في قصة القاص المغربي قد يفقد المسجون السياسي بصره في سجون القمع العربية، لكنه يظل قادرا على أن ينير بصيرة الآخرين، خاصة المساجين الأحدث عهدا بالتجربة التي أصبحت قاسما عربيا مشتركا، وأن ينقل إليهم خبراته في كيفية الثبات على الموقف، والارتقاء على إرادة سجانيه.

دون حاجة إلى عينين

عبد الوهام سمكان


حين فقأوا عيني وجدتني أسقط في بئر ألم بلا قرارة. قادني السقوط إلى الإقرار بأن حياتي انتهت. كنت حينها في السجن، كنت معتقل رأي كما يقول البعض ومجرما في نظر الدولة. كان معي سجناء آخرون من نفس طينتي، كل واحد منا تركوا عليه علامة لا تنسى و ألما مدمرا. حطمنا الألم حتى لم نعد نقوى على الحديث مع بعضنا. في تلك المرحلة استسلم البعض منا واختار طريق النجاة. وكانوا قد تركوا معنا سجينا قديما قضى أكثر من عشرين سنة خلف القضبان، صار لا يرى وضعف سمعه و شلت رجلاه، ربما كانوا يقصدون أن يدمرونا بتركه معنا. "هذا ما ستصيرون إليه إن صممتم على الصمت والتحدي" هذا ما أرادوا إبلاغنا. غير أن ذلك العجوز كان بشرا آخر، عجوزا خارقا لا يستطيع الصمت.

مر وقت طويل من الصمت والتعذيب الداخلي فأحس بما نؤول إليه، قال فجأة وبقسوة:

- ماذا فعلوا بكم؟

نظرنا إليه جميعا أو حولنا بقية حواسنا إليه، و لم يجب أحد، فقال:

- حسنا، إنهم يختبرون قوتكم، و هم حتى الآن سيكونون مرتاحين!

صاح سجين كان مهيأ دائما إلى الغضب:

- أقفل فمك أيها العجوز و إلا حطمته!

انتبهنا إليه و صمتنا، أما العجوز (وهذا ما أحسسته) فقد قام بحركة بيده تعني لا مبالاته، ثم أكمل:

- نعم لقد نجح الكلاب، كل واحد منكم من الآن سوف لن يفكر سوى في نفسه، وهذا سيجعل بعضكم يستسلم و البعض

الآخر يركبه الغضب حتى يحطمه، و آخرون سيختارون مناجاة الأمل أو الشجاعة و البطولة الواهمة أو غير هذا.

لم يرد أحد. كل واحد منا حاول أن يتظاهر بأنه لا ينصت إليه، وفي الحقيقة كنا كلنا ننصت إليه، لا لسبب سوى لأننا كنا قد فقدنا أي قدرة على أي شيء، و كنا ننتظر أي أمر خارجي حتى ننجذب إليه. صمت العجوز وقتا ضئيلا غير أن ذلك كان ثقيلا بالنسبة إلينا. قال مجددا:

- هل فقأوا عيني أحدكم؟

شعرت بهم ينظرون جميعا باتجاهي و يرونني أحني رأسي إلى الأرض و أجهش بالبكاء. قام السجين الغاضب مهتاجا وحاول تهشيم رأس العجوز غير أن الآخرين منعوه. لم يصمت العجوز، قال:

- حسنا، هذا يعني أن أحدكم فقد عينيه. و هذا أفضل، لأنه إن كان يتمتع بالقدرة على الصمود فسوف يقضي وقتا طويلا بين هذه الجدران، و بهذا سيكون في غير حاجة إلى عينين ( و قهقه بسخرية ). و أما إن كان قليل الصمود فسوف يجاريهم فيما يريدون و يخرج إلى عالم سينظر فيه إليه آخرون دائما باستياء لأنه خان الطريق، و سيجعله هذا

يحس دائما بالذنب و يتحاشى النظر إلى وجوه الآخرين، و بهذا سيكونون قد قدموا له خدمة مجانية بأن سلبوه حاسة البصر رفقا بمشاعره، في كلا الحالتين ليست هناك حاجة إلى عينين!

