يكشف لنا الباحث هنا عن الأسس التي ينهض عليها مشروع إيريجاري النظري من نقد مركزية الذكورة في بنية المعرفة، إلى مساءلة الجذر الحضاري للاختلاف، مرورًا بتحليل اللغة بحسبانها بنيةً للهيمنة وإمكانًا لإعادة التشكيل، ثم بلورة مفهوم الكتابة الأنثوية، وصولًا إلى إعادة التفكير في الحب على نحو يجعله إمكانًا لعلاقة غير امتلاكية.

لوسي إيريجاراي: إعادة تمثيل الاختلاف الجنسي

صالح زيّـاد

 

تتحدّد مكانة لوسي إيريجاراي في سياق النسوية الفرنسية وما بعد البنيوية في ضوء مشروعها النقدي، الذي يسعى إلى تفكيك الأسس الفلسفية التي قامت عليها الثقافة الغربية في تمثّلها للاختلاف الجنسي، وإعادة التفكير في إمكاناته على نحو يتجاوز البنية الذكورية المهيمنة. وتتقاطع رؤيتها، في هذا الإطار، مع مشروعات كلٍّ من جوليا كريستيفا وهيلين سيكسو، وتفترق عنهما في آن، فهي تشترك معهما في نقد الخطاب الميتافيزيقي واللغوي السائد، وتنفرد بتركيزها على بناء تصور للاختلاف الجنسي يجعله مبدأً مؤسِّسًا للمعنى والعلاقة، لا مجرد موضوع للتحليل. ولذلك، فإننا لن نتناول مشروعها هنا في صورة نسق فلسفي مغلق، بل في مساراته التي تتقاطع فيها الفلسفة النسوية مع النظرية الأدبية، وتغدو قضايا مثل اللغة، والجسد، والكتابة، والعلاقة، مواقع تتداخل فيها الأسئلة الفلسفية مع الممارسة النقدية. وعلى هذا الأساس، اخترنا خمسة محاور تمثّل أبرز مداخل هذا المشروع، وتتيح قراءته من زاوية تُبرز إسهامه في توسيع أفق النظرية الأدبية ضمن إطار النسوية ما بعد البنيوية.

وتمتد هذه المحاور من نقد مركزية الذكورة في بنية المعرفة، إلى مساءلة الجذر الحضاري للاختلاف في أطروحة «قتل الأم»، مرورًا بتحليل اللغة بحسبانها بنيةً للهيمنة وإمكانًا لإعادة التشكيل، ثم بلورة مفهوم الكتابة الأنثوية، وصولًا إلى إعادة التفكير في الحب على نحو يجعله إمكانًا لعلاقة غير امتلاكية. وبهذا التدرّج، يتكشّف مشروع إيريجاراي لا من وجهته التفكيكية فحسب، بل من وجهة اقتراحه أيضاً لأفقٍ جديد تُعاد فيه صياغة العلاقة بين الذوات، وبين الخطاب والعالم.

نقد مركزية الذكورة وبنية المعرفة الغربية

تنطلق لوسي إيريجاراي في مشروعها النقدي من تفكيك البنية التي تنتظم بها الفلسفة الغربية والتحليل النفسي، كاشفةً أن ما يبدو نظامًا محايدًا للمعرفة إنما يقوم على افتراض ضمني لمركزية القضيب بحسبانه معيارًا وحيدًا للاختلاف الجنسي. فالأنوثة لا تُفهم في هذا النظام في صورة اختلاف إيجابي، بل في صورة نقصٍ من هذا المعيار وافتقارٍ إليه، كما يتجلى بوضوح في تصور فرويد لما يُعرف بـ«حسد القضيب». لكن إيريجاراي تُبيّن أن هذا المنطق لا يقتصر على التحليل النفسي، بل يتجذر في بنية المعرفة الغربية ذاتها، حيث تعمل الفلسفة، والعلم، والدين، والثقافة، ضمن خطاب يعيد كل اختلاف إلى مرجعية الواحد، ويتخذ من الذات الذكورية موقع الأصل الذي تُقاس عليه سائر التمثلات. وتُبنى نظرية «الذات»، في هذا السياق، على نموذج لذاتٍ تتمركز فتغدو أصلًا للعقل والتمثيل، في مقابل موضوع يُعامل على أنه مادة سلبية قابلة للإخضاع. ويجري تشكيل الأنوثة، تبعًا لذلك، في صورة الآخر الذي يتيح للذات أن تعرف نفسها وتتمايز عنها، فالأنوثة، هنا، هي ما ينبغي تمثيله والسيطرة عليه([1]). وهكذا يتأسس البناء المعرفي على ردّ الاختلاف إلى المماثلة أي إلى مرجعية الواحد، فيُعاد إنتاجه في صورة تراتبية تقرن الفاعلية بالعقل والذكورة، والسلبية بالمادة والأنوثة.

ولا تقف إيريجاراي عند كشف هذا البناء، بل تُظهر أن مركزية الذكورة ليست مجرد محتوى داخل الخطاب، بل آلية تنظّم الخطاب ذاته وتحدد شروط إمكانه، وهو ما يتجلّى بوضوح في الخطاب الفلسفي الذي تصفه بأنه «خطاب الخطابات»، أي الإطار الذي يضع القوانين لبقية أشكال المعرفة، ويعيد إنتاجها وفق منطق «المماثلة» (the Same)، فيؤدي إلى محو الاختلاف الجنسي أو تذويبه في ذات كونية محايدة ظاهريًا، لكنها متمركزة في الحقيقة حول نموذج ذكوري.

