يسعى الباحث السوري إلى تناول مجموعة من قضايا المستوى الدلالي في شعر الحداثة العربية ويتناول في هذه الدراسة أربعة محاور أساسية هي الزمان، والمكان، والألوان، وسيميولوجيا العنوان مغطيا في تناوله لهذه المحاور تجارب عدد كبير من شعراء الحداثة من شوقي بغدادي وأدونيس وعلى الجندي وعلى كنعان إلى شوقي بزيع وعزالدين المناصرة وغيرهم.

إثارة المستوى الدلالي عند شعراء الحداثة المعاصرين

عـصام شـرتح

ما من شك في أن دراسة إثارة المستوى الدلالي عند شعراء الحداثة لأمر بالغ الأهمية والتعقيد خاصة إذا أدركنا أن المستوى الدلالي هو حصيلة تضافر البنى، والرؤى، المستويات جميعها، بما في ذلك المستوى التركيبي والمستوى الفني، والمستوى الصوتي، والمستوى الإيقاعي، والمستوى الثقافي وغيرها من المستويات التي تدخل في صلب الدلالة، وصلب إفرازها في النص، ولذا، تعد هذه الدراسة شاملة في ملامحها لجوانب شعرية عديدة تدخل في نطاق عملية الإبداع الفني الشعري ذاتها عند شعراء الحداثة؛ لأنها تدخل في صميم الدلالة، بل في صميم إنتاجها وخلقها.

ومن هذا المنطلق، فإن دراسة إثارة هذا المستوى برمته عند كوكبة من الشعراء لهو بحث يشق كثيراً على الباحث؛ نظراً إلى صعوبة الإحاطة به، أو الإلمام بجوانبه المختلفة؛ ولذا سنقتصر في بحثنا على إثارة هذا المستوى وفقاً لمنظومة القيم الدلالية التالية:

1-     دلالة الزمان.

2-     دلالة المكان.

3-     دلالة الألوان

4-     دلالة العناوين (سيميولوجيا العنوان).

وبتقديرنا: إن خصوصية التجربة الشعرية هي التي تحدد مسارها الدلالي؛ بل تحدد مسارها الإبداعي على مساحة تطورها؛ ابتداءً من مرحلة البدايات؛ حتى مرحلة النضج والاختمار الإبداعي؛ ولذا، فإن تجربة الشاعر المبدع تبقى مفتوحة دوماً؛ وذلك حين ينأى الشاعر بتجربته عن التفاصيل والحيثيات الجزئية السطحية إلى الجوهر أو العمق؛ وهذا ما أشار إليه الشاعر الفذ شوقي بزيع؛ إذ يقول:

"أنا أعتقد أن الشاعر العظيم يمكن أن يكتسب أهميته من طريقة مقاربته للأشياء، سواء أكانت هذه الأشياء قضايا كبرى، أم كانت تفاصيل جزئية بسيطة، ممكن أن يكون الشاعر رؤيوياً، ويكون شاعراً كبيراً كحال المتنبي وعمر الخيام، وأدونيس، وممكن أن يكون رؤيوياً؛ ويكون شاعراً سيئاً كلسان الدين الخطيب؛ لأنه لم يستطع أن يتمثل هذه الرؤيا عبر شعر حقيقي وجميل ومتميز؛ هناك شعراء تحدثوا عن مواضيع جزئية أو صغيرة، كالحديث عن المجلى أو المغسلة؛ وكانوا شعراء كبار(مبدعين)؛ لأنهم حولوا هذه القضايا إلى قضايا كبرى؛ يعني طرحوا من خلالها أسئلة مهمة. (بودلير) تحدث عن (الجيفة المرمية في الطريق)؛ وحولَّها إلى سؤال كوني. إذاً؛ ليس الموضوع هو الذي يحدد قامة الشاعر؛ وإنما المقاربة الشعرية المهمة. ليس ماذا أكتب؟! ولكن كيف أكتب؟!"(1).

فأهمية الشاعر إذاً، لا تتحدد إلا من طريقة مقاربته للأشياء، وطريقة تشعير الرؤيا وتكثيف منتوجها الإيحائي، بأسلوب جمالي مميز، وخصوصية إبداعية ورؤيوية فذة؛ ومن المؤكد أن ذهنية الشاعر المعاصر موجهة صوب إبداع الدلالات، وخلقها بروافدها الشعورية، وكثافتها الإيحائية المعتمرة داخل الذات المبدعة عبر الخيال الشعري؛ ولذا، فإن أية قصيدة حداثية مؤثرة فإنها لاشك فيض من الخيال، وكثافة من الرؤى، والمشاعر، وخصوبة الأحاسيس، وثراء الدلالات عبر طاقة التخييل العالية، وتفاعل الذات الشاعرة، وتكيفها مع العالم المحيط، أو تصادمها معه، عبر جسد النص، وطبيعة التجربة التي تتمخض عنها.

أولا: دلالة الزمن أو الزمان عند شعراء الحداثة:
ما من شك في أن مقولة الزمن من أكثر المفاتيح النصية كشفاً عما تتضمنه التجربة الإبداعية من مؤثرات؛ إذ إن الكثير من المستغلقات النصية لا يمكن فك طلاسمها إلا من خلاك كشف علاقة الشاعر بالزمن، ومدى وعيه به، وتمثله وإدراكه له، ورصد إحساسه الداخلي إزاءه إن سلباً أو إيجاباً، صحيح أن الشاعر- من منظور محمد صالح الشنطي-" غير معني بخصوصية التجربة، وتحديدها زمانياً أو مكانياً- رغبة منه في تحويل ما هو خاص إلى ما هو عام، والمحدد إلى ما هو مجرد، والجزئي إلى الجوهري والكلي(2). وهذا يعني أن تفاعل الشاعر مع الوجود في قصائده يعد صورة من صور التلاحم بين الشاعر والعالم الخارجي؛ فارتباط الشاعر بالمكان هو ارتباط بالزمن وتمثيله له لاشعورياً في قصائده يقول (صمويل ألكسندر) الملقب بفيلسوف (المكان والزمان والألوهية): "الحقيقة القصوى التي تتولد عنها سائر الأشياء الحقيقة الزمانية- المكانية، والحق أنه إذا كان في الإمكان التفرقة بين المكان والزمان فما ذلك إلا بطريقة أولية قبلية سابقة على التجربة؛ أما الواقع العيني نفسه، فإنه يشهد بأنه لا انفصال للمكان عن الزمان أو للزمان عن المكان"(3). وبتقديرنا: إن جل الفنون في سعيها الجمالي والفني هي محاولة لتخليد العمل الفني ضد فاعلية (المحو) الزمانية؛ فالفن هو مغامرة اكتشاف، أو هو مكابدة شاقة من أجل الخلود عبر هذا الشكل الفني أو ذاك، وبهذا المعنى يقول (بيت موندريان): "كل من العلم والفن يكتشفان، ويجعلاننا ندرك حقيقة أن الزمن هو عملية تكثيف لما هو ذاتي في اتجاه ما هو موضوعي، ، في اتجاه جوهر الأشياء، وجوهر أنفسنا"(4).

وما ينبغي الإشارة إليه: أن نظرة الشعراء المتعلقة بالزمن تختلف من شاعر إلى آخر، تبعاً لرؤية كل شاعر، وإحساساته، ونظرته النفسية، والشعورية، والفنية، والوجودية؛ وهذا يعني أن مسألة الزمن مسألة نسبية وجودية في بعدها المعرفي، ومنحاها النفسي، والفلسفي، والأيديولوجي؛ وتبعاً لهذا تختلف هذه النظرة من شاعر إلى آخر، كل حسب ثقافته، ووعيه، ومعتقداته، ولعل أكثر من اعتمد هذه النظرة الشاعر عبد الكريم الناعم ، إذ يقول: "أرجح أن علاقتنا بالزمن تكمن في أنه يرتحل بنا إلى نهاية محتومة هي الموت، ولولا الموت لما فكر أحد منا بالزمن. . إن الزمن هو مفهوم قابل لأن نملأه بما نمتلئ به، وبهذا المعنى تصبح مسألة من يهزم الآخر نحن أم الزمن مسألة لها علاقة بما نحمله في دواخلنا من هدوء واطمئنان، أو قلق، واضطراب. . فالزمن هو الذي يهزم أمامه الجميع، فنحن نرتحل، ويبقى الزمن ممتداً من الأبد إلى السرمد"(5). إن نظرة عبد الكريم الناعم للزمن تنطلق من شعوره الداخلي، وإحساسه الوجودي، ووعيه الذاتي لهذه المؤولة المكررة في كل التجارب الشعرية على تنوعها واختلافها؛ وقد سبق أن أشرنا إلى أن مفهوم الزمن مفهوم نسبي يقع ضمن دائرة الوعي، والإدراك الشخصاني لهذه المسألة، فبعض الشعراء ينظرون إلى الزمن من منظار رؤيوي إبداعي، وبعضهم ينظر إلى الزمن كأنه متمم لسيرورة الوجود والكون؛ إذاً طبيعة التجربة وخصوصيتها الإبداعية هي التي تحدد مفهوم الشاعر لتجربته في بعدها الزمني؛ وتجلياتها الرؤيوية، والمعرفية، يقول الشاعر( خالد أبو خالد): "الزمن ليس إشكالاً أو مشكلة – بالنسبة إليَّ الزمان هو هذا الوعاءُ الذي يحملُ الناس من مرحلة زمنية إلى أخرى؛ وهو الحالة التي يشكلها الناس أيضاً على حجمهم ومقاسهم بما يؤسس لحركة تقدمهم باتجاه المستقبل"(6).

إن ما أشار إليه خالد أبو خالد لدليل على نظرته الاعتيادية أو الطبيعية لهذه المسألة؛ فالزمن- عنده صديق أليف، وهذا ما صرح به قائلاً:" الزمن هو صديقي الحميم فعلاً الذي أفارقه وأترك بين يديه وديعتي الإبداعية التي سوف يسلمها بالتأكيد إلى أجيال قادمة من المبدعين، الذين سوف يفيدون من حالة الزمن الراهن الذي يسلم الرايات لزمن قادم، الخوف من الزمن هو خوف صغير من شخصية صغيرة مبدعة كانت أم غير مبدعة؛ هذا لا يعني بالطبع غياب الخوف من العلاقة بالزمن ؛ فالخوف هنا يجب أن يكون كبيراً لأنه متعلق بالكبير (الوطن – الأمة – المصير)، إنه خوف يتواشج فيه الذاتي بالموضوعي. تلك هي المسألة التي تسبب لي بعض القلق أحياناً. والمبدع العظيم هو بالأساس إنسان عظيم، يرى إلى الماضي مرتبطاً به، وإلى الراهن مشتبكاً فيه؛ وإلى المستقبل متطلعاً إليه؛ لكي يؤسس ويبني في يقينية تربط الحاضر بالماضي بالمستقبل. وهو إنسان عظيم لأنه يؤسس سلوكه، وأفكاره على تمثل مطلق لإنسان وطنه وأمته"(7).

وبتقديرنا: إن أهمية الزمن- عند شعراء الحداثة- تتفاوت من شاعر إلى آخر؛ ومن تجربة إبداعية إلى تجربة أخرى، تبعاً لاغترابهم الوجودي، ومنظوراتهم الإبداعية- الفلسفية للحياة؛ لذلك، نلحظ أن الكثير من الشعراء قد ربطوا إحساساتهم الوجودية للزمن بمسألة (الموت)، أو بهاجس (الموت)؛ لدرجة أن فلسفتهم كلها كان منطلقها هذه الثنائية (الزمن/ الموت)؛ ومن أراد أن يطلع على عمق الرؤية، وفلسفتها إزاء هذه الثنائية- عند شعراء الحداثة- فليطالع تجربة الشاعر السوري (نزيه أبو عفش) التي اكتظت دواوينه بمنظورات وجودية عميقة؛ تدلل على اغترابه الوجودي، وإحساسه المأزوم إزاء هذه الثنائية؛ وفي معرض حوارنا مع الشاعر نزيه أبوعفش وسؤالنا له عن هاجس الموت، وقلقه إزاء هذه المسألة التي أرقته في جل قصائده، أجاب" لا أريدُ الموت. . . وإنما أريد الحياة. . كان يقلقني هاجس الموت أما الآن فالهاجس اختفى وبدا هاجس آخر هو هاجس الحياة صار يلزمني حيوات جديدة، لكي تتفتق مداركي من رحم المعاناة لأعود إلى الحياة من جديد، فالعودة إلى الحياة والإحساس بالحياة وجمالها هاجسي الآن"(8(. وفي سؤالنا عن فلسفته لهذه الثنائية، ومنظوراته الوجودية القلقة المتوترة إزاءها، أجاب: "كل شاعر لديه فلسفة، وحتى الفلاسفة كانوا يتكلون في فلسفتهم على الشعراء؛ لأنهم فلاسفة الواقع وأباطرة الخيال. لست أنا الوحيد الذي أملك فلسفة إزاء هذه الثنائية أو تلك. كل الشعراء لديهم فلسفاتهم ورؤاهم ومنظوراتهم الجدلية للحياة"(9(.

