السيرة في إطار الشعر

قراة في "لماذا تركت الحصان وحيدا؟"

خليل الشيخ

قبل أن يكتب محمود درويش (1941) ديوانه "لماذا تركت الحصان وحيدا" الذي يجسد مشروعه لكتابة سيرة ذاتية، عبر مجموعة من القصائد، مكتوبة على نسق فني، يتطابق فيها صوت الشاعر، والشخصية المحورية في السيرة، وصوت السارد، كان من الطبيعي أن تتناثر بعضو ملامح سيرة درويش في قصائده، ويمكن للدارس أن يشير الى أسماء بعض تلك القصائد: "الى أمي" و "أبي" و "ريتا والبندقية" و "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" و "ريتا أحبيني" و "كتابة على ضوء بندقية"(1). غير أن تحليل تلك القصائد من منظور ارتباطها بالسيرة الذاتية لصاحبها يفضي الى أمرين:

أولا: ولادة تلك النصوص من افاق اللحظة الحاضرة، وما ظل يرتبط بتلك اللحظة من اشكالات. فقد كان درويش انذاك يعيش داخل فلسطين شابا، في مقتبل العمر. وكانت افاق الذات عنده مسكونة بهاجس الصراع مع الآخر، الذي يحتل المكان ويتحكم فيه. لهذا كان من الطبيعي أن تتوزع الأفعال في تلك القصائد ـ ولنأخذ "الى أمي" مثلا ـ تلك القصيدة التي كتبها درويش في سجن الرملة عام 1965 على علبة سجائر، أقول تتوزع الأفعال بين الفعل المضارع الذي يجسد مشاعر فتى في الخامسة عشرة من عمره، يحلم بفضاء حر، وحياة مطلقة: (أحن، تكبر، أعشق، أخجل، يلوح، أشارك) وبين فعل الأمر الذي يخاطب من خلاله أمه: (خذيني، غطي، شدي، ضعيني، ردي) وهي أفعال تسعي، وظيفيا، لتغييب علاقات ما قبل السجن مع أمه ومحوها لهذا تكثر في القصيدة جمل شرطية مثل: (اذا عدت، إذا مت، إذا ما رجعت، إذا ما لمست) لتأكيد ذلك التحول المنتظر. اذا كانت "الى أمي" تتميز بالغنائية الحزينة، والبساطة واللهجة الأليفة فإن "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" و "كتابة على ضوء بندقية" تجسدان علاقة أكثر تعقيدا مع اللحظة الواهنة. في ضوء متغيرات الصراع، لهذا تسير الأفعال فيهما من السلب الى الايجاب، ومن الغياب الى الحضور، ومن الواقع الى التاريخ ومن الغناء الى الحوار.

ثانيا: ولادة هذه النصوص في خضم الصراع العربي ـ الاسرائيلي، وما يفرضه هذا الصراع من تحديات تستنفر ذات الشاعر، وهويته، وتشحنه بالرغبة العارمة في التحدي والمواجهة، الأمر الذي يضفي على تلك النصوص المتواشجة مع السيرة أبعادا رمزية، تمزج الأبعاد الذاتية بالجمعية، وتوحد بين المرأة والأرض. إن قراءة "الى أمي" من هذا المنظور تبين الفرق بين واقع التجربة وآفاق التعبير عنها على المستوى الجمال. حيث تتخذ الأم رغم مرجعيتها الواقعية أبعادا رمزية(2).

بعد خروج درويش من فلسطين المحتلة عام 1971. بدأ باستخدام الفعل الماضي، وهو يرسم بعض الملامح المتعلقة بسيرته وهو استخدام يؤشر على ثنائية الاتصال والانفصال، وسيقود درويش تدريجيا الى تشكيل ما يعرف في عالم السراة الذاتية بـ "أسطورة الذكرت الأولى" التي تتمحور حول الولادة والأم والأب والبيت والكلام، والحيوانات المنزلية والموت والجنس ونهايات الطفولة. ففي قصيدة "الأرض" يقول درويش:

وفي شهر آذار قبل ثلاثين عام وخمس حروب
ولدت على كومة من قبور الحشيش المضيء
أبي كان في قبضة الانجليز، وأمي تربي جديلتها
واحملها في جيوبي، فتذبل عند الظهيرة(3).

في هذا المقطع تمتزج الأبعاد التاريخية (فقد ولد درويش في الثالث عشر من آذار، وكان في الخامسة والثلاثين يوم كتب هذا القصيدة) بالأبعاد الأسطورية التي تنقل الحديث من نسق. الى آخر، هذه الأبعاد التي تضفي على المولود ملامح تموزية، فتربط ولادته. بجدل الصراع بين الحشيش ر المضيء (الذي م يشير الى تفتح الربيع) وبين الموت المتجسد في القبور، مثلما تربطها بالذكورة الحبيسة في قبضة المستعمر الانجليزي، وبالأنوثة التي تنتظر من يجيء لتحريرها، فتدلي. ضفائرها ليصعد الناس الى القلعة الحصينة. لهذا كان من الطبيعي أن يتحول مولد الشاعر الى ميلاد جماعي، يتمثل في يوم الأرض، وتغدو عبارة في شهر آذار التي تتكرر، في القصيدة تسع عشر ة مرة، صلة الوصل بين الحياة ونقائضها، فترتبط حركة الحياة ودورة الخصب، والبث بمقدم هذا الشهر. وفي إطار هذا الدلالات التي تتكيء على التكرار المطرد لأنساق أسلوبية يقوم درويش بتحوير مقطع إليوت Eliot الذي يفتتح به الأرض البياب: "نيسان أقسى الشهور"(4)، وهو مرتبط هناك بتصورات دينية مسيحية ليصبح عند درويش: "وفي شهر آذار رائحة النباتات، هذا زواج العناصر آذار أقسى الشهور"، وأكثرها "شبقا"(5).

واذا كان الحديث عن تلك الجوانب المزرعة في شعر درويش يحتاج الى دراسة أخرى، فإن من الملاحظ أن درويش هل يمزج الكثير من الأبعاد المستمدة من اليومي بظلال الحدث العام، فتتجلى بعض أبعاد سيرته، لتعبر عن كائن نعرفه ولا نكاد نلمسه في الواقع، فيأتلف في هذا المزيج البعد الذاتي، مع أبعاد تشكيلية قد تسهم في ترميزه، فمن خلال توحده مع الأم قد يتحول الى كائن آخر، ومن خلال آذار وعناصره المملوءة بالخصب يعود للامتزاج بالأرض، للذهاب في رحلة خصب لا تكاد تنتهي.

