عرف أحمد خيري سعيد بأنه ناظر "جماعة المدرسة الحديثة" أو عميدها، فقد كان رئيس تحرير مجلتها الشهيرة (الفجر: صحيفة الهدم والبناء) التي لعبت دورا كبيرا في بلورة فن قصصي مصري جديد. هنا تقدم أثير محمد علي ملفا عنه، يبدأ بدراسة لأحد أصدقائه ومعاصريه وهو الكاتب والقاص المرموق محمد أمين حسونة ويضم عددا من مقالاته.

"أحمـد خيـري سـعيـد"

بقلم محمد أمين حسونة على صفحات "الحديث" الحلبية

أثير محمد على

انسجاماً مع توجهاتها الحداثية أفردت مجلة "الحديث" الحلبية بين عامي 1933- 1934 باباً خاصاً حمل عنوان "في الأدب المصري/أعلام المدرسة الحديثة" نشرت فيه مجموعة من المقالات للأديب والناقد والصحفي المصري محمد أمين حسونة (1909 - 1956) تناول فيها بالترجمة والدراسة بعض من رواد الحداثة العربية في مصر نذكر منهم: أحمد أمين، أحمد رامي، أحمد زكي أبو شادي، أحمد خيري سعيد، ومحمد تيمور من بين شخصيات أُخر.

ولهذا العدد من "الكلمة" تم اختيار المقالة التي قارب فيها محمد أمين حسونة (1909 - 1956) رائد من رواد الأدب ذي النكهة المميزة لعمق حواري القاهرة ألا وهو أحمد خيري سعيد (1894 - ؟). قبل أن نترك نص المقالة لقارئ "الكلمة" نذكر بأن كتابات محمد أمين حسونة ساهمت في خدمة الحياة الثقافية المصرية لفترة طويلة منذ عام 1925 وحتى أواخر سني عمره، فقد نشر مقالاته وأبحاثه النقدية في جرائد وصحف متنوعة منها جرائد "العروسة" "المقطم"، "البلاغ"، "السياسة الأسبوعية"، "الجمهورية" ومجلات مثل "المقتطف"، "الهلال" "الرسالة"، "الحديث"، إلخ.

اهتم في شبابه الأول بفن المسرح وكتب مجموعة من المسرحيات الكوميدية وهو لايزال طالباً وقد مثلت من قبل "جمعية هواة التمثيل" التي كان قد أسسها في مدرسته.
ألف العديد من الأقاصيص أهمها مجموعة "الورد الأبيض" التي قدم لها محمود تيمور ونشرت عام 1933، أما عمله الأدبي المعنون "رواية" فقد نشر عام 1956 رغم أن تاريخ كتابته يعود لما قبل سنة 1948 وفيه كرس حسونة مداد قلمه لوصف الريف المصري بشكل قصصي. له أيضاً كتاب صدر بجزئين عام 1955 تناول فيه نشأة الوعي القومي تحت عنوان "كفاح الشعب من عمر مكرم إلى جمال عبد الناصر". أما شغله في مصلحة السكك الحديدية فقد أثمر عن كتابه "مصر والطرق الحديدية". كما عمل حسونة في حقل الترجمة ومن ترجماته روايات "هنري الرابع" و"الحب والموت" للويجي براندلو، والأستاذ كلينوف" لكيرن برامسون، و"الينبوع" لشارس مورغان. بعد ثورة 1952 ووصول الضباط الأحرار لسدة الحكم عمل في هيئة تحرير جريدة "الجمهورية" ومجلة "التحرير" وتميزت كتاباته في هذه المرحلة بموالاته لسياسة الدولة ومناهضة النظام البائد (1).

لعل ما دفع محمد أمين حسونة لاختيار شخصية "أحمد خيري سعيد" كي يقدمها لقراء "الحديث" لا يكمن بتعقب أعلام الحداثة العربية فقط وإنما بفعل الفن القصصي الذي مارسه كل منهما، وكأن به اعتراف لمؤثرات مارسها القاص والصحفي أحمد خيري سعيد عليه وعلى جيل كامل من الأدباء المصريين قبل انعطاف القرن العشرين نحو نصفه الثاني. فقد كان أحمد خيري سعيد بحق عميد ما عرف في الأدب المصري باسم "جماعة المدرسة الحديثة" وكان رئيس تحرير جريدتها الشهيرة (الفجر: صحيفة الهدم والبناء) التي لعبت دورا كبيرا برغم قصر عمرها ـ 1925-1927 ـ في بلورة فن قصصي مصري جديد. ففضلا عن نشرها لبدايات عدد من رواد فين القصة البارزين من محمود طاهر لاشين ويحيى حقي وحسين فوزي وحسن محمود وإبراهيم المصري وغيرهم، نشرت عددا من الترجمات لنماذح عديدة من أرقى أعمال القصص الغربية، والروسية منها خاصة. وفضلا عن دور أحمد خيري سعيد الرائد في تشجيع الكتابة الجديدة والتمهيد لها، كتب القصة والرواية. حيث أن له الكثير من القصص المتفرقة في الصحف والدرويات، كما أن نشر رواية مهمة هي (الدسائس والدماء) صدرت عام 1935.

من جهة أخرى، أصدر الباحث والصحفي سامي الكيالي (1898 - 1972) مجلة "الحديث" في حلب عام 1927 وبقيت تصدر بانتظام حتى عام 1959. وليس بخاف على أحد فرادة هذه المجلة وأهميتها في الدعوة للتجديد الفكري والأدبي والفني، فيها ظهرت مقالات وقعتها شخصيات عربية متنوعة المشارب الحداثية كطه حسين، توفيق الحكيم، محمد حسين هيكل، جميل صدقي الزهاوي، اسماعيل مظهر، أحمد زكي أبو شادي، اسماعيل أدهم، سلامة موسى، شفيق جبري، عمر أبو ريشة، أمين الريحاني، سامي الكيالي، رئيف خوري، حميد الانطاكي، إلخ. فكانت "الحديث" بحق من أهم الدوريات في تاريخ الصحافة السورية في النصف الأول من القرن العشرين إلى جانب "مجلة الرابطة الأدبية" الدمشقية التي أصدرتها الجمعية التي تحمل الاسم نفسه عام 1921، وضمت بين أعضائها شخصيات أدبية وصحفية من مقام شفيق جبري، خليل مردم بك، أحمد شاكر الكرمي، حليم دموس، ماري عجمي، نجيب الريس، سليم الجندي.