وما ندركه من أحاسيس ورؤى فلسفية في قصائده يتبدى واضحاً في اغترابه الوجودي، وتساؤلاته العميقة؛ لهذا؛ احتفى الشاعر نزيه أبو عفش في قصائده بكثافة الأسئلة الوجودية المتوترة المتسائلة والرؤى اللامتناهية إزاء الكثير من الرؤى الوجودية، والقضايا الجدلية، إذ يقول” :إن الشعر تساؤلات. . والشاعر مجموعة تساؤلات. . والتجربة الإبداعية ما هي إلا سلسلة تساؤلات، وكم هائل من التساؤلات. . من لا يتساءل لا يعرف ولا يدرك شيئاً. ولا بحاجة أصلاً إلى المعرفة. ومن لا يملك المعرفة لا يملك الحياة؛ وإني أرى في الأسئلة الوعي، المعرفة، والاكتشاف"(10). وسبق أن قلنا: إن علاقة الشاعر نزيه أبو عفش بالزمن علاقة ملازمة لمشاعر الخوف والقلق والتوجس من الموت، ولهذا، نجده يكثر من هذه المقولة النصية في قصائده؛ نظراً إلى ما يلقي الموت من سدوله المخيفة وأشباحه المرعبة، وبراثنه الشرسة على عالمه، وأحاسيسه الداخلية؛ وللتدليل على ذلك نأخذ قوله:

"يرقدُ الميتون إلى جانبي في السريرِ

ولكنهم لا ينامون!!

 يرجونني أن أكون صديقاً لهم ورفيقاً بآثامهم

يشهقون من الخوف مثلي. .

ويرتجفون من البرد

يرمون آلامهم فوق صدري كأني وسادتهم.

ويقولون لي: لا تنم. .

لا تدعنا وحيدين،

 لا تبقنا في عراءِ الجنون الذي نتسكع فيه.

فقد تعبت روحنا وضجرنا من الموت"(11).

ومن الواضح للعيان أن الشاعر- في نصه السابق- يعتمد الخطاب التقريري المباشر الذي يصل إلى القارئ دون تمفصلات استعارية فجة، أو انكسارات لغوية صادمة؛ الأمر الذي يجعل المعنى تقريرياً واضحاً لا سبيل إلى المراوحة في تصديه، أو استعلائه عليه؛ فالشاعر أراد أن يبين إحساسه بالضجر من الزمن عبر إحساسه بالضجر والخوف من الموت؛ فكلاهما الزمن والموت- يشكلان- لدى العفش انتهاكاً صادماً لكينونة الحياة، ولذتها، ومعالمها الجمالية، وما ضجر الشاعر من الموت والزمن إلا رغبة وتمسكاً بالحياة.

كما هي حال نزيه أبو عفش في نظرته الوجودية إلى الزمن من منظار العلاقة الجدلية لثنائية(الحياة/ الموت) كانت حال الشاعر ممدوح عدوان، الذي آثر رغم شدة المرض، وعمق الجراح، ومكابدة الألم، أن يتلقى الموت، بصدر رحب، دون يأس، أو تخاذل أو استسلام، تدليلاً على إرادته القوية، وعزيمته الصارمة على التشبث بالأمل إلى اللحظات الأخيرة في الحياة؛ إذ يقول:

"ثيابي لم تعد تخفي من الأعداء إلا جثتي

وسلوا عدوكم الذي تخشون

سيخبركم بأني قد ألاقي الموتَ في فرحٍ

لكي لا ينحني رأسي. .

 وبأنني أحيا مع الأمل الكبير. .

بأنَّ في الدنيا مكاناً لي

وأن غدي يجيءُ إليَّ

في ضوءٍ يبدد ظلمةَ الأمسِ"(12).

إن هذه الرؤية التفاؤلية صرح بها الشاعر في أكثر من موضع في لقاءاته الإعلامية المتلفزة؛ وقد أشار إلى ذلك في إحدى لقاءاته قائلاً: (إن خير سلاح للقضاء على جهامة مرض السرطان وشبحه المرعب مواجهته بالأمل والتشبث بالحياة، وأنا أقاوم هذا المرض بعزيمتي ومكري ودهائي كما هو هذا المرض الخبيث)، وخير دليل على ذلك المقطع الشعري السابق الذي يدلل على تفاؤله وأمله بأن الغد أجمل، لأنه يحمل البشائر، ونبض الحياة، ويبدد ظلامة الأمس، وأبرز مفردة عبرت عن ذلك لفظة( ضوء)؛ والضوء من أبرز دلالاته الخصبة أنه يدل على النور؛ والنور هو رمز لإشراق الحياة، ومكمن سحرها، وجاذبيتها للخلق؛ فالشاعر إذاً، يملك نظرته التفاؤلية للموت؛ وسبق أن قلنا: إن المعضلة التي تبين إحساس الشاعر ومواقفه التراجيدية من الزمن مؤولة (الموت)؛ بوصفها الكود الكاشف عن إحساسات الشاعر المتوترة إزاء الكون وماهية الوجود؛ وهذا يعني أن طبيعة الشاعر ودرجة إحساسه تختلف في تقبل الزمن بين مسلم له راضٍ بقضائه، وبين رافض أو محجم عنه بوصفه البحر الهائج الذي يأخذ في عتوه كل شيء. ولا نبالغ إذا قلنا: إن معظم الشعراء، وأخص بالذكر شعراء الحداثة في وطننا العربي قد نظروا إلى الزمن كمعادلة فيزيائية، أو دورة حياتية؛ وليس كمعادل وجودي فلسفي، أو كمعادل فني يرقى الشاعر برؤيته وفلسفته؛ وحتى شاعرنا السوري الكبير علي الجندي؛ قد نظروا إلى الزمن أو الموت من منظار دورته الوجودية، وجهامته المرعبة على صدره؛ إذ يقول:

"أيها الليلُ انسدلْ

بيني وبين الموتِ

مازلتُ أخافُ الموتَ

لي نفسٌ حزينة"(13).

إن هذا الإحساس المرعب بجهامة الموت- عند الجندي- لدليل على أن الموت لم يشكل-لديه- حالة تأملية وجودية مفتوحة على آفاق رؤيوية خصبة، ومنظورات عميقة، سوى من بعض الشذرات التي نلحظها في طيات قصائده بين الحين والآخر؛ لكنها في مجموعها لا تشكل رؤية فلسفية دقيقة، أو رؤية متضحة لديه سوى ما ذكرنا. وحال الجندي لحال شاعرنا العراقي فائز العراقي الذي عبر بصراحة عن علاقته بالزمن، وبالموت كحالة خافقة مرعبة، إذ يقول: لقد سئمت من التعبير الشائع بأن الموت هو الوجه الثاني للحياة، لماذا نضحك على ذوقوننا باستمرار؟! لماذا لا نعترف بوضوح وصدق أن الموت حالة كريهة، وبشعة! أنا أمقت الموت وأخاف منه لكن ليس إلى درجة الجبن، وبعد شيخوخة الجسد أفضل مجيء الموت بأقرب وقت ممكن دون أن تطول هذه المأساة التراجيدية التي لا تعادلها مأساة في الوجود. أما الحياة فهي الحركة، الإشراق والفاعلية، والجمال، والمتعة، واللذة، والمعرفة، والتطور، والاكتشاف، إذاً شتان ما بين الجمود والحركة، وشتان ما بين الاندثار والفاعلية، شتان مابين التلاشي والحيوية!"(14).

إن هذا الاعتراف الصريح من الشاعر العراقي فائز العراقي لمثال واضح وحي على طغيان هذه النظرة التراجيدية (المأساوية) للموت وعلاقته بالزمن في جل أشعارهم؛ فللموت رهبة، وللزمن جهامته، وفظاظته، ومأساويته في نظر الكثير من الشعراء حتى ممن يتقبلونه كذلك، يقول نذير العظمة:" إن الموت مألوف لدي، وليس غريباً عني. . ودليلي على ذلك أن البيت الذي ولدت وترعرعت فيه كان محاطاً بالمقابر؛ وما يزال الموتى حولنا. . فعلينا أن نموت لنحيا الخلود الأبدي. . الموت من منظوري- هو الانتقال من غرفة إلى الغرفة الأخرى، هو القيامة والصحوة من النوم. لكن هذا لا يعني أنني لا أشعر بالرهبة والخوف من الموت. . وأصدقائي جميعهم قد ماتوا. واستشهدوا فلماذا أنا أكون استثناءً؟!"(15)

وهذا التسليم من بعض الشعراء لا يخفي حقيقة النظرة التقليدية السائدة لهذه المقولة وعلاقتها بالزمن عند أغلب الشعراء؛ وقد سبق أن أشرنا: إن دهشة الرؤيا وعمق التأمل هي التي ترقى بالحس الوجودي لهذه المقولة، لتدخل في نطاق الاغتراب الوجودي والفلسفي. وما ينبغي التنويه إليه :إن أغلب شعراء الحداثة تأسوا من الزمن، بوصفه الشبح الهائج الذي يقوم بالتهام كل شيء، خاصة سنوات الصبا، والحيوية، والنضارة، والشباب؛ ولم يبق لديهم إلا ذكريات مريرة، وشذرات أحلام متطايرة، تزيدهم مرارة واغترابا. وهذا ما جعل بعضهم يعيش في حالة الأسى بعد تجاوز الأربعين، وللتدليل على ذلك نأخذ المقطع الشعري التالي لفايز خضور:

 لا شيء بعد الأربعين

يرمم الجسد- الكيانَ

سوى المحبةِ

آه، يا زمن العزاءات الرديئةِ

يابسٌ ريقُ النهارْ. . . !!

ومريرةٌ في الحلقِ ذكرى الآخرينْ"(16)

إن إحساس الشاعر بالزمن إحساس مرير، لأنه يرى فيه الجهامة، والفقد، والذكرى المريرة؛ فالزمن يأخذ من بين يديه أصدقاءه المقربين وخلانه الأوفياء، ويتركه في دائرة اليأس، والحزن المرير، وهذه النظرة التي نظرها الخضور كانت لها نظيرها الأمثل عند الشاعر العراقي القدير حميد سعيد، إذ يقول:

"أنا أعترض على الموت حين يخطف طفلاً ... وأخاصمه حين يختار من أحب في الموعد الغلط. ولكنني سأقول: إن جميع مواعيد الموت هي من الغلط. أما في سوى ذلك، فأنا أتعايش معه، وأواجهه بالحياة، وحين يكون حاضراً أستبدله بالحياة، وفي معظم القصائد التي كتبتها عن أحبة رحلوا، لم أقترب من تقاليد الرثاء، بل كتبت عن أجمل ما في حيواتهم"(17). فالموت – من منظور حميد سعيد- مؤلم جارح لأن الموت يتخطف من يحب في الموعد الغلط، وهذا يعني ارتباط هذه المقولة عند حميد سعيد بمرارة الفقد، والوحشة، والخواء، والأسى الوجودي، ولهذا يواجهه الشاعر بجسارة، وشجاعة بقوة الحياة الكامنة فيه، ولهذا ، فإن أكثر ما يبغضه الشاعر بالزمن هو تحجره ورتابته خاصة حين يقسو بجهامته على لحظات روحه المشرقة؛ متشوقاً إلى من يحب، إذ يقول:

"شائك أرقي ... خشنٌ ثوبُ أغنيتي

وثقيلٌ هو الانتظار(18).

إن إحساس الشاعر حميد سعيد بالزمن أشبه بإحساس امرئ القيس الذي يرى فيه الثقل، والجهامة، والتحجر: (وليلِ كموجِ البحر أرخى سدوله علي بأنواع الهموم ليبتلي)، ولهذا، فإن ثقل الزمن عند حميد هو أكثر ما يرهقه من الداخل، ويحس بالعلقم والمرارة، كما في قوله:

"مرٌّ عجينُ مسراتنا ... ومريرٌ هو الوقتُ

لكن صوتكِ أدخلني في ضياءِ الثمار"(19).

إن الإحساس بتحجر الوقت، ومرارة الانتظار، جعله ينظر إلى الزمن نظرة سوداوية، خاصة عندما يبقى في محطة الانتظار، لدرجة يشعر أن دقات الزمن تجمدت في مكانها، وما عادت تمضي في جريانها، لكن عندما تأتي المحبوبة فإنها سرعان ما تغير الأشياء، وتمنحها الخصوبة، والتجدد، ، والنضارة، والإشراق، وهذا ما قصده بقوله: (أدخلني في ضياء الثمار)، أي في ربيع الحياة، وخصوبتها، وثمرتها اليانعة الخصبة.