قال كلامه الأخير و قهقه مجددا فتلبسني حقد كاسح اتجاهه. أما السجين الغاضب فقد نجح هذه المرة في ضرب العجوز، و كان مستعدا لقتله لو لم يمنعه الآخرون. غير أن العجوز لم  يصمت، قال مجددا و هو يوجه كلامه إلى الغاضب هذه المرة:

- أنت! أنت الذي ضربتني قبل قليل، ماذا فعلوا بك حتى حولوك إلى وحش أعمى هكذا؟

ساد خوف مقزز في نفوس الجميع. هذا العجوز لا يصمت و لا يهتم إلى ما قد تؤول إليه الأمور. قال:

- هل نكحوك؟

حاول الغاضب أن يفعل أي شيء، لكن الآخرين جميعهم بمن فيهم أنا وقفوا في طريقه، و ترجوا من العجوز إن كان يصر على عدم الصمت أن لا يجرح الآخرين، "ففيهم ما يكفيهم". قام بحركة يده السابقة التي تعني لا مبالاته وصمت حتى ظن الجميع أنه لن يتكلم مرة أخرى. ثم فجأة قال:

- لقد نكحوني أيضا!

نظر إليه الجميع بذعر.

- وفقأوا عيني و جعلوا سمعي يضعف وشلوا رجلي و يريدون كثيرا موتي دون أن يتحملوا عواقب ما يحدث لي بسببهم، و هم لذلك يضعونني أحيانا بين شباب ما تزال دماؤهم ساخنة لأنهم يعلمون أن لساني سليط و لا يراوغ. فإن صمت كان ذلك لصالحهم، فبحالتي المزرية يزرعون الخوف وسط الشباب. و إن تحدثت يهشم الشباب رأسي، وهذه ليست أول مرة أتعرض فيها للضرب من طرف معتقل شاب، هذا أيضا يريحهم، لكنه أيضا يريحني، لأنني أعرف حينها أننا لم ننضج بعد للحرية.

لا شيء سوى الصمت يليق بوصف ما أصابنا حينها. الصمت الصاخب و المريع. شعر الجميع بأنهم أخطأوا في حق العجوز، غير أن لا أحد استطاع فعل أي شيء. لقد كان العجوز داهية حقا. قهقه مرة أخرى و قال:

- لا داعي لأن تتوقفوا هنا كثيرا. لا داعي لأن تهتموا لحالي! حاولوا أن تنسوني، فأنتم لم تصرخوا بالرفض في الخارج حتى تسجنوا من أجل أن تتألموا لأجلي، ثم إنني وعلى أية حال لم يبق لي الكثير من العمر، إنني لا أشعر بهذا فقط، بل صرت متأكدا من حدوثه. لا تتألموا لأجلي أبدا ولا حتى لأحوالكم الحالية و القاسية، لأنكم إن فعلتم ستعانون   وبشدة، و لن تكون معاناتكم ذات فائدة ولا ألمكم حتى، وسيكون ذلك أكثر مما هو ضروري.

صمت العجوز. تحرك نحوه أحدنا و قبل جبهته و اعتذر له، فقام العجوز بحركة يده المعروفة. قام آخرون و فعلوا ما فعل الأول وتمنينا جميعا أن يعود العجوز إلى الكلام، غير أنه لم يفعل. وفجأة وجدنا أنفسنا نحكي لبعضنا البعض عن ما فعلوه بنا. كنا نتألم حينا و نقهقه أحيانا. و كنا نسمع قهقهة العجوز أيضا. غير أنه صمت و لم يتحدث ثاينة.

في الصباح الباكر أخذونا من جديد و فعلوا بنا أشياء أخرى و أشياء أخرى. و حين أعادونا في الليل إلى زنزانتنا كان ينقصنا إثنان.

عرفنا فيما بعد أن الغاضب غادر السجن بعد أن جاراهم. وعرفنا حينها أن العجوز مات. ضربوه حتى مات ثم ألقوه في زنزانتنا ليومين بلياليها. كانت رائحة موته تزكم أنوفنا في الصباح الباكر وهم يجروننا ليفعلوا بنا، غير أنه بالليل كنا ندفن رائحة الموت، كنا نجعل العجوز وسطنا ونحيط به و نحكي عن ما فعلوه بنا. كنا نتألم حينا و نقهقه أحيانا، وكنا نسمع قهقهة العجوز أيضا.

أنا الآن عجوز و أحاول أن أخرج من سجن أكبر....

فعلوا بي ذلك الشيء وفقأوا عيني و جعلوا سمعي ثقيلا و شلوا رجلي و يريدون موتي. لكن لا تهتموا كثيرا لحالي، لا تتألموا كثيرا حتى لا تعانوا أكثر مما هو ضروري.

... و أعرف أن لساني سليط! وأنني لا أفتأ أردد بقسوة وسخرية وأنا أقوم بحركة بيدي تعني لا مبالاتي:

- ماذا فعلوا بكم؟