أما المجلة الثانية التي لايمكن إغفال ذكرها في هذا السياق من حيث الأهمية فهي "الثقافة" والتي رأت النور في دمشق أيضاً على مدار عام 1933 وشارك في اصدارها خليل مردم بك وجميل صليبا وكاظم الداغستاني وكامل عياد. ركزت مجلة "الحديث" الحلبية على الأبحاث التي تدور حول الاتجاهات الأدبية والنقدية والفكرية والفنية الأجنبية والعربية عامة والسورية والمصرية على وجه الخصوص. من جانبه أطلق محرر مجلة "الحديث" سامي الكيالي على أحمد خيري سعيد لقب "عمدة شباب التجديد الصريح" ووصفه على أنه "خزانة أدب ملآنة ودائرة معارف سيارة، واضح الأسلوب، مرح الروح في أحاديثه وكتاباته، تجلس إليه فيروقك منه هذه النكات الحلوة اللاذعة وهذه الأحاديث التي تبعث فيك النشوة والمرح...وهذا الفيض الأدبي الذي يوزعه كل يوم على شتى الصحف والمجلات". إضافة إلى كلمات سامي الكيالي ومقالة محمد أمين حسونة ربما لا نجافي الحقيقة بالقول إن أحمد خيري سعيد يبرز في تاريخ الحداثة العربية بتلك الملامح المبكرة الساخرة لـ المثقف "البوهيمي".

* * * *

أعـلام المدرسة الحديثة: أحمد خـيري سـعيد

بقلم محمد أمين حسونة


قد لا يكون بين كتاب وأدباء العصر الحاضر، من تأثر بالمدرسة الحديثة، وتعاليمها أكثر من أحمد خيري سعيد، فهو في طليعة المجاهدين في الأدب والذين أفنوا زهرة شبابهم في الدعوة إلى التجديد والتبشير بالأدب الحديث، كما أنه صاحب فكرة "الهدم والبناء"، وهي الشارة التي كان يتوج بها جريدته الأدبية "الفجر" والتي أحدثت لدى ظهورها دوياً في المجتمع المصري. وأحمد خيري سعيد، أول من ابتكر اسم "المدرسة الحديثة" وأطلقه على الجماعة التي كانت تدين بمذهبه وبأغراضه التجديدية؛ كما أنه صاحب هذه الفكرة النبيلة التي نمت وترعرعت فيما بعد؛ والتي قامت على تحرير الفكر المصري من إسار التقليد، لينزع إلى الخلق والابتكار؛ وتمصير اللغة وتنقيتها؛ وجعلها بعيدة عن صياغة اللفظ وزخرفه وحياكة الصنعة وتعقد أسلوبها. لتؤدي الغرض النبيل الذي أوجدت من أجله. وهي السهولة في الأداء والبساطة في التعبير. كما أخذ على عاتقه التبشير بأدب مصري مبتكر يعبر عن شتى الميول والعواطف، وبتر الصلة التي تربطنا بأدب المحاكاة والتقليد، والذي ظل الفكر المصري يرزخ تحت أعبائه مئات السنين؟.

وكان مقر "المدرسة الحديثة" بادئ الأمر غرفة تعقد فيها جلساتها في بيت ابراهيم المصري أو محمود طاهر لاشين، وأحياناً في بيت المرحوم أحمد تيمور باشا، ومن هناك أخرجوا صحيفة أدبية كانت تطبع على "البالوظة" لا تتجاوز العشر نسخ من كل عدد ولكن عصا الباشا أكرهتهم على أن يغادروا مكتبه في الحال لما تبين له من نزعتهم التجديدية، وهو مبدأ لم يكن يقره المرحوم الباشا، لأنه كان يرى في المحافظة على القديم والأخذ بعلوم ومدارك الأولين مجداً وسؤدداً.

ودخلت المدرسة الحديثة عناصر جديدة أخرى؛ وتهيأ لها أن تعقد جلسات أدبية شهية فيما بين "صالة ليمونيا" وقهوة "راديوم" وخرج المرحومان محمد تيمور ومحمد رشيد عن قواعد الأرستقراطية وخلعا ردائها ظهراً؛ ليستجيبا إلى دعوة أحمد خيري سعيد؛ ثم تبعهما محمود تيمور وأحمد علام وزكي طليمات ومحمود عزي وفائق رياض وحسين فوزي وابراهيم حمدي وغيرهم من الشباب الملتهب غيرة وتحمساً؛ وكان له الفخر في حمل ألوية التجديد زمناً طويلاً. أما الأغراض التي كانوا يرجونها من وراء دعوتهم؛ فهي نشر الأدب الحديث والاعتناء بالقصة المصرية والشعر العصري والالتفات إلى المسرح وتغذيته بالروايات المؤلفة وتطبيق المذاهب الكتابية وفن النقد، وهي دعوات جريئة كان من الصعوبة بمكان مصارحة العقلية المصرية بها ولكنهم ساروا بها غير عابئين بتحرشات الرجعيين؛ حتى أنتجوا لنا اليوم ثمراً إن لم يكن قد نضج بعد فهو حلو المذاق؛ وكما كان من آثار دعوتهم؛ أن رفع خيري سعيد معوله النقدي ليدك به شاعرية شوقي ويهدم به من صرح أمير الشعراء؛ وشوقي إذ ذاك في أوج عزه وقمة خلوده.