لقد بدأ ايقاع السيرة الذاتية، منذ أن كتب درويش "سرحان يشرب القهوة في الكافتيرياء" يأخذ طابعا مختلفا. فقد كانت هذه القصيدة في نظر دارسيه تشكل خطا فاصلا بين القصيدة الغنائية ذات الصوت المغرد، والقصيدة المركبة التي تحوي آفاقا متشعبة، فقد انتقل درويش الى رسم معالم حياة شخصيات (سرحان، أحمد الزعتر... الخ) وهي شخصيات تبدأ من عالم الواقع وتنتهي في عالم الأسطورة، وتجمع في إهابها بين البطولة والمأساة. وتجسد مأساة الفلسطيني وذاكرته الجمعية. ثم انتقل درويش بعد ذلك الى مرحلة شعرية أخرى تميزت بالاتكاء على الموروث واستخدام تقنيات فنية متعددة في توظيفه، لينقب نصوصا ذات أبنية حيوية، تتوالد في فضاء نصوص أخرى، وتتشكل في الوقت نفسه على نحو مستقل. فقد استلهم درويش حكاية النبي يوسف(6). وجسدها لحظه غنائيه مترعه بالحزن، قادرة على الجمع بين الخاص والعام، وان كانت حركة الأنا فيها تصعد لتظل محكومة بسقف السورة القرآنية التي تجيء مؤشرا على علاقة خلاقة بين الواقع والحلم. يعود درويش في "أحد عشر كوكبا" ليستلهم القصة نفسها على نحو مغاير حيث تخبو الحكاية، وينطفيء الحلم. ولا تصبح القصة قناعا يشي بالتميز، بل تشكل خلفية لمشهد حزين. ويكون امتزاجها بالبعد الأندلسي. مؤشرا على لحظتين متغايرتين تماما.

يوم نشر درويش "لماذا تركت الحصان وحيدا؟" عام 1995م. لم يكن تحوله نحو موضوعة السيرة مفاجئا. فقد أوضح درويش في إحدى رسائله الى سميح القاسم (22/ 9/ 1986) أن انشغاله بها يعود الى أوائل الثمانينات يقول: "وسأبدأ في هذا الخريف بكتابة الكتاب الذي يلاحقني هاجسه منذ أربع سنوات، كتاب البيوت، التي عشت فيها في الوطن والمنفى، من البيت الأول الى الآن، وهو شيء من سيرة البيوت الذاتية(7)". ولكن المفاجأة تتمثل في عنوان المجموعة، وتبرز في الجملة الاستفهامية التي لم تشكل عند درويش من قبل ـ وربما عند غير من الشعراء ـ عنوانا، مثلما تتجلى في المشهد الحواري الذي يحدد علاقة الأبن ـ الأب في إحدى تجلياتها المنبثقة من عالم الطفولة، ومغادرة البيت عام 1948، أما بروز الحصان في العنوان. فسيكون لونا من ألوان تغليب الموضوعي على الذاتي في بناء المشهد. إضافة الى دلالات كثيرة يفجرها ترك الحصان الذي يشكل في القصيدة العربية، عادة، رمزا قادرا على الجمع بين الحيوية في أوقات السلم، والاستعداد لدرء الخطر في أوقات الحرب. لهذا يغلب على قصائد ذلك الديوان الطابع التأملي، الذي يحفر في الذاكرة، ويستدعي تضاريس الماضي. ويمزج بين الغناء والقص.

يقسم محمود درويش ديوانه الى ستة أقسام مرتبطة ارتباطا وثيقا بالزمان والمكان، حيث يبدأ المكان فضاء مفتوحا وينتهي مغلقا، ويبدأ الزمان بالطفولة وينطلق منها الى آفاق مختلفة. أما قصيدة "أرى شبحي قادما من بعيد" فلا تندرج تحت تلك الأقسام فهي بمثابة برولوغ Proloque يروي بضمير المتكلم، ويتكرر فيه مقطع شعري، يجيء بمثابة اللازمة: أطل كشرفة يبت على ما أريد(8). يتكرر هذا المقطع أربع مرات في ثنايا القصيدة، أما الفعل أطل فيتكرر ثلاثا وعشرين مرة. أما عنوان القصيدة فيتغير داخل النص حيث تحل كلمة أطل محل كلمة أرى، وتجيء خاتمة المشهد رغبة واضحة في استدعاء ملامح السريرة الذاتية وسياقاتها:

أطل على شبحي
قادما
من
بعيد(9).

يتطلب الفرق بين العنوان والخاتمة المقارنة بين هذه القصيدة وقصيدة "رباعيات"(10). في ديوان درويش "أرى ما أريد" يقترن الفعل أرى في "رباعيات" بعبارة "ما أريد" ويتكرر في النص خمس عشرة مرة كاشفا عن منظور فلسفي يغوص في باطن الأشياء التي يردها ليعيد تشكيلها وإعادة انتاجها. أما في قصيدة "أرى شبحي قادما من بعيد" فتتخذ الرؤية منظورا آخر، وإن كانت تلتقي مع منظور الرباعيات في عملية الانتقاء. فالرؤية التي تصبح هنا إطلالة لاتعيد التفسير. ولا ترغب في إعادة تشكيل الأشياء، بل تقوم باستقراء عام لمفردات السيرة الذاتية وعناصرها، لتعيد التبشير بها في الافتتاحية، مقدمة بذلك الملامح الكبرى لسيرة شاعر متورط في تجربة العصر، دون أن يغدو أسيرا لها، كما أن شبه الجملة المعترضة ـ كشرفة بيت ـ تشير الى لون من الرؤية لا ترغب وربما لا تملك القدرة على التقدير، وان لم تحرم القدرة على الاستشراف. كما أن كلمة شبحي أساسية في تشكيل المعنى الخاص ببناء السيرة لأن هذا الكائن الذي يحاول الشاعر تشكيله وبعثه من عالم الماضي لا يستطيع صياغة ذلك الماضي بدقة، بقدر ما يهدف الى تقديم صورة موازية له، قد تكافئه ولكنها لا تطابقه.

تحتوي قصيدة "أرى شبحي قادما من بعيد" على مجموعة من العناصر التي تشكل الحياة وما فيها من صراعات، ولو جرت عملية تصنيف لتلك العناصر لتشكلت منها مجموعة من الدوائر تبدأ بالذات وتمر بالآخر وبالطبيعة. طيورها، وحيواناتها وما وراء الطبيعة وبالفن والتاريخ والفكر وبعدا من الشخصيات الفاعلة. ستحظى هذا العناصر بقدر متفاوت من الأهمية في الديوان، وسكون التركيز عليها ضمن دلالتين مركزيتين في العلاقة بين الذات والآخر، أما الأولى فهي استعادة الزمان الخاص بالذات وأما الثانية فهي تدمير المكان المرتبط بالذات ومحوه، لنتأمل هذا المقطع الشعري:

أطل على نورس وعلى شاحنات الجنود
تغير أشجار هذا المكان
أطل على كل جاري المهاجر
من كندا، منذ عام ونصف(11).

فالنورس المرتبط بالبحر يجسد الثبات، في حين تحاول شاحنات الجنود أن تصنع مكانا جديدا يناسب القادمين من كندا الى فلسطين، فيكون النورس دالا على حضور الذات الدينامي لكي ترتبط بمرجعياتها المكانية، في حين تشكل الشاحنات النقيض الذي يحاول تدمير تلك المرجعيات. وعندما يقول:

أطل على صورتي وهي تهرب من نفسها
الى السلم الحجري، وتحمل منديل أمي
وتخفق في الريح: ماذا سيحدث لو عدت
طفلا وعدت اليك وعلى الي(12).

فإن درويش يشير الى اشكالية مهمة في تشكيل السيرة الذاتية، تتمثل بعلاقة المرء بماضيه، أو بطفولته على وجه التحديد. فاستعادة ذكرياتها عملية صعبة (لأن المرء كما يقال لا يستطيع أن يستحم في مياه النهر مرتين) واستعادة اللحظة الزمنية عملية مستحيلة، لذا تغدو كتابة السيرة تعويضا عن زمن هارب، وتعويذة من موت داهم.  

