شهادة من المغرب

شهادة متأملة / متألمة في حق الاستاذ سالم اكويندي

عبد اللطيف الصافي

الاخوة الافاضل في جمعية أطلس للثقافة والفنون

ايها الحضور الكريم

اسمحوا لي في البداية بأن اتقدم اليكم بتحية خالصة مخلصة متمنيا لهذه التظاهرة الفنية والثقافية كامل النجاح وأن أعبر عن عميق شكري لصديقي الاعز الدكتور محمد ابو العولة الذي اتاح لي الفرصة للمشاركة في هذا الحفل التكريمي الذي خصت به مدينة خنيفرة الجميلة ، من خلال مهرجانها الثاني ، أحد أعمدة ثقافتنا الوطنية المعاصرة.

لا أخفيكم انني أحسست بارتباك شديد  وأنا ابحث عن مدخل لهذه الشهادة المتأملة / المتألمة ، فالحضور القوي لسي سالم في المشهد الثقافي والإبداعي الوطني ، وتعدد مساهماته التنظيرية والنقدية ، وتراكماته في المجال التربوي والبيداغوجي ، اضافة الى ما يحمله من خصال انسانية رفيعة ، تجعل من الصعب الحديث عن الرجل وعن عطاءاته  الممتدة لما يقارب الخمسة عقود. لذلك سأركز في هذه الشهادة  المقتضبة على أحد المداخل الاساسية في مسار الاستاذ سالم اكويندي والمتعلق اساسا بإسهاماته المميزة في تجربة المسرح المدرسي بالمغرب الذي يعتبر بحق مؤسسها ورائدها بدون منازع .

لقد تعرفت على سي سالم أواخر ثمانينات القرن الماضي في وقت كانت جمعية تنمية التعاون المدرسي تتجه نحو مأسسة تجربة المسرح الناشئة آنذاك في الوسط التعليمي ، كان سي سالم يرى حينئذ في المسرح بالمؤسسات التعليمية حملا على العاتق ، وترسيخه كممارسة تربوية وفنية بالمدرسة المغربية ،منوط بالفاعل التربوي أيا كان موقعه داخل المنظومة التعليمية . كان صاحب الفكرة وبانيها  من دون استعلاء و لا رياء ، مرشدا منفتحا على الآراء ، محفزا معطاء بسخاء ، لم تكن تهمه المواقع والمناصب رغم أنه كان أهلا لها ، بقدر ما كان منشغلا بتقريب مفهوم المسرح المدرسي ووظائفه وتقنياته من جمهور العاملات والعاملين في الحقل التربوي ومناضلا لا يكل من أجل أن يحتل المسرح مكانته ضمن المناهج التعليمية والأنشطة التربوية.

ومنذ سنة 1989 سيتجه سي سالم نحو الكتابة التأسيسية للمسرح المدرسي لينطلق معه قطار البحث في هذه الموضوعة على المستوى الوطني ، فكانت البداية من داخل اللجنة الوطنية للمسرح المدرسي ، التي تأسست مطلع التسعينيات من القرن الماضي  بهدف وضع وتحديد استراتيجية العمل على الصعيد الوطني وتنظيم الممارسة في الوسط المدرسي ، والذي كان هو منسقها والمنتج لأغلب وثائقها، قبل أن يصبح الحديث في المسرح المدرسي مثار نقاش واسع داخل الاوساط التربوية وخارجها.

وبحسه التربوي الرفيع، وخبرته الطويلة ،تنبه سي سالم الى أن استنبات هذا الكائن في تربتنا المدرسية يتطلب توسيع قاعدة الممارسين للفعل المسرحي بمؤسساتنا التعليمية عبر تكثيف الورشات التكوينية على المستويات الاقليمية والجهوية والوطنية واعتماد أساليب بسيطة في اعداد العرض المسرحي الموجه لتلاميذ المرحلة الابتدائية.

