمالها الإبداعية، فقد أصبح اسم المرأة يحتاج إلى اسم آخر ليثبت هويته الأدبية.
في سنة 1953 وُلدت في تونس الروائية الجزائرية أحلام مستغانمي، التي انتقلت بعدها إلى وطنها الجزائر. في سنة 1993 أصدرت روايتها الحدث "ذاكرة الجسد" التي قدّم لها الشاعر السوري الكبير نزار قباني، وحققت انتشارًا جماهيريًا واسعًا وتُرجمت إلى عدة لغات. النص الذي كتبه نزار لتقديم رواية "ذاكرة الجسد" كان بليغًا ومؤثرًا وبالغ الدلالة، لم يكتفِ القباني بالقول إن الرواية جيدة، بل وصل إلى درجة القول إنه لو طُلب منه أن يضع اسمه عليها لفعل ذلك ("الحوار المتمدن"). هكذا ساهم اسم نزار قباني، بما يمتلكه من شهرة واسعة ورأسمال رمزي هائل، في نقل رواية أحلام مستغانمي من دائرة الكتابة الجديدة إلى دائرة الاعتراف الأدبي الواسع، ورفعها من موهبة مغمورة إلى روائية مشهورة.
قال نزار قباني في تقديم رواية "ذاكرة الجسد": "روايتها دوختني. وأنا نادرًا ما أدوخ أمام رواية من الروايات، وسبب الدوخة أن النص الذي قرأته يشبهني إلى درجة التطابق، فهو مجنون ومتوتر واقتحامي ومتوحش وإنساني وشهواني وخارج على القانون مثلي. ولو أن أحدًا طلب مني أن أوقّع اسمي تحت هذه الرواية الاستثنائية المغتسلة بأمطار الشعر... لما تردّدت لحظة واحدة" (10).
لم يكتب نزار قباني الرواية لكنه فعل شيئًا آخر على غاية من الأهمية، وهو أنه وضع اسمه بجانب اسم أحلام مستغانمي، وهكذا نقل جزءًا من شهرته الواسعة إلى رواية جديدة، ومنح جزءًا من سلطته المعنوية الكبيرة إلى روائية شابة، وهكذا نستطيع أن نقول إن سلطة الاسم قد منحت النص الضوء الذي يحتاجه ليحلق عاليًا وبعيدًا. هنا يمكن أن نسأل: هل تحررت الكاتبة العربية من سلطة النظرة الذكورية للمجتمع الذي أرغمها على استعمال اسم مستعار، أم أنها استبدلت خضوعها بشكل آخر أكثر نعومة؟ كانت المرأة الكاتبة في الماضي تحتاج إلى الاختباء من الرجل لكي تكتب. ثم أصبحت تحتاج إلى اعتراف الرجل لكي تُعرَف ككاتبة.
هنا يصبح التقديم، والشهادة النقدية، والإشادة من كاتب كبير، ومن ناقد معروف، ومن مؤسسة أدبية مرموقة ليست مجرد تفاصيل بروتوكولية، بل يمكن التعامل معها بوصفها استراتيجية للاعتراف ودبلوماسية ناعمة من أجل امتلاك الشرعية الأدبية. هنا نلاحظ أن مانح الشرعية قد تحوّل إلى أب رمزي يقوم بدور الشاهد على القيمة الأدبية، لأنه يقود المرأة الكاتبة إلى البوابة الأدبية ويقوم بالمطلوب ليجعل المتلقي جاهزًا لتقبّل النص والتفاعل معه.
هنا نجد أنفسنا في مواجهة سؤال إشكالي: هل نحن أمام استمرار لبنية أبوية تأتي بها الكاتبة من مؤسسة المجتمع وتدخل بها المجال الأدبي، أم أننا أمام استراتيجية واقعية من الكاتبة للدخول إلى حقل لا تزال آليات الاعتراف فيه غير مؤسسية بما يكفي؟...
4 - إيلينا فيرانتي: الإعلان عن اختفاء المؤلف
يبدو أن المشهد الروائي كان بحاجة شديدة إلى ولادة امرأة سنة 1943 في مدينة نابولي الإيطالية، اختارت أن تكتب تحت اسم مستعار هو: إيلينا فيرانتي. لَقِيت الأعمال الروائية لإيلينا فيرانتي نجاحًا مذهلًا، وتُرجمت إلى نحو أربعين لغة، ورغم ذلك تتمسك الكاتبة بسرية هويتها الحقيقية. وعلى الرغم من الشهرة التي جلبت لها دعوات مهمة في أبرز عواصم العالم، فإنها كانت تعتذر عنها، متمسكة باسمها المستعار. وقد حاول العديد من الصحافيين الاستقصائيين تتبع أثرها والكشف عن هويتها، فظهرت، في كل مرة، تخمينات مختلفة؛ فُرُشحت أسماء عدة، من بينها مارسيلا مارمو، الأستاذة التي كانت تُدرّس في جامعة بيزا، ثم أنيتا رجا، المترجمة المعروفة، وغيرهما. غير أن أيًا من هذه الفرضيات لم تحظَ بتأكيد رسمي، وظلت الهوية الحقيقية لإيلينا فيرانتي غير معلنة (11).