وما ينبغي الخلوص إليه بعد هذه التعريجة البحثية، ما يلي:

1-     إن معظم شعراء الحداثة قد نظروا إلى الزمن نظرة اعتيادية بسيطة، تتبدى في الخوف والقلق من جهامته، ورتابته، وتحجره؛ والخوف منه، والنفور من براثنه، ومخالبه الوحشية المؤلمة. وهذا ما جعلهم بعيدين كل البعد عن الارتقاء بهذه النظرة إلى فضاء تأملي عميق، بمعنى أدق: إن معظم شعراء الحداثة لم يتخذوا من الزمن قضية وجودية، أو موقفاً فلسفياً؛ يتأسس على منظورات رؤيوية تأملية مفتوحة تدخل في صلب التأمل الفلسفي الوجودي وميتافيزيقا الحياة؛ وهذا يعني أنه ثمة قصور في فلسفة الزمن، وتحريكه من العمق.

2-     إن اقتران فكرة الزمن بالموت- عند أغلب شعراء الحداثة- أسدلت عليهم بريق إحساسهم الوجودي الحقيقي، ووعيهم الفلسفي بالزمن إلى النقيض تماماً إلى تسطيحه، أو تهميشه، أو الهروب، منه، وهذا ما جعل الدلالة الزمنية الوجودية الفلسفية العميقة بعيدة كل البعد عن ساحة نصوصهم الإبداعية، وحيز إدراكهم المعرفي.

3-  إن فلسفة شعراء الحداثة للزمن لم نلحظها إلا عند القلة أو النوادر من الشعراء؛ كأدونيس ونزيه أبو عفش، ومحمد عمران، وهذا يعود إلى ثراء هذا الجانب عند بعض الشعراء واضمحلاله عند بعضهم الآخر؛ لأن التجارب الشعرية قلما تفلسف هذا الجانب الثر في حياة المبدع؛ إلا عند الشعراء الذين تسير تجربتهم كلها باتجاه الجدل الوجودي، وبحث المتناقضات في إطار تأملي متضاد، أو موارب.

4-     إن الكثير من الشعراء قد ربطوا الزمن بالشيب أو الهرم، وهذا أوقعهم في دائرة النقمة، والاحتجاج على الزمن، فاتخذوا الزمن رديفا لتأزمهم الداخلي؛ وانكسارهم الشعوري، لهذا بدت هذه المؤولة ضاجة بالدلالات المأزومة، والمشاعر المحتدمة المريرة.

ثانيا - دلالة المكان عند شعراء الحداثة:
إن للمكان أهميته وخصوصيته، وتأثيره المباشر على المبدع كائناً من كان، لأن الإنسان ابن زمان ومكان محددين، وهما يشكلان معاً شخصية المبدع، أو الفنان وعلاقته بالعالم؛ ذلك" أن ارتباط الإنسان بالمكان وإحساسه به شيء فطري؛ ولعل أول مكان ارتبط به الإنسان هو رحم أمه؛ منذ كان نطفة، فعلقة، فمضغة. حتى اكتمل تكوينه طفلاً، ثم يبدأ ارتباطه بالعالم الخارجي إلى أن ينمو لديه الإحساس بالوطن وبالبيئة. وقد اتخذ الشعور ب (المكان/ الوطن) في العصور الحديثة بعداً أكثر عمقاً وشعوراً من ذلك الإحساس القبلي القديم"(20).

وإن شعرية المكان وخصوصيته لا تتبدى- لدى الشاعر- إلا من خلال خصوصية الرؤية، وعمق التجربة، وامتلاء عين المبدع بما تفيض عليه الطبيعة من ظلالها، وألوانها، وأحجامها، وأطيافها ما يترك أثراً فنياً زاخراً بشتى الألوان، والأطياف الساحرة؛ ولا بد بالإضافة إلى ذلك من دهشة الفن، والحساسية الفنية التي تميز مبدعاً عما سواه، وبهذا المعنى عبر (نذير العظمة) عن أسفاره وحركته المكانية في إغناء تجربته الشعرية قائلاً:

"أسفاري غطت كثيراً من القارات (أوروبا- أمريكا الشمالية/ الجنوبية، شمال أفريقيا- الجزيرة العربية- الفلبين- تركيا) ودهشة المكان وحدها لا تكفي لابد من دهشة الإنسان التي تتجسد في فنونه وإبداعاته. الرقص والشعر والمسرح، وكل الأشكال الفنية الأخرى لها قدرة على سكب النشوة بما يزاحم المكان"(21).

فالمهم ليس الانتماء إلى المكان بقدر الانتماء إلى روح الحساسية، والفن، والإبداع والجمال؛ فالمبدع يهيئ لك المكان الإبداعي أو المكان الشاعري الذي يصلك إلى نبض الفن، وحساسية الروح، والإثارة ، والجمال؛ وما من شاعر ينكر أثر المكان، أو البيئة على شعره؛ وبهذا الصدد يقول الشاعر نزيه أبو عفش: "البيئة تلعب دوراً بارزاً؛ أو لنقل مهماً في شعرية الشاعر؛ لكن سبق وقلت لك: إن كل ما هو موجود يثيرني، تثيرني الحيوانات، والحشرات، والقطط، والكلام، والعصافير، والأشجار، وكل ما هو جميل وقبيح في الآن ذاته؛ ولهذا، تجد كثرة الجدليات والمتناقضات في شعري"(22).

ووفق هذا التصور؛ يتضح لنا إدراك الشعراء لأهمية المكان والبيئة عموماً في أشعارهم؛ ذلك أن: "علاقتنا بالمكان تنطوي على جوانب شتى ومعقدة تجعل من معايشتنا له عملية تجاوز قدرتنا الواعية لتتوغل في لا شعورنا؛ فهناك أماكن جاذبة تساعدنا على الاستقرار، وأماكن طاردة تلفظنا؛ فالإنسان لا يحتاج إلى مساحة فيزيقية يعيش فيها؛ ولكنه يصبو إلى رقعة يضرب فيها بجذوره، وتتأصل هويته؛ ومن ثم يأخذ البحث عن الكيان والهوية شكل الفعل على المكان لتحويله إلى مرآة ترى فيها الأنا صورتها؛ فاختيار المكان وتهيئته يمثلان جزءاً من بناء الشخصية البشرية(قل لي أين تحيا أقل لك من أنت)"(23).

إن هذا المنظور الشعري العميق للمكان لدليل على أهمية تجسيد المكان بمساحته الروحية، والتأملية، والاستكشافية؛ وليس فقط بمساحته الفيزيائية، وأحجامه المرئية، وما ينبغي الإشارة إليه: أن نظرة الشعراء إلى المكان اختلفت من شاعر إلى آخر؛ تبعاً لحساسية كل شاعر؛ ومدى تمثله للمكان، وتشعيره له، بمساحته الروحية، وانعكاساته النفسية؛ إذ ثمة حنين جارف للأماكن المتغيرة أو المتحولة نجده عند شعراء الحداثة بأشكال مختلفة، ورؤى متضاربة؛ حول هذه المسألة المفصلية في حياة كل شاعر أو مبدع أو أديب، تبعاً لعلاقة المبدع بمؤثرات الأماكن وتفاعله معها، إن سلباً أو إيجاباً؛ وهذا يعني أن ثمة اختلافاً بين المكان بوصفه طاقة منتجة للشعرية، ومغذية لها، وهذه الأماكن نعدها أماكن شعرية، وهي التي تعبر عن تفاعل الشاعر مع الأماكن تفاعلاً إيجابياً حياً محركاً للطاقة الإبداعية ومحفزاً للإثارة الشعرية؛ والأماكن بوصفها جغرافيا فيزيائية، ومساحات مرئية أحادية الرؤية أو سطحية الأثر، أو التأثير في بنية القصيدة، وتحولاتها الإبداعية، وهي التي نعدها أماكن لا شعرية، ويكون تفاعل الشاعر معها سلباً بوصفها أماكن صامتة لا قيمة إبداعية أو جمالية لها. وهذه الأماكن على العموم سطحية في تجربة الشاعر؛ بل سطحية في مضمار النص، وتعد هذه الأماكن بلاستيكية وصفية ليس إلا.

ومن الشعراء المهمين الذين تميزوا في تشعير المكان، وإكسابه طاقة إبداعية خلاقة لا غنى لنصوصه عنها في توليد شعريتها وتحقيق مضمونها الجمالي، الشاعر اللبناني القدير شوقي بزيع قائلاً:" أنا أرى أن الشعر من بين الفنون جميعها ذو منشأ ريفي بامتياز، لأن الشعر يتغذى من رحيق المخيلة، والمخيلة تحتاج إلى مسرح شاسع لكي تقتطع منه ما تشاء، هذا المسرح هو الريف أو القرية؛ ولهذا السبب معظم شعراء العالم هم شعراء ريفيون؛ وليسوا مدنيين. . هم يأتون إلى المدينة في مرحلة لاحقة لكي يصقلوا تجاربهم عبر تفاعلهم مع الآخرين؛ باعتبار المدينة هي الحاضنة لهذه الثقافات الخام الواردة من بيئات مختلفة"(24).

وطبيعي إزاء هذا الإدراك أن نستشف أثر الطبيعة بارزة وجلية في شعره، وهذا ما صرح به شوقي بزيع قائلاً:" أعتقد بأنني مدين للطبيعة بمعظم عناصر تجربتي الشعرية، من يقرأ شعري لابد وأن يجد ظلالاً للطبيعة، حتى ولو لم يكن الموضوع عن الطبيعة، وإنما الخلفية، وإنما الصورة؛ وإنما النسيج التعبيري مقتطع من ذلك العالم الذي تمت خسارته في الواقع؛ لكنه يسكن دائماً في داخلي، ويلاحقني أينما ذهبت؛ وبالمناسبة أنا لم أكتب عن بيروت رغم جبي الشديد لها؛ لأني لم أستطع أن أتفاعل مع المدن شعرياً؛ لذلك تمثل الطبيعة بالنسبة لي، الينبوع، وهي المصب النهائي".(25) ولهذا؛ فإن بنية القصيدة- لديه- تنطق بخصوصيتها المكانية، وشعرنتها للطبيعة، نظراً إلى ما تضج به من ظلال، وألوان، ومشتقات من حيز الطبيعة، وأشيائها المتنوعة على شاكلة المقطع الشعري التالي لشوقي بزيع:

"تأتي إليَّ الذكرياتُ

كأنني نايٌ يبلله الصدى

بدموع شعركِ

وهو يبكي مثلَ سنبلةٍ

على طرفِ الوسادة،

كل شيء فيكِ يزهرُ كالمرايا

في يديَّ،

ويستعيدكِ من دمي المهجورُ نملٌ

طافحٌ بالشوقِ والقبلات"(26).

إن أول ما يستجليه المرء – في المقطع الشعري- هذا التناغم الآسر بين دفق المشاعر وتماوجها الغزلي الشفيف، والمسميات المكانية، وما تبثه من حركة وإثارة على مستوى الصور؛ وكأن الشاعر – بهذه التشبيهات يفتح بوابة الاستثارة الجمالية على ما ترسمه الطبيعة من ملامح ومشاهد وتجليات، كما في الصور التالية المشتقة من حقل الطبيعة، كما في قوله: [كأنني ناي يبلله الصدى- يبكي مثل سنبلةٍ- كل شيء فيك يزهر]؛ إن الشاعر يحاول أن يجسد زهو الطبيعة عبر انتشاء المحبوبة، وإبراز نضارتها، وإشراقها، وسحرها وملامح فتنتها؛ فهي أشبه بالربيع الذي يزهو ويزهر، ويتجدد كلما دنا بريق ذكرياتها، أو تمثل أمام ناظريه طيفها الطافح بالأمل والشوق والقبلات؛ وبهذا الاستجلاء الجمالي تأتي الصور المشتقة الأخرى من الطبيعة لتبرز ملامح اللوحة الشعرية التي يرسمها الشاعر بقالب فني متوازن:

" أين تضاعفين الآنَ روحكِ

كي أعدَّ على شبابيكِ الغيابِ

 أصابعَ الذكرى؟!!

وأيُّ يديكِ أقربُ

كي أُعيدَ سرابَ أيامي

إلى غمد العناق"(27).