يتوقف درويش في القصائد التي يسميها "أيقونات من بلور المكان" عند طفولته ويسعى جاهدا كي يبلور ملامحها، من أجل استعادة فضاء جغرافي تلاشى وتلاشت معه طفولة الشاعر. يتحدث درويش عن ولادة ذلك الطفل مستخدما ضمير الغائب. وان ظل السارد الذي يتحدث عن ذلك الطفل لا يستطيع أن يمنع نفسه من التدخلات التي تضيء جوانب الحدث، وتسهم في ربطه بالجغرافيا، واطلاقه في الوقت نفسه في فضاء الأسطورة، ففي قصيدة "في يدي غيمة" يعلن السارد ميلاد ذلك الطفل:

يولد الآن طفل
وصرخته
في شقوق المكان(13).

ولكن هذه الطفولة لم تكد تبدأ حتى انتهت فقد افتتح السارد القصيدة المشار اليها بمقطع شعري يتكرر في النص أربع مرات بتجليات مختلفة ويجيء تكراره مؤشرا على تفتح الطفولة في لحظة من لحظات الانهيارات الكبرى:

أسرجوا الخيل
لا يعرفون لماذا
ولكنهم أسرجوا الخيل في السهل(14).

يرسم السارد بعد ذلك آفاق المكان والزمان اللذين ولد فيهما الطفل، ويبدو أن تغييب قريته البروة، الذي أشار له درويش في رسائله(15)، جعل تلك القرية تنبثق من حواف الأسطورة، حيث ربطها درويش بأيقونات ثلاث هي:

الريحان، والزيتون والدخان اللازوردي
كان المكان معدا لمولده: تلة
من رياحين أجداده تتلفت شرقا وغربا
وزيتونة، قرب زيتونة في المصاحف تعلي سطوح اللغة
ودخانا من اللازورد يؤثث هذا النهار لمسألة
لا تخص سوى الله(16).

إن هذا الربط قرآني في دلالاته الباطنية، لأنه يكاد يعطي المكان استاطيقا الفردوس، فالرياحين عابقة، تتلفت شرقا وغربا، أما الزيتونة فهي قرآنية: لا شرقية ولا غربية، لذا كان من الطبيعي أن يختتم درويش المشهد بالتجلي الالهي، أما الزمان فهو شهر آذار، الشهر الذي ولد فيه درويش. وقد أضفى عليه درويش طابعا يتلاءم مع رقة المشهد المكاني. فإذا كان درويش يعطي لهذا الشهر طابعا إليوتيا في قصيدة الأرض، ويعطي لميلاده طابعا تموزيا، فإنه يعيد تشكيل الزمان على نحو بالغ الرقة:

... أذار طفل الشهور المدلل
آذار يندف قطنا على شجر
اللوز، آذار يولم خبيزة لفناء الكنيسة
آذار أرض لليل السنونو، ولا مرأة
تتعد لصرختها في البراري.. رتمتد في
شجر السنديان(17).

واذا كانت لحظة الميلاد بالغة الرقة، فإن تفصلات اللحظة الزمانية المغرقة في الدنيوية تشكل طبيعة المشهد وتوضح الفرق بين السماوي والأرضي. يتلو مشهد الولادة مجموعة من المشاهد تبين بعض تجليات الطفولة التي تستلهم قصة النبي يوسف، عليه السلام، فعندما يتساءل الشاعر (على لسان الطفل المتكلم) رادا على رواة مجهولين:

هل أسأت الى اخوتي
عندما قلت إني رأيت ملائكة يلعبون مع الذئب
في باحة الدار؟(18).

فإن درويش يعيد صياغة السؤال الذي كان قد طرحه من قبل في قصيدة "أنا يوسف". غير أن إعادة السؤال في هذا النص كانت تسعي في واقع الأمر للفرار من لحظتي الصعود والتميز، لتتخذ الرؤيا هنا أبعادا واقعية، تكسر الحدود النمطية المتعارف عليها بين الخير والشر. أما استعارة درويش لبعض عناصر تلك القصة مثل: القمر، وسبع سنابل، والبئر فهي تعميق لعملية المزج المشار اليها بين الدنيوي والمقدس. واذا كانت قصيدة "في يدي غيمة" تؤسس لاستاطيقا الفردوس فإن بقية قصائد "أيقونات من بلور المكان" سترسم بعدين أساسيين ظل درويش يلح عليهما في شعره وفي كتاباته الأخرى وبخاصة في "يوميات الحزن العادي". أما البعد الأول فيتمثل في الخروج من المكان "البروة" الذي يجيء على شاكلة خروج آدم من الفردوس:

نحن أيضا صعدنا الى الشاحنات، يسامرنا
لمعان الزمرد في ليل زيتوننا ونباح
كلاب على قمر عابر فوق برج الكنيسة
لكننا لم نكن خائفين، لأن طفولتنا لم
تجيء معنا، واكتفينا بأغنية. سوف نرجع
عما قليل الى بيتنا، عندما تفرغ الشاحنات حمولتها
الزائدة(19).

أما البعد الثاني الذي يبرز في خاتمة المقطع، فهو الوثوق من حتمية العودة الى ذلك الفردوس، هذه الحتمية التي تهبط فجأة دون أن تنبثق من مجموعة علاقات تبشر بها أو تقود اليها. لقد دأب درويش على الحديث عن تلك اللحظة، وكان تكرارها دالا على تجذرها العميق في ذاته، لأن هذا اللحظة من لحظات نفي الطفولة وتدمير مكانها الأول الذي شهد تجلياتها. ففي "يوميات الحزن العادي"

يقول درويش في حوار بينه وبين أبيه:

ـ حين كنت صغيرا، كنت تخاف من القمر.
ـ لولاه لكنت يتيما قبل أواني. لم يكن قد سقط في البئر. كان أعلى من جبيني وأقرب من شجرة التوت التي توسطت دار جدي. "وكان الكلب ينبح عندما يقترب. وحين دوت أول رصاصة دهشت لحفلة زفاف تحدث في المساء. وحين ساقوني الى القافلة الطويلة رافقنا القمر الى طريق عرفت فيما بعد أنها طريق المنفر"(20). واذا كان درويش يحرص على تقديم لوحة الخروج. بوصفها انتزاعا للطفل من المطلق، فإنه وهو يقدم لوحة العودة، يربطها بالكثير من الخلفيات التاريخية، فيشير الى الهزيمة العسكرية، وهدنة رودس. أما على المستوى الفني، فتكف القصيدة عن التأمل، لتستخدم أسلوب التحقيق الصحفي في طرح الأسئلة، كما تلجأ الى أدبيات الرحلة، فيقوم السارد ـ الطفل بدور الوسيط بين القاريء والمغامرة التي يرويها. وقد كان من أبطال الرحلة قبل أن يصب ساردا لها.

لا يقتصر الحوار على قصيدة واحدة، بل يمتد الى القصائد الثلاث: "أبد الصبار" و "كم مرة ينتهي أمرنا" و "الى أخرى والى آخرة" التي ترسم مشاهد فاجعة للحظتي الخروج والعودة، تتخللها لحظات من الكوميديا السوداء للغزاة الذين جاءوا الى فلسطين، وخرجوا منها في نهاية المطاف، ففي حين خلدت معجزات السيد المسيح، وتعاليمه، اندثرت القلاع الصليبية:

هنا مر سيدنا ذات يوم. هنا جعل
الماء خمرا، وقال كلاما كثيرا عن الحب،
يا ابني تذكر غدا، وتذكر قلاعا صليبية
قضمتها حشائش نيسان بعد رحيل الجنود(21).