وتعيد إيريجاراي، في مقابل هذا المنطق الأحادي، تأطير مفهوم الاختلاف الجنسي ليغدو شرطًا وجوديًا وثقافيًا لإمكان العالم نفسه، فلا يمكن -في تصورها- إنتاج العالم أو إعادة إنتاجه من دون الاعتراف بهذا الاختلاف. ومن هنا يأتي نقدها الحاد لمطالب «المساواة» التي تظل، في نظرها، أسيرة المعيار الذكوري ذاته، لأنها تفترض مسبقًا نموذجًا واحدًا يُقاس عليه، بدل أن تسعى إلى تمكين المرأة من أن تكون مساوية لذاتها، لا لغيرها([2]). فالمطالبة بالمساواة، في هذا السياق، لا تزعزع البنية القائمة، بل تعيد إنتاجها في صورة معدّلة. وتقترح، في مقابل هذا المنطق الأحادي، تصورًا للأنوثة يقوم على التعددية والانتشار، فلا تنحصر في مركز واحد، بل تتوزع في شبكة من المواضع الحسية والرغبات المتداخلة، وهو ما يتجلى في استعارتها الشهيرة لـ«الشفاه» بحسبانها صورةً لاختلاف لا ينغلق ولا ينفتح في وحدة نهائية([3]). وتنتقل، في ضوء ذلك، من نقد «ثقافة الواحد» إلى الدعوة إلى «ثقافة الاثنين»، فلا تُرَد العلاقة بين الذوات إلى نموذج تماثلي، بل تقوم على الاعتراف بوجود ذاتين مستقلتين لا تنحصر إحداهما في الأخرى. بل إنها تمضي أبعد من ذلك، فتقترح في أعمالها المتأخرة تطوير جدلية ثلاثية: جدلية خاصة بالذكورة، وأخرى خاصة بالأنوثة، وثالثة تنظم العلاقة بينهما في إطار اجتماعي، وهو ما يفتح أفقًا لإعادة تأسيس أخلاقيات سياسية جديدة.

ومن هنا، لا يبقى الاختلاف الجنسي مسألة خاصة بالنساء، بل يغدو شرطًا لإعادة التفكير في الذات والمعرفة والعلاقة، بل وفي إمكان قيام عالم إنساني أكثر عدلاً وخصوبة. فالذات لا تعود كيانًا مكتفيًا بذاته، بل لا تتكوّن إلا في علاقة بغيرها، أي بآخر لا يمكن اختزاله أو استيعابه داخل نظام التمثيل، بل يظل محتفظًا بفرادته([4]).

ومن الواضح أن نقد إيريجاراي لمركزية القضيب وبنية المعرفة الغربية يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالنظرية الأدبية، فهذا النقد يكشف أن الخطاب الأدبي والنقدي معًا ينتظمان ضمن نموذج معرفي يجعل من الذات مركزًا للعقل والتمثيل، ويُحيل ما سواه إلى موضوعٍ سلبي قابل للضبط. ومن ثمّ، فإن إيريجاراي لا تكتفي بمساءلة تمثيل المرأة داخل النصوص، بل تكشف أن آليات التمثيل نفسها، التي تُنتج «الأنثوي» في صورة آخر ينبغي تفسيره أو السيطرة عليه، متجذّرة في هذا البناء الذكوري.

ويفضي ذلك إلى إعادة النظر في فعل القراءة ذاته، فلم يعد النص موضوعًا للفهم والامتلاك، بل مجالًا لعلاقة مع آخر يحتفظ بفرادته ولا يُستنفد في معنى واحد. وعلى هذا النحو، يلتقي هذا التصور مع مبدأ الحوارية عند ميخائيل باختين من حيث رفض المعنى الأحادي والإقرار بتعدّد الدلالات، لكنه يتجاوزه بإزاحة مركز الثقل من تعدّد الأصوات داخل النص إلى نقد البنية المعرفية للذات القارئة التي تسعى إلى الامتلاك. وهنا يقترب من التفكيك عند دريدا، حيث يكون المعنى غير قابل للاستنفاد، وتكون القراءة علاقةً مع آخر يقاوم الإحاطة النهائية، وليست فعلًا لإغلاق الدلالة أو تثبيتها.

٢- قتل الأم وإعادة التفكير في البنية الحضارية

تكشف إيريجاراي، في سياق توسيعها لنقد البنية الأبوية، أن إقصاء المرأة لا يقتصر على مستويات التمثيل الخطابي أو التنظيم الاجتماعي، بل يمتد إلى مستوى أعمق يمسّ الأسس الرمزية للحضارة الغربية ذاتها، حيث جرى إقصاء الأم من حيثُ هي أصل الحياة ومصدرها. وتصوغ، انطلاقاً من ذلك، أطروحتها الشهيرة حول «قتل الأم»، التي لا تُفهم على أنها حدثٌ تاريخي بعينه، بل بنية رمزية تتكرّر في الفلسفة والدين والثقافة والأسطورة، وتؤسس لنظام يقوم على محو النسب الأنثوي وإحلال نظام أبوي يعيد إنتاج ذاته محلَّه([5]). وتُظهر إيريجاراي أن هذا الإقصاء يبدأ منذ التشكّل النفسي المبكر، فتُعاد صياغة رغبات الطفلة داخل نموذج ذكوري يُجبرها على الانفصال عن الأم، ويُفقدها صلتها بأصل أنثوي يمكن أن يشكّل مرجعًا لهويتها. ويُكرّس التحليل النفسي، في صيغته الكلاسيكية، هذا الانفصال حين يُخضِع التجربة الأنثوية لنموذج واحد للرغبة، مستمدّ من تجربة الذكر، وهو ما يؤدِّي إلى تغييب إمكان لاوعي أنثوي مستقل([6]). ويمتد هذا المنطق إلى البنية الاجتماعية، فتُختزل المرأة في وظيفة إنتاجية أو إنجابية، وتُعامل بحسبانها موضوعًا للتبادل داخل اقتصاد رمزي يتداول الأجساد ويعيد إنتاج النظام الاجتماعي، دون أن يعترف بأنها ذاتٌ مشاركة في تشكيله([7]). وتتقاطع، في هذا السياق، البنية الاقتصادية مع البنية الرمزية، ليغدو الجسد الأنثوي موقعًا لإعادة إنتاج السلطة، لا فاعلًا فيها.