يستوقفنا الشاعر- في هذا المقطع- بدينامية المزج الجمالي بين المكان بوصفه تجلياً بارزاً من تجليات الرؤية ، أو علامة أيقونية فارقة في رفد المشهد الغزلي بمثيرات الصورة الغزلية الدافقة بالحيوية والخصوبة هذا من جهة، وبين الحبيبة بوصفها الإشعاع الجمالي الأسمى الذي تزدان به الطبيعة في سموها وإشراقها، وتجليها الحسي، واتقادها الروحي من جهة ثانية. وبما أن الشاعر ينزع إلى تجسيد المكان عبر تجسيد أوصاف الحبيبة فإنه يعيد الصورة إلى دفقها الشاعري الرومانسي الذي درج عليها الكثير من شعراء الرومانسية في العصر الحديث؛ وهذا يعني أن صورة المكان تبقى رديفة للأنثى في رسم اللوحة الشعرية ، وإبراز ألقها والتحامها بالمشاعر، لتبقى موحيات هذه اللوحة عالقة في كيان المتلقي لا يمحي أثرها أو يزول.

وقد حاول الكثير من شعراء الحداثة تجسيد المكان، بوصفه الأنيس الروحي للتعلق بالوطن بعد سني الغربة والضياع؛ فكأن المكان يمثل المعادل الروحي للانتماء والتمسك بالوطن، والمعادل الفني لإبراز دفق الصورة، وما تشي به من دلالات الأسى، والجراح، والمكابدة، والاغتراب على شاكلة المقطع الشعري التالي لممدوح عدوان:

" أنا شجرٌ غريبُ الدار و التربهْ

ثماري أينعتْ فتساقطتْ حولي

كما تلهو الأيامُ والرغبهْ

وليس هناك من يتذوق الثمرات

من يسعى ليسحب من دمي الغربهْ"(28).

هنا، يطالعنا الشاعر بشجن رومانسي جارح يشي بالأسى والاغتراب؛ لهذا؛ حاول أن يجسد انتماءه للمكان بأن يكون شجرة مغروسة في تربته؛ حتى وإن تساقطت ثمار تلك الشجرة فإنها تبقى مغروسة في ذلك المكان، وتبقى ثمارها دالة على انتمائها؛ وهنا، جاءت الصورة الاستعارية: [ليسحب من دمي الغربة] بمثابة الومضة الحارقة، أو اللسعة الجارحة على شدة ما تدميه الغربة في نفس المرء من حنين إلى الوطن وتمسكاً، بكل ما تثيره الذكريات من ملامح ورؤى عن هذا المكان أو ذاك؛ وما تفيض به من مشاعر وأحاسيس عاطفية مضطرمة تداعب الروح من قريب أو بعيد.

ومن الملاحظ أيضاً أن علاقة الشاعر بالمكان لا تجسد مشاعر التوق والحنين والانتماء للوطن فحسب، وإنما تجسد الوجود والحراك الزمني، والتوتر الشعوري، والانفتاح الوجودي؛ فالكثير من الشعراء يتخذون الأماكن معادلات وجودية لاحتراقهم العاطفي، وانكسارهم الشعوري، وقلقهم الوجودي لما تتركه بعض الأماكن في نفوسهم من جراح وآلام تزيدهم حرقة، واغتراباً على شاكلة المقطع الشعري التالي لجوزف حرب:

" لا نورٌ يدخلُ في أعماقي. . لا شمعٌ عندي لليلِ

وليس لديَّ نبيذٌ. وحديقةُ بيتي لا غصنٌ أخضرُ

 أو عصفورْ. . . لأشعرَ بروحي. .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

 أبوابي فيَّ مخلعةٌ. . جدراني موجٌ عالٍ.

لا عكاز لهذا الموجِ العالي

وشبابيكي لوحٌ من غيمِ مكسورٍ

. . فلماذا بعدُ الأرض تدورْ

وتدورُ فينا. . يا جسدي المهجور"(29).

إن المكان- لدى الشاعر- قد بدا موحشاً، مقفراً رهيباً حتى حيثياته الصغيرة قد بدت مهترئة، ران عليها الصدى، والوحشة، والخراب، وما عادت تنبض بالحياة؛ إن هذا الإحساس القاتم للمكان لدليل اغتراب الشاعر، وتأزمه الداخلي؛ وهذا الاغتراب نلحظه عند الكثير من الشعراء بسبب صدى إحساسهم الداخلي، إزاء الكثير من الأماكن؛ إذ إن بعض الأماكن تخلف في نفس الشاعر مظاهر الأسى، والحزن، والفقد، والجراح، وربما المعاناة، ومكابدة الآلام ، والمواجع، كما في المقطع الشعري التالي لحميد سعيد:

"انظرُ من نافذةٍ في المشفى الموحشْ

كنتُ أحاولُ أن أخرجَ من غابةِ روحي. . .

سوداءٌ غابةُ روحي. . .

الصمتُ يحاصرني. .

وثواني الساعاتِ ديناصوراتٌ تمشي في حقلِ القارِ. . . .

وفي هذا المشفى لاشيء سوى الوحشةِ. . .

ولاشيء. . .

أحاولُ أن أرفعَ صوتي. . كي أسمعَ صوتي

لا أحدٌ في هذا المشفى يسمعُ صوتي. .

كلُّ الأبوابِ مغلَّقةٌ. . . من أي الأبوابِ سأخرجُ؟!!"(30).

إن قارئ هذا المقطع بدقة يلحظ أن إحساس الوحشة، والسقم، والمرض، والموت يطغى على جزئيات المكان من حوله؛ إذ يشعر بالوحشة، والوحدة، والعزلة تحاصر روحه، ويخيم الصمت على كل أرجاء المكان؛ فيبدو المكان مقفراً رهيباً قاتماً، حتى لحظات الزمن المتسارعة أصبحت مرعبة، مطبقة على صدره تمشي ببطء شديد؛ تزيده اختناقاً و تقييداً و ظلمة؛ وهنا جاءت الاستعارات رغم إبرازها للجوانب المكانية كاشفة عن الجو الخانق الذي طغى على ذات الشاعر؛ ليحكي معاناة الذات من خلال تثبيت الرؤيا في زوايا المكان لإبراز إثرها الشعوري ووقعها الرهيب على نفسه، وما تثيره من كوابيس وأخيلة: [سوداء غابة روحي- الصمت يحاصرني- ثواني الساعات ديناصورات تمشي في حقل القار"؛ وهذا دليل إذاً، أن إحساس الشاعر هو الذي يحدد درجة فاعلية المكان في القصيدة؛ عبر ما يمثله المكان من رؤى، ودلالات، ومشاعر، وأخيلة، يشي بها طقس القصيدة، ومناخها الفني. وقد سبق أن أشرنا إلى أن إحساس الشاعر بالمكان يلون تجلياته ومؤثراته؛ تبعاً للموجات النفسية والشعورية الصاخبة التي تتركها بعض الأماكن في نفس الشاعر؛ كاشفة عن عمق الإحساس، وشعرية الرؤيا؛ كما في المقطع الشعري التالي لعلي جعفر العلاق"

"سربٌ من الطيرٍ قلبي

هودجٌ خربٌ

 فأينَ نجمتُهُ الزرقاءُ؟!!

أتبعها منذ الطفولةِ مذعوراً وتتبعني

لا اليأسُ. . لا مطرُ النسيانِ. . . ولا وطني"(31).

إن إحساس الشاعر بـ(الأنثى/ الوطن) أو (أنثى الخيال) هو الذي جعله ينظر إلى المرأة بوصفها المعادل الوجودي للانتماء والوطن؛ فهي ليست معشوقته فحسب؛ وإنما تمثل انتماءه، وهويته الوجودية؛ ولولاها لتلاشى وجوده، واهترأت مشاعره، وتفسخت أشواق محبته.

وقد نلحظ ولعاً دافقاً بالأماكن الأجنبية- عند شعراء الحداثة- تدليلاً على أسفارهم، وترحالهم المستمر إلى أماكن جديدة خصبة للشعر وللمخيلة الشعرية؛ وهذا الولع مرده نفس تواقة إلى الجديد دوماً لتتغذى المخيلة الشعرية؛ وتزداد معها الرؤية الشعرية؛ وهذا ما أشار إليه حميد سعيد عن مصدر غنى تجربته وتطورها:" لقد أُتيح لي بسبب عملي في الإعلام أن أرى بلداناً كثيرة، وأن أقترب من بيئات عديدة لم أعرفها في ما قرأت وما سمعت، وفي ما عشت. لا أريد أن أكرر الحديث عن تجربتي في إسبانيا فقد تحدثت عنها كثيراً؛ لكن ليس من ناقد أو مؤرخ أدبي كتب عني إلا وتناول ما تركت إقامتي في إسبانيا من تأثير في تجربتي الشعرية، وصار من ثوابت هذه الكتابة، وما آلَ إليه هذا التأثير"(32).

وهذا التأثير مازال طاغياً عند الكثير من الشعراء الذين اطلعوا على ثقافات أخرى وبلدان عديدة، فظلت مناخات الأماكن الأجنبية طاغية على أجواء قصائدهم؛ وبدا أثرها واضحاً حتى على مراحل لاحقة من تجربتهم؛ وخير مثال يحتذى على ذلك تجربة الشاعر اللبناني إلياس لحود؛ إذ يلحظ قارئ شعره أن قصائده أشبه بمعاجم أمكنة، وأسماء لشوارع ومنتزهات، وفنادق أجنبية، تحفل بها قصائده، بكثافة لا مثيل لها؛ وللتدليل على ذلك نأخذ قوله:

" يا قلبي أرويكَ. . .

يا ثغري كيف أناديكْ

 أحملُ جيكورُ وتحملني

نتمشى في شارع (مون مار) يتعكز كلٌّ فوق الآخر. .

فوقَ الآخرِ. . فوقَ ال. . آخرِ مثل الدمعةِ والسياب

حتى آخرِ باب حتى أخر قطرةِ آب"(33).

هنا، يأتي تمثيل اللحود للمكان تمثيلاً التصاقياً؛ مرده إبراز رغبة الشاعر في فتح آفاق قصائده على مسميات أجنبية جديدة تترك أثرها الثقافي الموسوعي في ذهن المتلقي، وتدلل على سعة ثقافته، وثراء تجربته، وانفتاحها على آفاق جديدة تتجاوز المحلية إلى العالمية؛ وهو بهذا يعضد أهمية الرؤية المكانية في إغناء القصيدة؛ شريطة أن يمتلك الشاعر رؤيته الفذة في تحريك المكان الجديد؛ تبعاً لإحساسه وذوقه الفني، ليس كملصق اسمي لا حراك له على شاكلة المقطع السابق.

وثمة شعراء يحاولون رسم لوحاتهم الشعرية بمسميات بيئية تأخذ شكل الرعويات على شاكلة الكثير من المقاطع الشعرية، الواردة في قصائد عز الدين المناصرة، الذي يتخذ من المكان نقطة تجسيد الرؤية، وكأنه يرسم الأماكن رسماً دقيقاً في بعدها الجمالي، والمرئي، والبيئي، وخير ما يمثله لنا ديوانه (قصائد رعوية)؛ ففيها احتفاء لا نظير له في تجسيد الأماكن وإبراز حراكها الجمالي والفني كما في المقطع التالي:

"صوتكِ نهرٌ من دندنةِ القيثارِ الغجريَّ

وجهكِ تاريخيٌّ، طبقاتٌ رسموها فوق الأعمدةِ النارية

وجهكِ مولودٌ في بركةِ قريتنا

كنتُ أغمستُهُ عند العصرِ

بعصيرِ الرمان

قلبي أطهرُ من رملِ عذريِّ

أقسى حين أثورُ من الحجر الصوان"(34).

إن إغراق الشاعر بالصور المكانية حتى في عمق رؤاه الغزلية لدليل على الأثر النفسي والروحي للطبيعة في قصائده؛ فالصور- لديه- تفوح بعبير الطبيعة، كما في الصور التالية: [صوتكِ نهرٌ من دندنةِ القيثار الغجري- وجهكِ مولود في بركة قريتنا]؛ إذاً إن خصوصية المكان في قصائده تتبدى في البعد الجمالي لبنية الصورة؛ من خلال طابعها الحسي التصويري العميق، ونبضها الشعوري الدافق، فلا نكاد نعثر على قصيدة لدى المناصرة إلا والمكان فيها يشكل أسها الجمالي ومفتاحها القرائي، ومحور خارطتها الإبداعية.

ونشير إلى أن إحساس الشاعر بالأمكنة يتنوع، تبعاً لإحساساته الداخلية، ونظرته الوجودية، وحالته الاغترابية، ودليلنا أن المناصرة ذاته قد دلل بالمكان عن حرقته الاغترابية ، وشوقه وحنينه إلى الأمكنة في لوحاته الرعوية بمختلف مشتقاتها للطبيعة الفلسطينية، وألوانها الزاهيات، وهذا يعني أن الطبيعة من موحيات قصائده، ومحرق دلالاتها، واكتنازها جمالياً؛ وبتقديرنا: إن هذه الجمالية في رسم الطبيعة يعزى إلى ريفيته، وخصوبة الرؤى البصرية الطفولية التي عاشها في فلسطين قبل النفي والاغتراب، انظر إلى أثر الطبيعة في قوله:

"إن أنا تجاهلتك أيها البحرُ

فليذوبني حنينُ الحمام، حتى شقيقة روحي أشاحت عني

حتى زغرودة الشوك في مدرجات الرومان

كانت حلزونية كالمطارات اللولبية،

حين سألوها عن سنوات دمي

لم أجد من أشكو له في وحشتي

حتى طبيبي يا حبيبتي، عيَّرني بالحنين!!!"(35).

