يقدم الباحث الجزائري هنا دراسة لإعادة بناء منطق الفقه الإسلامي في مشروع "التراث والتجديد"، عند حسن حنفي يركز فيها على استمداد المحاولة ومكانتها، إذ تستند إلى التراث الإسلامي وإلى التطور العلمي المعاصر في حقل الفكر الفلسفي والعلوم الإنسانية والاجتماعية في حوارها لأهم الاجتهادات الحديثة في هذا المجال.

الاستمداد والمكانة: تجديد أصول الفقه

في مشروع حسن حنفي

بوبكر جيلالي

1- استمداد محاولة إعادة بناء علم أصول الفقه تاريخيا وفكريا

يحضر كل من التاريخ أو الماضي والواقع المعيش والعلوم، خاصة علوم المناهج والفلسفة والإيديولوجيا في محاولة إعادة بناء علم أصول الفقه عند 'حسن حنفي'، لأنها محاولة وُجدت في فضاء فكري هو مشروع 'التراث والتجديد' الذي يتعامل مع ظاهرتي التراث والتجديد في العالم العربي الإسلامي التراثي التاريخي الغارق في الأزمات. يسعى إلى التخلص منها ويسعى إلى الإصلاح والنهضة وإلى التطور والحضارة. فماضي هذا العالم المعاصر وواقعه بحاجياته ومطالبه وتحدياته وروحه وثقافته وما فيه من تيارات فكرية وعلوم ومناهج، وفلسفة وإيديولوجيا، كل هذا كان وراء الصياغة الجديدة لعلم أصول الفقه في المصنف الأصولي المعاصر 'من النص إلى الواقع' في 'تكوين النص' وفي 'بنية النص'، يمثل الأرضية والسياق الفكري والثقافي وكذلك الظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية أي الظروف التاريخية التي أنتجت المحاولة ومحاولات أخرى تخص إعادة بناء التراث العربي الإسلامي القديم في قسم العلوم العقلية النقلية في إطار 'التراث والتجديد'.

إذا كان التراث معطى ماديا موجودا في المكتبات والمتاحف ودور العلم ودور النشر وغيرها، وهو يحتاج دوما إلى البعث والإحياء والنشر والتحقيق والجمع والتصوير، فهو مخزون مادي وليس وجودا نظريا قائما بذاته مستقلا بكيانه. ولكن التراث في جوهره مخزون نفسي عند الناس يؤثر في حياتهم وفي سلوكهم بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إراديا أو لا إراديا، شعوريا أو لا شعوريا فهو بقيّمه وأفكاره وتصوراته يوجّه سلوك الناس في حياتهم اليومية من خلال التقديس والمدح؛ أو من خلال الارتكان إلى الماضي حيث العزاء بدل الواقع الشقيّ. والموروث القديم ليس مجرد دين أو مسألة دينية لكنه "قضية وطنية تمس حياة المواطنين وتتدخل في شقائهم أو سعادتهم. والدافع على التجديد ليس عاطفة التقديس والاحترام والتبجيل الواجبة لكل موروث ديني بل انتساب الإنسان المجدد إلى أرض وانتماؤه إلى شعب، قضية 'التراث والتجديد' قضية وطنية لأنها جزء من واقعنا. نحن مسئولون عنه كما أننا مسئولون عن الشعب والأرض والثورة، وكما أننا مسئولون عن الآثار والمأثورات الشعبية.(1) "ومن جهة أخرى لا يمكن فصل حاضر الأمة التراثية التاريخية عن ماضيها، وهو أمر طبيعي." فالماضي والحاضر كلاهما معاشان في الشعور، ووصف الشعور هو في نفس الوقت وصف للمخزون النفسي المتراكم من الموروث في تفاعله مع الواقع الحاضر، إسقاطا من الماضي أو رؤية الحاضر. فتحليل التراث هو في نفس الوقت تحليل لعقليتنا المعاصرة وبيان أسباب معوقاتها، وتحليل عقليتنا المعاصرة هو في نفس الوقت تحليل للتراث لما كان التراث القديم مكونا رئيسياً في عقليتنا المعاصرة ومن ثم يسهل علينا رؤية الحاضر في الماضي ورؤية الماضي في الحاضر. فالتراث والتجديد يؤسسان معا علما جديدا وهو وصف للحاضر وكأنه ماضي يتحرك، ووصف الماضي على أنه حاضر معاش، خاصة في بيئة كتلك التي نعيشها حيث الحضارة فيها مازالت قيمة، وحيث الموروث ما زال مقبولا.(2)

والتراث المعني في مشروع 'التراث والتجديد' الجانب العلمي فيه وهي ثلاثة أقسام، علوم عقلية نقلية، ونقلية بحتة، وعقلية صرفة. تمثل هذه العلوم الميادين التي يشتغل عليها المشروع في جبهته الأولى جبهة التراث أو جبهة "موقفنا من التراث القديم". والميدان الأول العلوم العقلية النقلية الأربعة وهي علم الكلام والفلسفة وعلم أصول الفقه وعلم التصوف وهي وراء محاولات إعادة البناء ذات الطابع الثوري التثويري، كتثوير علم الكلام ليتجرد من الجدل والمقدمات النظرية والتحليلات المجردة، والجدل والمناظرات ويتحول إلى علم إنساني يشارك في حل مشاكل الإنسان المعاصر. وتثوير علوم الحكمة طبيعيات وإلهيات وأخلاقيات واجتماعيات وغيرها لتتجرد من الجدل الفلسفي والتحليلات العقلية المجردة من صورية الفكر وشكلانيته إلى علوم إنسانية تدرس الظواهر الإنسانية الفكرية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ويبحث لها عن حلول تسمح بتجاوز الظروف الحالية والأحوال الراهنة التي تتعمق وتتفاقم فيها الأزمة من حين إلى آخر. وتثوير علوم التصوف لتتحول من الرضا والتواكل والحضرة إلى حركة وجدّ واجتهاد في الواقع. وتثوير علم أصول الفقه ليتجرد من طابعه النظري القديم، ويتحول من تأسيس الشريعة على مبدأ أولوية النظر على العمل، والنص على الواقع، والمصلحة على الحرف، والوحي على التاريخ، إلى تأسيسها على مبدأ أولوية النص على الواقع، والمصلحة على الحرف، والتاريخ على الوحي، والعمل على النظر. وبالتالي يتحول علم أصول الفقه من علم فقهي استدلالي منطقي استنباطي إلى علم فلسفي إنساني سلوكي عام. يبحث في السلوك ويمدّه بالقواعد والمُوجِّهات والمحددات التي تعالج الأوضاع في عصرنا بمقتضى سُنّة التغيير والتبدل في إطار ما هو ثابت وواحد. وعلم أصول الفقه يمثل أحد جوانب التراث وهو علم عقلي نقلي عرفته الحضارة الإسلامية نشأ وتكوّن في الماضي ومصدره الوحي والعقل والواقع، وهي الجوانب التي كانت وراء قيام مشروع 'التراث والتجديد' بصفة عامة، ومحاولة إعادة بناء أصول الفقه وإعادة قراءته وصياغته وفق روح العصر الحاضر ومنطقه بصفة خاصة.