ولد أحمد خيري سعيد بالقاهرة حوالي عام 1894 وتلقى تعاليمه بالمدارس المصرية؛ والتحق بمدرسة الطب في عام 1912 حيث لايزال طالباً بها إلى اليوم، لم يحصل على ترخيص بـ "مهنة طبيب" بعد والتحق بغرفة "الصليب الأحمر" بالجيش الانكليزي خلال الحرب العالمية الأخيرة بوظيفة "مساعد طبيب" في ميدان فلسطين؛ وعاد إلى مصر بعد الهدنة. واشتغل خيري في الأدب وهو في المدرسة إلى جانب اشتغاله بالطب، فوضع رواية "الأسى" ولكنها صودرت من قلم المطبوعات إذ ذاك، ووضع بعدها مسرحية "بين الكاس والطاس" وقدمها إلى فرقة جورج أبيض وذلك في عام 1916.

وكان شغوفاً بالفنون الجميلة والشعر، فوضع كتاب "فن الشعر" لاشك في أنه الأول من نوعه، يحوي مقدمة عن الفنون الجميلة، وبحثاً في فن الشعر باعتباره مقسماً إلى خمسة أقسام، كما في الأدب الأغريقي، وهو ليرك (شعر غنائي)، ودراماتيك (التمثيلي)، وابيك (القصصي)، ثم الشعر الفلسفي، والشعر الوصفي؛ وطبق ذلك على الشعر العربي فوجد أنه ينقصه الشعر التمثيلي والقصصي بالمعنى المعروف في الياذة هوميروس أو سوفوكليس، إلا أنه وجد أن هناك بعضاً من القصائد تسود فيها الروح القصصية لاغير، منها قصيدة عمر بن أبي ربيعة التي تقول (أمن آل نعم أنت غاد فمبكر)، وذلك ليبرهن على أن الشعر العربي صالح لتأليف القصص الشعرية سواء كانت وجدانية أو تمثيلية أو قصصية. وأخرج خيري أيضاً كتاباً أطلق عليه اسم "عبث الشباب"، وذلك في سنة 1916. تحدث فيه بإسهاب عن أوضاع الكتابة في اللغة وتمرده على بعض الأساليب العربية العتيقة كما أنه حبذ الدعوة إلى الأدب المكشوف والإباحية، وذيل الكتاب ببحث عن الموسيقى العصرية وآخر عن رأيه في قصة مجنون ليلى. وإلى هنا ينتهي الدور الاول من حياة خيري الأدبية.

وانتهت الحرب العالمية الكبرى وأعلنت الهدنة وعاد خيري إلى وطنه بعد أداء خدمة "الصليب الأحمر"، وتفرغ لمطالعة العلوم الحديثة والأدب الروسي وأخذ في نظم الشعر والانتقاد الأدبي، وتعرف إذ ذاك على محمد تيمور فأخذا يبثان بين أصدقائهما الدعوة إلى "المدرسة الحديثة" وتعاليمها إلى أن أثمرت هذه الدعوة أخيراً. وكان خيري، ولايزال إلى اليوم، يدين بالمذهب البوهيمي والنزعة الأبيقورية، لا يعنى بملبسه ولا هندامه، ولا يعرف لجسمه عليه حقاً، بل لو طاوعته، لرأيت نفسك تذرع معه شوارع القاهرة حتى مطلع الفجر.

ومن أجل ذلك، سرت عدواه إلى المرحومين محمد تيمور ومحمد رشيد، فكثيراً ما كانا يشاركانه الطعام في الشارع ويتجولان برفقته في الأحياء الوطنية. وتصوَّر اثنين أحدهما من أعرق الأسر المصرية والثاني أحد أمناء القصر الملكي يرافقان خيري سعيد إلى مسرح "دار السلام" بحي سيدنا الحسين بالقاهرة ليقوموا بجولة انتقادية عن فن التمثيل هناك؟!! وأسس خيري بمساعدة آخرين جمعية أطلق عليها اسم "الكفر والإلحاد" ليس هنا مجال التحدث عن أغراضها، كما أنه كان أول من نادى بفكرة استبدال حروف الكتابة العربية بأخرى لاتينية وغيرها من الأفكار الجريئة التي لايقوى غيره على مصارحة الناس بها.

وخلال عام 1920 انتقلت "المدرسة الحديثة" إلى قهوة راديوم بشارع عماد الدين - مهبط الوحي والالهام!! - لتشرف على سير الفن وحركة المسرح، وشعرت الجماعة أنه لايمكن أن تحقق أغراضها خاصة فيما يتعلق منها بنقد المسرح، إلا إذا كانت هناك صحيفة تكون "لسان حالها" ووقع اختيارها على مجلة "السفور" التي يصدرها عبد الحميد حمدي، وهي المجلة الوحيدة التي لها نزعة أدبية في مصر ذلك الوقت، وابتاعوها بمبلغ خمسين جنيهاً مصرياً، لتكون رسول دعوتهم التجديدية، وظهرت وعلى صفحاتها بحوث اجتماعية وأدبية ونقدية شتى، كما ظهرت على صفحاتها أيضاً القصة المصرية، وتولى خيري قسم الترجمة بها، كما أخذ المرحوم محمد تيمور ينشر بها محاكمات وهمية لمؤلفي الروايات المسرحية. ولعل من الخير أن نذكر أن خيري أصدر قبل ذلك جريدة "الشباب" في محتدم الثورة المصرية، وكان يصدرها ويحررها إذ ذاك بمساعدة جماعته في بيت تيمور باشا.