وتعزّز إيريجاراي هذا التحليل بقراءة نقدية للأساطير والتقاليد الدينية، وهي قراءةٌ تُظهر كيف يُعاد تشكيل النسب بحيث يُمحى حضور الأم أو يُهمّش، في مقابل تضخيم النسب الأبوي. ففي الأساطير اليونانية، تُختزل المرأة إلى موضوع للانتقال أو الاختطاف، كما في أسطورة ديميتر (Demeter) وبيرسيفوني (Persephone) التي تُنزع الابنة فيها من حضن الأم ويجري ربطُها بعالم يهيمن عليه الذكر، ويُعاد تنظيم السلطة الرمزية حول الأب([8]). وتُظهر بعض التمثلات الدينية، على نحو موازٍ، كيفية إفراغ الأمومة من بعدها الجسدي، وإسناد الوظائف الروحية والسلطوية إلى الأب، وهو ما يعيد إنتاج نظام يُقصي الأصل الأنثوي من دائرة الفعل([9]). وتدعو إيريجاراي، في مقابل هذا البناء، إلى استعادة علاقة الأم-الابنة من حيث هي شرطٌ لإعادة بناء النسب الأنثوي، وإعادة إدخال الأم في النظام الرمزي بحسبانها مصدرًا للمعنى والحياة، لا مجرد وسيط بيولوجي([10]). وهي تسعى، في ضوء ذلك، إلى إعادة التفكير في البنية الحضارية برمتها، فمن غير الممكن -فيما تتصور- إقامة ثقافة تعترف بالاختلاف الجنسي من دون إعادة الاعتبار للأصل الأنثوي الذي جرى قمعُه.

وهكذا، يتجاوز نقد «قتل الأم» حدود النسوية من حيث هي مطلبٌ اجتماعي، ليغدو مدخلًا إلى مساءلة عميقة للأسس التي تقوم عليها الحضارة الغربية، وكشفًا للكيفية التي يتأسس بها النظام الرمزي على إقصاء أحد قطبي الاختلاف. وتفتح إيريجاراي، بهذا الكشف، أفقًا لإعادة بناء الثقافة على أساس اعتراف مزدوج بالأب والأم، وبما يتيح قيام نظام لا يقوم على الإقصاء، بل على التعدد والتوازن.

أما من وجهة النظرية الأدبية النسوية، فإن هذه الأطروحة تُتيح إعادة النظر في النصوص الأدبية لا من حيث هي تمثيلاتٌ جمالية محايدة، بل مواقع يُعاد فيها إنتاج هذا الإقصاء الرمزي للأم أو مقاومته. فمن جهة الممارسة النقدية، تُوجِّه قراءة إيريجاراي الانتباه إلى كيفية تمثيل الأمومة في الخطابات السردية والشعرية: هل يجري إحضارُ الأم في صورة أصل حيٍّ للعلاقة واللغة، أم اختزالُها إلى وظيفة هامشية، أم محوُها لصالح مركزية الأب؟ وبهذا المعنى، يصبح الكشف عن أنماط الغياب، والإزاحة، والتهميش التي تحدُث لصورة الأم جزءًا من تحليل البنية العميقة للنص، لا مجرد ملاحظة موضوعية في مضمونه. وتفتح هذه الأطروحة، من جهة التنظير الأدبي، أفقًا لإعادة التفكير في مفاهيم مثل «الأصل» و«المرجع» و«النسب» داخل الخطاب الأدبي، بحيث لا يُفهم الأصل على أنه نقطة انطلاق ذكورية مكتفية بذاتها، بل علاقة مزدوجة تستدعي حضور الأم بقدر ما تستدعي حضور الأب. كما تُسهم في زعزعة التصورات الخطية للهوية والمعنى، وتدعو إلى نماذج قرائية تُعلي من شأن العلاقة، والتعدد، والتولّد المستمر للمعنى، بدلًا من المركزية الأحادية. وعلى هذا الأساس، لا تعود أطروحة «قتل الأم» مجرد تحليل ثقافي أو رمزي، بل تتحول إلى أداة نقدية تُعيد تشكيل أساليب قراءة النصوص، وتدفع النظرية الأدبية إلى استيعاب الاختلاف الجنسي بحسبانه مبدأً بنيويًا في إنتاج المعنى، لا عنصرًا خارجيًا يُضاف إلى التحليل.

٣- اللغة: بنية الهيمنة وأفق إعادة التشكيل

تحتل اللغة موقعًا مركزيًا في مشروع إيريجاراي، فهي لا تعدُّها أداة محايدة لنقل المعنى، بل إحدى الآليات الأساسية التي تُنتج المعنى وتُنظّم العلاقات الاجتماعية، من المستوى الشخصي إلى أكثر البنى السياسية تعقيدًا. ومن هذا المنطلق، تكشف إيريجاراي أن ما يبدو في الخطاب الغربي لغةً «كونية» أو «محايدة» إنما يخفي انحيازًا بنيويًا، فهذه اللغة التي تُظهر نفسها على أنها كونية ومحايدة تقوم في حقيقتها على نموذج ذكوري يُعيد إنتاج نفسه في صورة معيار عام، ويُقصي الاختلاف الجنسي أو يفرغه من دلالته في صيغة محايدة ظاهريًا. وتتجلى هذه البنية في مستويات متعددة، فهي تظهر في التشكيلات النحوية التي تُغلّب صيغة المذكر حتى في الحالات المختلطة، وفي المفاهيم الكبرى التي تحمل طابعًا مذكرًا في عمقها الرمزي، وبهذا تغدو اللغة حاملةً لبنية دلالية تعيد إنتاج مركزية الذكورة، بحيث لا يكون تغييب المرأة في الخطاب نتيجةً عرضية، بل أثرًا مباشرًا لبنية تجعل الذكوري مرجعًا عامًا وتدفع بالأنثوي إلى الهامش أو الصمت.

