حادثة غرق العبارة المصرية «السلام98» عام 2006 وعلي متنها نحو ألف وأربعمائة راكب، اتخذتها هذه الرواية منطلقا، وبؤرة لما ساد من مفاسد العهد المباركي. ويرى الناقد المصري أن الكاتب وإن كان يعيش زمن الحاضر، إلا أن جذوره تمتد لفترة زمنية أبعد، يستقي منها، ويروي بها فروعه علي السطح.

نبيل عبد الحميد يخرج الركام للسطح

شوقي عبدالحميد يحيى

يخضع النص، أي نص" لعوالم ثلاثة، كما يقول إدوارد سعيد ويؤيده في ذلك صبري حافظ، وكاتب هذه السطور معهما، لعوالم ثلاثة، عالم النص، والعالم الذي صدر عنه النص، والعالم الذي يقرأ فيه ويؤول في سياقاته. إذ أن الكاتب حينما يكتب نصه، يكون واقعا تحت تأثير زمن معين، تحيط به ظروف معينة، نفسية واجتماعية واقتصادية، وما إلي ذلك مما يحيط بالكاتب. والقارئ كذلك، حي يقرأ النص ذاته، يكون أيضا واقعا تحت ظروف، كثيرا ما تختلف عن تلك التي كانت محيطة بالكاتب حين الكتابة، وهي بالتأكيد تلعب دورا في رؤيته للنص، الذي يكون حاكما في هذه الحالة. فإن كان الظرف حاكما مطلق الصراح لدي الكاتب، فإنه محكوم ومقيد بالنص ذاته في حالة التلقي.

فإذا ما أردنا قراءة عمل مثل "ركام البحر"[i] ل"نبيل عبد الحميد" ، نجد أنها تتخذ من تلك الحادثة التي هزت مصر بأكملها، وكان لها من الصدي ما فاق أبعادها، والتي تعود إلي فبراير من العام 2006. حين غرقت العبارة السلام 98. وعلي متنها نحو ألف وأربعمائة إنسان. تتخذ الرواية منها منطلقا، وبؤرة تشع منها ما ساد وتغلغل من مفاسد العهد المباركي، والذي كاد ينتهي بعملية توريث لولي عهده، وكما تشير الرواية (جمال بن السلطان).

وإذا كانت الرواية في مضمونها، تنتمي إلي رواية بدايات القرن الواحد والعشرين، والتي اعتمدت المواجهة المباشرة للسلطة بالمفاسد، والسوءات التي تتغلغل في المجتمع، معتمدة علي خشونة التناول، وتفتت الحدث والشخصيات. إلا أنها تختلف عنها في الشكل الخارجي، والذي يشعر بأن الكاتب وإن كان يعيش زمن الحاضر، إلا أن جذوره تمتد لفترة زمنية أبعد، يستقي منها، ويروي بها فروعه علي السطح. وكأنه يخرج ركام وتراكم سوءات عهد انتهي، إلي سطح الحياة من جديد.