لاشك في أن الحنين الممزوج بعبير الأمكنة لهو الفاصلة الفارقة الدالة على اغتراب الشاعر، وشجنه، وحنينه الدائم إلى وطنه الأم فلسطين رغم كل ما يتراءى للشاعر من أمكنة في مخيلته؛ فإنه يبقى ثمة شجن خاص، وحنين حارق للأمكنة الأصلية في مخيلة كل شاعر مغترب أو منفي، سرعان ما تعود هذه الأمكنة إلى الذاكرة بين الحين والآخر وتلقي بظلالها على أجواء القصيدة، ومناخاتها الإبداعية كلها.

ونخلص بعد هذه التعربجة القرائية إلى النتائج التالية:

1-     إن ثمة اختلافاً بين الشعراء في تشعير الأمكنة، وتحريكها فنياً؛ وهذا يعود- من منظورنا- إلى طبيعة كل تجربة، وقدرة الشاعر على تمثيلها شعرياً؛ تبعاً لما يرسمه المكان في خلد الشاعر وذاكرته الإبداعية من ظلال وأخيلة، وألوان وأطياف لا تمحى من الذاكرة الإبداعية؛ لدرجة تدخل في صميم رؤية الشاعر، وشخصيته الوجودية؛ ولهذا، نلحظ سكون بعض الأمكنة وقتامتها، وتحجرها عند بعض الشعراء، لدرجة مثلى غالباً ما تكون مقترنة بالموت، والسقم والوجاعة الشعورية، والألم، والنفي، والانكسار، خاصة الشعراء التالية أسماؤهم: ( نزيه أبوعفش- فايز خضور- ممدوح عدوان- علي الجندي) في مرحلة ما من مراحل حيواتهم الإبداعية؛ وعلى النقيض من ذلك نلحظ حراك بعض الأمكنة وإشراقها المبهج عند بعضهم الآخر، وخاصة الشعراء الذين تغنوا بالطبيعة وجعلوا محبوباتهم منبع إشراق الأماكن، وزهوتها الجمالية، ونخص بالذكر الشعراء الجماليين في تشعير الأماكن، وتمثيلها فنياً، وهم الشعراء المهمين في هذا الخصوص:( محمد عمران- شوقي بزيع- عبد الكريم الناعم- جوزف حرب- عز الدين المناصرة- شوقي بغدادي، ومحمد علي شمس الدين-وغسان مطر- ومنصف الوهايبي) وآخرين.

2-     إن درجة شعرية الأمكنة- عند شعراء الحداثة- تختلف من شاعر لشاعر، ومن قصيدة لقصيدة، ومن صورة لصورة، وهذا يعني أن درجة تشعير المكان تخضع للمهارة الإبداعية، والطاقة التخييلية العالية التي يكسبها الشاعر للأماكن لتمنحه خصوصيته وركيزته الإبداعية.

3-     ما ينبغي التأكيد عليه: إن البعد النفسي هو الذي يطغى على ظلال الأمكنة، عند الكم الغفير من شعراء الحداثة، لدرجة أن رؤية الشاعر ذاتها للمكان تختلف بين الفينة والأخرى؛ تبعاً للحالة النفسية والمشاعر الداخلية التي تعتصر كيانه لحظة تشكيل القصيدة؛ ولهذا، قلما نجد موقفاً ثابتاً لدى شعراء الحداثة إزاء الأماكن التي يجسدونها؛ إذ سرعان ما نلحظ تناقضاً واختلافاً في الرؤى؛ مرده اختلاف العوامل النفسية والشعورية التي تحكم نظرته للأمكنة بين الإيجاب والسلب، والقتامة، والبهجة؛ وهذا نابع – بالدرجة الأولى- من طبيعة النفس الإنسانية التي تضج بالمتغيرات ولا تركن للثوابت إطلاقاً.

ثالثاً- دلالة الألوان عند شعراء شعراء الحداثة:
 لقد انشغلت دراسات نقدية عديدة في مسألة اللون من الناحية الفنية، والنفسية، والدلالية، والرؤيوية وانعكاسها على شخصية المبدع؛ ولا نبالغ في قولنا: إن للألوان تأثيرها الحيوي المباشر على ذات المبدع من حيث الإحساس، والتأمل، والرؤية؛ لكن هذا التأثير لا يمكن إدراكه، أو ملاحظته دون الغوص في جوهر العمل الفني ومثيراته، وطبيعته، وعناصر تأثيره؛ وهذا يتطلب رؤية نقدية دقيقة فاحصة تشف ما وراءها من دلالات، ومعانٍ ، وإيحاءات؛ ووفق هذا التصور، يقول( ديلاكروا): "إن التأثيرات الغامضة التي توحي به الخط واللون. واأسفاه، لا تجد لنفسها إلا القلائل من الأتباع"(36). وهو – بهذا- يحثنا على الانتباه إلى ما تشف به الألوان والخطوط من دلالات ورؤى لا غنى عنها في الكشف عن جوهر العمل الفني، ومثيراته الإبداعية؛ فالمهم في العمل الفني ليس الموضوع، وإنما طريقة تمثيل الموضوع جمالياً أو فنياً، وهذا ما أشار إليه بدقة في فن الرسم (جان برتليمي) قائلاً:" إن قيمة اللوحة لا ترجع إلى موضوعها. . وإنما إلى قيمتها الفنية، تبعاً لمدى المهارة التي طرق بها الفنان موضوعها"(37).

وهذا ما ينطبق تماماً على فاعلية التوظيف اللوني؛ إذ إن الشاعر المؤثر فنياً هو القادر على توظيف الألوان وما تشي به من دلالات جديدة مكتسبة ضمن نسيج النص وبنية تحولات الدلالة في الصورة، وهذا يعني أن فنية اللوحة الشعرية لا تنطوي على رؤية سطحية للون، وإنما على تمثيل عميق لما يمثله اللون من إضاءات، وظلال، يلون أبعاد اللوحة، ويضفي عليها لمسة جمالية تزيدها خصوبة وإشراقاً فنياً لا يمكن تجاهل أثره خاصة في القصائد اللوحاتية أو القصائد اللوحة، يقول الناقد عبد الله العساف في هذا الخصوص: "لا يقل استعمال اللون في الشعر أهمية عن استعماله في اللوحة؛ فالشعر يسعى جاهداً لرسم المشاهد التي تمتلك الأثر، وتصل في مستواها إلى أثر اللون. . ولأن ألوان الأشياء وأشكالها هي المظاهر الحسية التي تحدث توتراً في الأعصاب وحركة المشاعر؛ إنها مثيرات حسية يتفاوت تأثيرها في الناس؛ فالشعر- إذن-ينبت ويترعرع في أحضان الأشكال والألوان؛ سواء أكانت منظورة أم مستحضرة في الذهن"(38).

وبمفهومنا: إن الصورة اللونية أو الصورة التي يدخل في تركيبها اللون لهي أشد تمثيلاً في تجسيد اللوحة بتداخلاتها اللونية وتمثيلها البصري من الصورة التجريدية التي تنزع إلى التكثيف التخييلي؛ إذا ما قارناها بالإيحاءات البصرية التي تهبها الصورة اللونية لأبعاد اللوحة الشعرية من ظلال وإيحاءات متتابعة تهبها عناصرها التشكيلية وتجسيدها الفني. وما من شك في أن عنصر التجسيد أقرب إدراكاً في تمثيل اللون بحراكه البصري أكثر بكثير من الرؤى والصور التجريدية التي يلعب فيها الخيال دوراً إضافياً مشوشاً لحقيقة الرؤية اللونية، ومنظارها التجسيدي البصري الدقيق. ووفقاً لهذا ، تتحدد شعرية الشاعر ودرجة وعيه الفني، وإدراكه لحقيقة الألوان، وتداخلاتها، في ظلال اللوحة؛ تبعاً لقوة الصورة، من ناحية تمثيلها الفني، وتجسيدها البصري، بأبعاد، وأشكال، وظلال، محددة ، تتمرأى أمام عدسة المتلقي، وكأنها لوحة تشكيلية يرسمها الفنان بعين الرؤية لا الرؤيا، وبعين الحس، والإدراك، والشعور، لا بعين الرؤى، وفضاءات التخييل؛ وخير دليل على الاحتفاء بالألوان ومزجها على شكل لوحات زيتية قصائد شوقي بزيع، وجوزف حرب، ومحمد عمران، وآخرين، ونأخذ مثالاً على ذلك قصيدة(صخرة الأندلس) لشوقي بزيع؛ وفيها يقول:

"مطرٌ مالحٌ يلطمُ الروحَ

والأرضُ تلفظُ أنفاسها

تحت رجليَّ

مثلَ كلابٍ تئنُّ على جثةٍ نافقهْ

مطرٌ مالحٌ

أم سرابُ طواحينَ مهزومةٍ

تتدلى استغاثاتها

مثل ألسنةٍ في المياه

وتحضرُ كالدمعِ أطرافها الباسقة

. . . . . .

وغرناطةٌ من سوادي

تجوبُ الفيافي. . . مولولةً في البعيد مآذنها العاشقةْ

لم يكن وصلُها غير برقٍ كذوبٍ

يهبُّ على فروة الرأس

أو خصلةٍ من حنينٍ

ترفُّ على جنةٍ سابقهْ"(39).

هنا؛ بدأ الشاعر في رسم لوحته الشعرية بالارتكاز على تقنية المزج اللوني بين عناصر الصورة لإكسابها درجة من الخلق، والتناغم، والتوازن؛ وهذا ما حددته طبيعة اللون، وشعرية مزج الألوان، وتداخلها؛ فالشاعر حاول أن يرسم ملامح مدينة غرناطة، مسترجعاً في مخيلته صورها، وذكراها وأطيافها كاملة، وذلك وفق مؤثرين يتناوبان شعوره الداخلي بين غرناطة بوصفها مكاناً حضارياً تاريخياً أو معلماً حضارياً بارزاً في حضارتنا العربية، وتاريخنا العربي المشرق؛ وبين غرناطة الحاضنة الشعبية لثقافات وجماليات بيئية حية وطبيعية لا غنى عنها؛ وهنا، لعبت أحاسيس الشاعر ومخيلته دوراً لا بأس به في إضفاء بعض الظلال والألوان، على هذه المدينة، تبعاً لما يهجس في داخله من أحاسيس تتناوب بين الأسى والحداد حيناً؛ والتفاؤل والإشراق حيناً آخر؛ وذلك حين يصور الأرض كإنسان يموت أو إنسان شائخ في أنفاسه الأخيرة: (الأرضُ تلفظُ أنفاسها تحت رجلي= مطرٌ مالح)؛ وهذا ما يدل على حزنه ويأسه ولوعته؛ ثم عمد –في الآن ذاته-إلى بعض الألوان الزاهية المتوهجة، ليبدد شبح هذه القتامة، مسترجعاً ذكرياته المتوهجة بالأمل والتفاؤل حيناً؛ واليأس، والإحباط والقنوط حيناً آخر؛ تبعاً لما يتراءى أمام مخيلته من رؤى وذكريات تربطه بالمكان

ونؤكد أن شوقي بزيع من الشعراء البارزين الذين جسدوا المكان تجسيداً بانورامياً متحركاً؛ فهو يعشق الأمكنة المتغيرة أو المتحولة، كما يعشق الأماكن البكر أو الأماكن اللاموطوءة؛ تأكيداً على ديناميته وحسه الرؤيوي المتجدد؛ وهذا ما صرح به قائلاً:" إن أجمل الأماكن- بالنسبة لي- هي الأماكن اللا متحققة، أو الأمكنة غير المتاحة. . . إن المكان الذي نقيم فيه هو المكان الواقعي، هو المكان المتاح، وهذا المكان المستهلك، وهذا المكان لأنه متوفر هو مكان نثري؛ ولكن عندما نكون في هذا المكان نحن إلى غيره، إلى المكان غير المتاح؛ وهذا المكان غير المتاح هو المكان الشعري؛ كأننا نحن مجموعة من الالتفاتات إلى الخلف، كأننا عبارة عن توق دائم إلى الأماكن التي غادرناها مرغمين أو التي لم نصل إليها بعد"(40).