2 ـ 2
لم يعد درويش الى قريته، بعد أن رجع متسللا الى فلسطين مع أمه، لأن قريته محيت تماما. ولكن غياب المكان. أسهم في بعثه وحضوره. وأضفى عليه طابع القداسة، فصار مزيجا من الذاكرة والأسطورة ولم يعد الحديث عنه لونا من سرد التاريخ الشخصي للشاعر، بقدر ما صار لونا من ألوان استرجاع الحلم. لهذا كان من الطبيعي أن يشكل البيت المحور الذي تدور حوله لحظات الخروج ولحظات العودة وأن يبث غيابه على اعادة تشكيله، ليكون كالعنقاء التي تنهض من الرماد. لقد حدد درويش إطلالته، بأنها كشرفة بيت، واذا كانت تلك العبارة قد جاءت جملة معترضة، فإن أهميتها تتمثل من منظور الموقع في القوة التي تمنحها الشرفة لصاحبها. فالبيت على حد تعبير غاستون باشلار: "يستثير بطولة ذات أبعاد كونية. إذ هو اداة نواجه بها الكون "(22). بعد ذلك لا ترد كلمة البيت غير معرفة، بل تبدأ بالتشكل بوصفها تجسيدا لعذابات الطفولة. ففي لحظة الرحيل يسأل الطفل أباه:

ـ ومن يسكن البيت من بعدنا
يا أبي؟
ـ سيبقى على حاله مثلما كان
يا ولدي.
وفي لحظة أخرى يسأل الطفل أباه:
ـ لماذا تركت الحصان وحيدا؟
ـ لكي يؤنس البيت يا ولدي
فالبيوت تموت إذا غاض سكانها(23).

ان السارد يحرص على أن يفصح البيت عن ملامحه وهويته، وأولى سماته أنه قادر على المقاومة، بمعنى أنه لا يتيح للآخرين السكني فيه، ولكنه يظل كائنا حيا يموت بالعزلة ويتلاشى. من هنا كان بزوغ الحصان مؤشرا على طبيعة المنزل، جماليا ومعماريا،. هذا البيت الذي سيقوم درويش برسم معالمه وأبعاده. أما البئر فتشكل القاسم المشترك بين العناصر الأخرى التي تحدد جمالية البيت. واذا كان درويش يبرز الحصان ويضعه في الصدر، فإنه يحتفي بالبئر ويخفيها في تجليات القصيدة. لقد رافق رمز البئر درويش منذ "يوميات الحزن العادي" ففي فصل بعنوان "القمر لم يسقط في البئر" يتحدث درويش عن طفولته المبكرة يوم كان في الخامسة من عمره، وذهب ليبحث عن أمه التي سافرت الى عكا. ولم تأخذه معها. رجع الى البيت متأخرا، ليجد أن أمه وأهل البيت والجيران، يبحثون عنه في كل آبار القرية حين يضيع الطفل فلابد أن يكون قد سقط في بئر، بكت أمي وبكيت معها،(24). يقوم درويش بإعادة انتاج تلك الحادثة في فضاء محمل بالدلالات والرموز، حيث ترتبط البئر برموز دينية وحضارية متعددة:

وقلت للذكرى: سلاما ياكلام الجدة العفوي
ياخذنا الى أيامنا البيضاء تحت نعاسها
واسمي يرن كليرة الذهب القديمة عند باب البئر،
أسمع وحشة الأسلاف بين الميم والواو السحيقة،
مثل واد غير ذي زرع، وأخفي تعبي الودي، أعرف أنني
سأعود حيا، بعد ساعات من البئر التي
لم ألق فيها يوسفا أو خوفه اخوته
من الأصداء، كن حذرا(25).

يستحضر السارد صورة لمشهد من مشاهد الطفولة، وهو مشهد يمزج بين محاولات الذاكرة للاستحضار. وأحاديث الجدة التي تعمق المشهد. لهذا يثرن المنظر المتولد صوتيا. يرصد حركة متماوجة تكشف عن داخل الشخصية ونوازعها. فالنداء على الشاعر ـ بوصف أنه سقط في البئر ـ يتردد واضحا، ولكنه مملوء بالخوف (الميم والواو هما حرفان من اسم الشاعر وهما يطلقان على نحو ممدود يتجاوب مع أصداء البئر). ولكن المشهد لا يتوقف عند ضياع الطفل، وسقوطه المتخيل في البئر. فيستدعي قصة يوسف والقائه في البئر، ثم يستدعي الجغرافيا. مصر. وسوريا، وبابل، وهى جغرافيا تشير الى قصة النبي يوسف، وقصة دانيال الذي القي في جب الأسود(26)، اضافة الى استدعاء أساطير الخصب والبعث في هذه الحضارات، التي تجعل من الماء بؤرة مركزية للكثير من هذه الأساطير. ليكون المشهد محاولة لربط الأبعاد الشخصية في السيرة الذاتية بالأبعاد الدينية وغيرها المتجذرة في بنية اللاوعي الجمعي التي تعبر عن نفسها في تحولات فردية لا تنفصل عن تلك البنى.  

يتوقف درويش عند شخصيات الجد، والأب،والأم بوصفها من أبرز المؤثرات التي شكلت عالمه الأسري واذا كان تطور هذه الشخصيات وبخاصة شخصيتي، الأب والأم في شعر درويش، يتطلب دراسة مستقلة، فإن هذه الدراسة ستتوقف عند تلك الشخصيات من منظور محدد وهو دورها في تشكيل سيرة الشاعر. وسيكون تحليل تلك الشخصيات عن طريق المقابلة بينها، ومعرفة مدى فاعليتها في بناء السيرة.

تتمايز صورة الجد عن صورة الأب، ففي حين يبدو الجد مرتبطا بالبيت، يظهر الأب مرتبطا بالأرض مسكونا بفصولها وتقلبات تلك الفصول، اما البيت يغيب في ذهنية الأب، ولا يتجلى الا في قصائد الخروج والعودة، ليس بأبعاده الجمالية، بل بأبعاده التي يشير اليها في إمكانية العودة الى الأرض من جديد.

واذا كان الأب واقعيا في رؤيته، مرتبطا بتضاريس الأرض، فان الجد يتشكل بوصفه مزيجا من الواقع والأسطورة، فهو روح البيت، القادر على الجمع بين الماء والنار، لهذا تظل بعض الرموز التي يرتبط بها قادرة على أن تمنح الحياة في إطارها المقدس (غابة الزيتون،الينابيع، دوحة الريحان. البئر) في حين يفصح بعضها الآخر عن ارهاص مضمر للبعث والتجدد (النار، الرماد العنقاء). من هنا يظهر الجد معلما قادرا على أن يربط الطفل بالايقاع القرآني، وبأبعاد، المكان، وببعض تاريخ البشرية، كي يخرجه من ذاته:

علمني القرآن، في دوحة الريحان
شرق البئر
من آدم جئنا ومن حواء
في جنة النسيان
يا جدي! أنا آخر الأحياء
في الصحراء، فلنصعد(27).