إذا كان التراث مخزونا نفسيا يؤثر باستمرار في سلوك الجماهير ويحدد أفكار وتصورات وأفعال أصحابه باعتبارهم أمة تاريخية وتراثية، وإذا كان هذا التراث وراء مشروع 'التراث والتجديد' ووراء محاولة إعادة بناء التراث وتجديده ومنها محاولة إعادة بناء وتجديد علم أصول الفقه فإن هذا التراث نشأ وتكوّن في الماضي وطبع بظروف هذا الماضي، والماضي يعيش في الحاضر والحاضر هو الواقع المعاصر الذي يعيشه العالم العربي والإسلامي والواقع المعاصر في مشروع 'التراث والتجديد' يحتاج بالضرورة إلى موقف حضاري منه أي إلى نظرية تفسره تفسيرا علميا محكما تُمكّن من إدراكه ومعرفة أحواله وظروفه المختلفة وتحدد أسباب معوّقات التنمية فيه كما تضع شروط خروجه من الأزمة وتخلّصه من التخلّف. ومحاولة إعادة بناء علم أصول الفقه تصب في هذا الاتجاه. فالمادة العلمية الأصولية والثقافة الفقهية وأمثلة الفقه كلها يجب أن تكون من الواقع المعيش في العالم العربي والإسلامي الذي يعيش على التراث وعلى الوافد ويحيا مشاكل وتحديات كبرى. فلم يعد لفقه العبيد، أو فقه الغنائم، أو فقه الفيء، مكان في الفقه المعاصر وأصوله. "وبدلا من الفقه القديم يذكر الفقه الجديد من احتلال الأرض، وقهر المواطن، والفقر والحرمان نظرا للتفاوت الشديد بين الأغنياء والفقراء. ووحدة الأمة ضد مخاطر التجزئة والتنمية المستقلة من التبعية والانخراط في النظام الدولي واقتصاديات السوق التي عرفت أخيرا باسم العولمة، والتأكيد على الهوية من الاغتراب وإنكار الذات والتبعية للآخر، وحشد الجماهير ضد تغييبها للامبالاة والفتور أو العجز واليأس والقنوط. والمادة اليوم من العلوم الاجتماعية، أصول المجتمعات، الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية."(3)

ويرتبط علم أصول الفقه في عصرنا وفي واقعنا المعيش المعاصر في الوعي العملي بثنائية المقاصد والأحكام، مقاصد الشارع ومقاصد المكلّف، أحكام الوضع وأحكام التكليف، خاصة في مقاصد المكلّف وأفعاله والأفعال التي تخص هذه المقاصد والأحكام، بحيث لم تعد مقاصد المكلّف تخص الفرد أو المجتمع بعينه، بل تخص الأمة وأهداف الأمة والتحديات التي تواجهها، فتطابق "مقاصد الشارع مع مقاصد المكلّف لا يكفي لوضعية الشريعة. تطابق الوعي العام مع الوعي الفردي دون المرور بالوعي الجماعي أو الانتهاء إليه. فالله والفرد والأمة ثلاثة أطراف في المقاصد. مقاصد الشارع ومقاصد المكلف ومقاصد الأمة مقاصد واحدة. فإذا كانت الضروريات الخمس لب المقاصد، وضع الشريعة ابتداء الحياة والعقل والقيمة الثابتة والكرامة والثروة الوطنية فإنها يمكن أن تكون حاملا للأهداف القومية التي تعطي النظم السياسية شرعيتها إذا قامت بتحقيقها، ويلتقي عليها الإسلاميون لأنها مقاصد الشريعة، والعلمانيون لأنها مقاصد الأمة."(4) والتعاطي مع مقاصد الشريعة التي هي أهداف الأمة ليس بالكيفية التي عرفها القدماء. "وبلورها الشاطبي بل تحتاج إلى ربطها بأهداف الأمة كما يفعل المحدثون، مقاصد الشارع ومقاصد المكلف يحتجان إلى طرف ثالث، أهداف الأمة ويكون تطبيق الشريعة ليس فقط عن طريق تطابق مقاصد الشارع ومقاصد المكلف بل تطابق مقاصد الشارع ومقاصد المكلف وأهداف الأمة."(5) فواقع الأمة والفرد والمجتمع حاضر في محاولة إعادة بناء أصول الفقه بل منه استمدت وجودها وأهميتها.

والواقع لا يحضر كأزمة أو كفضاء يحتاج إلى التغيير والتجديد في محاولة إعادة بناء أصول الفقه، بل يحضر فيها كعلوم ومناهج مصدرها الموروث القديم العربي الإسلامي والدخيل والوافد الجديد الغربي المرتبط بالحضارة الأوربية الحديثة والمعاصرة. إنّ إعراض علم أصول الفقه عن الحركة والتجديد، وإغلاق باب الاجتهاد لفترة طويلة يعود إلى عدم التعاطي مع أصول الفقه وعدم ممارسة الاجتهاد من منظور واقعي مصلحي عصري تاريخيا واجتماعيا وعلميا. والمنهج العام الذي قامت عليه المحاولة تجديدي ظاهراتي لغوي تأويلي يشترط تغيير البيئة الثقافية لعلم أصول الفقه القديم إلى بيئة جديدة تمثل روح العصر وتحدياته ومطالبه. "ومنهج تحليل الخبرات منهج إنساني عام في كل حضارة. وهو منهج تلقائي طبيعي لا يدرك الإنسان إلا ما يشعر به. والعالم الخارجي هو العالم المدرك المطعى في الشعور... ومن ثم فإن النص هو في نفس الوقت تحليل التجارب الشعورية. لا فرق بين اللغة والوجود، بين الفكر والواقع، بين التصور والأفق، بين المفهوم وبعد الشعور. يمكن فهم النص بردّه إلى أصله في التجربة الإنسانية."(6) ولا يعتبر المنهج الظاهراتي عند صاحب المحاولة من الوافد فهو "جزء من علم الاستغراب، أي تحليل التراث الغربي داخل إطاره التاريخي، وتتقارب الحضارات في المناهج والموضوعات. والحضارة الأقوى على الانتشار تُصبح الحضارة المبدعة وغيرها من الحضارات السابقة عليها خاوية من أي إبداع، وغيرها من الحضارات التالية متأثرة بها وامتدادات حضارية لها خارجها عند غيرها."(7)