وبمنظورنا: إن لوحاته الشعرية مشتقة من حقل الطبيعة والأماكن المتخيلة أكثر من كونها أماكن مرئية أو مشاهدة رغم طابع قصائده البيئي، وحراكها البصري، ومزجها اللوني، وكما هو حال الشاعر شوقي بزيع في مزجه للألوان وتداخلها بأسلوب تشكيلي جمالي كان حال الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة الذي اعتمد الصورة اللونية مكمن تفاعله الشعوري وإحساسه البيئي المتوهج بحب الطبيعة والجمال كما في هذه اللوحة الشعرية؛ "

"وأهوى شفيفَ ثيابِ البنات

وصوتَ البراكين، إن كان يا سيدي، عربي السمات

أحبُّ رفيفَ السنابلِ بالمنحدر

أحبُّ جدائلَ مريام، أسوارها العالية

أحبُّ الشرائط فوق ضفائرها اللولبية في المدرسة

وأشتاقها أيها الأزرقُ المخمليُّ البهيجْ

أحبكِ يا خضرةَ النخلِ في واحةٍ مالحة

أحبكِ حيثُ تكونينَ قبل الربيعِ الأخير

تكونين مأوى الطيور التي هاجرت من بعيدْ

أحبكِ سربَ مهاً من فجاجِ الصخورْ

تغنين للماء والرملِ والقافلة. .

كأنكِ في كرنفالٍ، ألا ترقصين!"(41).

هنا؛ يرسم الشاعر ملامح لوحته التشكيلية لمدينة القدس؛ تبعاً لمنعرجاته الشعورية، وإحساساته الداخلية، مبيناً اشتياقه لروابيها الخضراء وحدائقها الغناء، وبحيراتها الزرقاء، وسنابلها الخضراء، ونسائها البضات؛ ولذلك؛ حاول الشاعر أن يجسد مظاهر هذا الحنين عبر استرجاع ملامح هذه المدينة بالتظليل اللوني للمشاهد الجمالية التي خلفتها هذه المدينة في ذاكرته من ملامح، ومشاهد حية مشرقة أشبه بالكرنفال الاحتفالي البهيج الذي تتماوج فيه الألوان، وتتداخل الأطياف في حركة لونية متناغمة، تدلل على رسم دقيق وحس إبداعي عميق؛ في رسم الحركة الشعورية الداخلية، وانعكاساتها على ظلال اللوحة:( أحبكِ يا خضرة النخل- أحبُّ رفيفَ السنابل في المنحدر= أحبكِ سرب مهاً في فجاج الصخور- تغنينَ للماء والرملِ والقافلة)؛ وهنا، يلحظ القارئ مدى أهمية الصور المكانية في إبراز الأثر النفسي للمكان في تزويق اللوحة، وإكسابها حركة إضافية تزيد المشهد إشراقاً، وحيوية، وخصوبة؛ وهذه المقدرة تجسدت عبر شعرية الصورة، وحساسية الرؤية، وحرارة العاطفة، في تظليل اللوحة الجمالية لمدينة القدس لتزدهي بأجمل حلة؛ وكأنها عروس في كرنفال احتفالي بهيج. وبهذا المزج الجمالي تزداد أهمية الألوان في إبراز ملامح شعرية الشاعر، و قدرته على الكشف عن منعرجاته الشعورية، وإحساساته الداخلية، إزاء العالم المحيط؛ وتفاعله مع هذا العالم بما فيه من فضاءات، ورؤى، وتاملات، وأخيلة، تدفعه إلى التفاعل مع هذا العالم ؛ إن سلباً أو إيجاباً؛ عبر ما تمليه ذاته الداخلية من إحساسات وتأملات وجودية عميقة.

وما ينبغي التنويه إليه:

إن بعض شعراء الحداثة يعتمدون اللون المحرك البصري لقصائدهم التشكيلية على أساس المشاهد المتحركة لإبرازها، وتفعيلها على مستوى التصور الكلي للوحة؛ وهذا ما أشارت إليه الباحثة خلود ترمانيني في قولها:" تقوم بعض القصائد التشكيلية على أساس المشاهد المتحركة التي تعتمد على الإيحاء بهدف استثارة المتلقي لاستكناه ملامح اللوحة الشعرية ، وإعمال الذهن في تصورها إلى أن تصبح قابلة للرؤية دفعة واحدة. ويلحظ القارئ أن تلك القصائد يجمعها خيط شعوري واحد يضعها بأكملها أمام ناظري المتلقي الذي يقوم بتفكيك النص، وتركيبه من جديد ليحقق لوحة متكاملة قد يعجز الرسام عن متابعة معانيها الدقيقة، وتجسيدها في شكل فني يرصد الأبنية الشعرية المشكلة للمعنى رصداً دقيقاً"(42).

وبهذه الملحوظة الدقيقة تضعنا الباحثة على المسار الرؤيوي الصحيح لما ذهبنا إليه من أن ولع شعراء الحداثة في تجسيد الأمكنة فنياً قد دفعهم إلى تحريك الأمكنة وتلوينها عبر المزج اللغوي والبصري في لوحاتهم الشعرية؛ لتغدو أكثر تمثيلاً لما تجسده اللوحة التشكيلية من تناغم في خطوطها، وألوانها، وظلالها، وأحجامها، لتثير المتلقي على المستويين البصري والإيحائي معاً؛ وللتدليل على ذلك نأخذ اللوحة الشعرية التالية لجوزف حرب:

" كلّ صيفٍ عندما تصفرُّ قربَ السفحِ في السهلِ السنابلْ

مثلَ شعرٍ ذهبيِّ الطولِ مرخيَّ الجدائلْ

لستُ أدري كيفَ يغدو الجبلُ العالي مسيحاً

وازرقاقُ الأفقِ يغدو خلفهُ كالأبديةْ،

ويصيرُ السفحُ قرب السهلِ رجلينِ

وقد غطاهما بعد مرور الماءِ شعرُ المجدليهْ"(43).

إن قارئ اللوحة الشعرية يدرك أن الشاعر يقوم برسم مشهد من مشاهد قريته الجميلة الوادعة على سفح جبل شامخ في امتداده واتساع مداه؛ ثم يقرب الشاعر أبعاد اللوحة راسماً الظلال المكانية لهذه القرية عندما يشبه السفح برجلين مفتوحتين على المدى يغطيهما شعر المجدليه، في بريقه، وامتداده، وجاذبيته اللونية؛ وبهذا الحس التأملي في رسم القصيدة (اللوحة) تسهم حركة الألوان بظلالها؛ وإيحاءاتها في رسم منحنيات الشعور، بلوحات بارعة الإتقان، عبر ما يمتلكه الشاعر من مخيلة وهاجة، وقدرة على تركيب جزئيات اللوحة بمساحتها اللونية الممتدة، وأفقها الإبداعي المشتق من حيز الطبيعة؛ وهذا يدلنا على أن"تركيب قصيدة اللوحة في نسق منتظم يقوم على الانسجام، والشمولية، والحركية المتناغمة مع تموجات الخطوط، ، والمسافات؛ وهذا كله يحقق التناغم الإيقاعي الذي يكفل لقصيدة اللوحة، قيمتها الجمالية المتمثلة في المادة التعبيرية، والدلالة الموحية معاً. ومن هنا، فإن اللغة التي تنظم قصيدة اللوحة تبدو حبلى بالإمكانات الإيقاعية المعتصرة من المتوازيات والتقابلات في الصيغ والألوان، وهذا مما يؤثر في وجدان المتلقي، وذائقته النقدية الرفيعة"(44).

ونخلص بعد هذه التعريجة البحثية إلى النتائج التالية:

1-     إن دراسة أثر الألوان في الشعر لأمر جدلي خاصة أن دراسة اللون كثيراً ما تتعلق بجوانب نفسية ودلالية، وشعورية تختلف من شاعر إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى؛ وهذا ما يجعل رؤية الألوان منزلقة ومختلفة عند كل الشعراء والمبدعين، ولا يتفق اثنان على لون واحد ودلالة واحدة مشتركة بينهما؛ مما يجعل دراسة اللون مسألة منفتحة وقابلة للتغاير من شاعر لأخر، ومن قصيدة لأخرى.

2-     إن درجة شعرية الألوان في بنية الصورة تتوقف على عين البصيرة لا البصر؛ وعين التخييل لا العين الرائية؛ ولهذا ، فإن أعظم الصور هي التي يدخل الخيال في تكوينها، وترسيمها، وتظليل أبعادها؛ ولهذا نلحظ أن غنى الألوان ينبع من غنى المخيلة التي شكلتها، ومزجت فيما بينها، لتخليق اللوحة الشعرية المتميزة التي تثري وجدان القارئ؛ وتنمي ذائقته الجمالية.

3-     إن الشاعر عبر المساحات البصرية التي يتركها في القصيدة؛ يستطيع أن يجذب القارئ خاصة عبر تظليل اللوحة، وتفعيل الظلال اللونية بما يستثير الدلالة، ويستجلي مادتها التعبيرية الخلاقة؛ وبهذا يتمايز الشعراء في خلق الصورة اللونية الموحية عبر الانسجام والإثارة الفنية التي تحرك الصورة، وتستثير حساسيتها الجمالية.

رابعا: دلالة العناوين (سيميولوجيا العنوان) عند شعراء الحداثة: 
إن للعناوين أهمية عظمى في تثبيت الرؤية، وتبئير مساحة دلالاتها، وتمركزها الفني؛ بوصفها الدال اللغوي، أو المنظم اللغوي المبئٍّر لبنية المتن، أو الكود الكاشف عن جوهر الرؤية النصية؛ ولهذا، فإن للعناوين أهمية بالغة الأثر والتأثير في المنظور الإبداعي، وفي حقل الكشف النقدي؛ نظراً لما تحمله من مؤشرات ودلالات لا يستطيع المتن الكشف عنها إلا بفيض من الجمل المكثفة والدلالات المختلطة، ولا نبالغ في قولنا : إن العنوان هو الموجٍّه الدلائلي لاستراتيجية المتن؛ وقد عرَّف علماء الألسنية (العناوين) بقولهم:" هي مجموع الدلائل اللسانية من كلمات، وجمل، وحتى من نصوص قد تظهر على رأس النص لتدل عليه، وتهيئه، وتشير لمحتواه الكلي، ولتجذب جمهوره المستهدف"(45).

ومن هذا المنطلق، يمكن أن نعد العناوين العتبة النصية الأولى التي تحدد معالم النص، وتشي بدلالته المتنوعة؛ وبالمحصلة؛ فالعناوين يمكن أن تدلل على مقصديته، ومرجعيته الإبداعية؛ ذلك أن:" العنوان هو آخر ما يكتب من النص الشعري، بعد أن تزول عن الشاعر حالة المخاض الكتابي، ويفرغ مما يسميه(بايرون) بالحمم البركانية التي تحمي الشاعر من الجنون؛ لأن الكتابة هي البديل عن الانفجار النفسي، بما أنها انفجار لغوي يوازي بل يفوق درجات الانفعال الذاتي. وإذا فرغ الشاعر من كتابة قصيدته راح يبحث لها عن عنوان؛ هذا العنوان؛ سوف يكون خلاصة دلالية لما يظن الشاعر أنه فحوى قصيدته، أو أنه الهاجس الذي تحوم حوله، فهو، إذاً، يمثل تفسير الشاعر لنصه"(46).

وبهذا التصور؛ حاول شعراء الحداثة أن يتفننوا في تشكيل عناوينهم، لتحقق صدمتها للقارئ، وإثارة دهشته هذا من جهة، ومن جهة ثانية لتكثيف رؤية القصيدة وتبئير دلالاتها صوب رؤية محددة، أو هدف رؤيوي معين تصبو إليه؛ ومن أجل هذا، "تفنن شعراء العصر الحديث في تأليف عناوين دالة لقصائدهم ومجموعاتهم الشعرية، وغالباً ما يحمل عنوان قصيدة من داخل المجموعة الشعرية عنوان المجموعة كلها؛ وهذا كله يحقق للعنوان أهميته الدلالية والإيقاعية، فهو يرسم فضاء القراءة التنغيمية للنص، ولذلك؛ فإنه ينظم الإيقاع العام؛ والشاعر حين يختار عنواناً مناسباً لقصيدته فإنه يسعى تلقائياً إلى تحقيق تمثيل لها ينسجم مع العنوان"(47).