أن قدرة الجد على منح الطفل مثل هذا الوقت، يكشف في بعض أبعاده، عن غياب الأب وانشغاله بالأرض. لذا تبدو صورة الأب غارقة في التفصيلات اليومية في حين تظهر صورة الجد قادرة على التحليق في آفاق المطلق، من هنا يبدو الفرق واضحا بين القصائد التي يتجلى فيها الأب، حيث تسيطر عليها نبرة الحزن والشقاء، وبين الأبعاد الموسيقية الرخية التي يصدر عنها الجد في القصيدة التي سماها "كالنون في سورة الرحمن". ولكن درويش يضفي على العلاقة بين الأب والأبن لونا من التواصل الانساني الحميم، فقد تكررت عبارة يا ابي اثنتي عشرة مرة، وعبارة يا ولدي اويا بني ست عشرة مرة، أما المشهد الختامي لتلك القصائد التي يظهر فيها الأب، فكان حافلا بالحنين، والرغبة في تخليد تلك اللحظة:

ـ يا أبي هل تعبت؟
أرى عرقا في عيونك
ـ يا بني تعبت أتحملني؟
ـ مثلما كنت تحملني يا أبي
وسأحمل هذا الحنين
إلي
أولي والي أوله
وسأقطع هذا الطريق الى
أخرى والى آخره(28).

أما شخصية الأم، فتتشكل في مناخ مختلف، إذ يتلاش في علاقتها بابنها ذلك الوهج العاطفي الحزين الذي يشيع في حوارات الأب. فشخصية الأم ذات ايقاع صارم، لا يسمح بتنامي الحوار. وان كانت أمومتها تقبع خلف ايقاع تلك الصرامة. ولا شك ان مجي. العلاقة بين الأم والأبن في قصيدة تحمل عند ان "تعاليم حورية" يكشف عن طبيعة العلاقة بينهما. فإذا كان الجد يعلم الطفل في أجواء توقظ آفاق الأسئلة في نفسه واذا كان الأب يكشف عن جوانب نفسيته في محاوراته مع الأبن فإن الام تظهر للوهلة الأولى وكأنها خارج المشهد الكلي للسيرة، ولكنها في الحقيقة متجذرة في أعماقها، تعرف التفصيلات دون أن تراها. وتحدس جوهرها دون أن يخبرها أحد بذلك.

لا وقت حولك للكلام العاطفي
عجنت بالحبق الظهيرة كلها وخبزت للسماق
عرف الديك، أعرف ما يخرب من قلبك المثقوب
بالطاؤوس، منذ طردت ثانية من الفردوس
عالنا تغير كله، فتغيرت أصواتنا، التحية
بيتنا وقعت كزر الثوب فوق الرمل. لم تسمح صدى
قولي: صباح الخير. قولي أي شيء لي لتمنحني الحياة
دلالها(29).

يسعى المشهد الذي يفصح عن عالمين متجاورين لبلورة الملامح الرئيسية في صورة الأم فهذا السيدة الصامتة، المشغولة المملوءة بالكبرياء والحزن، ترتقي الى مصاف الشخصية الأسطورية، وقد كان من الطبيعي أن يحل الصمت في واقع حياتها اليومية، لأن خروجها من الفردوس أوقعها في حزن مأساوق وغير عالمها تماما، تقوم العلاقة بين الأم وابنها على محوري الحضور والغياب، أو الرحيل والعودة. فالأبن منشغل بفكرة الرحيل، أما الأم فمسكونة بهاجس العودة الى الفردوس.. قد تمثلة تجليات هذه الأبعاد في مستويين شكلا أبعاد تلك الشخصية: أما المستوى الأول فهو تاريخي، تجلى فيه حرص درويش على تغذية صورة الأم بأبعاد التاريخ. وسط عالم تتداخل في صنعه الحضارات والرؤى المتعددة:

هي أخت هاجر، أختها من أمها تبكي
مع النايات موتى لم يموتوا، لا مقابر حول خيمتها
لتعرف كيف تنفتح السماء، ولا
ترى الصحراء خلف أصابعي لتري حديقتها(30).

ولا شك أن الربط بين الأم وهاجر، سيقود الى العديد من التقابلات فهاجر واسماعيل يقابلان سارة واسحق. ولكن المعجزة لا تتحقق ثانية في حياة هاجر الجديدة. ولا ينبعث الماء من بين أصابع ابنها. بل تتجذر في شخصيتها أبعاد الماضي الجديد. حيث ورثت عن أمها القدرة على الاحتمال وأبعاد الحاضر البائس الذي يشكل الموت والمنفى أركانه، ومن هذا المستوى تنبثق أحدى اللحظات الحاسمة في حياة درويش وهي لحظة الرحيل مع الأم إثر سقوط فلسطين عام 1948م:

هل تتذكرين
طريق هجرتنا الى لبنان؟ حيث نسيتني
ونسيت كيس الخبز (كان الخبز قمحيا)
ولم أصرخ لئلا أوقظ الحراس،حطتني
على كتفيك رائحة الندى،ياظبية فقد هناك
كناسها وغزالها(31).

يتولد هذا المشهد من الذاكرة، ولكن السؤال الذي يوجهه لأمه يشكل مفتاحا للوصول الى أعماق الصورة الغائرة في لاوعيه الفردي والجمعي، فيرسم منظرا ينبثق من صورة السيدة مريم، وابنها المسيح عليه السلام، تتكون الصورة من طفل خائف تحمله أمه في طريقها الى لبنان مهاجرة، بعد سقوط وطنها وابنها. أما معجزة الأبن فتتمثل في السكوت لأن ذلك لم يعد معجزة، بل صار طريقا يقود الى الموت لهذا يأتي التحول في خاتمة المشهد، قادرا على استدعاء عناصر الخصب(32). (الندى، الغزالة) ليتوحد الطفل مع أمه، وليكون الفصل بينهما مستحيلا. غير أن صورة الأم تكتمل في نهاية المشهد من خلال مجموعة من الوصايا تسعي في مجملها الى تحرير ابنها من قيود كثيرة، تشكل عائقا أمام حركته:قيود الزواج، قيود الأم، قيود الضعف الرومانسي، قيود الماضي، قيود التردد، القيود التي تمنع تحقيق الذات، ولكنها تظل تضع نفسها في مواجهة ذلك كله بوصفها مصدر الصدق الذي لا ينبغي لامرأة غيرها أن تصل الى مستواه.

ولكن المشهد الحافل بتفصيلات الخروج،وما رافقه من مأساة وحلم بالعودة لا يكتمل الا إذا توقف الدارس عند لحظتين تجسدان اشكالية كاتب السيرة من زاويتين مختلفين. أما الأولى فتجسدها قصيدة "مر القطار"(33). وأما الثانية فتعبر عنها قصيدة "عندما يبتعد"(34). ففي حين تمثل الأولى مرور الزمن دون أن يتمكن المرء من استرجاعه، تمثل الثانية رغبة درويش في أن يعطي للفضاء الذي يتحدث عنه سماته وملامحه من خلال تبيانه للمكان وقد احتله الآخر، وأخذ يحاول امتلاكه وتغييره واذا كانت "مر القطار" تجول في فضاء الذاكرة وتمزج بين الواقع وأحلام اليقظة، فإن "عندما يبتعد" تتوقف عند أبعاد مكانية مستقرة تجسد الآخر بعيدا عن التصوير النمطي التي تختزل الملامح وتختصرها. صحيح أن دروش يستخدم لفظي: العدو والغريب. ليصف الآخر، ولكن هذين اللفظين لا يشكلان حجابا يحول دون رؤية الآخر، وما تنطوي عليه حياته من أبعاد، كما أنهما يلغيان الصراع ودلالاته، مثلما لا تلغي رغبة ذلك الآخر في الانتصار والغاء ما سواه.