وتورد إيريجاراي، في هذا السياق، أمثلة من اللغة الفرنسية تُوضّح كيف تنحاز اللغة إلى الجنس المُذكّر. ففي الجمع المختلط (الذكور والإناث)، يُستخدم دائمًا المذكر: مثل «الناخبون» (électeur) أو «الإيطاليون» (Italiens). وتُصاغ الحقائق الكبرى في الفرنسية بصيغة مذكرة- مثل «الله» (le Dieu) أو «الشمس» (le sloeil). وحتى الصيغ المحايدة تحمل غالباً بنيةً مذكّرة ، كما هو الحال في «إنه يرعد» (il tonne) للرعد، و«إنه يعصف» (il vente) للعاصفة، وما إلى ذلك([11]). ولا تقف إيريجاراي عند تحليل البنية اللغوية في مستوياتها النحوية والدلالية، بل تمتد إلى ما تسميه «ديناميكيات القول»، أي أنماط استعمال اللغة في الممارسة الفعلية. ففي دراسة اعتمدت على عينات لغوية جُمعت ضمن أبحاث في الوقاية النفسية أثناء الولادة، تبيّن لها أن لغة الرجال تتسم بعدة خصائص دالة، من أبرزها: ميلها إلى الانفصال عن الذات والبيئة والسياق الثقافي، وارتباطها بمنطق المنافسة والإنتاج في المجتمع الاستهلاكي، ونزوعها إلى جعْل الأنا (I) مركز الخطاب. وتكشف الدراسة، في مقابل ذلك، أن لغة النساء أكثر توجهًا نحو العلاقة بالآخر (كما في: Je le lave «أغسله»، و M’aimes-tu? «هل تحبني؟»)، وأكثر اهتمامًا بالسياق والمكان والقرب من الأشياء والآخرين، وأكثر انشغالًا بالحاضر والمستقبل، لا بالماضي، وأكثر تركيزًا على الرسالة ذاتها لا على فرض الذات داخل الخطاب([12]).

وتتشارك لغتنا العربية جزئياً مع الفرنسية وغيرها بعض هذه الصيغ الذكورية فالجمع المختلط يأتي بصيغة المذكر مثل «الناخبين» و«الطلاب» …الخ، وإذا كان لفظ «الله» في العربية مذكراً، فإن الشمس ليست مذكرة فيها على عكس الفرنسية، ويأتي ضمير الغائب مونثاً في «إنها تمطر» و«إنها تعصف» وليس مذكراً على العكس -أيضاً- من الفرنسية. وقد احتذى حذو إيريجاراي في تتبع الصيغ اللغوية التي تدلل على ذكورية اللغة أو انحيازها ضد الأنثى، عدد من النقاد العرب ومنهم الطاهر لبيب الذي تتبع عدداً من الصيغ والاشتقاقات ليستدل بها على غلبة التذكير في العربية، فيقول -مثلاً- «ونجد، ضمن البنية النحوية تراتبية تكاد تكون بديهية فيما يخص الفصل بين الجنسين. فهناك أولا ، التساوق مع المذكر إذا وجد جنسان متمايزان. وهو أمر لا يخص النحو العربي وحده، إلا أن من اللافت للانتباه ألا يخصص ابن مالك في ألفيته بابا للجنس المذكر ويخصصه للجنس المؤنث . تبرير ذلك أن أصل الاسم هو أن يكون مذكرًا، والتأنيث فرع من التذكير مما يذكِّر بصورة حواء التي تشكَّلت من أحد أضلاع آدم). ولكون التذكير هو الأصل، استغنى الاسم عن علامة تدل على التذكير. ولكون التأنيث فرعًا من التذكير، افتقر إلى علامة تدلّ عليه، وهي التاء أو الألف المقصورة أو الممدودة»([13]). ويرى عبد الله الغذامي أن طبيعة اللغة التذكير ويستشهد على ذلك بمقولة عالم اللغة والنحو الشهير ابن جني «تذكير المؤنث واسع جداً لأنه رد إلى الأصل». ويتحدث عن انحياز العربية للذكور بتخصيصها جمعاً للذكور (صيغة جمع المذكر السالم) وهي منطقة محرمة على المرأة وعلى غير العاقل، وخاصة بالمذكر العاقل، وهي لا تشبه في هذه الخصوصية جمع المؤنث السالم الذي يمكن أن يكون مفرده مذكراً([14]).

وتخلص إيريجاراي من ذلك إلى أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل مجال يُعاد فيه إنتاج علاقات السلطة، فتُعزّز أنماط القول المهيمنة مركزية الذات وهيمنتها، وتنفتح أنماط أخرى على علاقة بالآخر والعالم، وهو ما يتيح إمكانًا مغايرًا للإدماج والإبداع. غير أن هذا الإمكان لا يتحقق إلا إذا استطاع الأنثوي أن يستعيد حضوره في موقع «الأنا»، لا في صورة ذات منغلقة، بل ذات تحتفظ بطابعها العلائقي وانفتاحها على الغير. ومن هنا، لا يقتصر مشروع إيريجاراي على كشف الطابع الذكوري للغة، بل يتجه إلى مساءلة شروط القول ذاتها، والبحث عن إمكانات تعبيرية جديدة تُجسّد الاختلاف الجنسي في بنيته اللغوية والرمزية. وهذا ما يفتح المجال أمام تصور لكتابةٍ مغايرة، لا تكتفي بإعادة تمثيل الأنثوي داخل لغة قائمة، بل تعمل على إعادة تشكيل اللغة نفسها تشكيلاً يتيح للأنثوي أن يتكلم من موقع حضورٍ مكتمل، يشارك في إنتاج المعنى والعالم.