وبتقديرنا: إن ولع شعراء الحداثة بالعناوين الصادمة أو المبهرة دفعهم إلى الإكثار من العناوين الجدلية التي تشي بالتأزم، والتوتر الداخلي، والاحتراق، والانكسار العاطفي، أو الرغبة في تهييج حساسية القارئ للدخول في متن النص، مشدوهاً بدلالاته، ورؤاه العميقة، وبهذا المقترب يقول الشاعر شوقي بزيع ما يؤكد وعيه بأهمية العنوان في تشكيل القصيدة، ما يلي:

"إن هناك مجموعات شعرية ما تحمل عناوين خلابة لبعض الشعراء مع أن هذه المجموعات أقل من عادية؛ وهناك شعراء وكتاب لم يُوَفَّقوا في اختيار عناوينهم، لكن كتبهم كانت أكثر من جيدة. . . أنا معظم عناوين دواويني هي عناوين قصائد لي؛ فعندما أصدر مجموعة مثلاً أجمع فيها ما كتبته خلال سنتين أو ثلاث أختار عنواناً للقصيدة الأهم، ربما في المجموعة، أو لأن العنوان فيه شيء من الجاذبية ليس أكثر؛ فممكن أن يمثل العنوان القصيدة، ولا يمثل الديوان بكامله؛ ولذلك عندما أسميت أحد دواويني(الرحيل إلى شمس يثرب) فهذا لا يعني أن الديوان برمته مكتوب عن شمس يثرب الضائعة التي حجبها ركام السنين، ولا علاقة لها بالموضوع"(48).

وتأكيداً على هذا؛ فقد أسمى شوقي بزيع أحد دواوينه بـ(قمصان يوسف)؛ وهو عنوان إحدى قصائده الشهيرة؛ وقد كان لها أثرها في تجربته الشعرية، ومن خلال هذه القصيدة نال شوقي بزيع شهرته العربية ، وهذا ما أكده الشاعر نفسه في قوله:

"إن ديواني (قمصان يوسف) من أكثر دواويني مبيعاً؛ لأن القصيدة اشتهرت كثيراً وأقرؤها غالباً في مهرجانات الشعر العربية؛ طبعاً كل من له حبيب اسمه يوسف، أو زوج، أو ابن، أو أخ فإنها تهديه هذا الديوان، فهذا الديوان له سره سواء أكان السر متعلقاً بالعنوان، أم بالمضمون بوجه عام"(49). ولو دققنا في الفضاء العنواني لقصيدة (قمصان يوسف) لو جدنا أن الشاعر يقسم القصيدة إلى ثلاثة قمصان يحددها قائلاً:

"عندما تحاورت مع يوسف النبي مثلاً لم أعد شخصية (يوسف) كما هي؛ ولكن حاولت أن أستنبط منها ما يمكن أن يصبح سؤالاً مطروحاً في العصر؛ عندما عثرت على قمصان (يوسف الثلاثة): القميص الأول الذي صبغه أخوته بالدم الكاذب؛ والقميص الثاني الذي مزَّقته زليخة من الخلف، والقميص الثالث الذي شمه يعقوب حينما أرسله يوسف إلى أبيه مع أخوته؛ وكانت قد ابيضت عيناه فأبصر؛ هذه القمصان تحولت- بالنسبة لي- إلى أبعاد رؤيوية؛ فأصبح القميص الأول (قميص التجربة)، والثاني (قميص الشهوة)، والثالث ( قميص الرؤية)؛ هذه قراءة جديدة. وطبعاً القصيدة تقول: بأن كل شخص منا يحمل في داخله شيئاً من جمال (يوسف) النبي، والإنسان عبر القصيدة لا يولد جميلاً؛ وإنما يصبح جميلاً، بمعنى أن الجمال ليس معطىً جاهزاً، ولكنه شيء نستطيع أن نجترحه نحن بالمكابدة، وبالألم، وبقوة الحياة في داخلنا، وإلا أصبح الجمال أعطية مجانية أو شيكاً بلا رصيد"(50).

وإن هذه المرتكزات الثلاثة التي بنيت عليها قصيدة (قمصان يوسف) شكلت جوهر رؤيتها؛ فجاءت العناوين الفرعية الثلاثة بمنزلة الكود الكاشف عن جوهر رؤية القصيدة، ومفتاحها الدلالي؛ وللتدليل على ذلك نأخذ المقاطع الثلاثة، مجتمعة، لإبراز دلالة العناوين الفرعية وتلاحمها مع البؤرة النصية للقصيدة كما في قوله:

1)     قميص التجربة:

" قبراتُ الحقول،

تقافزُ قلب الثعالبِ

 حولَ الينابيع،

نومُ النمالِ الطويل

على طرقاتِ الشتاء،

عراكُ المجرَّاتِ

من أجلِ نجمٍ تغازلُهُ الشمسُ

من خلفِ ظهرِ الفلك

كلها الآن تسجدُ لك     

كلها الآن تجثو على قدميكَ الإلهيتين

ميممةً شطر أهدابكَ السود

مسرعةً كي تقبِّل ثغرَ الهلالِ

الذي قبَّلك. . .

. . . . . .    

دع قميصكَ للذئب

كي تنتهي عارياً مثلما كنتَ

واهبط إلى آخرِ البئرِ

كي تستحقَ جمالكْ

2)     قميص الشهوة

ليس بيني وبين زليخةَ

إلا قميصانِ من عفَّةٍ وتشهٍّ،

 كأنَّ الصراعَ المؤبَّدَ

مابينَ إبليسَ والله قد ضاقَ

حتى غدا بحدودِ القميصين

أيهما الآنَ أختارُ؟!!

عدتُ من لجَّةِ البئرِ

كي لا أعودَ إلى البئرِ ثانيةً

غير أن فحيحَ الأنوثةِ يشتدُ

حول خناقي

وجسمي ضعيفُ

كان لابد أن ينقذَ اللهُ

صورته فيَّ

فلما هممتُ وهمَّتْ

تدلَّتْ مراياهُ من خشبِ السقفِ

حتى حسبتُ بأني أعانقُ نفسي

وأنَّ زليخةَ ليستْ سوى

صرخةِ الإثمِ في داخلي

فاستدرتُ إلى الخلفِ

أعدو وراءَ جمالي

ويعدو ورائي

نباحُ الدماءِ المخيف؟!!. .

3)     قميص الرؤية

تدورُ الكواكبُ من دونَ يوسفَ

لا البئرُ عادتْ بهِ

مع خيولِ الشتاءِ

ولا الريحُ تحملُ

نحو أبيه الذي شاخ

وقعَ خطاه

ولكنَّ باقةَ عطرٍ

تهبُ على بيتِ يعقوبَ

حاملةً مع قميصِ ابنه

نجمتين اثنتين،

تصبانِ في بئرِ عينيهُ

ضوءهما المشتهى

وتعيدانه من عماه"(51).

هنا، تأتي العناوين الفرعية محددة المفاصل المحورية التي ترتكز عليها القصيدة في مغزاها، ورؤيتها الجوهرية؛ إذ إن الشاعر وظَّف العناوين الفرعية بما يخدم الرؤية الكلية للقصيدة؛ ولهذا، جاءت شخصية(يوسف) مبئِّرة للحدث الشعري، بما تنطوي عليه من رؤى وجودية عميقة تنفتح على كل ما هو عميق وفلسفي؛ فالشاعر أراد أن يحدد ملامح هذه التجربة عبر ثلاثة مفاصل رئيسة تشكل عمق هذه التجربة بمغزاها الوجودي؛ متخذا قمصان (يوسف) المرجع الدلائلي الأبرز للتدليل على بؤرية الأحداث المصاحبة لهذه الشخصية في مسارها التاريخي؛ وما تنطوي عليه من إدخالات جديدة، ومتعلقات دلالية رؤيوية إضافية شكلتها بنى القصيدة؛ فالقميص الأول صبغه إخوته بالدم الكاذب، هو البعد الرؤيوي الأول لهذه الشخصية، وهو بعد بانورامي؛ بمثابة المحرك لأحداث القصيدة؛ أو المغزل الذي ينسج أحداث القصة في القصيدة؛ وهنا، تتوزع الأحداث، وتتشعب عبر هذا المفصل البارز من مفاصل القصيدة؛ في حين جاء القميص الثاني (قميص الشهوة) ليعكس البعد الرؤيوي الثاني من أبعاد هذه الشخصية؛ وهو ما يسمى بـ(الحديث البوحي- الداخلي)، وفي هذا البعد الرؤيوي يبين الشاعر الجو الاصطراعي الداخلي المحتدم الذي انطوت عليه هذه الشخصية، بين نيران الشهوة واصطهاجها، والواجب الديني المقدس الذي يمنعه من قضاء شهوته، والاستجابة لغليانها الداخلي، فيهرب، وتتبعه سياط الشهوة، وتنهشه من كل جانب، وهذا ما دلل عليه في قوله: (ويعدو ورائي نباحُ الدماء المخيف)، أما القميص الثالث الموسوم بـ(قميص الرؤية)، فإنه يشكل البعد الرؤيوي الثالث من أبعاد هذه الشخصية، وفيه يعيد الأمور إلى نصابها ليحدد أن هذا القميص هو القميص الذي شمه يعقوب حين أبصر، لأن فيه ريح يوسف، وشذا عطره الطفولي النقي، ومن ثم جاءت القصيدة بعناوينها الفرعية لتحدد مرتكزات الرؤية الجوهرية التي شكلت محرق رؤيتها، ومحور ارتكازها الفني، وهذا دليل:"أن العنوان قد يكون في معظم الأحايين المفتاح الرئيس للدخول إلى عالم القصيدة؛ وبالمحصلة تحديد آليات القراءة إلى درجة أن الشاعر قد يحدد من خلال العنوان عدد مقاطعه الشعرية، بل إنه يسمي قصيدته وفقاً لعدد مقاطعها"(52).

 وفق هذا التصور، يمكن أن تكون العناوين المفاتيح الرئيسة في الكشف عن مضمرات التجربة الشعرية بكاملها من خلال تتبع العناوين الجزئية والرئيسية، وكشف أبعادها، ومؤثراتها في توجيه استراتيجية القصيدة؛ وكشف محرقها النصي.

ومن الشعراء من يركز على عناوين محددة، لتسم تجربته الشعرية كلها؛ ومن أبرز هؤلاء الشعراء (نزيه أبوعفش) الذي تكتظ قصائده بعناوين تصب معظمها في دائرة(الموت والقبر)؛ وهذه العناوين بمشتقاتها الفرعية دالة على حالة (القلق الوجودي) بما تفيض به من دلالات سوداوية قاتمة، تغلف نظرته الوجودية وإحساسه المأزوم، يقول الشاعر (نزيه أبوعفش) في قصيدة (كفن):

"وها أنا خلف مد اليأس في دوامة الموت

أعاينُ بابكِ الموصدْ. .

وخلفي ألف نافذةٍ تلحُ

تثير أحقادي ولا أهتمُّ

حسبي ليلةَ الميلاد أني دون ميلادِ"(53).

إن مؤولة(الموت) تطغى على هذه القصيدة؛ لدرجة تشكل هاجساً مرعباً- لديه- تدفعه دائماً إلى دوَّامة اليأس؛ وهذا الهاجس أضفى على دواوينه، وعناوين قصائده نوعاً من القلق، والكابوسية، حتى لا نكاد نجد قصيدة لديه من دون أن تتكرر فيها مفردة الموت أو إحدى مشتقاتها الدالة عليها ، كما في الدوال اللغوية المشتقة التالية:( كفن- نعش- ميت-قبر-لحد- حداد-غراب –جثة-شبح أسود. . إلخ) ؛ ولا نبالغ في قولنا: إن هذه المفردة تتكرر في قصائده مرات ومرات كما في قوله:

"انبشوا. . هيا انبشوا في مقابر أجدادكم أيها المغفلون

مهما تعذبتم لن تجدوا غير الخيبة وعظام الأموات"(54).

 فالموت- عند العفش- يشكل هاجساً وجودياً يدفعه دائماً إلى تكرار لفظة الموت، ومشتقاتها للتدليل على حالة القلق الوجودي والتأزم الداخلي التي تعتصره من الداخل، من خلجات نفسه المتوجسة الحائرة. وكأن الموت هو خياله الآخر الذي يقوده إلى هاوية الوحشة وانتظار المصير.

 ومن الشعراء من كانت عناوينه بؤرة تمفصل رؤيته الشعرية وتكثيفها إيحائياً؛ وأبرز ما ندلل عليه في هذا الجانب تجربة الشاعر الفلسطيني(عز الدين المناصرة)؛ إذ نلحظ طغيان لفظة النفي أو (المنفى) على عناوين قصائده ، ومتونها الشعرية كلها دون تحديد؛ ومثالنا على ذلك قصيدته الموسومة ب( تقبل التعازي في أي منفى)، إذ يقول فيها:

" ألا من رأى وجه كنعان، في أي منفى، نقيم العزاء؟!!

نقيم العزاء على التل، في النهر، في جبلٍ من رجوعْ. . .

نقيمُ العزاء أمام سرادق هذا البقيعْ

وفي أي منفى نقيمُ العزاءْ"(55).