إذا كانت قصائد المجموعات الثلاث "أيقونات من بلور المكان" و "فضاء هابيل" و "فوضى على باب القيامة" تسعي لاسترداد ملامح الطفولة الضائعة وترسم تجليات المكان الحلم فإن قصائد "غرفة للكلام مع النفس" و "مطر فوق برج الكنيسة" و "أغلقوا المشهد" تسعي لبناء سيرة موازية على الصعيد الفكري. وقد توقفت تلك القصائد عند مسألتين تختصران تجليات هذا الأبعاد الفكرية وهما: مسألة الهوية، ومسألة الأبداع من جهة أخرى.  

الهوية:
في خاتمة قصيدة تحمل عنوان "تدابير شعرية" يسأل درويش سؤالا ظل يسعى للاجابة عنه:

مذ وجدت القصيدة شردت نفسي
وساءلتما
من أنا؟
من أنا؟(35).

لقد أجاب درويش على هذا السؤال منذ أكثر من ثلث قرن. وكانت اجابته كما تجلت في قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية" تجسد استجابة الذات لتحدي الآخر. وسعيه لا لغائه وتدمير مكونات شخصيته، واذا كان من الطبيعي ألا يتنكر درويش في هذا الديوان لاجابته القديمة فإنه يسعى كي يخرجها من دائرة الفعل الى دائرة رد الفعل، وكي يكسبها أبعادا حضارية كان قد ألمح إليها في تلك القصيدة، وان كان ذلك ظل يأخذ هناك أبعادا خطابية:

جذوري قبل ميلاد الزمان رست
وقبل تفتح الحقب(36).

يعود درويش الى الجذور ثانية، كي يبلور معالم الأنا التي يتساءل عن ماهيتها، وتتمثل هذا العودة من خلال قصيدتين هما "قافية من أجل المعلقات" و "قال المسافر للمسافر لن نعود كما". واذا كانت القصيدة الأول تجسد الأنا الجمعية في تحولاتها التاريخية، وفي سعيها لبلورة تصورها عن الذات والعالم، فإن القصيدة الثانية تجسد الأنا الفردية لشاعر عربي معاصر، تخلقت ذاته في إطار الأنا الجمعية، واستمدت آفاقها منها. وسعت في الوقت نفسه للتنبيه على خصوصيتها المرتبطة بحضارة حوض البحر المتوسط. في معرض اجابته على السؤال من أنا؟ الذي يعيد درويش طرحه في "قافية من أجل المعلقات" تتبلور قراءة عميقة للحقبة الجاهلية وشعريتها. تتم تلك القراءة عن طريق تقديم مشهد ذق نزوع مسرحي، تنبثق في هدايته شخصية تجمع بين القدرة على استبطان واقعها، والدفاع عنه. وتحليله. تقدم الشخصية نفسها بوصفها تجليا لغويا، فقد ولدت تلك الشخصية من لغتها "من لغتي ولدت"، ثم تماهت مع تلك اللغة "أنا لغتي أنا". تتفشى القوة الطاغية للغة في أعماق العربي لتتحول داخل الجسد ايقاعا شعريا ينبض بالحياة. وتصبح خارج ذلك الجسد طائرا قادرا على اقتحام مجهولات الأمكنة وتحطيم رتابة الزمان:

لا أرض فوق الأرض تحملني فيحملني كلامي
طائرا متفرعا مني، ويبني عش رحلتة أمامي (...)(37).

لقد صارت اللغة تختزل كيان العربي، وتعبر عن جسده الموار بالحركة والشهوة وعن خوفه من المجهول، وعن حزنه لفراق من يحبهم، الذين تركوا المكان طللا يجسد صورة الموت. من هنا صارت القصيدة، بكل ما تملكه من لغة فاتنة، تجسيدا لعالم الشاعر العربي في الجاهلية، وموازية لا بداعات الألم الأخرى وما تركته من آثار:

هذه لغتي ومعجزتي، عصا سحري
حدائق بابلي ومسلتي وهويتي الأولى
ومعدني الصقيل
ومقدس العربي في الصحراء
يعبد ما يسيل من القوافي كالنجوم على عباءته
ويعبد(38).

من هنا كان إحداث التحول لتأسيس كتابة جديدة، تمثل قطيعة معرفية مع السائد، وتؤسس لمستوى يفارق المألوف، ويقع خارج التقاليد يتطلب معجزة إلهية:

لابد من نثر إذن
لابد من نثر إلهي لينتصر الرسول(39).

واذا كانت هذه القصيدة تمثل لونا من ألوان المونولوج الذي تتحدث فيه الشخصية لنفسها، فإن قصيدة "قال المسافر للمسا فر..." والتي تتوالد من فضاء النص السابق، تمثل لونا من ألوان الديالوج، وتتشكر بوصفها رسما لأنا شاعر عربي مقامر، على المستوى الحضاري.

يحدد درويش هذه العلاقة من خلال جملة تتكرر ثلاث مرات:

لا أعرف الصحراء

وسيكون لهذا النفي أو، رئيسي في تشكيل معالم الصورة التي يرسمها الشاعر لذاته لأن نفي تلك المعرفة يجسد لعبة الاتصال والانفصال فيما يخص علاقة الشاعر بالموروث. فالشاعر منفصل عن تجليات الصحراء ولكنه ابن شرعي لايقاعاتها الشعرية:

لا أعرف الصحراء
لكني نبت على جوانبها كلاما
قال الكلام كلامه ومضيت
كامرأة مطلقة، مضيت كزوجها المكسور
لم أحفظ سوى الايقاع
لم أسمعه وأتبعه وأرفعه يماما(40).

واذا كان الايقاع الموروث يستطيع أن يجسد ايقاع الزمان، فإن الايقاع المعاصر الذي يستطيع أن يجسد رؤية الشاعر، يأتي من ايقاع البحر، وايقاع الطبيعة حوله، بكل ما يحيط بتلك الطبيعة من موت وحياة وأسى وبهجة وطفولة وهرم، وإن ظل ذلك الايقاع لا يقود الشاعر الى الانفصال عن ينابيع الابداع الأولى، دون ان يحمل الاتصال بتلك الينابيع استمرارا أو تقليدا للصوت القديم:

أنا ابن الساحل السوري
أسكن رحيلا أو مقاما
بين أهل البحر
لكن السراب يشدني شرقا
الى البدو القدامي
أورد الخيل الجميلة ماءها
وأجس نبض الأبجدية في الصدى
وأعود نافذة على جهتين
أنسى من أكون لكي أكون
جماعة في واحد ومعاصرا(41).