٤- الكتابة الأنثوية والاختلاف الجنسي

تبيّن لوسي إيريجاراي أن الأنوثة لا يمكن أن تجد تعبيرها الكافي داخل الإطار الرمزي الأبوي، لأن هذا الإطار ذاته مشكَّل وفق معايير ذكورية تجعل كل تمثيل للأنثى تمثيلاً ناقصًا أو مشروطًا. وهي تتفق في هذا مع هيلين سيكسو في القول باستحالة تعريف «الكتابة المؤنثة» تعريفًا نهائيًا أو إحاطتها بنظام مغلق، لأن هذه الكتابة تظل دومًا فائضة على الخطاب الذي يسعى إلى ضبطها([15]). لكن إيريجاراي تفترق عن سيكسو في رفضها الاكتفاء بوضع المرأة في موقع «الغريب الخارجي» عن النظام، إذ ترى أن هذه الاستراتيجية لا تزعزع البنية القائمة بل تكرّسها من حيث لا تدري.

ولذلك فإن الكتابة الأنثوية تحتلّ موقعًا محوريًا في مشروع لوسي إيريجاراي النظري، فهي أداةٌ لتفكيك البنية الرمزية الذكورية للغة والثقافة، ووسيلةٌ لإعادة تأسيس الذات الأنثوية على أساس الاختلاف الجنسي. وتنطلق إيريجاراي من نقد جذري للغة التي ترى أنها ليست حيادية، بل مشبعة بمنطق ذكوري يقوم على ثنائيات هرمية (ذكر/أنثى، عقل/جسد، ثقافة/طبيعة)، تُمنح فيها الأفضلية للحدّ الأول، ويُقصى الحدّ الثاني أو يُدرج في موقع التابع أو السالب([16]). ولا تُعد المرأة، في هذا الإطار، ذاتاً، ولا تُمنح موقع المتكلّم داخل اللغة، بل تغدو موضوعًا للتمثيل، أو قيمة تبادلية ضمن اقتصاد رمزي يتداولها بين الرجال. ومن ثمّ، لا يكون اختراع لغة مغايرة، (تسمّيها إيريجاراي «الكلام الأنثوي» أو «الكلام من موقع المرأة» parler femme، وهي التي أطلقت عليها هيلين سيكسو الكتابة الأنثوية ecriture feminine) خياراً أسلوبياً فحسب، بل يغدو ضرورةً معرفية وسياسية([17]).

هذه اللغة البديلة تقوم لديها على فكرة محورية مفادها أن الاختلاف الجنسي لا ينحصر في الصفة البيولوجية، بل يتعداها إلى البعدين اللغوي والدلالي. فاللغة الأنثوية، في تصور إيريجاراي، تنبثق من الجسد الأنثوي بما يتسم به من تعدّد المتعة الحسية ولا مركزية وتلامس مستمر، وهو ما يتجسّد رمزيًا في استعارة «الشفاه» فيما تُعبِّر، التي تحيل إلى بنية مزدوجة تقوم على التلامس والانفتاح المستمر، من غير انغلاق على وحدة نهائية، في مقابل أحادية الجسد الذكوري وتمركزه([18]). ومن هنا، تُفهم الكتابة الأنثوية على أنها «كتابة الجسد»، أي كتابة تُدرج الإيقاع والنغمة والحسّ والدوافع الجسدية في نسيج اللغة فتُربك استقرار المعنى وتفتح المجال أمام تعدّد الدلالات. 

ويتقاطع هذا التصور مع التمييز الذي أقامته جوليا كريستيفا بين مستويين في اللغة: الرمزي (Symbolic) والسيميائي (Semiotic). فاللغة الرمزية، المرتبطة بالنظام الأبوي، تتسم بالثبات والعقلانية وادعاء تمثيل الحقيقة، في مقابل السيميائي الذي يمثّل فضاءً للتدفّق والطاقة والإيقاع الجسدي واللغة الشعرية. ولذلك، يمكن فهم الكتابة الأنثوية عند إيريجاراي من حيث هي نزوعٌ إلى زعزعة هيمنة الرمزي والانفتاح على إمكانات تعبيرية أقرب إلى هذا البعد السيميائي، بما يتيح إعادة تشكيل المعنى من داخل اللغة نفسها، لا من خارجها.

وتتخذ الكتابة الأنثوية عند إيريجاراي، على المستوى الأسلوبي، طابعًا تجريبيًا وطليعيًا، يتجلى في التعدد والتشظي، وعدم الاستقرار الدلالي، وكثرة الانقطاعات، والجمل غير المكتملة، فضلًا عن توظيف الصمت والفراغ والبياض لتكون عناصر دلالية فاعلة. كما تتسم هذه الكتابة بسيولة (fluidity) تقابل الصرامة الخطية للغة الذكورية، فهي «تتسرّب» خارج حدود النظام الرمزي وتربكه. وتُستخدم في هذا السياق استراتيجيات مثل المحاكاة (mimesis)، التي تعمل بها الكتابة الأنثوية داخل النظام على نحوٍ يزعزع منطقه، فهي تقول «إنّ اللعب بالمحاكاة يعني للمرأة محاولة استعادة موضع استغلالها داخل الخطاب، من غير أن تسمح باختزالها فيه»([19]). وعلى هذا الأساس، لا تكون المحاكاة تكرارًا سلبيًا، بل ممارسة نقدية تُعيد تمثيل الخطاب الذكوري لتفكيكه، بالمبالغة في صوره أو إزاحتها عن مواضعها المألوفة، بحيث يظهر ما ينطوي عليه من تحيزات وإقصاءات ويجري إيقاف الآلية التي تحوِّل المرأة إلى فراغ في تاريخ الرجل. وبهذا المعنى، تصبح الكتابة المؤنثة فعلًا مزدوجًا: فهي تعمل داخل النظام، لكنها في الوقت نفسه تقوّض أسسه بالترويج للُّغة الجسدية والرغبة الأنثوية والاختلاف الجنسي. وتأتي، بالإضافة إلى استراتيجية المحاكاة، إستراتيجية التحوير في البنية النحوية grammatical alteration الذي يكسر القواعد النحوية المعيارية، وإستراتيجية الإفراط (excess) الذي يجعل الكتابة تفيض بالصور الشعرية، والتكرارات، والجمل الطويلة المتدفقة، والاستعارات المتراكمة، والانزلاقات اللغوية([20]). ونتيجة ذلك نص «مفكّك»، متعدد الدلالات، شعري وغير خطي، يشبه التدفق الجسدي الأنثوي، على خلاف الجمل المتوازنة والمنظمة التي تميل إلى الاقتصاد في الكلمات، والالتزام بالمنطق الخطي، والوضوح، والبناء الهرمي، في الكتابة الذكورية.