وأراد خيري السفر إلى ألمانيا ليتمّم دراسة الطب هناك، وفيما هو يتأهب لذلك، إذ جاءه المرحوم الصوفاني بك وفاوضه في أن يشتغل محرراً بجريدة "الأمة" وتديّن خيري مذ ذلك الوقت بمذهب "الحزب الوطني"، غير أنه للأسف لم يمكث بجريدة "الأمة" زمناً طويلاً حتى أغلقت، فالتحق بجريدة "اللواء المصري" وكان حظه منه كسابقتها فإنه تسبب في إغلاقها عقب ذلك بمناسبة مقال شديد اللهجة كتبه عن غاندي وحركة المقاومة السلبية في الهند. وفي أواخر عام 1924 اجتمع خيري وجماعته في منزل محمود طاهر لاشين، ورأى أن يفكروا في إظهار جريدة أدبية اسمها "الفجر" وأن يدفع كل واحد منهم مبلغاً من المال كحصة تأسيس، وتم لهم ما أرادوا، وظهرت الفجر في أول مارس سنة 1925 تحمل على صدرها شارة "الهدم والبناء" وتدعوا إلى الاستقلال الفكري وخلق أدب جديد، كما أخذت على عاتقها الاعتناء بالقصة المصرية وتهذيبها وكان للقصة المصرية صفحة تحتلها أسبوعياً منها. وأخفق مشروع جريدة "الفجر" بعد شهور، فقد توفي محمد تيمور وكذا محمد رشيد والتحق زكي طليمات ببعثة فن التمثيل بفرنسا وسافر حسين فوزي إلى أوروبا وتفرغ علام لعمله بمسرح رمسيس.

وظل خيري على حاله، فاشتغل محرراً بجريدة "الأخبار" لسان حال الحزب الوطني ورأى أن يصدرها على نسق "السياسة" في بدء ظهورها، فكان لها صفحات أدبية وأخرى علمية وتاريخية وزراعية ...إلخ، ثم ترك "الأخبار" بعد موت صاحبها ليلتحق بجريدة "كوكب الشرق" ثم جريدة "اليوم" فجريدة "الوادي" إلى أن اشتغل أخيراُ بـ "دار الهلال" حيث لايزال هناك يرأس تحرير مجلة "الهلال" الشهري حتى يومنا هذا. وخيري صحفي مخلص لفنه، لايعرف جسمه طعم الراحة أبداً، ولذا فتراه متداعي الأركان، لايعتني بهندامه أبداً، فهو في ملبسه "كرنفال" متجانس الألوان.

حدث أن طلبت إليه مجلة "الهلال" كتابة عشرين صفحة من صفحاتها وذلك لانقطاع محرريها، وكان الوقت الثامنة مساء، وحددت له السابعة من صبيحة اليوم التالي ليوافيها بما يكتب، فما زال يكد ويجد حتى انتهى من كتابة المطلوب، وكان من نصيبه أن دس له صاحبها عشرة جنيهات مكافأة له على عمله. وحدث أيضاً أن تخلف بعض منضدي الحروف في "جريدة الوادي" في اليوم الذي كان يتولى تحريرها، فما زال يكتب ويجمع الحروف ويصحح المسودات حتى خرجت "الوادي" في موعدها تماماً.

ولخيري صبر على الكتابة كصبره على الحديث، فترى الألفاظ تتدفق من فنه كالسيل، وقد يبدأ مقالة بشكسبير مثلاً ثم يختمه بدكنز أو برناردشو. حدث أن كان الدكتور ناجي مريضاً، وذهب خيري إلى منزله في منتصف الليل، وظل يقرع الباب ويطلبه، فلما مثل أمامه، قال له "هل لديك كتب تبحث في فن الشخصية فقال ناجي أنه يذكر أن بمكتبه مثل ذلك فعليه أن يذهب إليها ويبحث عما يريد، ثم استدعى الخادم وقال له "إذا انتهى الأستاذ من مطالعة ما يريد، فافتح له الباب، أما أنا فسأرقد لأني مريض". وظل خيري يطالع ويكتب إلى وقت الشروق، ثم حمل أوراقه تحت إبطه وغادر منزل ناجي إلى مقر عمله.

وخيري من أولئك الذين يؤمنون باللغة العامية ويدعون إليها، ويرى أن الأدب ليس إلا صورة من الحياة، فيجب أن ننقل إليه هذه الحياة دون زخرفة ولا "رتوش"، ويعرف "المدرسة الحديثة" بقوله: إن بعض الناس عندنا يذكرون أن مدارس الأدب لها مذاهب مختلفة، والذي أراه أن للأدب العظيم الشامل مدرسة واحدة، أما بدعة الريالزم والرومانتزم والناتشرالزم، فمن الدلائل على ضيق النظر إلى الحياة، أو قل من الوسائل المحدودة الناقصة في التعبير، والفنان الكبير يجمع كل هذه المذاهب في شخصه وهذا هو مذهب المدرسة الحديثة. وخيري من أولئك الذين يحتقرون فكرة تشجيع الحكومة والأغنياء للأدب والأدباء، لأن ذلك يحدّ من حرية الإنتاج الفني بل ويقتله، ويرى أن الناشر السخي قد يعين على تقدم الأدب وازدهاره. أما رأيه في الحياة، فيقول: هات العباقرة أعطيك أدباً جديداً خالداً...فالعبقري يتغلب على كل الصعاب، إن الحياة كفاح شريف، لم نخلق لنأكل ونتناسل ونلهو، ولكن لنعمل، لنصنع المعجزات إن استطعنا، فإذا اخفقت محاولاتنا كتبنا في قائمة "المجاهدين". يجب أن نكون اليوم خيراً منا بالأمس وأفضل، وليس من الأهمية بمكان أن تكون صورة التقدم محسوسة، بل يكفي أن نشعر من أعماق قلوبنا أننا خطونا إلا الأمام خطوة وأن أملنا في السمو ما يزال غضاً بهيجاً.