        يعيش"ياسر الجبالي" كرجل ميسور الحال، ينعم بالحياة مع زوجته "إقبال" التي أنجبت له من قبل ابنتين، وتتأهب لاستقبال المولود الثالث علي أمل أن يكون ولدا كما يحلم الجبالي الكبير والصغير، كي يخلد اسم العائلة ويرث تلك الثروة التي جمعها بكده وتعبه، ولما تأتي الثالثة "منة الله" تفقد "إقبال" الأمل في خلفة الذكور. وكامرأة من زمن فات، تسعي هي بنفسها وتتخير لزوجها "فايزة" صديقتها والتي مات عنها زوجها الذي لم يكن قد دخل بها بعد، وتأتي له بالولد "عبد الله" . وكأن الكاتب يقتنع بأن الزوجة هي المسئولة عن إنجاب البنات، علي عكس ما يؤكد العلم الذي يرجع ذلك للرجل. ولم تكن أحداث الرواية تتغير لو أن إقبال هي التي أنجبت عبد الله، خاصة وأن دورها انتهي في ظروف لم تتضح إلا من خلال معرفتنا بأنها انتهت بالوفاة، وكأن الكاتب أراد ألا يشغلنا بالخلافات التي يمكن أن تنشأ بعد العلاقات الحميمة بين الزوجتين، وهو الجانب السياسي في الرواية. وتتبني "فايزة رعاية وتربية كل من عب الله ومنة الله معا، بعد وفاة "إقبال" ولا تفرق بينهما، ليزاد العبئ عليها بعد موت الزوج "ياسر الجبالي" أيضا في بداية ظهور الجانب السياسي، وظهور "جمال بن السلطان". حيث يظهر في الأفق "عاطف الدربي" ابن "إسماعيل الربي" رجل الأعمال الواثق من نفسه، الواصل للسلطة {فهو يعتلي حصانة القانون وصناع القانون أيضا في هذا البلد. اسمع يا جبالي وافهم جيدا .. أنا القانون}ص131. وأمام هذا التهديد وهذا الترغيب، يستجيب الجبالي لطلبات "إسماعيل الدربي" والتي تتمثل في تزويج ابنته "منة الله" من ابن الدربي "عاطف" الذي هام بها وكانت أحد مطامعه التي لا يقف أمامها حائل. أما الطلب الثاني فهو مشاركته في امتلاك العبارة السلام (98) والقيام برحلة فيها إلي الأراضي المقدسة. وفي الرحلة تغرق العبارة، ويستقر ياسر الجبالي في قاع البحر، فريسة أسماك القرش، بينما القروش الآدمية تهرب بفعاتها من القانون إلي الخارج، ومن الخارج يصر " "عاطف الدربي" علي استقدام زوجته "منة الله" التي ترفض بالطبع، لقناعتها بمسؤلية عيلة الدربي في موت أبيها، غير أن الدربي بنفوذه، ينجح في اختطاف "منة الله" إلي الخارج، والتي تصر علي رفض منح روحها للقاتل، حتي وإن استولي علي جسدها. بينما الأم "فايزة" تعاني في الداخل من فقد ابنتها "منة الله" وابنها "عبد الله" الذ اختطفت عقله الجماعات المتأسلمة، فسلم لها نفسه. غير أن مصر لم تضع وسيحفظها الله دائما ( وهذا من عندي بالطبع، ولكن ما تسعي إليه الرواية) يفيق عبد الله من غيبوبته، ويركب البحر مع الهاربين من مصر، في هجرات غير شرعية، وكان الإبن في رحلته لا ليخلص أخته فقط، ولكن ليبحث أيضا عن والده في ركام البحر، و ساعيا لتخليص أخته من براثن السارقين القاتلين، وكأنها عودة الروح للوطن، أو علي الأقل عودة الأمل في صحوة علي يد الشباب، أو المستقبل لإنقاذ مصر مما بها من سوءات أجاد نبيل عبد الحميد في تصويرها بصورة إبداعية تخاطب الوجدان والشعور.

التقنية الروائية

         تسير "ركام البحر" علي خطين متوازيين، لم يلتقيا، وإن كان كلاهما كاشف للآخر، يلقي عليه بظلاله فيزيد الرؤية وضوحا، ليزداد الضوء المسلط علي المجتمع فيكشف أبعاده، ويضئ الحجور والمخابئ، خاصة علي تلك البؤر التي تحوي أولاد الشوارع، ويحويها الخط الثاني والذي فيه نتعرف علي أسماء {قرقر.. عصفور.. بربخ.. محناط.. معدول.. مسدس} تلك الأسماء التس تدل علي البيئة التحتية (إن جاز التعبير) والتي نتعرف فيها علي المآسي التي يعيشها (أبناء الوطن)/أبناء الشوارع. وكيف يتم اختطافهم، وختمهم بخاتم التشرد بواسطة السيخ المحمي وكيهم علي صدرهم، والذي برع نبيل عبد الحميد في تكثيف وصف حالهم في جمل قصيرة مؤثرة حين يتحدث عن قرقور {الحجرة من خلفه متهالكة تحاصرها قنوات المجاري وبراويز شد الجلد وفطع المكن الكهنة وعفونة الدباغة}. وكيف يكون مصير من يقع تحت أيديهم، بنين أو بنات، حتي أن واحدة منهن ماتت، ولا يشعر المرء تجاه دقة وصف الكاتب لتلك المأساة، إلا أن يشعر بالقشعريرة، وثورة الغضب، التي هي أهم ما يسعي إليه الكاتب. فنقرأ { اعتاد مسدس  أن لا ينام مع العيال

                                  يزوغ في آخر الليل ويختفي في خن سري بين أكوام المهملات

                                  كان يتجنب الوقوع في يد دغيشة}

إلا أنه يستيقظ ويخرج من خنه علي (هيصة) العيال، ليجدها مرمية أمامهم:

{هل ماتت أم مازالت الروح فيها؟

قالوا كانت تصرخ وتمسك بطنها وتهبش في الأرض فإخذناها إلي هنا.

رسمنا علي أن نأكلها بعد أن تهدأ وتلتم نفسها

لامس عبود قطعة اللحم بسن عصاه فتقلصت وارتعش الغشاء}

ويحملها العيال لدفنها:

{ تساءل بحبح وهو يرخي بنطلونه ويمد يده تحت الفروع الخضراء(المغطي بها البت)

-       هل يمكن يعني .. يعني .. قبل أن تتاووها؟

-       إرحم يا ابن النجس.