السيدات والسادة المحترمين:

انني كمتتبع لمسار سالم اكويندي المسرحي في شقه المدرسي يمكنني التأكيد على ثلاث خاصيات لديه هي :

·        أولا ، اخلاصه الشديد للمدرسة العمومية ،و تباثه على مبادئها الاساسية ، وحرصه على أن تلعب دورها الريادي في التنشئة الاجتماعية للطفل المغربي، وأيضا ايمانه العميق بأهمية تحقق المسرح في مؤسساتنا التعليمية وحضوره كرافد من روافد العملية التعليمية التعلمية ، ومن تم سهره على تقريب مفهوم المسرح المدرسي وخصائصه ، سواء على مستوى النص أو الاخراج ، ورفع الالتباسات التي ظلت تحف موضوعة المسرح المدرسي، وبالتالي جعل الممارسة في متناول أغلب المنشطات والمنشطين ، الذين كان يدعوهم الى خوض غمار الممارسة بإرادية ونكران ذات ، وتكييف الادوات الفنية والجمالية للمسرح مع ما تتيحه المدرسة نفسها مع الانفتاح ما أمكن على محيطها ، معتبرا ان التراكم هو الذي سيحقق النقلة النوعية المنشودة ، في سيرورة الفعل المسرحي بالوسط المدرسي.

·        ثانيا قدرته على التنزيل الخلاق للمسرح في مدارسنا العمومية من خلال ربطه الجدلي بين ثنائية المسرح / المدرسة وملامسة الدينامية التفاعلية بينهما من جهة ، ومن جهة أخرى استحضاره دوما لصعوبة اختراق منظومتنا التربوية المحصنة ضد كل أشكال الابداع و الابتكار، وبالتالي ايجاد المسالك المستوية والجسور غير الملتوية لتسهيل وضمان عملية توطين المسرح داخل المؤسسة باعتباره امتدادا في ذاته ولذاته، وأيضا كونه وسيلة لبناء الانسان و تأمين توازن بين المدخلات والمخرجات التعليمية ومتطلبات تجويد الفعل التربوي .

·        ثالثا  حثه المنشطين والمنشطات على استلهام الموروث الثقافي الشعبي في منتوجهم الابداعي سواء في مجال الكتابة النصية أو الاخراجية ، انطلاقا من رؤية ترى في  هذا الموروث الجذر الديمقراطي لثقافتنا الوطنية ، ومن خلاله يمكن ترسيخ الكثير من القيم ذات البعد الانساني والوطني في مدارك الاطفال وشحذ هممهم وتكوينهم بما يتلاءم والرهانات المستقبلية المطروحة على مجتمعنا.   

ايها الحضور الكريم

اجدني ، هنا والآن ، أمام لحظة فارقة في حياتي ، لحظة تمكنني من قول ما اعتمل في دواخلي منذ أكثر من عقدين تجاه انسان احببته ملء العين والقلب كما أحبه الكثيرون ، اتيحت لي فرص كثيرة لأجالسه واستمتع بأحاديثه التي كانت منشغلة بالهموم والقضايا الكبرى للوطن.وبنكاته التي لم تكن تخلو من قيمة أو عبرة .  لحظة بقدر ما أنا سعيد بها لما تحمله من امتنان واعتراف  للرجل ، بقدر ما أنا متألم أشد الالم لهذا العقوق الذي لا تزال الدوائر الرسمية ببلادنا تواجه به علما من الاعلام الوطنية البارزة في الساحتين التربوية والثقافية ، وليس هذا بغريب ما دام الرجل لا تغويه لعبة الاحلاف  ولا يستهويه تسلق الأكتاف.. لكن هيهات أن يثنيه كل هذا عن مواصلة المسير في درب العطاء والتنوير. فهنيئا لنا بهذا الصرح الثقافي الشامخ.. وهنيئا لثقافتنا الوطنية الديمقراطية بما راكمه تنظيرا وممارسة.. وأنعم بها قناعات واختيارات ظل الانسان في شموليته قلبها النابض ومتنها غير القابل للمساومة أو المهادنة .

 

خنيفرة في : 21 يونيو 2012