وليس أخطر عند خيري من العبودية للنقاد ومؤرخي الأدب، فالثقافة ضرورية للأديب المجدد، إلا إذا كان عبقرياً يستوحي المعرفة من مصادر مجهولة...!! والقراءة وحدها لا تكونّ الأديب الفنان، بل يجب أن يعيش في الحياة ليتلقى عظاتها - أو بعبارة أخرى - أن الأديب يجب أن يكون جزءاً من الحياة، لا أن يقف على هامشها، والكاتب يأخذ دروسه من الطبيعة وليس من الكتب،...وكما أن الفنان الكبير له فلسفة يفسر بها لغز الحياة ويكشف عن أسرارها، بأن يجعلنا نفهمها وندرك أسرارها، كذلك يجب على الفنان الصغير أن يعرض على أنظارنا قوة الاحساس مثلاً واتساع أفق الحياة والقدرة على التعبير بأسلوب فريد. أما الأديب فهو عنده أعظم وأجل من الفنان، لأنه إذا كان المصور يستخدم الألوان، والموسيقي الأصوات أداة للتعبير فإن الأديب يستخدم الكلمات، وقد وضعت الكلمات لتعبر عن الألوان والأصوات والحواس جميعاً، ومن هنا كانت مادة الأديب (الأديب في عرف خيري سعيد هو الشاعر والكاتب والقاص) أغزر وأشمل. كذلك يستطيع الأديب أن يعالج المرئيات ويتحرر من قيود الزمان والمكان...والأدب لأجل ذلك يخاطب القلب والفكر والخيال، بينما التصوير والموسيقى، يخاطبان القلب والخيال ليس إلا.


(الحديث، س7، ع 2، حلب، شباط 1933)

* * * *

ونقدم فيما يلي ثلاث من مقالات أحمد خيري سعيد


حياتنا العـقلية: أنا هملت... وأنت أيضاً

للكاتب الأديب الأستاذ أحمد خيري سعيد


بدون تنكر - ماكياج - وبدون ملابس تاريخية وبعيدين عن تطفل النظارة وإغراقهم في الاستطلاع والمراقبة ومن غير وعي نمثل دور هملت جله أو كله أو بعضه...ونمثله فلا نخفق. وليس من الضروري أن يصفق لنا الجمهور استحساناً ولا أن تطرى عبقريتنا وتؤله فينا الصحف والمجلات...لا نخفق لأننا ملهمون ولأننا نعيش فترة من حياة هملت.

الإنسان حيوان فني. والفنان تسامت فيه الغريزة الفنية ونضجت مؤهلاته للتعبير عن وحي هذه الغريزة. لاتسألني عن الغريزة الفنية ماهي؟! ولا تسألني عن الفن ماهو؟! ولا عن الحياة ما طبيعتها وما كنهها وماهيتها؟! الغريزة الفنية وغير الفنية لا تجيبك عنها كتب البسيكولوجيا. والفن لاتعريف له ولا تنفع فيه الشروح والنظريات ومذاهب التفكير. والحياة هي الحياة...أفهمت؟!

لا تصدق الكتب ولا الفلاسفة ولا الفنانين إذا حدثوك عن الفن يفسرونه ويشرحون غوامضه...والأعمال الفنية يميزها من سواها شعورك بأنها إلى الكمال، هي الصنعة مضافاً إليها عنصر غير إنساني ينم عن براعة فوق المألوف وحذق مهذب متعمق ونظرة شاملة مستوعبة...ولكل إنسان أعماله الفنية. والفرق بيننا وبين الفنان أنه تخلد أعماله بينما أعمالنا للفناء.

أنا وأنت نجيد التمثيل والرقص والتصوير. نمثل في الخفاء وبين جوقة من ذوي قربانا وأصدقائنا، ونرقص مثل "بافلوفا" رقصات فنية على وقع موسيقى عير مسموعة.
ولو أنت أرهفت حسك الداخلي لألفيت كل شيء يرقص ولأصغيت في سكون ملتذاً لحن الوجود. يقولون أن خير الشعر هو الذي لم يقله شاعر. ولك أن تدعي قرض القصائد الخالدات. ولعلي أنا أمير الشعراء. لعلي نظمت مثل - أو أروع من - القصائد التي وصفها "شلي" بأنها خير قصائده...والتي لم يقلها قط؟ ألم تجلس إلى نفسك تناجيها كما فعل "هملت"؟!. ألم تصغ لهمس ضميرك مثله؟!. ألم تسأل كما سأل: لماذا وجدنا ومن أين جئنا وإلى أين المصير؟!

وأنا وأنت ألم نشاهد الأشباح في خلوتنا.! ألم يبرز من المجهول خيال يخاطبنا ونخاطبه؟! ألسنا جميعاً مثل أجدادنا خرافيين... وأشد ما يكون إلحاح الخرافة بنا عندما نظن أننا تطهرنا من الخرافة. كلنا شكَّ وعذبه التفكير القلق. شك "هملت" في أن عمه هو الذي قتل والده...ثم قطع الشك باليقين...ثم عول على الانتقام. وأنت أيها القارئ ألم تمر في مثل هذه الأزمة. كلنا عالجنا الكراهية والازدراء. كلنا أحبته امرأة حب "أوفيليا" لـ "هملت" فوجد ضعفها لا يطاول قدرته ولم يجد عواطفها كفاء بعواطفه المتوثبة وذهنيته العاتية...نحن لاندري كم امراة أحبتنا وكم رواية غرامية كنا أبطالها.

على أني وأنت لم نعش حياة هملت وإنما عشنا لحظات منها ولم يعش حياة هملت غير شكسبير...لم يعشها هملت الحقيقي. إننا إذن نعيش لحظات من حياة شكسبير فما أسعدنا بهذا الشقاء الذي مزق فؤاده وما أشهى فجيعتنا في أنفسنا. إن الألم يعمق الإحساس ويرهف العواطف ويصقل الذهن، ومن ثم كان الألم مبعث الفن ومراح الإلهام ومغذاه.