وراحو يفسحون مكانا في جوف الزبالة والرائحة النتنة

رفعوا العربة ودلقوا محتوياتها بسرعة داخل الفجوة وأهالوا عليها تل المخلفات.

صاح عبود وهو يرفع يديه عاليا

وجبت الفاتحة يا رجالة}ص75 ، 76.

فإذا كانت هذه هي الصورة علي الخط الثاني، فإن المقابلة تصير أكثر بروزا وأكثر تأثيرا إثارة الغضب، وإشعال نار الثورة إذا ما تأملنا الصورة المقابلة علي الخط الأول، والذي يمثله إسماعيل الدربي وابنه عاطف، وفي حفل أسطوري علي سفح الهرم:

{ ووقعت صاحبة المؤهلات الصارخة والنظرة القارصة في الشباك.. أو أوقعت نفسها بنفسها عن طيب خاطر.

فتركت نفسها تنسل وتنجذب إلي هناك

تيتحلب المتعة المتأهبة والتقطتها الأيدي المتلهفة تسوخ وتعتصر

تلهب الحماس لتجليات رغبة مسعورة

.......

وهناك حيث بدا الجو منسلخا عن دنيا الناس . عن دنيا البشر الكادح المقهور. كان الموقع علي أطراف المحمية الزائغة عن مجال السمع والبصر

محمية وزير السياحة .. الفارس المغوار علي جواده.

أعدها خصيصا لتكون وكرا مراوغا لعقد الصفقات الصاروخية بين معاليه وعصابات الأفواج السياحية الدسمة. 

الأضواء والأنغام والألوان والديكور والمخدر والمنشط والمهيج والمغيب والمهلوس .. الحوائط الدوارة والمنفرجة والمنكسرة................... }ص124 ، 125.

وفي تلامس بين الخطين ..

يكتش أحدهم "مسدس" كلاعب لا يشق له غبار، وينجح بالفعل في اللعب لأحد الأندية المنافسة(نادي الزمالك). إلا أن (جمال ابن السلطان) يشجع النادي المنافس(النادي الأهلي). فيرسل ابن السلطان من يختطف اللاعب "مسدس" بعد أن ذاع صيته، يلقنونه درسا لا ينساه، ويجرحون كرامته لرفضه اللعب للنادي الآخر. ثم يظهر ابن السلطان، علي أنه المنقذ والمخلص. ويتظاهر بأن اللاعب حر يلعب أينما شاء.

وتزداد سطوة القهر علي اللاعب "مسدس، وكأنها القهر علي هذا المستوي من المعيشة كلها. حين يحب يقع مسدس الصغير في حب طفلة اختطفها العيال لينالوا منها، ويخلصها هو من بينهم، ويعود بها إلي بيته، ويرفض أباها النزول علي رغبة ابنته بأن يعيش "مسدس" معهم. وبعد أن يصبح "مسدس" مشهورا، يندم الأب علي عدم تزويجه ابنته، ويشعر مسدس بأنه قد ضاع العمر.

        أقول أن "ركام البحر" وإن كانت تنتمي إلي رواية العقد الأخير من القرن العشرين، وبدايات القرن الواحد والعشرين، من حيث المضمون، إلا أنها تغوص أبعد من ذلك كثيرا، لتعود بنا إلي زمن اللغة الشاعرة، للاستمتاع بمحسناتها، وكثافة إيحاءاتها التي تثري الأحاسيس، وتعطي المتعة. حتي أن الشكل الكتابي ذاته جاء أقرب  إلي شكل الشعر منه إلي النثر. حيث السطور قصيرة الطول، متقطعة، كما استخدمت إسلوبا بلاغيا، أضاف إلي جمال اللغة، متعة التشويق، فتعمدت تأخير المبتدأ. فيبدأ الفصل بالحدث الواصف، الذي قد يمتد إلي أكثر من صفحة، قبل أن نتعرف علي الشخصية التي عليها الحديث هذا الفصل، مع كثرة الفصول وقصرها، مع اختلاف المسرود عنه في كل فصل، وكأنها قطع الفسيفساء المتراصة المتلاصقة، كل قطعة منها بلون، وهو ما يعطي النص حيوية وحركة، وتقترب الحركة فيها من المشاهد السينمائية.

ففي الفصل 64 مثلا، يبدأ الفصل هكذا:

{آلام طاحنة تهرس رجله وتأكلها

انتفض يخطفها من أسنان التروس المسعورة فلم يستطع.