لقد اعتمد البحث في ’من النص إلى الواقع‘ من حيث المنهج على دراسة النصوص وتحليلها في الصورة والشكل ووفق مسار تاريخي كرونولوجي للمصنفات الأصولية، كما اعتمد على دراسة النصوص الأصولية على اعتبار النص تجربة شعورية وفقا للمنظور الفينومينولوجي الظاهراتي، وفي الحالتين حالة بيان أساس علم أصول الفقه في ’تكوين النص‘ وفي حالة إعادة بناء علم أصول الفقه في ’بنية النص‘ استخدم البحث منهج تحليل المضمون للمتون الأصولية كما استخدم المنهج التاريخي والمنهج البنيوي والمنهج الوصفي الموضوعي، كل ذلك محققا ظاهرة تكامل المناهج وهي مناهج علمية معاصرة لها امتدادات في الموروث القديم العربي الإسلامي، المحلي والدخيل. وقد تمّ في 'تكوين النص' "في الجزء الأول" استخدام منهج وصف تكوين النص وتتبع مراحله. أما في الجزء الثاني فقد استخدم منهج البحث عن بنية النص خارج النص في التجربة الإنسانية المعيشة."(8) مما يدل على استمداد المحاولة منهجيا من ميتودلوجيا العلوم المعاصرة، توجيها لأصول الفقه نحو الواقع والمصلحة والتاريخ لا غير.

ولما كانت المنهجية صفة طبيعية في العقل والتجربة معا فهما صفتان في الفكر الأصولي ومنهجه قديما وفي عصرنا، "وهما المنهجان اللّذان بدأ بهما الوعي الأوربي الحديث. ويعني البحث عن نقطة بداية يقينية يبدأ بها العلم ثم تتوالى الخطوات بعد ذلك على نحو منهجي دون قفز على الخطوات المتوسطة منذ تلقي الوحي كمعطى حتى تحقيقه كنظام مثالي للعالم ... هذه الخطوات المنهجية هي التي تجعل علم أصول الفقه أحد أشكال مناهج البحث في العلوم الإنسانية وهي العلوم السلوكية، وتصف مسار الوحي في الوعي الإنساني منذ لحظة التلقي إلى لحظة التحقق."(9) لحظة التحقق التي يتصل فيها الوحي بالعقل والواقع، فيتأسس النظر ويتأسس العمل ويتحقق، فالوحي نظر مؤسس في الواقع بواسطة العمل، والواقع وحي مؤسس في الوحي والنظر بواسطة العقل. "وتحقيق العمل هو اكتمال صلة الوحي بالواقع. فالوحي مشروع عمل، والعمل وحي متحقق. الوحي إمكانية تحولت إلى الواقع، والواقع هو تحقيق فعلي لإمكانية الوحي. ويبدأ تحقيق العمل ابتداء من بناء الذات إلى علاقاتها بين الذوات إلى علاقتها بإمكانيات العمل."(10) ومبدأ أولوية الواقع على الوحي والنص مستمد من أولوية العمل على النظر وهو "اختيار رئيسي في كل حضارة. وهو الاختيار وراء قيامها وانتشارها قبل أن تهرم وتضعف فيتحول الهمّ العملي إلى همّ نظري، وهو الهمّ الذي يبني الدول ويقيم العمران."(11) وهو الاختيار وراء الوعي الأوربي الحديث والمعاصر والحضارة الحديثة والحالية. وقبل هذا في الحضارات السابقة. لذا جاءت الفلسفة التي قامت عليها محاولة إعادة بناء أصول الفقه مستمدة من الفلسفة الحديثة مثل فلسفة كانط وسينوزا وفيشته وجون بول ساتر وهوسرل وغيرهم.

وحضور الفلسفة وراء المحاولة في دلالاتها وتحليلاتها وإيحاءاتها من خلال التأسيس الفلسفي من القديم متمثلا في فلسفة المعتزلة وأفكارهم وفي المذاهب والاتجاهات الفلسفية الغربية الحديثة والمعاصرة، فالعقل استحسن الأفعال قبل ورود الشرع، لأن الخير والشر قيمتان ذاتيتان في الأفعال بمعنى موضوعية الخير لكونه ذاتيا في الفعل وموضوعية الشر لكونه ذاتيا في الفعل. وهو أمر بديهي طبيعي تلقائي والشرع مؤكد لذلك. ففكرة ذاتية الحسن والقبح العقليين وغيرها من أفكار المعتزلة أسست للعقل وللمصلحة وللواقع في الفكر الإسلامي "فلا فرق بين حكم الشرع وحكم العقل. والحكم إما إثبات أو نفي عن يقين أو شك. فالحكم اليقيني هما الواجب والمحظور للإثبات والنفي والحكم الظني للإثبات والنفي هما المندوب والمكروه. ولا مكان للموقف لأن العقل والمصلحة أساس الشرع."(12) فالشريعة أساسها العقل الذي يجمع بين الوحي والواقع على أساس أن الوحي واقع متحقق بالعقل والعمل والواقع وحي متحقق بالنظر والعمل. "وظهرت أولوية العمل على النظر في الفلسفة النقدية عند كانط بالرغم من أن 'نقد العقل النظري' يأتي من حيث الترتيب قبل 'نقد العقل العملي'. فالمعرفة لا تدرك إلا الظاهر أما الباطن فلا يُعرف إلا بالأخلاق ... وقد أدرك الفلاسفة بعد كانط روح المذهب الكانطي وأعطوا الأولوية للعقل العملي على العقل النظري وللحياة على الفكر وللإرادة على العقل. جوهر العقل النظري عند فشته المقاومة 'الأنا تصنع نفسها حين تقاوم'."(13) وكان سبينوزا من الفلاسفة الديكارتيين "الذي طبق منهج ديكارت في السياسة فدرس أنظمة الحكم وقارن بينها، ونقد الأنظمة التسلطية القائمة على حكم الفرد المطلق، وانتهى إلى أن النظام الديمقراطي هو أكثر الأنظمة اتفاقاً مع العقل ومع الطبيعة."(14) أما فيشته فيقول عنه صاحب 'من النص إلى الواقع': "وما زال فيشته يمثل بالنسبة لي الفيلسوف الأمثل في الوطن المحتل. وما زالت عباراته تصدع في نفسي 'الأنا تصنع نفسها حين تقاوم' مع شعر محمود درويش لو آمنت بمثل أعلى. ثم اتضح لي بعد ذلك أنه غير موجود. فليس خطئي أنني آمنت به، بل خطؤه هو أنه غير موجود. فالمثل الأعلى يصنع ذاته."(15) وجاء 'التراث والتجديد' بطابع تميّز بالمقاومة وبالثورة والتثوير، في جبهاته الثلاث وفي أقسام كل جبهة وفي محاولة إعادة بناء علم أصول الفقه.