ولا تقتصر الكتابة الأنثوية على الممارسة اللغوية، بل تتجاوز ذلك إلى الاضطلاع بوظيفة مقاومة، فهي تُسهم في تفكيك أنماط السلطة الكامنة في اللغة، وإعادة تشكيل الذات الأنثوية في صورة ذات متكلمة لا موضوعًا للتبادل. وتكشف إيريجاراي، في هذا السياق، أن النظام الاجتماعي الأبوي يقوم على «تبادل النساء» بين الرجال، وهو ما يجعل المرأة قيمةً اقتصادية-رمزية لا ذاتًا فاعلة([21]). ولهذا فإن الكتابة الأنثوية تمثّل تفكيكًا لهذا الاقتصاد الرمزي، وإعادة إنتاج للمرأة في صورة ذات مستقلة.

وترتبط هذه العملية أيضًا، لدى إيريجاراي، بإعادة بناء «نسب أنثوي» بديل، لا بمعناه البيولوجي أو القانوني (كنسب الأبناء إلى الآباء)، بل هو بنيةٌ رمزيةٌ تعيد وصل المرأة بسلسلة من العلاقات الأنثوية، وفي مقدمتها علاقة الأم بالابنة، على نحو يتيح تشكّل ذات أنثوية مستقلة خارج النسب الأبوي المهيمن([22]). ولا يقتصر هذا التصور على إعادة الاعتبار للعلاقة الأمومية، بل يتجاوز ذلك إلى تأسيس مرجعية رمزية بديلة تمكّن المرأة من إدراك ذاتها خارج أنماط التمثيل التي فرضها النظام الأبوي.

وبذلك، تمثّل الكتابة الأنثوية عند إيريجاراي مشروعًا لإعادة تشكيل اللغة من الداخل، بإدخال الجسد والاختلاف في بنيتها، على نحو يفتح أفقًا جديدًا لإنتاج المعنى والهوية، ويجعل من الكتابة نفسها موقعًا للصراع الرمزي وإعادة التأسيس.

٥- الحب، وإمكان علاقة غير امتلاكية

تبلغ إيريجاراي في هذا المحور أفقًا تتجاوز فيه نقد البنى المعرفية واللغوية إلى مساءلة شكل العلاقة الإنسانية ذاتها، ولا سيما علاقة الحب، مبيّنةً أن هذه العلاقة، كما صيغت داخل الثقافة الغربية، لم تتحرر من منطق التمركز الذكوري، بل أعادت إنتاجه في صورة أكثر خفاءً. فحتى التصورات الفلسفية التي تحتفي بالآخر، كما في بعض فلسفات الغيرية، تظلّ مشروطة، في نظرها، ببنية تجعل الآخر، وهو المرأة في هذا السياق، تابعًا لذاتٍ ذكورية تستوعبه داخل أفقها الخاص. وهي، في قراءتها النقدية لفلسفة إيمانويل ليفيناس، تكشف أن ما يبدو علاقةً بالآخر لا يخرج، في كثير من الأحيان، عن كونه إعادة صياغة لهيمنة الذات، فيجري اختزالُ جسد الآخر إلى وسيلة للذة أو إلى امتداد لزمن الذات. وينطوي مفهوم «المداعبة» (caress)، الذي يُقدَّم في صورة انفتاح على الآخر، على نزوع إلى احتواء الآخر داخل تجربة الذات، وهو ما يفقده استقلاله من حيث هو آخر([23]). وهكذا، يغدو الحب فضاءً لإعادة إنتاج التماثل في صورة علاقة، بدل أن يكون مجالًا للاختلاف.

ومن هنا، تعيد إيريجاراي التفكير في الحب في صورة علاقة لا تقوم على الامتلاك أو الاستيعاب، بل على الاعتراف بآخر يظلّ مختلفًا وغير قابل للاختزال. فالعلاقة، في هذا التصور، لا تعني اندماجًا يلغي الفروق، ولا تواصلاً يُعيد الآخر إلى الذات، بل تقوم على حضور مزدوج لذوات متمايزة، يحتفظ كل منها بفرادته داخل العلاقة. وبهذا المعنى، يصبح الحب إمكانًا أخلاقيًا يتأسس على احترام المسافة، لا على محوها. وترتبط هذه الرؤية ارتباطًا وثيقًا بنقدها للغة، إذ تُظهر أن إمكان علاقة غير امتلاكية مشروطٌ بإعادة بناء الخطاب نفسه، بحيث يُحافظ على التمييز بين «الأنا» و«الأنت»، ويمنع إذابة أحدهما في الآخر. فاختفاء هذا التمييز داخل الخطاب الكوني المحايد يؤدي إلى تآكل العلاقة، فلا يبقى هناك موضع للنداء أو الاستجابة، ولا إمكان لحوار يعترف بالاختلاف([24]). ومن هنا، تغدو إعادة تشكيل اللغة شرطًا لإعادة تشكيل العلاقة، لا مجرد مرافِق لها.