يبدو أن فيرانتي تعتبر أن التمسك بسرية هويتها هو جزء من خطتها في الكتابة، وأعتقد أن ذلك يوافق إلى حد كبير رؤيتها للعملية الأدبية في ذاتها، فمن المقولات التي انتشرت لها من خلال الحوارات القليلة التي أجرتها عبر ناشرها وبواسطة الإيميل، تقول فيرانتي: "الكتب بمجرد أن تكتب فهي لا تحتاج إلى كاتبها"، وهذا يعني أن إخفاء الاسم هو جزء مهم من العملية الإبداعية، فكأنها تقول: "لا تهتموا باسمي بل بنصي". بهذا المعنى، تبدو الحركة التي تقوم بها فيرانتي مثيرة وخطيرة جدًا؛ فهي تسحب من النص اسم صاحبه الحقيقي الذي يملك سلطة عليه، وتمنح النص إلى اسم مستعار نكرة، اسم بلا سند اجتماعي وبلا حظوة، أي تقدم نصّها عاريًا من كل ما يشدّه إلى الواقع، تقدم نصّها للقراء من دون أن تشغل بالها بالمتلقي، وهي طريقة خطيرة تجعل النص وحيدًا في مواجهة القارئ والناقد والناشر.
هنا يتحول الاسم المستعار إلى جزء من النص، لأنه يُعبّر عن طريقة إيلينا فيرانتي في التعاطي مع الكتابة في ذاتها، ويعكس استراتيجيتها في الترويج للكتاب من دون وسائط، بمعنى فيرانتي لا تستخدم الاسم المستعار لكي تختبئ من الكتابة، وإنما لكي تحمي الكتابة منها. ما قامت به إيلينا فيرانتي يُعدّ خطوة جريئة؛ لأنها تزيح سلطة المؤلف، وتصنع له هوية متخيلة، وتحيلنا بذلك إلى رولان بارت الذي ينادي بـ"موت المؤلف" بوصفه نزعًا لسلطته التأويلية. غير أن المؤلف عند بارت لا يختفي جسديًا، ولا يستبدل اسمه بآخر متخيل، بل يظل موجودًا، لكن سيرته ومقاصده وأفكاره وانفعالاته لا ينبغي أن تكون حاضرة في قراءة النص وتأويله؛ أي إن المؤلف موجود، لكن من دون سلطة على النص الذي كتبه (12). في حين أن فيرانتي تمثل خطوة جريئة إلى الأمام في إزاحة سلطة المؤلف نفسه كليًا، وتستبدله بهوية مؤلفية متخيلة. وهنا تلتقي تجربتها، على نحو لافت، مع أطروحة رولان بارت حول «موت المؤلف»، وإن اختلف مسار كل منهما.
فإذا كان بارت يعلن موت المؤلف داخل القراءة، فإن فيرانتي تعلن عن اختفائه تمامًا قبل القراءة، وكأن المؤلف الذي أماته بارت قامت هي بدفنه، وبذلك جعلت النص يتيمًا، يدافع عن نفسه بنفسه، ويتقدّم للقارئ تحت اسم مستعار متخيل بلا حضور اجتماعي وبلا تأثير مادي، هكذا تجعلنا إيلينا فيرانتي في مواجهة نص عارٍ من كل ما يشدّه إلى الخارج. يبدو أن فيرانتي لم تضف خطوة جريئة إلى مفهوم المؤلف عندما سحبته تمامًا، بل قامت بقلب الطاولة كليًا على المرأة الكاتبة نفسها التي كانت تحتاج إلى اسم مستعار لكي تختبئ وتكتب نصها، أما مع فيرانتي فإن الكاتبة نفسها تختفي تمامًا. وإذا كانت المرأة الكاتبة تتوسّل بواسطة اسم آخر لتمتلك جزءًا من سلطته، فإن فيرانتي تحذف عن النص كل سلطة ممكنة وتجعله عاريًا بلا سند في مواجهة القارئ.
فالمرأة بدأت تاريخيًا وهي تقول: "لا أستطيع أن أكتب باسمي"، ثم وصلت إلى مرحلة تقول فيها: "أحتاج إلى اسم يعترف بي"، وفيرانتي تصل إلى النقطة المعاكسة تمامًا: "أستطيع أن أكتب، وأحقق الشهرة، وأصنع المجد الأدبي، من دون أن أمنحكم اسمي الحقيقي أصلًا". رغم الثورة التي أحدثتها إيلينا فيرانتي، فإن البحوث الاستقصائية التي لا تزال تبحث عن الشخصية الحقيقية لإيلينا فيرانتي تدل على رغبة في استعادة الاسم ليستعيد النص توازنه ووضعه المقبول اجتماعيًا وأدبيًا، وهذا يجعلنا لا نجزم أن فيرانتي تمثل مرحلة متقدمة من تطور الأدب وأسئلته، بل هي مرحلة حديثة لا يزال فيها المجتمع يعبّر عن رغبته في الاحتفاظ بالاسم.