أما في الفلسفة المعاصرة وهي امتداد للفلسفة الحديثة ولتطورها في الحاضر بدأت هذه الفلسفة "بالتحول من الماهية إلى الوجود ومن النظر إلى العمل، ومن الفكر إلى الواقع، ومن العقل إلى الفعل."(16) فكل من لوكاتش ونيتشه وبلوندال وبرغسون وماكس شيلر ومين دي بيران فهم جميعا أكدوا على أولوية الإرادة على العقل، والعمل على النظر، والواقع على المثال، والجهد والمقاومة والثورة على التجريد والنظر العقلي. وكل من بيرس ووليام جيمس وجون دوي يعطي الأولوية للمصلحة والمنفعة والفعل المؤدي إليها وأن أمرا واحدا يتحقق فعله خير من عشرة أمور يتم التفكير فيها. ويمثل أحد أبعاد الوجود الإنساني لدى الشخصانيين والفعل أعلى فضيلة في تركيب الفضائل. "أما فلسفات الوجود فقد اتفقت كلها على البداية بالوجود الإنساني، بالأنا موجود وليس بالأنا أفكر كما بيّن جان بول سارتر في 'تعالى الأنا موجود' ثم في العقل الجماعي التاريخي في 'نقد العقل الجدلي'."(17) وأولوية العمل على النظر والواقع والمنفعة والمصلحة مسايرة لروح العصر الذي يتغير باستمرار ويتدرج في التجدد.

ولما كان الاتجاه الإيديولوجي صفة أساسية كامنة في كل بحث وحالّة في كل دراسة وورائها خاصة إذا كانت الدراسة إنسانية اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية أو ثقافية ويصنف بعض الباحثين(18) الإيديولوجية إلى ثلاثة أنواع: "أيديولوجية وطنية تقوم أساسا على الوطن كقيمة، وإيديولوجية دينية تقوم على تعظيم الله، وإيديولوجية إنسانية تجعل من الإنسان القيمة الأولى. ولكن ينقص هذه الإيديولوجيات الثلاث الأساس الاقتصادي، وقبول هذا الأساس معناه الاعتراف بالصراع الطبقي وهو مقياس صدق إيديولوجية عن أخرى. ولا شك أن الإيديولوجية الشاملة هي أقربها إلى تأكيد هذا الصراع، لأن الإيديولوجية الوطنية أو الدينية تتحول في كثير من الأحيان على أيدي الأصوليين وأصحاب الامتيازات باسم الوطن مرة، وباسم الدين مرة أخرى إلى رجعية أو فاشية. والإيديولوجية الاشتراكية هي القادرة على الالتزام بقيّمها."(19) فالإيديولوجية الكامنة وراء إعادة بناء التراث في مشروع 'التراث والتجديد' هي تلك "القادرة على تحويل الإلهيات إلى فكر نظري، ثم تحويل الفكر النظري إلى إيديولوجية سياسية واقتصادية واضحة المعالم يمكن صياغتها بطريقة عقلية علمية صرفة ووضع برنامج شامل تتحقق فيه هذه الإيديولوجية، ويصبح هذا البرنامج دليلا للعمل الثوري. ومن ثم كانت الرغبة ما زالت ملحة على فكرنا المعاصر في البحث عن إيديولوجية "إسلامية" في مقابل الإيديولوجية المعاصرة. وستستمر هذه المحاولات لتغيير الواقع في تعثرها طالما أنه لا توجد إيديولوجية لها واضحة المعالم يجد فيها الواقع تعبيرا عن ذاته، وتجد فيها الجماهير تحقيقا لمصالحها."(20) ويظهر الاتجاه الإيديولوجي في مشروع 'التراث والتجديد' في قول صاحبه: "وقد تمّ اختيار مشروع 'التراث والتجديد' ممثلا للخطاب الديني اليساري نظرا لأنه المشروع الذي لم يرتد صاحبه كما ارتد آخرون من الستينيات إلى الثمانينيات. لم أنح نحوا يساريا علمانيا في الستينيات، بل كانت كتاباتي إسلامية ثورية سواء في 'فكرنا المعاصر' أو في 'الفكر الغربي المعاصر'. لم أكن ميّالاً في الستينيات إلى اليسار العلماني ولا في الثمانينيات إلى الخطاب السلفي، بل أعبر في كلتا الحالتين عن هموم العالم وهموم المواطن. لم أكن يوما ماركسيا أو قوميا أو اشتراكيا وارتد عنها يوما سلفيا. إن التحدي في تاريخ الفكر البشري ليس في أخذ أحد الطرفين بل في إيجاد المركب بينهما، الجمع بين أفلاطون وأرسطو، بين هيجل وماركس، بين اليهودية والمسيحية، بين السموات وملكوت الأرض، بين المثال والواقع، بين العقل والحس، بين الفرد والمجتمع."(21)