وتُعمِّق إيريجاراي، في أعمالها المتأخرة، هذا الربط بين اللغة والحب، فتكشف أن الصيغة الشائعة «I love you» («أحبُّك») تنطوي على نزعة امتلاكية تُحوِّل الآخر إلى موضوع، وتقترح بدلًا منها صيغة «I love to you»، أي «أتوجَّه إليك بالمحبة»، لتُبقي على مسافة بين ذاتين مستقلتين، وتحفظ للآخر استقلاله داخل العلاقة([25]). فاللغة، في هذا التصور، ليست مجرد أداة تعبير، بل فضاء تُبنى فيه علاقة أخلاقية قائمة على الاعتراف بالآخر بحسبانه آخر لا يُختزل ولا يُمتلك. وتعيد إيريجاراي، على هذا الأساس، تأويل الفلسفة نفسها من حيث هي «حكمة للحب» بقدر ما هي «حب للحكمة»، في محاولة لإزاحة مركزية العقل الأداتي وفتح أفق لمعرفة تقوم على التبادلية والانفتاح بين الذوات([26]). ولا تتحدث، في هذا السياق، من موقع ذات كونية مكتفية، بل من موقع ذات موضعية وتاريخية، ترفض ادعاء امتلاك الحقيقة، وتعترف بعدم الاكتمال، وتسعى إلى بناء علاقة تقوم على هذا الاعتراف.

وإلى ذلك، تكشف إيريجاراي أن اختزال المرأة إلى موضوع للمتعة أو إلى وظيفة إنجابية داخل الثقافة الأبوية يحوّل الحب إلى شكل من أشكال الامتلاك، فيُعاد إنتاج البنية الاقتصادية نفسها في المجال الحميمي. وتدعو، في مقابل ذلك، إلى تصور للحب يعترف بالمرأة على أنها ذاتٌ فاعلة في العلاقة لا موضوعًا لها، ويعيد توزيع مواقع الفعل والمعنى داخلها([27]).

وقد أعادت بعض القراءات النقدية المعاصرة، ولا سيما قراءة الفيلسوفة النسوية الأمريكية بينلوبي دويتشر، النظر في مشروع إيريجاراي في ضوء هذه الرؤية، فلم تعد أعمالها المتأخرة تُقرأ بحسبانها تراجعًا عن أعمالها الأولى، بل امتدادًا لها، تنتقل فيه من تفكيك البنى الذكورية إلى اقتراح شروط إمكان علاقة جديدة بين الذوات([28]). وفي السياق نفسه، تؤكد الباحثة البريطانية في الفلسفة النسوية مارجريت ويتفورد أن مشروع إيريجاراي مشروع حواري في أساسه؛ إذ إن «الكلام من موقع المرأة» لا يدل على هوية جاهزة، بل يفترض علاقة تفاعلية لا يتحدد فيها المعنى إلا في إطار تبادل حيّ بين متكلم ومستمع([29]). ومن ثمّ، تغدو القراءة نفسها فعلًا تفاعليًا، لا يهدف إلى تثبيت المعنى، بل إلى إنتاجه في علاقة بين ذاتين، وهو ما ينسجم مع طبيعة كتابتها التي تدخل في حوار نقدي مع النصوص الفلسفية، فتُعيد كتابتها من الداخل، مستثمرةً في ذلك الربط العميق بين اللغة والجسد والرغبة.

وهكذا، يغدو الحب في مشروع إيريجاراي موقعًا لاختبار إمكان ثقافة مغايرة، ثقافة لا تقوم على «الواحد» الذي يستوعب غيره، بل على «الاثنين» اللذين يغدوان شرطًا للعلاقة. وبهذا التحول، تنتقل النظرية الأدبية –في أفقها– من تحليل تمثيلات الحب في النصوص، إلى مساءلة الشروط التي تجعل العلاقة ممكنة أو مستحيلة، وإلى التفكير في لغةٍ وعالمٍ يتيحان قيام علاقة لا تقوم على الامتلاك، بل على الاعتراف المتبادل بالاختلاف.

***

هذه المحاور الخمسة، التي أطللنا منها على إسهام لوسي إيريجاراي في النظرية الأدبية من وجهة النسوية ما بعد البنيوية، تبيّن أن مشروع لوسي إيريجاراي لا ينطلق من مستوى واحد، بل يتحرّك، شأنه شأن غيره من المشاريع النسوية، في طبقات متداخلة تبدأ من نقد مركزية الذكورة في بنية المعرفة الغربية الذي يكشف الأسس التي أُقيم عليها ادّعاء الحياد والعقلانية، ثم تتعمّق في مساءلة الجذر الحضاري لهذا التمركز في أطروحة «قتل الأم»، بما تنطوي عليه من كشفٍ لإقصاء الأصل الأنثوي من النظام الرمزي. ومن هذا المستوى البنيوي، ينتقل مشروعها إلى اللغة، بحسبانها الأداة التي تُعيد إنتاج هذه الهيمنة، فتغدو إعادة تشكيلها شرطًا لإمكان تفكيك الهيمنة، وهو ما يفضي إلى بلورة مفهوم الكتابة الأنثوية في صورة ممارسة تُدخل الجسد والاختلاف الجنسي في نسيج الخطاب، وتفتح المجال أمام تعدّد الدلالات وتحرُّرها من قبضة المعنى الأحادي. ويبلغ المشروع ذروته في إعادة التفكير في العلاقة الإنسانية ذاتها، ولا سيما الحب، من حيث هو إمكانٌ لعلاقة لا تقوم على الامتلاك أو الاستيعاب، بل على الاعتراف المتبادل بين ذاتين متمايزتين.

وبذلك، يتشكّل مشروع إيريجاراي في شكل انتقال متدرّج من تفكيك البنية المعرفية، إلى إعادة بناء البنية الرمزية، فاللغوية، فالذاتية، وصولًا إلى إعادة تصور العلاقة. وهو انتقال يكشف أن الاختلاف الجنسي ليس معطًى بيولوجيًا فحسب، بل مبدأً مؤسِّسًا لإعادة التفكير في الثقافة والمعنى والوجود الإنساني ذاته. ومن ثمّ، فإن إسهامها لا يقتصر على نقد النظام الأبوي، بل يتجاوزه إلى فتح أفقٍ نظري وأخلاقي لثقافة تقوم على التعدّد والتوازن، حيث لا يُختزل الآخر في الذات، ولا تُبنى العلاقة على الإقصاء، بل على إمكان العيش المشترك في ظل اختلاف معترف به.