يبدو أن أفضل ما فعلته فيرانتي أنها تجعل أفق التعاطي مع الكتابة أرحب، وننتظر ربما مقاربات مختلفة عن علاقة المؤلف بالنص، وتحديدًا عن علاقة المرأة الكاتبة بنصها. ولعل هذا يجعلنا نسأل: هل فعلًا يمكن أن يتحرّر النص من المؤلف، أم أن قدره أن يظل يرافقه من خلال وسائط عديدة؟ لذلك، في الوقت الذي تتخلى فيه فيرانتي كليًا عن سطوة الاسم، نجد الكاتبة العربية لا تزال تبحث عن قيمة الاسم وقدرته على التأثير في تلقي النص الأدبي، بل ويبدو أن البعض متمسكات بفكرة الاسم، الأب الروحي المنقذ أو العرّاب الذي سيأخذ بيد النص إلى القراء. وحتى نفهم الوضعية الإشكالية التي تواجه المرأة الكاتبة العربية، نلاحظ أنها انتقلت من أمر واضح يوجه لها: لا تكتبي، إلى سؤال استفزازي: من قال أنك كاتبة؟
وهكذا انتقلت المرأة الكاتبة من سلطة المنع إلى سلطة منح الاعتراف. ولعل خصوصية فيرانتي أنها لم تترك نفسها ككاتبة في وضع هش، بل هي التي فرضت على الآخر الوضعية الأدبية التي تريحها، وهي التالية: لا أحتاج إلى اعتراف منكم: اقرأوا النص بمعزل عن كل شيء فقط. ولعل هذا يجعلنا نتساءل: هل قيمة النص الأدبي مرتبطة باسم صاحبه أم باسم من يقف وراءه؟ هذا السؤال يجعلنا في مواجهة إشكالية بين سلطة يحتاجها النص ليكون، وسلطة تُحذف ليكون النص. وربما هذا يجعلنا في مواجهة أسئلة متعددة من أهمها: إذا كانت الكاتبة العربية قد تحرّرت من الخوف من إعلان اسمها، فهل تحرّرت بالقدر نفسه من الحاجة إلى اعتراف الآخر بهذا الاسم؟
عندما نعلم أن الاسم ليس مجرد علامة تعريف بالكاتب، إنه سلطة ورأسمال رمزي ووسيلة اعتراف، لذلك يبدو السؤال الأهم ليس لماذا تخفي المرأة الكاتبة اسمها أو لماذا تكشفه أو لماذا ستحتاج إلى اسم آخر يسندها، بل: هل استطاعت المرأة أن تجعل اسمها الأدبي مُلكًا لها، أم أن علاقتها بالاسم ظلت محكومة بنظرة الآخر، بحيث انتقلت من الخوف من أن يُعرف اسمها إلى الخوف من ألا يُعرف؟...
الإحالات:
الإحالات:
(1) Michel Foucault, "Qu'est-ce qu'un auteur?", Bulletin de la Société française de philosophie, 63e année, n° 3, juillet-septembre 1969, pp. 73-104.
(2) Gérard Genette, Seuils, Paris, Éditions du Seuil, coll. Poétique" , 1987".
(3) د. عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ وبنت الأهرام خاضت معركة أدبية مع العقاد وانتصرت إلى الشعر الجديد، مقال أحمد السيد النجار، في صحيفة "الأهرام" بتاريخ 6 كانون الثاني/ يناير 2016.
(4) Lucie Barette, Usage de la pseudonymie par les écrivaines-journalistes de presse féminine au XIXe siècle
CÉRÉdI: Actes de colloques et journées d’étude, n° 34.
(5) مؤمن سمير، مقال بعنوان "الحياة في مدينة الأسماء المستعارة... أدونيس ويُمنى العيد". موقع "الكتابة" 31 أيار/ مايو 2025
(6) Mary Ann Evans, dite George Eliot; Encyclopédie Larousse (7) ,(8) Pierre Bourdieu , Une révolution conservatrice dans l'édition.
Actes de la Recherche en Sciences Sociales. n° 126-127, 1999, pp. 3-28.
(9) د. خالد العزب، دراسة بعنوان "النشر في الوطن العربي (2015 - 2019)"، صدرت في شكل كتاب رسمي عن اتحاد الناشرين العرب في حزيران/ يونيو 2021 بالقاهرة.
(10) صدرت الطبعة الأولى من رواية «ذاكرة الجسد» للكاتبة الجزائرية أحلام مستغانمي في عام 1993 عن دار الآداب في بيروت.
(11) Eric Loret, Jérôme Gautheret et Florence Noiville, "Elena Ferrante: un scoop, et quelques doutes", Le Monde, 3 octobre 2016.
(12) رولان بارت، "موت المؤلف"، ضمن "نقد وحقيقة"، ترجمة وتقديم محمد برادة، دار توبقال، الدار البيضاء. الطبعة الأولى سنة 1986.
* كاتبة من تونس.
عن (ضفة ثالثة)