يتضح مما سبق أن محاولة إعادة بناء أصول الفقه في 'من النص إلى الواقع' مستمدة من مصادر ومراجع تاريخية وواقعية وعقلية ومنهجية وفلسفية وإيديولوجية تتكشّف من خلال رصد المحاولة في خصائصها ومنطلقاتها وأهدافها. فمصدرها التاريخي، التراث القديم العربي الإسلامي والدخيل، وفضاؤها واقع العالم العربي والإسلامي المعاصر، روحه وتحدياته ومشاكله وحاجاته ومنتجها العقل، باعتباره أداة تجمع بين الوحي والواقع والمصلحة، وبين الحاضر والماضي والمستقبل. أنتجها العقل من منظور علمي ومنجي معاصر، هو مناهج التجديد اللغوية والظاهراتية وغيرها. وسياقها الفلسفي الفلسفة القديمة خاصة الاتجاه المعتزلي والفلسفة الحديثة والمعاصرة لكونها نموذج التقدم والتغيير والإصلاح والنهضة والحضارة. وإطارها الإيديولوجي اليسار الإسلامي القائم على الثورة الاجتماعية لحل أزمة التغيير الاجتماعي، والثورة الاقتصادية لحل أزمة الثروة ومشكلة الفقر والحرمان والتفاوت الاجتماعي، والثورة الثقافية والعلمية والتكنولوجية لحل أزمة المناهج في الفكر الإسلامي أي رفع التحديات الراهنة من قبل الأمة.

2- مكانة المحاولة بين محاولات تجديد علم أصول الفقه في عصرنا الحاضر

لقد ثبت في البحث الذي قام به 'حسن حنفي' حول إعادة بناء علم أصول الفقه أن أصول الفقه عند الشيعة بدأ متأخرا ومزدهرا، في حين أن علم أصول الفقه لدى السنة بدأ مبكرا وازدهر ثم انتهى وتوقف. وفي أيامنا تمّ اختيار علم أصول الفقه للتجديد من قبل العديد من العلماء والمفكرين شيعة وسنة. و "هو اختيار لأهم مواطن الإبداع في العلوم الإسلامية. فعلم الأصول هو العلم الإسلامي الإبداعي بالأصالة. تأسس بشقّيه قبل عصر الترجمة. ومن ثم فهو سابق على الفلسفة ... وهو العلم الذي يعبّر عن روح الحضارة الإسلامية، التوجه نحو الواقع من أجل السيطرة عليه عن طريق تنظيم الأفعال فيه، ووضع قواعد السلوك البشري. ليست غايته الآخرة بل الدنيا وليس الدين بل عمارة الأرض، وليس الله بل العالم. فالله هو الشارع، واضع الشريعة. ولما كانت الشريعة وضعية لها بنيتها في الواقع الاجتماعي وفي الموقف الإنساني لم تكن هناك حاجة إلى تشخيص الشريعة في شخص الشارع، وليس الإشراقيات والاتصال بالعقل الفعال بل العقل الاستنباطي والاستقراء التجريبي مع مباحث اللغة وتحليل الألفاظ."(22)

فمن رواد تجديد أصول الفقه عند الشيعة محمد باقر الصدر الذي اهتم بالفقه وأصوله وخصص لعلم أصول الفقه أعمالا كثيرة. كتب في مباحث الدليل اللفظي وفي مباحث الحجج والأصول العلمية، وفي المعالم الجديدة للأصول وفي الأسس المنطقية للاستقراء وهو عمل تنظيري جمع بين الاستنباط والاستقراء، "بين استنباط الأصل واستقراء الفرع بعد نقد المنطق الصوري الخالص، ونقد المنطق التجريبي الخالص من أجل تأسيس منطق ذاتي للمعرفة."(23) وتميزت محاولة الإمام الصدر بالجدّة في اللفظ والمصطلح. وفي نقد المدرسة الإخبارية. وفي فهم الأدلة والاستدلال فتجاوز "أصول الفقه الشيعي عند القدماء وأصبح من الأئمة المجتهدين المعاصرين كان لديه إحساس بالجدّة وبضرورة التطوير على ما يبدو من بعض عناوين مؤلفاته في علم الأصول مثل 'المعالم الجديدة للأصول'. فالعلم نشأ وتطور وانتهى في دورته الأولى طبقا لتطور الحضارة الإسلامية. ويمكن أن يعاد بناؤه من جديد في النهضة الإسلامية الثانية التي بدأت منذ القرن الماضي. وتلك مسؤولية العلماء المجتهدين. والزمان يتغير، والعصر يتبدل، والمصالح لا تثبت على حال. ولما كان علم الأصول هو علم المصالح المتجددة وجبت إعادة بنائه طبقا لروح العصر ... علم الأصول هو منطق الفقه. هو نظر العمل وأساس الفعل، علم القواعد العامة للسلوك البشري. هو الفعل النظري العملي الذي يجمع بين النظرية والتطبيق، يتفاعل الفكر الأصولي مع الفكر الفقهي. الكل مع الجزء، القاعدة مع المثل. لذلك خرجت قواعد جواز تكليف بما لا يطاق، ولرفع الحرج، ولا ضرر ولا ضرار. ليست الغاية من علم الأصول وضع مجرد مناهج الاستنباط من أجل الاتساق المنطقي وإحكام أشكال القياس. بل الغاية هو العمل. لذلك سمي المنطق الأصولي منطق الاستعمال."(24)

تتفق محاولة باقر الصدر مع محاولة 'حسن حنفي' في الكثير من النقاط وتتقاطع، وتُثبت محاولة 'حسن حنفي' الكثير من أفكار محمد باقر الصدر في تجديد علم الأصول بشقّية أصول الدين وأصول الفقه. وانطلاق 'حسن حنفي' من أعمال محمد باقر الصدر في محاولته إعادة بناء أصول الفقه في مباحث الألفاظ والأدلة والمقاصد والأحكام جعله يصل إلى العديد من الدلالات والتحليلات التي تميزت بالجدة منها في قوله: "وما يدعو للتجديد أيضا هو أولويات الأدلة الشرعية الأربعة. كانت عند القدماء ترتيبا تنازليا ... أما الآن فيمكن إعادة ترتيب الأدلة ترتيبا تصاعديا من القياس إلى الإجماع إلى السنة إلى الكتاب. إذ تستلزم تحديات العصر الرئيسية، مواجهة الاستعمار والصهيونية والتخلف والتبعية والتشرذم، البداية بتحليل الواقع مباشرة ومعرفة علله أي الاجتهاد فإن صعب يمكن التوجه إلى أهل الاختصاص لمعرفة الحلول الجماعية. فإن صعب يمكن بعد ذلك قراءة السابقين في مدوناتهم ابتداء من الخبرات المتميزة حتى حكمة الشعوب على مرّ السنين."(25)