 

 

([1]) Luce Irigaray, Speculum of the Other Woman, trans. Gillian C. Gill (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1985), pp. 5–13; Luce Irigaray, "When Our Lips Speak Together," in This Sex Which Is Not One, trans. Catherine Porter with Caroline Burke (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1985), pp. 205–215.

([2]) Equal or different?, in: The Irigaray Reader, ed. Margaret Whitford (Oxford: Basil Blackwell, 1991), pp. 30-33.

([3]) تستخدم إيريجاراي لفظ «الشفاه» (lips) استعارةً مزدوجة تشير في آنٍ واحد إلى الشفاه المرتبطة بالكلام، وإلى شفري الفرج (labia). ويتيح هذا التداخل بين الجسدي واللغوي التفكير في الأنوثة على أنها تعددية وانفتاح لا يقومان على مركزٍ واحد، ولا ينغلقان في وحدةٍ مكتملة. انظر:

Irigaray, ‘When Our Lips Speak Together’, in This Sex Which Is Not One, pp. 205-215.

([4]) Luce Irigaray, An Ethics of Sexual Difference, trans. Carolyn Burke and Gillian C. Gill (Ithaca, NY: Cornell University Press, 1993), p. 5, 116.

([5]) Luce Irigaray, "Women-Mothers, the Silent Substratum of the Social Order", in: The Irigaray Reader, p. 47.

([6]) Luce Irigaray, The Poverty of Psychoanalysis,» in: The Irigaray Reader, p. 79.

([7]) Luce Irigaray,. "The ‘Mechanics’ of Fluids" in: Speculum of the Other Women, Translated by Gillian C. Gill, (1985). New York: Cornell University Press, p. 171.

([8]) خلاصة تلك الأسطورة اليونانية، أن هاديس (Hades)، أخو زيوس، وإله العالم السفلي ومملكة الموتى، اختطف بيرسيفوني، ابنة ديميتر (Demeter)، إلهة الزراعة والخصب، وأم بيرسيفوني من زيوس، بموافقة زيوس (Zeus) كبير الآلهة، وهو والد بيرسيفوني، ومن دون علم أمها. فهجرت ديميتر مجمَع الآلهة، وامتنعت الأرض في حزنها عن الإنبات، حتى اضطر زيوس إلى إرسال هرمس (Hermes)، رسول الآلهة، لإعادة الابنة. غير أن بيرسيفوني كانت قد أكلت من حبّ الرمان في العالم السفلي، فقُضي بأن تقيم جزءًا من العام مع هاديس، وتعود في بقيته إلى أمها؛ وفسّر التقليد بذلك تعاقب الخصب والجدب. انظر: Susan C. Shelmerdine, The Homeric Hymns , Newburyport, MA: Focus Publishing/R. Pullins Company, 1995, .“Hymn to Demeter,” pp. 33–58

([9]) Luce Irigaray, "The Forgotten Mystery of Female Ancestry" in: Thinking the Difference: For A Peaceful Revolution, London: The Athlone Press, 1994, p. 109.

([10]) Ibid.

([11]) Luce Irigaray, Thinking the Difference: For a Peaceful Revolution, trans. Karin Montin (London: The Athlone Press, 1994), p. xv

([12]) Irigaray, Thinking the Difference, p. 49; Irigaray, The Irigaray Reader, pp. 144–146.

([13]) الطاهر لبيب، سوسيولوجيا الغزل العربي، ترجمة: مصطفى المسناوي، الدار البيضاء: عيون، وبيروت: دار الطليعة، ١٩٨٧، ص ١٤.

([14]) عبد الله الغذامي، المرأة واللغة، بيروت: المركز الثقافي العربي، ١٩٩٦، ص ١٦، ٢٥.

([15]) سيكسو، ضحكة ميدوسا، ص ٢١٤؛ Irigaray, This Sex Which Is Not One, 68-70.

([16]) Luce Irigaray, The Irigaray Reader, 1991,

pp. 118-120.

([17]) Zhang Pinggong, "Reclaiming Luce Irigaray: Language and Space of the ‘Other.’" Linguistics and Literature Studies 6, no. 5 (2018):  pp. 250, 256.

([18]) Irigaray, This Sex Which Is Not One, p. 205-210.

([19]) Irigaray, This Sex Which Is Not One, p. 76

([20]) Pinggong, op. cit., p. 252.

([21]) Irigaray, "The Power of Discourse and the Subordination of the Feminine", in: The Irigaray Reader, p. 131.

([22]) Pinggong, op. cit., p. 256.

([23]) ‏Luce Irigaray, "Questions to Emmanuel Levinas," in: The Irigaray Reader, p. 178.

([24]) Ibid.

([25]) لا تُعدّ عبارة I love to you صيغةً صحيحة في الإنجليزية المألوفة، وإنما صاغتها إيريجاراي عمدًا لتفكيك ما تراه نزعةً امتلاكية في عبارة I love you. ولذلك فإن ترجمتنا لها هنا إلى «أتوجَّه إليك بالمحبة» ترجمةٌ تفسيرية تحاول الدلالة بها على ما تترامى إليه  إيريجاراي من الإشارة إلى محبة تتجه نحو الآخر من غير أن تستوعبه في الذات أو تستحوذ عليه، محافظةً على استقلال كلٍّ من الطرفين واختلافه.

([26]) Luce Irigaray, I Love to You: Sketch for a Felicity within History, trans. Alison Martin (London and New York: Routledge, 1996), pp. 109–113.

 

([27]) Irigaray, "The Power of Discourse and the Subordination of the Feminine", in: The Irigaray Reader, pp. 132-134.

([28]) Penelope Deutscher, A Politics of Impossible Difference: The Later Work of Luce Irigaray. Ithaca: Cornell University Press, 2002.

([29]) Margaret Whitford, Luce Irigaray: Philosophy in the Feminine. London: Routledge, 1991.