(الجديد، ع 34، 3 ديسمبر 1928)

* * * *

حياتنا العـقلية: في النقـــــد

للكاتب الأديب الأستاذ أحمد خيري سعيد


نهضت عقيب فترة الراحة التي أختلستها من بين متاعب الصحافة والاطلاع والبحث ثم التفكير وإمعان الروية إلى كتابة كلمة عن قاعدة ذهبية في النقد قرأتها في خطبة للأستاذ "علي عبد الرازق" كأنه عبر بها عما اختلج في خاطري زماناً ورقد مع الفكرات التي نهنأ بها أو نشقى ونودعها تلك المنطقة العقلية التي يسميها العلماء الحافظة أو الذاكرة أو ما شاءوا من مصطلحات لا تبين تماماً عن المقصود ولا تفسر شيئاً واضحاً محدوداً.
قال الأستاذ بورك له في شجاعته فلخص حالة يؤسف لها وأومأ إلى نقص علاجه مرغوب فيه من جانب أنصار حرية الفكر ودعاة التسامح وشخص أعراض داء يفشو في الجماعات في بدء تكوينها وإبان طفولتها فما أودى بها وما وفقت في كفاحه باستئصاله. لقد استرسلت كثيراً. فماذا قال الأستاذ الجرئ؟!

قال في خطبة ألقاها في اجتماع عقدته جمعية "الرابطة الشرقية" احتفالاً بصدور أول عدد من مجلتها الذي وزع على المدعوين ويؤلمني أنني لم أكن بينهم:
"إذا كان ذلك هو إحساسنا الذي نشعر به إزاء ما يبدو في مجلتنا من مواضع العيب والنقص فلا غرو أنكم ستجدون منا صدوراً أرحب ما تكون لنقد الناقدين وأرضى ما تكون بالنصيحة الخالصة يجود بها علينا الناصحون. أجل، إننا نطلب الكمال لمجلتنا ونرجوه، وإن الذي يكشف لنا عن عيوبنا وينبهنا إلى مواضع النقص فينا لهو خير نصير لنا على بلوغ ذلك الكمال الذي نطلبه ونسعى إليه.
أيها السادة: لجنة المجلة تتشرف بأن تضع بين أيديكم العدد الأول وهي ترجوكم ملحفة في الرجاء أن تنتقدوه وتنتقدوه بشدة ليس فيها هوادة وأن تلاحظوا على كل ما تجدونه موضعاً للملاحظة، فبذلك وحده تستطيعون أن تعاونوننا على الغاية المشتركة التي نسعى لها من الكمال والنجاح".

وما أن شرعت في الكتابة حتى فاجأني صديق بالسلام وباغتني بالتحية فرددت كما أرد على المتطفل أو الضيف الثقيل في برود وركبني ضيق وأوشكت أن أصارح صديقي بتبرمي من زيارته، فعاودتني خلة الحلم وقلت وما ذنبه أنه ألف زيارتي وألفت الأنس به. وأقبلت عليه أحدثه، ولعله لحظ على صفحة وجهي أثر المجهود الباطني الذي بذلته لكبت نفعالي والخروج بإحساسي من حالة إلى أخرى مناقضة. ولله لقد كانت مفاجأة تياترية. وماذا في الحياة لا يشبه أن يكون مباغتة غير منتظرة؟. أنهى إلي صديقي أمراً يتعلق بموضوع كلمتي ألفيته مادة وغنيت به زاداً، أعانني على التعليق والشرح وأني لأجد في الوقائع المنتزعة من الحياة أصدق برهان وأحفل الحجج بالإقناع.

قال: لقد كنت أمس مندوباً عن مجلة "..." في شهود حفلة الرابطة الشرقية فوقع ما شدهت له. فطار خيالي إلى الصبيانيات التي عهدناها في الحفلات طوال الحقبة الأخيرة وتوقعت في صديقي أخبار سوء عما تعبر عنه الصحف "بأنه حدث مايؤسف" وما تختلف الرويات اتهاماً ودفاعاً.
قلت: ماذا؟
قال: كنت إلى جانب نفر من الصحفيين والأدباء فوفد "فلان" فسلم عليهم جميعاً وتخطاني غير معترف بوجودي، وتعرف أنت أنني نقدت له كتاباً نقداً مراً. فبعث يعاتبني ورددت عليه بما أعتقد أنه يضع حداً بين الخصومة الفكرية والمشاحنات التي تتناول كل شيء حتى صلات المودة. وذهب بنا الحديث بعد ذلك مذاهب شتى حول النقد في مصر وكيف أنه لا يرتفع عن الشخصيات وأنه لا يقوم على أساس التقدير النزيه من جهة وكيف أنه إذا قام على هذا الأساس لا يقابل بالتسامح والتواضع. وأعرف أن الكتاب والمفكرين في مصر شيعاً متنافرة، وهذه الفرق لاتربطها غاية مشتركة تشذ عن الشخصيات. فالذي يؤلف - أكثر من غيره - بين هذه الجماعات ويقارب بينها ليس اعتناق مبدأ أو نشدان غاية عليا.

واستعراض الماضي القريب يؤيد هذا ويقدم لنا بعض أسباب جمود القرائح عن الابتكار واسترخاء الهمم والجبن عن الإدلاء بالآراء كما هي وكما يريدها صاحبها. والنقد ضروري لتنشيط كل نهضة ولم يجن على الثقافة شيء مثل ما جنى عليها انعدام النقد والهوادة في التقدير عن إخلاص وعن علم ومعرفة وعن خبرة ودراية. من النقد مايراد به الهدم ومنه ما يراد به البناء، ولن يهدم النقد - بالحق أو بالباطل- إلا ما كتب له الموت وما يجب أن يدك ويتلاشى. والواثق بنفسه الذي يبغى الكمال لايخشى نقداً بل برحب بالنقد ويدعو الناس إليه. فهل نرجو أن تفوز قاعدة الأستاذ "علي عبد الرازق" بين البيئات المفكرة بما فاءت به لدي في احترام وإجلال وأنا الذي قسوت في نقده مرة كما قسوت على الكثيرين من أصدقائي عند نشر مقالة "محمد" في العام الفائت يوم المولد النبوي الشريف.

هكذا مذهبي في النقد، ولخير أن تكون قاسياً من ألا تفكر في نقدٍ، ويخيل لي أن القسوة هنا ليست سوى الحساب العسير والقياس إلى أقسية عالمية. ومتى كان النقد كذلك أربى في الثمر وجاء بأنفس النتائج.