إن تجديد علم الأصول عمل متواصل واتجاه مستمر في التاريخ ابتداء من 'الرسالة' للشافعي إلى 'العدة' للطوسي إلى 'الموافقات' للشاطبي إلى 'المعالم الجديدة للأصول' للإمام محمد باقر الصدر إلى "مقاصد الشريعة" لمحمد الطاهر بن عاشور إلى "مقاصد الشريعة ومكارمها" لعلال الفاسي إلى 'نحو مقاصد الشريعة' لجمال الدين عطية إلى 'تجديد أصول الفقه الإسلامي' لحسن الترابي إلى 'من النص إلى الواقع' لحسن حنفي. هذا المصنف الأخير الذي بان فيه تأثره بكل الأعمال التي عاصرته أخذ منها وحاول تجاوزها مثلما تجاوز محمد باقر الصدر القدماء، ومثله موسى الصدر في تفسير القرآن على أساس أن النص تجربة حيّة في الزمان والزمان هو الحركة "وهو تفسير إنساني يجعل الإنسان مركز الكون."(26) ويتم تفسير الظواهر الدينية بالعلوم الإنسانية والاجتماعية مثل علم النفس الديني والأنثروبولوجيا، وعلم تاريخ الأديان وعلم تاريخ الحضارات والثقافات هذا المنهج في التفسير يقوم على مبدأ أولوية الواقع على النص ومنه جاء شعار محاولة إعادة بناء أصول الفقه عند 'حسن حنفي' وهو 'من النص إلى الواقع' وهو توجه مستمد من الدراسات المعاصرة للفقه وأصوله الشيعية والسنية، الشيعية بالنسبة لتجديد علم أصول الفقه ككل خاصة في رده إلى الواقع وإلى مصالح الناس، والسنّة بالنسبة لبناء المقاصد وتطورها كجزء من الفقه وأصوله ورد الفقه وأصوله إلى التاريخ.

وعلوم التراث ككل بما في ذلك العلوم النصية كعلوم التفسير أو علوم الحديث وحتى علم التوحيد "يقوّي روح الواقعية في الإنسان ويدفعه إلى حرية الاختيار، وتحمّل المسؤولية. وهذه دلالة 'أسباب النزول'، أولوية الواقع على الفكر، والسؤال على الجواب، والإشكال على الحل، والواقع هو الواقع الاجتماعي الفردي والعائلي والجماعي من أجل تغيير الواقع مثل وأد البنات. فرسالة السماء موجهة إلى الأرض، والوحي قصد من الله إلى الإنسان فالأولوية للدنيا على الآخرة. وشرط الاتجاه في الآخرة الفرح في الدنيا. كل شيء في الوحي يتفق مع مصالح الإنسان، الفرد والجماعة."(27) ويتكرر المشهد عند 'حسن حنفي' مع محاولة إعادة بناء مشكلات الحضارة عند المفكر الجزائري 'مالك بن نبي' الذي يدور فكره حول التراث القديم والتراث الغربي وتلخيص تحديات العصر كلها في 'مشكلات الحضارة' "بما في ذلك النهضة والتحرر من الاستعمار والقضاء على التخلف ومظاهره من فقر وقهر وتجزئة وذلك عن طريق التنظير المباشر للواقع وتحويل أحداث عصره إلى التمركزات الفكرية."(28) ومحاور الفكر والبحث عند 'مالك بن نبي' هي الجبهات الثلاث التي يشتغل بها مشروع 'التراث والتجديد' و'من النص إلى الواقع'، مبدأ قام عليه منهج التفسير عند موسى الصدر، هو شعار محاولة إعادة بناء أصول الفقه عند 'حسن حنفي'، والدلالات التجديدية الأصولية في 'المعالم الجديدة للأصول' لمحمد باقر الصدر قامت عليها محاولة 'حسن حنفي' إلا فيما يتميز به الشيعة عن السنة عقيديا ودينيا. وتلتقي محاولة 'حسن حنفي' لإعادة قراءة وصياغة علم أصول الفقه ودعوته إلى تجديده مع دعوة حسن الترابي في كتابه 'تجديد الفكر الإسلامي' وفي رسالته 'تجديد أصول الفقه الإسلامي'. كما كتب 'حسن حنفي' عن هذه المحاولات والدعوات المعاصرة ونوّه بها بل شرحها وأيّدها وهذا يعني أن محاولته انبثقت من هاته المحاولات المعاصرة وتأثرت بها، خاصة محاولة محمد باقر الصدر حتى أنه يمكن اعتبار محاولة 'حسن حنفي' امتداد لمحاولة باقر الصدر وتطويرا لها.

يظهر حضور محاولات التجديد الأصولي الفقهي المعاصر في محاولة 'حسن حنفي' إعجابا وتأثرا، منطلقا ومنهجا ومبتغى. والنص الأصولي الجديد 'من النص إلى الواقع' يمكن مراجعته من قبل المعاصرين ومقارنته بالمتون الكلاسيكية لمعرفة درجة التواصل ودرجة الاستقلال ومن قبل علماء اللسان وعلماء النص والتأويل لإدراك درجة إسهامه في هذه العلوم. ويراجع من قبل المجددين في علم أصول الفقه "الذين ساروا على هذا المنهج منذ حركة الإصلاح الحديثة، خاصة في النصف الثاني من القرن العشرين عند علال الفاسي، ومحمد باقر الصدر، وجمال الدين عطية ومجلة 'المسلم المعاصر' إنها خطوة على طريق تجديد علم الأصول، سبقتها خطوات حثيثة وربما تتلوها خطوات أكثر جرأة."(29)