اذا كان البحر يمثل هنا حداثة الايقاع، والبحر في درويش ذو تجليات متعددة، فإن الكتابة تشكل الوسيلة الأهم في سبيل تحديد الهوية الحضارية. يتولد فعل الكتابة من الحوار بين الشاعر وبين الغيب في الصحراء، مشيرا الى ما كانت العرب تؤمن به من حيث علاقة الشاعر بقوى خفية تسهم في ابداعاتهم، ومؤكدا في الوقت نفسه جدل الاتصال والانفصال عن التراث، فالكتابة متصلة بالماضي، ولكنها تعيد تشكيله ليصبح حيا ومعاصرا (يخضر السراب). مثلما أنها تشكل الضمان للسيطرة على المستقبل والتحكم فيه:

وفي الصحراء قال الغيب لي:
أكتب!
فقلت على السراب كتابة أخرى
فقال أكتب ليخضر السراب
فقلت: ينقصني الغياب
وقلت: لم أتعلم الكلمات بعد
فقال لي: أكتب لتعرفها
وتعرف أين كنت وأين أنت
وكيف جئت ومن تكون غدا
ضع اسمك في يدي واكتب
لتعرف من أنا واذهب غماما(42).

من هنا يجيء فعل الكتابة ليشكل مفترق الطريق بين الشاعر والصحراء، حيث تجسد رؤية الشاعر المعاصر، وتوقع الى امتلاك عالمه، أو حكايته بكل ما تنطوي عليه هذا الحكاية من هواجس تشكل محور سيرته وحياته:

فكتبت من يكتب حكايته يرث
أرض الكلام ويملك المعنى تماما.

3 ـ 2

الابداع.
يجسد حديث درويش عن العلاقة بين كتابة الحكاية وامتلاك جغرافيتها،الذي جاء على شكل جملة شرطية تتضمن فعل الشرط وجوابه: من يكتب ـ يرث، البعد الرسالي للسيرة، وان كان درويش يثير على مستوى آخر العلاقة بين الكتابة وصاحبها لقد شغلت هذه المسألة درويش كما تتبدى في قصيدتين نشرتا في ديوانه "هي أغنية. هي أغنية" وهما:

"يكتب الراوي ـ يموت:" و "آن للشاعر أن يقتل نفسه" وهما قصيدتان تبرزان لحظة التضاد بين الأنا الشخصية والأنا الشاعرة، ويتم ذلك من خلال الكشف عن التعارض العميق بين لحظتين تعيش الأولى على حساب الأخرى، واذا كان غياب اللحظة الأولى يحرم الشاعر من الحياة، فإن التعبير الشعري هو الذي يدرأ الموت عنه، ويمنح الخلود لعمله الشعري، ففي قصيدة "آن للشاعر أن يقتل نفسه" يجيء وجوب إقدام الشاعر على الانتحار ضروريا لكي يحيا الانسان داخله، أما في هذا الديوان فإن درويش يعيد بلورة ملامح الازمة، لأن الشاعر والانسان دخلا معا بيت اللغة، فتشكلا من جديد، وصارت الاشكالية أكثر عمقا واتساعا، اضافة الى أنها دورة غير قابلة للاكتمال، لأن اكتمالها يعني نهايتها.

تقوم قصائد درويش الأخرى وبخاصة: "أطوار أنات" و "مصرع العنقاء"، "من روميات أبي فراس الحمداني" و "خلاف غير لغوي مع امريء القيس" و "تمارين أولى على جيتارة اسبانية" على محاولة بلورة ملامح حكاية معروفة على صعيد التوصيلات، ولكنها تتداخل مع واقع جديد يكسبها ملامح أخرى ترسم في مجملها أبرز المحطات في مسيرة درويش الأبداعية. واذا كان درويش يتوقف عند تلك الأساطير، ليعيد قراءتها في ضوء سيرته الشعرية، فإنه سيتوقف عند ثلاث شخصيات أدبية هي: امرؤ القيمن. أبو فراس الحمداني، برتولت بريشت Bertolt Brecht مثلما ستظل شخصية لوركا كذلك.

يعلن درويش منذ العنوان أن خلافه مع امريء القيس غير لغوي ليؤكد بذلك أنه تكون في إطار لغة القصيدة الجاهلية التي يعد امرؤ القيس أبرز شعرائها. فما سر ذلك الخلاف وما أبعاده؟ لقد أجاب درويش على هذا السؤال في رسائل الى سميح القاسم، نبين أن امرأ القيس بدأ يتشكل رمزا، وصار ذهابه الى القيصر، لاستعادة ملكه يطغى علي حضوره الشعري(43). وبين أبعاد المسألة في "سنختار سوفوكليس" حيث يقدم سوفوكليس على امريء القيس. للأسباب نفسها. يعيد درويش المسألة نفسها، فيضع امرأ القيس في مواجهة نفسه وفي مواجهة الناس، ثم تكون النتيجة حكما غير قابل للنقض، بالذهاب الى القيصر مجردا من اللغة التي تشكل المرجعية الحضارية:

لم يقل أحد لامريء القيس، ماذا صنعت
بنا وبنفسك؟ فاذهب على درب قيصر،
خلف دخان يطل من الوقت أسود،
واذهب على درب قيصر،
وحدك،وحدك، وحدك
واترك لنا ههنا نعتك(44).

لهذا يأخذ ذهاب أبي فراس الحمداني الى بلاد الروم طابعا مختلفا وتأخذ رومياته أبعادا جمالية، تبين حبه للوطن، وحنينه الى ذكرياته فيه لقد ذهب الحمداني الى هناك، ليمنع قدوم القيصر، وليقف أمام مشروعه التوسعي، فوقع أسيرا في يد الأعداء،وكان أسره سببا لولادة قصائد رومانسية النزوع. لهذا كان بناء قصيدة "من روميات أبي فراس الحمداني" يخالف تماما بناء قصيدة امريء القيس، لأن قصيدة الحمداني، مكتوبة عن لسان سجين تتداعى الى ذاكرته مشاهد حزينة ومؤثرة تتوالد في زنزانة ضيقة لتأخذ بالاتساع التدريجي، عندما يحضر الوطن اليها.

لقد كان تماهي درويش مع أبي فراس واضحا وهو تماه قديم يعود الى ديوانه "عاشق من فلسطين" حيث كان يشير الى شخصية أبي فراس، زين الشباب وصراعها مع الروم:

خيول الروم أعرفها
وإن يتبدل الميدان
أنا زين الشباب وفارس الفرسان(45).

وقد حرص درويش في هذه الرومية الجديدة أن يشير الى ما ظلت مسيرته الشعرية تحفل به من العناصر الرومانسية. وكان ايقاع قصيدة ألمنفى ورموزها، كحلب والعودة اليها وشخصية الام في حوارها مع السجان وهي تزور ابنها، حاملة معها القهوة، كلها مؤشرة على مرحلة من مراحل طور درويش الشعري ذات الايقاع الحزين المملوء بالشجن. ومن هذا المنطلق يمكن تفسير قصيدتيه: تمارين أولى عي جيتارة اسبانية و "شهادة من برتولت بريشت أمام محكمة عسكرية 1967". تتكىء القصيدة الأولى على نص شعري مبكر لدرويش بعنوان "لوركا"(46). ففي هذا النص يتحدث درويش عن لوركا باعجاب شديد، يصل حد التقديس ويستخدم مصلحات دينية وهو يصف علاقة مجيء لوركا به، وان كان ينقل دلالات تلك الالفاظ الى بعد مختلف نسبيا. أما في النص الجديد فلا ينهر لوركا على السطح، بل يغوص به الشاعر الى أعماق القصيدة لينهر من خلالها أنغاما موسيقية، تتوزع بين ماضي الاندلس العربي وموسيقاها، وحاضرها الاسباني الجديد. واذا كان درويش متفائلا في "لوركا":

أجمل الأخبار من مدريد.
ما يأتي غدا(47).
فإنه في قصيدته الجديدة مسكون بالحزن والتشاؤم
والريح تبكي
لم يعد غدنا لنا(48).