(الجديد، ع 29، 29 اكتوبر 1928)

* * * *

المسارح والملاهي: المسـرح الأوربـي

رواية "كما يجب" على مسرح الأوبرا

بقلم أحمد خيري سعيد

لو غير شكسبير ألف هذه القصة التمثيلية لما عدت أن تجئ سلسلة من المباغتات ووقائع المصادفة وكشكولاً من أشخاص ينقلب نحسهم سعداً على يد القدر المتاح وخوارق التقلبات غير المنتظرة، ولكن شكسبير منحها من عبقريته نفحة جعلت الحياة تهب من أعطافها. وفي الحق أن هذه القصة يشير بها فن شكسبير إلى سخرية الحياة وعبثها ببنيها، ورمز بها إلى تلك القوة الخفية التي تصرف الأمور وتوجه الناس وجهات ترضاها هي - لا هم - لغاية يجهلونها. ففي "غابة أردن" حيث الدوق الذي أقصاه الأصغر عن ملكه يستطيب الحياة ويعيش هو ورفاقه النبلاء الأولي لحقوا به والأولي كانوا يتزايد عددهم على مر الأيام. في هذه الغابة يفد عليه رسول ينبئه أن أخاه قد برئ من ملكه وتنازل له عنه وكان قد جاء ليقضي عليه وعلى صحبه فإذا به يلقى - صدفة - ناسكاً يعظه عن فتنته بالدنيا مفارقا فيها ألوان الإثم والعدوان. وفي هذه الغابة تجمع الصدفة الأخوين "أورلندو" و"أوليفر" وكان الأخير وهو الأكبر قد أهمل تربية الأول وهو أصغر أبناء السير "رولاند دي بويز" صديق الدوق المخلوع وأساء معاملته مخالفاً وصية أبيه. فثارت فيه خلال نبل وإباء ورثها عن أبيه النبيل ويستعر العراك بين الشقيقين ويصرع الأصغر الأكبر فيحرض عليه مصارعاً اشتهر بدق الأعناق وتهشيم الضلوع ولعل "أورلندو" رغب في منازلته ليفر من الحياة بشرف. ولكن القوة الخفية تغري بالفتى "أورلندو" عيون "روزالند" ابنة الدوق المخلوع وتمده رقتها الساحرة بقوة تغلبه على خصمة...فيدبر أخوه "أوليفر" إشعال النار في غرفته فتسوق المصادفة خادم أبيه "آدم" فيقف على المكيدة وينقذه ناصحاً له بالهرب ويقدم له ما ادخره لشيخوخته من مال قليل ويصر على مرافقته لخدمته.

يلتقي الشقيقان في هذه الغابة مصادفة أيضاً. ولكن الأغرب من اللقيا أن يفاجأ "أورلندو" بأخيه النائم قد التفت حوله أفعى فما أن يبدو لعينيها حتى تهرب من وجهه. وما ينجيه ذلك من الموت إذا استيقظ، فأن لبوة تراقبه. وأمام هذا الخطر المحدق بأخيه يستفزه الحنان وتستثيره الشهامة لإنقاذه، فينقذه بثمن من الدم المسفوح وبجرح في ذراعه. وتقارب الكارثة بين الأخوين ويعودان إلى ما يوجبه كرم (النحيزة) إن لم توجبه عاطفة الأخوة وصلاتها الوثيقة. وفي هذه الغابة يلتقي "أورلندو" بـ "روزالند" التي أحبها من كل قلبه وأحبته ملء نفسها، والتي استثار غضب عمها عليها أن "أورلندو" هذا الذي أطرى شجاعته وجرأته وبراعته حين فاز على المصارع العتيد هو ابن السير "رولاند دي بويز" صديق أخيه الدوق المخلوع الذي يلوذ به آونة بعد أخرى النبلاء وذوي الخطر مما أقض مضجعه، إلى جانب ما تفعله أخلاق "روزالند" ابنة أخيه التي استبقاها لتسلي ابنته "سيليا" كوصيفة على الأرجح فتبرزها في عين الشعب ويتعلق بها الجميع من أجل هذا ومن أجل أنها "ضحية" بريئة لأطماع عمها...

تثور في صدر الدوق فردريك عمها الغاصب (أحن) ويطغى عليه عنصر الشر والخبث فيطردها لا من بلاطه بل من مملكته - أو دوقيته على الأصح - فتصحبها ابنة عمها إلى غابة "أردن". فأما "روزالند" فتتنكر في زي فتى ريفي اسمه "جانيميد" وترتدي "سيليا" لبوس "فتاة ريفية" اسمها "ألبينا" تزعم أنها أخت "جانيميد" هناك في هذه الغابة تجمع الصدفة بين "جانيميد - روزالند" المتنكرة وبين "أورلندو" الذي يكون قد جن جنونه بحبها والذي ينقش على جذوع الأشجار قصائد سخيفة يردد فيها اسمها. هي قد أصابت فيه الحبيب الذي ينشده قلبها وهو يشم فيها صورة من هوى قلبه وحاجة نفسه حتى ليحسيها أول الأمر وهي متنكرة في زي القروي "جانيميد" أنها شقيق "روزالند". وفي هذه الغابة يحل السحر أو تلك القوة المستورة وراء القضاء - معضلة غرامية ذلك أن "جانيميد" تعابث "أورلندو" جاعلة من نفسها فتاته "روزالند" ويطفقان يمثلان دور الواله المدله والمعشوقة الغيورة قد تأججت شعلة الحب المقدس في تضاعيف كيانها الملائكي. ويمضي "أورلندو" يخادع نفسه أو هو يطامن من جموح جواه. ولكن أخاه "أوليفر" يعشق الفتاة القروية "ألبينا" على البديهة وتحبه ارتجالاً ويتقدم خاطباً إياها من أخيها "جانيميد" فيوافق ويغتبط "أورلندو" ويحدد موعد الزواج أن يكون من غد في حضرة الدوق المخلوع ورفاقه...وهنا...نعم هنا...يتبخر الوهم وتتآلب عليه لواعج الحب وينهي إلى "جانيميد" أنه متألم من رؤية السعادة بعيني سواه وأنه عاد لا يطيق هذا الغرام التمثيلي، فتقول له أنها تعلمت في صباها السحر على ساحر بارع وأنها تستطيع أن تزوجه في الغد من "روزالند" وتطلب إليه أن يحضر في ثياب العرس فإذا كان الغد خلع "جانيميد" ثيابه وأقبلت على الحفل "رزوالند" فيعرفها أبوها الدوق وتطيب برهته بها وبأنها ستتزوج من ابن صديقه القديم.