أما من جهة المصالح والمقاصد كأساس للتشريع فقد درج الأصوليون القدماء على تناول المقاصد ضمن علم أصول الفقه في مباحث القياس والاستصحاب والاستصلاح وغيرها. وتناول البعض موضوع المقاصد في حكم التشريع وأسراره مثلما فعل أبو حامد الغزالي في 'إحياء علوم الدين'، والحديث عن فقه المقاصد وأصوله هو حديث عن 'فقه الأولويات' والمسألة تتعلق "بتجديد المنهج الفقهي الذي يُدخل الفقه في مستوى القاعدة، ويفتح المجال للموضوعات الجديدة في عالم التشريع الثانوي مما استحدثه الناس من موضوعات. وإهمال الموضوعات الميتة التي كانت تمثل حاجات الماضي، ولم تعد تمثل حاجات المستقبل. ما يفرض على الحوزات العلمية أن تكتب الفقه الجديد في تفريعاته وموضوعاته، حتى تكون الرسائل العلمية والمتون الفقهية مواكبة للواقع المعاش. بحيث يشعر المكلف بعيش عصره في الفقه الجديد. وأن الفقه يعالج له مشاكله على مستوى المنهج الإسلامي في الدائرة الإسلامية أو في خارج هذه الدائرة أي في المجتمعات الخاضعة لنظام غير إسلامي في المفاهيم والتشريعات."(30)

ويدعو محمد الطاهر بن عاشور في كتابه 'مقاصد الشريعة الإسلامية' إلى أنه قصد من مصنفه "إملاء مباحث جليلة من مقاصد الشريعة الإسلامية، والتمثيل لها والاحتجاج لإثباتها لتكون مرجعا عند اختلاف الأنظار وتوسلا إلى إقلال الاختلاف بين فقهاء الأمصار. وإغاثة المسلمين ببلالة تشريع مصالحهم الطارئة."(31) كما انتقد الفكر الأصولي القديم ومنهجه القياس الاجتهادي، وارتبط في بحثه مجال مقاصد الشريعة بالنظام الاجتماعي الإسلامي الذي يرى فيه بأنّ قواعده لا تفيد علم الأصول في شيء الأمر الذي يحتم إيجاد قواعد أشمل وأوسع تمثل الجهاز النظري الذي يمكِّننا من ترتيب شبكة القيّم والمبادئ التي تحكم حياة المجتمع وتوجه حركته. وهكذا الأمر مع الفطرة والسماحة والحرية والحق. وفي الحقيقة فإن نظرية ابن عاشور المقاصدية في بنيتها التصورية تمثل مشروعا طموحا جدّا بقدر ما هو هام؛ لأنه يروم رسم مقاصد التشريع الكلية غير مقتصر على المقاصد الخمسة المعروفة التقليدية. والركيزة الإسلامية التي يحتاجها هذا العمل هو الأسلوب والمعيار المنضبط المتمثل بالآليات التي يلزم اعتمادها في تحديد تلك المقاصد الكلية. خاصة وأنّ ابن عاشور لم يكن ممن يكتفون بالطرح الكلاسيكي الذي لا يرى غضاضة في التعويل على الظنون غير المنضبطة والاحتمالات وإنما جاء بدعوى كبيرة وجديرة بكل التقدير والاهتمام وهي علاج إشكالية القطع والظن من خلال إيجاد أصول قطعية للتفقه هذه المحاولة الجادّة لإقامة علم المقاصد تتكرر لدى المفكر والباحث المغربي علال الفاسي في كتابه 'مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها' وهي محاولات تركت بصماتها على المحاولة في 'من النص إلى الواقع'.

بالإضافة إلى محاولة محمد الطاهر بن عاشور وما تميّزت به من جدّة وأصالة وإبداع توجد محاولة علال الفاسي في كتابه 'مقاصد الشريعة ومكارمها'، وهي محاولة إعادة قراءة علم أصول الفقه من حيث قواعده ومن حيث مقاصد الشريعة وتتفق على أن "مقاصد الشريعة الضروريات التي من أجلها كما يقول الشاطبي: وضعت الشريعة ابتداء، هي: الدفاع عن النفس وعن الحياة، والنفس لها مظاهر في العقل، ولها مظاهر في العرض والكرامة، ولها مظاهر في المال والثروة، ثم الدين أي إثبات حقيقة لا يختلف عليها أحد. فمقاصد الشريعة في حقيقة الأمر أهميتها أنها تستطيع أن تجد الجسور بين هذين الخصمين في حياتنا المعاصرة وهم سلفيون وعلمانيون ... وفي نفس الوقت يعني الانفتاح لعلم أصول الفقه على القضايا الرئيسية للعصور. والمقابلة بين مقاصد الشريعة كما حددها الفقهاء وبين الحالة الراهنة لثروات الأمة، لكرامة الإنسان، للتعليم في الأمة، للبحث في الحقائق، وأيضا للحفاظ على حياة الناس."(32) والدافع إلى عدم العناية بالتفكير المقاصدي في الشريعة الإسلامية هو التقوقع في حرفية النص والرغبة في التسلط على الناس. ويعترف 'حسن حنفي' بأن تفكيره في أصول الفقه تأثر بفكر علال الفاسي حيث يقول: "لكن علال الفاسي في 'مقاصد الشريعة ومكارمها' وأنا اعتمدت على ذلك كثيرا من أجل تطوير علم أصول الفقه، أي العلة الغائية، فالعلة الغائية في التعبيرات الفلسفية القديمة هي التي لها الأولوية على العلة الفاعلة أو العلة الصورية أو العلة المادية وهذا محمد إقبال عندما قال: إن الحياة تتحدد بالمقاصد والغايات وليس بالفعل فالغاية هي الموجه بماذا أتحرك؟ لماذا أتعلم؟ لأن لي مقصد أولي غاية، وهي النهضة بالإسلام والمسلمين وبالتالي فالتفكير المقاصدي عادة ما يطور ويغير ويجدد وينزع السلطة من أيدي ملاك الحقيقة المطلقة ومحتكري تفسير النصوص."(33)