تلبدت عيناه تقاوم المجاهدة

تدوران في كل اتجاه ولا تريان شيئا

هل هما مفتوحتان.. موجودتان بالفعل في وجهه وتبصران؟

ظلام متجمد من حوله يفوح برائحة نتنة ...................... }

ويستمر الوصف، إلي أن يشعر المسرود عنه بالباب يفتح، ثم بأقدام غليظة تقتحم المكان، ثن بأيدي تمتد وألسنة تلهج بأقذع الشتائم والأسماء. لنتعرف في النهاية، إلي أن نتعرف علي أن أحدهم قد أرسل إليه من يذله. وفي فصل بعد ذلك تتضح الصورة:

{الصوت الفاجر ما زال يتردد في رأسه وينخر.. متوعدا من موقع السلطة الحمقاء.. ملوحا بما هو وراء الشمس.

بينما وجه ابن السلطان يشيط في تهديد فاجر

إما اللعب للأهلي وإما التصفية النهائية.!}

فأخيرا نتعرف علي أن المسرود عنه هو ابن الشارع شابقا، واللاعب المشهور ثانيا، مسدس بن قرقور,

ولم يقتصر استدعاء إسلوب الزمن الماضي في السرد علي جماليات اللغة فقط، وإنما استدعي الكاتب خجله أيضا.

فعندما لعب الخيال ب"عبد الله" وراح يحدث نفسه، وهو الإسلوب القائم عليه الرواية، حيث ندرة الحوار الخارجي، بينما السرد يسير علي المنولوج، ولكنه يشعرك بالديالوج، الأمر الذي يتيح للكاتب استبطان الشخصية، دون تدخل منه. يمني عبد الله نفسه بأنه سيفعل في "الشمندورة" مع ملكة الإغراء التي هي جائزة السباق :

{ وتدافعت الومضات تتطاير في خيالهز

تزيده هياجا وتلهفا وتحديا.

يبدأ معها هكذا ثم هكذا ثم هكذا.

لا..لا .. يبدأ هكذا قبل هكذا وهكذا .. ويا سلام لو أمكن هكذا بعد هكذا وهكذا...}143.

بينما رواية نهاية القرن دخلت هذه المناطق بكل جرأة، وربما بكل خشونة.

رسم الشخصيات والرمز

        استبطن الكاتب شخصياته عن طريق المنولوج، الذي أتاح له أن يكشف من أبعاد الشخصية ما لم يكن متيسرا التدخل فيه، أو كشفه. فحينما أراد توضيح شخصية "إقبال" وتعاملها مع زوجها وكيف تقدم له زوجة بديلة، قد ينكر القارئ أن تقوم امرأة بهذا الفعل، أن تقدم زوجها لغيرها بكل هذه البساطة. فمثل هذا الأمر في وقتنا الحالي قد يبدو غريبا، وإن كان، أيضا، ممكن الحدوث في الزمن الفائت. خاصة أنها طلبت طلبا منطقيا. في زمنها، أو علي الأقل من يعيش زمنها تفكيريا، فطلبت زيارة السيدة عيشة { اشترطت عليه أن ياخذها إلي مقام السيدة عائشة يوم عقد قرانه علي فايزة......كما أخذها يوم عقد قرانه عليها} لتكشف بذلك عن طبيعة الشخصية المصرية، في أوقات الشدة تلجأ إلي أولياء الله، تستمد منهم العون { جئتكم مثقلة ومتشوقة ولائذة.. يتعبني الامتحان الصعب يا رب}فهي وإن كانت في الظاهر هي التي اختارت البديلة، وهي التي أشرفت علي كل التجهيزات، إلا أن نارا لاشك موقدة بالداخل. وهو ما يجعل منها شخصية حية يجري في عروقها الدماء، رسمها الكاتب كما نجح في رسم الشخصيات الرئيسية في العمل ( ياسر الجبالي، منة اللهن عبد الله الجبالي، اسماعيل وولده عاطف الدربي) والذين يمكن في النهاية رؤيتهم بمنظرو الرمز، حيث نري في منة الله مصر المخطوفة، من قبل ناهبي أموال الشعب وسارقي قوته (عاطف الدربي)، بمساعدة السلطة المتواطئة (جمال بن السلطان).

وعودة إلي مفتتح هذه القراءة، نتعرف علي أن زمن الكتابة سبق أحداث يناير 2011.  بينما النشر، والقراءة 2014. اختلفت فيها ظروف كثيرة، وحدثت أحداث كثيرة وتغيرت النظرة بين الزمنين، ومن خلالهما نستطيع القول بأن "ركام البحر" ستظل شهادة علي العصر المباركي في مفاسده وسوءاته، التي استحقت أن يثور عليه الشعب في الخامس والعشرين من يناير 2011. ولتظل الرواية هي نبض الشارع، والمعبر عن آلامه وطموحاته.

Em:shyehia48@gmail.com

1 /1 / 2015 

 



[i]  - نبيل عبد الحميد – ركام البحر – رواية- روايات الهلال – العدد 783 أبريل 2014.