ولقد ترى في هذه الرواية صورة مصغرة من "روميو وجولييت" فيما هو بسبيل الغرام القوي المنتصر والعواطف المشبوبة. وأنك لتلحظ فيها توازناً بين حب الرجل وحب المرأة ورفقاً في التعبير عن غاية الغايات في الحياة الحيوانية وشيئاً غير قليل من قدرة الطبيعة على الاختيار اختيار الأصلح للأصلح. ويبدو لعينيك ما وراء الحياة من قوة خفية تتصرف في الحياة وتهزأ بكل حساب وتقدير وتفسد كل احتياط وتدبير. أليست الرواية بدأت في جو مظلم قائم حاشد بالطمع المتهم وبالجريمة في أبشع مراثيها ثم انتهت في جو من الرضى والسرور والفوز بالمستحيل في تقدير الأناسي، ومن غير شكسبير كان يؤلف من هذه المباغتات والمواقف المصطنعة قصة كأن الحياة ترويها.! هذا هو الفرق بين شكسبير وبين المؤلفين المسرحيين من الطبقات التي تليه والتي يسمو عليها ويشرف من ذروة الكمال الفني.

* * *

ولهذه الرواية قيمة خاصة وميزة نبه إليها كبار النقاد الفنين ممن تخصصوا في دراسة أعمال شكسبير الفنية فقد بدأ فيها مرحلة جديدة من مراحل تطوره. بدأ يصور لنا شخصياته الخالدة جاعلاً أولى تجاربه الموفقة في إبراز شخصية "جاك" أحد أولاد السير "رولاند دي بوبز" الذي رافق الدوق المخلوع وأبى عليه طبعه الكئيب وأبت عليه نظرته السوداء أن يشاطر الدوق ورفاق عيشهم اللاهي ومرحهم وأطرابهم في تلك الغابة العبوس. و"جاك" هذا إن حذف من الرواية لم يؤثر حذفها على إبداعها. ولكن شكسبير دسه فيها غير متطفل ولا نابي المكان وجعله بقوته الفنية الخارقة جزءاً في الرواية لا يتجزأ. ولا نطيل لضيق المقام. وفي قولنا أن "شكسبير" وضعه في شتى المواضع لكي يكشف عن جوانب شخصيته غناء فيه الكفاية. ولم يشأ شكسبير أن تنقلب القصة من مأساة إلى كوميديا سعيدة دون ما تمهيد وبلا تدرج. فرفض "جاك" ينغص على الدوق المخلوع ورفاقه عيشهم الهنئ، وجعل الفتى "جانيميد" يتدرج بيأس "أورلندو" من السلوى المخفقة إلى الوعد الذي تحقق بفعل السحر. وما ثم سحر ولكن ثم إرادة الحياة وتدبيها.

وأني لأدهش لفطنة المستر "روبرت أتكنس" إذ يعهد في الأدوار الرئيسة إلى من يحذقها وينجح فيها نجاحاً يعترف به الجميع. ولا شأن لي هنا سوى بالشخصيات الرئيسة والشخصيات الثانوية، ولا أريد أن أتكلم عن الممثلين جميعاً وأصرح أن المستر "ارث بورت" الذي مثل دور "جاك" قد شارك الآنسة "ستيلا أربنينا" فخر نجاح هذه الرواية على مسرح الأوبرا. فإنهما كلاهما قد بلغا النهاية أو قاربا مقام الخالدين من الفنانين. وقد ساعد الآنسة "أربنينا" على إخراج الدور أنها غلامية القد بحيث تصلح لأن تتزيى في زي الفتى "جانيميد" وساعدها صوتها الذهبي الرنين وغضاضة إحساساتها وعمق شعورها وفهمها لدورها ودراستها له دراسة يظهر أنها منتزعة من الحياة، حياة الشباب الفياض بالحب والأمل.

وقد كنت يخيل لي كلما ظهر المستر "برون" في دور "جاك" أنه تحدث أو أومأ أو اتخذ هيئة اليأس من الدنيا ومن خيرها. والممثلات بوجه عام لفتن نظري إلى ممثلاتنا وحالهن السيء من حيث كل شيء له علاقة بالتمثيل وبالاطلاع والتهذيب المنظم وغير المنظم. كل الممثلات نجحن نجاحاً نسبياً حتى اللواتي مثلن أدواراً ثانوية وبالأخص الآنسة التي مثلت دور "فيب". ولولا أننا نعلم حقيقة المضحك "تاتشستون" وأنه ليس فكهاً بطبعه ولكن بصناعته لكنا غمضنا المستر "دانكان يارو" حقه من البراعة غير المتكلفة. وتهانينا في الختام للمستر "برونو بارناب" على أنه حمى "اورلندو" من فضيحة الجمود أمام عبقرية الآنسة "ستيلا أربنينا" التي ملأت المسرح سواء أكانت موجودة أم غير موجودة، فلقد كنا ننتظر عودتها لا لأنها محور الرواية وبطلتها فحسب ولكن لأنها جودت بما لا مزيد عليه.

وأخيراً أقول أن بلاغة شكسبير قد عوضتنا عن تأخر هذه القصة من الناحية الدراماتيكية.

(الجديد، العدد 30، 5 نوفمبر 1928)


(1) راجع داغر، يوسف أسعد: مصادر الدراسة الأدبية، مكتبة لبنان ناشرون، الطبعة الألفية، بيروت، ص 716 - 717.