وإذا كان محمد الطاهر بن عاشور قد دعا إلى استقلال المقاصد كعلم قائم بذاته عن علم أصول الفقه لما له من خصوصيات وأهمية ودور في الحياة التشريعية خاصة في الحياة المعاصرة فإن علال الفاسي يعتبر المقاصد جزء لا يتجزأ عن علم أصول الفقه على أساس أن المقصد أو المصلحة أساس التشريع وهي مصدر كباقي مصادر التشريع الإسلامي بل هي أساس الشرع مادام الشرع مقصدا من المقاصد أما جمال الدين عطية فالمهم عنده ليس هو استقلال المقاصد كعلم من علم أصول الفقه وإنما هو خدمة الموضوع بالتأليف والتشعيب لمباحثه وتطبيقاته وقد كتب فيه 'نحو تفعيل مقاصد الشريعة' الذي تضمن تصورا جديدا للمقاصد، ويهتم بتفعيل المقاصد في حياتنا الفقهية والعملية من خلال تجديد المقاصد وإثباتها بالعقل والفطرة والتجربة وترتيب المقاصد حسب الضروري والحاجي والتحسيني وبيان نسبية تسكين الوسائل في المراتب. ويخلص جمال الدين عطية في كتابه 'نحو تفعيل مقاصد الشريعة' إلى النتيجة التالية في قوله: "الذي أريد الوصول إليه أنّنا أفرادا وجماعات نفتقد العقلية التخطيطية، وبالتالي يغلب على أعمالنا العشوائية والتخبط، وينخفض بالتالي عائد جهودنا، ونحن أحوج ما يكون إلى أن نحدد أفراد وجماعات رسالتنا في الحياة، ونحدد في ضوئها الأهداف البعيدة والقريبة أو الاستراتيجية الطويلة الأمد والتكتيكية القريبة، ونترجم هذه الأهداف إلى برامج عمل تنفيذية، وما يصاحب ذلك من عمليات تقييم ورقابة ومتابعة، وأن نربط كل ذلك بمقاصد الشريعة. وفي تصوري أن بإمكان المشتغلين بالتخطيط سواء على مستوى المؤسسات الخاصة أو الإدارات الحكومية أن يفيدوا في عملهم من تراثنا الثري في موضوع المقاصد: سواء في مجالات المقاصد العالية أو الكلية أو الخاصة، والمقاصد الأصلية و التبعية و المقاصد و الوسائل ، و نظام رتب الضروريات والحاجيات و التحسينات و نظام الأوليات ... إلى غير ذلك."(34)

إذا كانت محاولة 'حسن حنفي' لإعادة بناء علم أصول الفقه مستمدة من مصادر تاريخية وعلمية ومنهجية ومراجع واقعية وتراثية وفلسفية قديمة وحديثة ومعاصرة، فكذلك استمدها من محاولات تجديد أصول الفقه والدعوات إلى تجديد الفقه وأصوله المعاصرة سواء تلك التي شملت علم أصول الفقه ككل مثل محاولة محمد باقر الصدر أو المحاولات المتعلقة بإقامة مقاصد الشريعة وتطوريها مثل محاولة محمد الطاهر بن عاشور ومحاولة علال الفاسي ومحاولة جمال الدين عطية وغيره. وأُعجب "حسن حنفي" بتلك المحاولات ككل كما هو واضح في كتاباته وحواراته. ومحاولته في 'من النص إلى الواقع' من خلال 'تكوين النص' و'بنية النص' حددت الأساس والبناء، وقدّمت صياغة جديدة في تحديد الأساس وفي إبراز البناء مستفيدة من جميع المحاولات الهادفة إلى تطوير أصول الفقه القديمة والمعاصرة بما لها وبما عليها. وجاءت المحاولة تجمع بين أصول الفقه في أساسه وبنائه من حيث القواعد والمقاصد وفق منظور عصري وبمنظوم عصري وطبقا لروح العصر ولحاجاته وأهداف الأمة والتحديات الراهنة الفردية والجماعية والإنسانية.

 

أستاذ بكلية الآداب واللّغات، جامعة حسيبة بن بوعلي الشلف

 

الهوامش:

1. حسن حنفي: التراث والتجديد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 2002، ط 5، ص23.

2. المرجع نفسه : ص19-20.

3. حسن حنفي: حصار الزمن، علوم، مركز الكتاب للنشر، مصر، 2006، ط1، ص324.

4. المرجع نفسه : ص328.

5. حسن حنفي: من النص إلى الواقع، الجزء الأول، مركز الكتاب للنشر، مصر، 2004، ط1، ص27.

6. حسن حنفي: من النص إلى الواقع، الجزء الثاني، مركز الكتاب للنشر، مصر، 2005، ط1، ص8-9.

7. حسن حنفي: من النص إلى الواقع، الجزء الثاني، ص13.

8. حسن حنفي: من النص إلى الواقع، الجزء الأول، ص25-26.

9. المرجع نفسه : ص19.

10. حسن حنفي: هموم الفكر والوطن، الجزء الأول، دار قباء للطباعة، مصر، 1998، ط3، ص50.

11. حسن حنفي: النظر والعمل، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، 2003، ط1، ص156.

12. حسن حنفي: من النص إلى الواقع، الجزء الثاني، ص563.

13. حسن حنفي : النظر والعمل، ص170.

14. سبينوزا : رسالة في السياسة واللاهوت، ترجمة حسن حنفي، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية، سنة1981، ص10-11.

15. حسن حنفي: فشته فيلسوف المقاومة، مركز الكتاب والنشر، القاهرة، مصر، طبعة خاصة، سنة2003، ص-14.13

16. حسن حنفي: النظر والعمل، ص171-172.

17. المرجع نفسه : ص172-173.

18. الباحث ماكسيم رودنسون وكتابه "الإسلام والرأسمالية"

19. حسن حنفي: قضايا معاصرة، في فكرنا المعاصر، دار التنوير للطباعة والنشر، بيروت، ط2، 1983، ص152.

20. حسن حنفي: التراث والتجديد، ص38.

21. حسن حنفي: حوار الأجيال، دار قباء للطباعة والنشر، القاهرة، مصر، 1998، بدون طبعة، ص483.

22. حسن حنفي: حصار الزمن، مفكرون، مركز الكتاب للنشر، مصر، 2004، ط4، ص41-42.

23. المرجع نفسه : ص43.

24. المرجع نفسه : ص55-56.

25. المرجع نفسه : ص61-62.

26. المرجع نفسه : ص145.

27. المرجع نفسه : ص153.

28. المرجع نفسه : ص177.

29. حسن حنفي: من النص إلى الواقع، الجزء الثاني، ص586.

30. - قضايا فكرية معاصرة: مجلة متخصصة، العدد الثامن، سنة 1999، ص12.

31. المرجع نفسه: نقلا عن مقاصد الشريعة الإسلامية، محمد الطاهر بن عاشور، تحقيق محمد الطاهر اليساري، البصائر للإنتاج العلمي، ط1، 1998، ص407.

32. قضايا فكرية معاصرة: مجلة متخصصة، العدد الثامن، سنة1999، ص63-64.

33. المرجع نفسه : ص65.

34. جمال الدين عطية : نحو تفعيل مقاصد الشريعة،دار الفكر،دمشق،سوريا، ،سنة 2001، بدون ط، ص234.