ولا شك أن درويش يسير في هذا القصيدة في الاتجاه المعاكس للقصيدة الأولى، فلم يعد الحضور الايديولوجي للوركا مهما، بل صار الأهم يتمثل في تجليات قصيدته المسكونة بالموسيقى والحنين الى زمن غارب قد لا يعود.

أما عن قصيدته "شهادة من برتولت بريشت أمام محكمة عسكرية" فلم يكن من قبيل الأضافة المجانية أن يضم درويش عام 1967 بجانبها مع العنوان.لأن درويش يشير بذلك أولا الى مرحلة كان فيها يتبنى الرؤية الماركسية ومفهومها لطبيعة العلاقة بين الحياة والأبداع، مثلما يشير الى هزيمة حزيران عام 1967م. من المعروف أن بريشت توفي عام 1956 ولكن درويش يستدعيه شاهدا أمام محكمة عسكرية ليتحول الشاهد الى متهم، وليكشف من خلال شهادته عن محاولات الآخرين لسرقة ذاته الحضارية قبل أن يشرعوا في هزيمته عسكريا:

لكن رعاياك يجرون سمائي خلفهم مبتهجين
ويقولون كلامي نفسه
بدلا مني
لشباكي وللصيف الذي يغرق عطر الياسمين
ويعيدون منامي نفسه
بدلا مني
ويبكون مزامير الحنين
ويغنون كما غنيت للزيتون والتين
وللجزئي والكلي في المعني الدفيين(49).

إن تلك القصيدة محكومة بزمن ارتجاعي يعود الى لحظة قاسية، لينفي نقيضه، وليؤشر على مرحلة كانت قصيدة درويش فيها تؤدي دورا تحريضيا وتكون العودة الى الزنزانة هنا وعند الحمداني دالة على تحول حياته آنذاك الى ساحة دفاع، عن جريمة ارتكبها الآخرون واضطر ليدفع ثمنها.

والخلاصة:
أن سيرة درويش تؤسس لذاكرة شعرية حرة، لا تخضع لسياقات الواقع، بل تتسق مع الذاكرة الفردية للشاعر ومع الذاكرة التاريخية لشعبه، التي سعى الشاعر لبلورة ما تنطوي عليه من سمات عبر مديرة شاعر تبلورت على صعيدي التاريخ والجغرافيا.  


ناقد وأستاذ جامعي من الأردن

عن مجلة نزوى العمانية العدد 21
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ـ انظر: ديوان محمود درويش. بيروت دار العودة. ط 12، 1987، ص98، 144، 192، 195، 272، 332.
(2) ـ يقول درويش في مقابلة له:
"علاقتي مع أمي في الطفولة كانت علاقة ملتبسة، كانت عندي عقدة كنت أشعر أن امي تكرهني، لأنها كانت تعاقبني وتعتبرني الولد المسؤول عن أي شغب في البيت والحارة... وبقيت عندي هذه العقدة أن أمي لا تحبني الى أن سجنت لأول مرة". مجلة الوطن العربي. حوار رفيف فتوتح 1984، ص60 وانظر الحوار الذي اجراه عباس بيضون مع درويش: من يكتب حكايته يرث أرض الحكاية مجلة مشارف عدد3(1995) ص72.
(3) ـ ديوان محمود درويش ص62.
(4) ـ انظر على سبيل المثال ترجمة يوسف اليوسف لهذه القصيدة في مجلة الآداب الأجنبية 4(1975) ص54 وما بعدها.
(5) ـ محمود درويش، الديوان، ص626.
(6) ـ محمود درويش، ورد أقل، بيروت المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 2 ـ بيروت1987، ص77.
(7) ـ محمود درويش وسميح القاسم. الرسائل. بيروت دار العودة،. 1990، ص102. وقد أعاد درويش ذلك في مقابلة مع عبدالباري عطوان في مجلة المجلة 289(28/ 7/ 1987) ص46.
(8) ـ لماذا تركت الحصان وحيدا، ص11 ,12, 13, 14, 15.
(9) ـ المصدر نفسه، ص15.
(10) ـ أريد ما أريد، ص9 ـ 16.
(11) ـ لماذا تركت الحصان وحيدا. ص21.
(12) ـ المصدر نفسه، ص13.
(13) ـ المصدر نفسه، ص20.
(14) ـ المصدر نفسه، ص21.
(15) ـ درويش والقاسم، الرسائل، ص46.
(16) ـ لماذا تركت الحصان وحيدا: صار 19 ـ 20.
(17) ـ المصدر نفسه، ص20.
(18) ـ المصدر نفسه، ص20.
(19) ـ المصدر نفسه، ص27.
(20) ـ محمود درويش يوميات الحزن العادي. بيروت. دار العودة. مركز الأبحاث. ط2،1978، ص30.
(21) ـ لماذا تركت الحصان وحيدا. ص35.
(22) ـ المصدر نفسه، ص33.
(23) ـ المصدر نفسه، ص34.
(24) ـ يوميات الحزن العادي، ص31.
(25) ـ لماذا تركت الحصان وحيدا. ص70.
(26) ـ لمزيد من الاطلاع على قصة دانيال، انظر كتاب دانيار في العهد القديم.
(27) ـ لماذا تركت الحصان وحيدا، ص74.
(28) ـ المصدر نفسه، ص42.
(29) ـ المصدر نفسه، ص79.
(30) ـ المصدر نفسا، ص79 ـ 80.
(31) ـ المصدر نفسه، ص78 ـ 79.
(32) ـ لقد أدخل اميل حبيبي هذا المشهد في "الوقائع الغربية في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" ورسم حبيبي مشهدا أسطو ري الملامح، ينفي فكرة الرحيل عن الوطن، وعجز الممثل عن طرد الوطن من قلوب أبنائه، انظر ص68. و ما بعد ها.
(33) ـ لماذا تركت الحصان وحيدا. ص62 ـ 65.
(34) ـ المصدر نفسه ص164 ـ 168.
(35) ـ المصدر نفسه، ص102.
(36) ـ انظر قصيدته الشهيرة "بطاقة هوية" التي جاءت في "أوراق الزيتونة" سنة 1964 في الأعمال الكاملة، ص74.
(37) ـ المصدر نفسه، ص116.
(38) ـ المصدر نفسه، ص118.
(39) ـ المصدر نفسه، ص118.
(40) ـ المصدر نفسه. ص110 ـ 111.
(41) ـ المصدر نفسه ص111.
(42) ـ المصدر نفسه، ص112.
(43) ـ أنظر الرسائل ص89.
(44) ـ لماذا تركت الحصان وحيدا، ص158.
(45) ـ الأعمال الشعرية الكاملة،ص85.
(46) ـ المصدر نفسه، ص68 وما بعدها.
(47) ـ المصدر نفسه، ص70.
(48) ـ لماذا تركت الحصان وحيدا ص140.
(49) ـ المصدر نفسه ص152.