إن هاجس الموت في (المنفى) يراود الشاعر عز الدين المناصرة؛ ويشكل هاجسه المرعب؛ فالموت اتخذ عنده شكل المنفى، ليكون الموت معادلاً للمنفى، والمنفى معادلاً للموت؛ ومن يطلع على عناوين قصائده، ومتونها يلحظ تمثل هذا الهاجس في جل قصائده؛ وللتدليل على ذلك نأخذ قصيدته: (رسائل متبادلة بيني وبين الموت) كدليل على هذا التأزم الداخلي، والقلق الوجودي؛ كما في قوله:

"كاتبتُ الموتَ، وكاتبني قربَ الينبوع

عانقتُ الموتَ، وعانقني هذا الأسبوعْ

قاتلتُ الموتَ وقاتلني هذا الأسبوعْ

. . . . . . . .

وأخيراً

يا موتُ ألا تتركْ أهلي

يا موتُ، ألا تتركْ أهلي

يا موتُ، ألا فاتركْ أهلي"(56)   

فالشاعر يرهب الموت أن يأتيه أو يأتي أهله خاصة، وهو في (المنفى)، متسائلاً(في أي منفى نقيمُ العزاء)؛ وفي هذا التساؤل المرير نتحسس رجع جراح الشاعر ومعاناته، وصدى انكساراته وزفراته؛ إذ إن أقسى ما يعانيه المغترب أو المنفي من جراح وآلام أن يُدفَن خارج حدود الوطن، ويبقى غريباً منسياً كأي شيء لا قيمة له.

ومن الشعراء من شكلت العناوين لديه مفتاح الكشف عن تجربته؛ ومن أبرزهم الشاعر فايز خضور، الذي جعل من مفردة (السفر) دليلاً مرجعياً على ترحاله، واغترابه، وسفره الدائم لدرجة أنه عنون مراحله الشعرية بما أسماه:) فاتحة الأسفار الأولى- فاتحة الأسفار الثانية- فاتحة الأسفار الثالثة- ملحق لسفر الجامعة- محطات من رحلة لا تنتهي)؛ لتشكل مرتكزات الديوان؛ بل مرتكزات حياة الشاعر العاصفة بالتحولات والتطورات والتغيرات المستمرة؛ ففي قصيدته الموسومة ب(آداد) تتسع دائرة الاغتراب؛ وتتكرر لفظة:( السفر= يسافر= مسافر)مرات عديدة في مقاطعها؛ دليلاً على اغترابه، واحتراقه المستمر؛ وقد نلحظ ان مفردة"الزمان" و"المكان" إيذاناً بتحجر الزمن وانكماشه إثر قلقه، وإحساسه الوجودي المصطرع؛ إذ يقول:

"آدادْ

زمنٌ تحجَّرَ

لا راهبٌ يعطيكَ مغفرةً. . ولا شيخٌ يطارحكَ الأمانْ

أتراكَ تحلمُ بالمسرَّة. . ؟!!"(57).

إن الحبل السري الذي يربط العناوين بالمتن الشعري يحقق لقصائد الخضور تلاحمها وتضافرها الفني، فلا يأتي العنوان لديه إشارة عابرة، أو توقيعة ناشزة لا علاقة لها بالمتن؛ وإنما تأتي متون قصائده ترسيمة دقيقة لما تختزنه في باطنها من دلالات وإيحاءات؛ وإننا نلحظ في المقطع الشعري كيف أن الدلالة الزمكانية تتمخض عن قلق وتوتر وانكسار وجودي؛ وكأن الزمن يجري بطيئاً جامداً؛ كما هو طابع المكان المتحجر الذي يأتي جامداً لا حراك فيه؛ وهذا يعني أن زمن القصيدة زمن مغلق مقيد كما هو زمنه الوجودي القلق المعطل؛ ومن هذا المنطلق يمكن اعتبار العناوين بمثابة الكود الكاشف عن جوهر القصيدة ومحور ارتكازها الفني والدلالي؛ إذ إن"العنوان ليس عنصراً زائداً، أو موضوعاً بطريقة غير قصدية"(58).

ولو تأملنا- بشكل تفصيلي- مداليل العناوين – عند شعراء الحداثة بين العناوين المفردة، والعناوين المركبة، والعناوين البنائية التي تشكل جملاً متكاملة؛ لتبدى لنا غلبة العناوين المفردة على المركبة عند جل الشعراء، خاصة شعراء الحداثة(شعراء التسعينيات من القرن الماضي) الذين حاولوا الاستغناء عن العناوين المركبة، رغبة في ترك القصيدة تفيض بمعناها بعيداً عن أي توقيع، أو أي تعقيد؛ مسبق للقصيدة، بعنوان فج أو ناشز؛ وهذا بالطبع لا ينطبق عليهم جميعاً؛ فقد نجد عند عدد لا بأس به من شعراء الحداثة ما هو أشبه بالأحاجي العنوانية؛ خاصة شعراء العراق ولبنان الشقيق؛ إذ نجدهم في الغالب مهووسين بالعناوين الصادمة، التي تشي بالتوتر والقلق، وإثارة الجدل، سواء على صعيد العلاقات الوصفية(الصفة/ الموصوف)أو الإضافية( المضاف/والمضاف إليه)، وهذا ما لا يمكن الإلمام به في هذه الرقعة البحثية الضيقة.

. ونصل بعد هذه التعريجة البحثية إلى النتائج التالية:    

1-     إن غالبية شعراء الحداثة يفضلون العناوين البسيطة على المركبة، ولا يحاولون الإغراق بالعناوين المطولة أو الممطوطة، لئلا تلقي بجهامتها وثقلها على القارئ. وهذا ما أكده الشاعر عبد الكريم الناعم:(أنا لستُ من محبي الصدمة والإبهار والتعقيد والتكلف للإيحاء بأنني أجلسُ في شرفة أعلى، لأنني أهتم بإيصال المشاعر؛ وتقديم ما يندي الروح، أو يرحل بها إلى مناطق ارتياد الشعر، وأنا بطبعي لستُ استعراضياً، وتلك العناوين البسيطة تحمل شيئاً من شخصيتي، وهذا ذاته يمكن قراءته في نصوصي الشعرية، في الصورة ، كما في التركيب، كما في القول الشعري، وتلك علامة فارقة بين شاعر وآخر)(59).

2-     إن ثمة التصاقاً- لدى شعراء الحداثة- بالعناوين البيئية التي تربط الشاعر بالطبيعة أو بعناصرها الحية وظلالها المرئية واللامرئية؛ وهذا أكثر ما ينطبق على الشعراء الريفيين أو الشعراء ذوي منشأ بيئي. ك(شوقي بزيع- جوزف حرب- محمد عمران- عبد الكريم الناعم) آخرين.

3-     إن دراسة العنوان وتأثيره على بنية القصيدة المعاصرة لهو بحث جمالي جد هام وضروري في الكشف النصي، لهذا يمكن أن يكون العنوان مفتاح القصيدة على الصعيدين الفني والدلالي، وهذا يتطلب اعتماد المنهج الإحصائي للخلوص بنتائج موضوعية دقيقة، وينبغي كذلك البحث في اثر العناوين وانعكاساتها على فنية القصائد، وهذا الأمر يقتضي مزيداً من البحث والتنقيب، قد يطول بنا المقام في هذه الرقعة البحثية الضيقة نترك لغيرنا من النقاد والباحثين الخوض فيه؛ للخلوص بنتائج دقيقة أكثر عمقاً وموضوعية مما وصلنا إليه.

وبعد، فإن إثارة المستوى الدلالي عند شعراء الحداثة لبحث جد هام وضروري في الكشف عن مضمرات المتن الشعري، وما يمكن أن يثيره هذا المتن من رؤى ودلالات؛ تنفتح على كل ما يتعلق بشخصية المبدع من قريب أو بعيد؛ فالمبدع فيض مما يقول، وفيض مما يكتب، وهذا لا يمكن كشفه دون تفكيك القول الشعري وكشف مضمراته على المستوى الدلالي.

 

الحواشي:
 (1)        شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، (حداثة السؤال أم سؤال الحداثة؟!)، دار الأمل الجديدة، دمشق، ط1، ص437.

(2)         الشنطي، محمد صالح، 2006- أثر الموقف الفكري في جماليات القصيدة عند حمزة شحاتة، مجلة علامات في النقد، ج60، مج15، ص554.

(3)         إبراهيم، زكريا، 1968- دراسات في الفلسفة المعاصرة، مكتبة مصر، ط1، ص155. وانظر: جمال الدين، حافظ محمد، 2004-شعرية المكان والزمان، مجلة علامات، ج52، م13، ص52.

(4)         موندريان، بيت، 1945- الفن التشكيلي والفن التشكيلي المحض من وثائق الفن الحديث، نيويورك نقلاً من حسين، قصي، 1998- تشظي السكون في العمل الفني، ص212.

(5)         شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص129-130.

(6)         المصدر نفسه، ص266.

(7)         المصدر نفسه، ص265-266.

(8)         المصدر نفسه، ص154.

(9)         المصدر نفسه، ص154.

(10)       المصدر نفسه، ص156.

(11)       أبو عفش، نزيه، 2003- الأعمال الشعرية، دار المدى، دار المدى، ط1، ج2/ ص300-301.

(12)       عدوان، ممدوح، 2005-الأعمال الشعرية الكاملة؛ دار المدى، دمشق، ط1، ج2/ص420.

(13)       الجندي، علي، 1969- الحمى الترابية، المكتب التجاري للطباعة والنشر، بيروت، ط1، ص97.

(14)       شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص412.

(15)       المصدر نفسه، ص84-85.

(16)       خضور، فايز، 2003- ديوان فايز خضور، وزارة الثقافة، دمشق، ص397.

(17)       شرتح، عصام، 2011- مسارات الإبداع الشعري(دراسة نصية في شعر حميد سعيد)، دار الينابيع، دمشق، ط1، ص257-258.

(18)       سعيد، حميد، 2005- من وردة الكتابة إلى غابة الرماد، دار أزمنة، الأردن، ط1، ص42.

(19)       المصدر نفسه، ص43.

(20)       االدين، حافظ، محمد جمال، 2004-شعرية المكان والزمان، مجلة علامات ج52، م13، ص57.

(21)       شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص73.

(22)       المصدر نفسه، ص160.

(23)       لوتمان، يوري، 1986- مشكلة العمل الفني، تر: سيزا قاسم ، مجلة( الف) التي تصدر عن الجامعة الأمريكية بالقاهرة، ع6، ربيع العام ذاته(الخاص بجماليات المكان) ص83.

نقلاً: من الدين، حافظ محمد جمال- شعرية المكان والزمان، ص61-62.

(24)       شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص425.

(25)       المصدر نفسه، ص425.

(26)       بزيع، شوقي، 2005- الأعمال الشعرية، ج2/ ص566.

(27)       المصدر نفسه، ج2/ ص567-568.

(28)       عدوان، ممدوح، 2005- الأعمال الشعرية الكاملة، ج2/ص450.

(29)       حرب، جوزف، 2007- في رخام الماء، دار رياض الريس للكتب، بيروت، بيروت، ط1، ص93-94.

(30)       سعيد ، حميد، 2005-من وردة الكتابة إلى غابة الرماد، ص79-80.

(31)       العلاق، علي جعفر، 2004- ممالك ضائعة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، ط2، ص84.

(32)       شرتح، عصام، 2011- مسارات الإبداع الشعري(دراسة نصية في شعرحميد سعيد)، ص251.

(33)       لحود، إلياس، 2007- أيقونات توت العليق، دار الفارابي، بيروت، لبنان، ط1، ص94.

(34)       المناصرة، عز الدين، 2006- الأعمال الشعرية، ج1/ص318.

(35)       المصدر نفسه، ص319.

(36)       برتليمي، جان، 1970- بحث في علم الجمال، دار نهضة مصر، ط1، ص243.

(37)       المرجع نفسه، ص243.

(38)       عساف، عبد الله، اللوحة التشكيلية، واثرها في الصورة الفنية في شعر الحداثة، مجلة الوحدة، ع82-83. نقلاً من: ترمانيني، خلود، 2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص345.

(39)       بزيع، شوقي، 2005- الأعمال الشعرية، ج2/ص596-597.

(40)       شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص446.

(41)       المناصرة، عز الدين، 2005- الأعمال الشعرية، ج2/ص190-191.

(42)       ترمانيني، خلود، 2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص347.

(43)       حرب، جوزف، 2007- في رخام الماء، ص66-67.

(44)       ترمانيني، خلود، 2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص350.

(45)       يحياوي، رشيد، 1998- الشعر العربي الحديث- دراسة في المنجز النصي، أفريقيا الشرق، الدار البيضاء، ط1، ص115. نقلاً من: عبيد، محمد صابر، 2007- صوت الشاعر الحديث، اتحاد الكتاب العرب، دمشق، ص226.

(46)       الغذامي، عبد الله، 1992- ثقافة الأسئلة(مقالات في النقد والنظرية، دار سعاد الصباح، ط2، ص48. نقلاً من ترمانيني، خلود، 2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص227.

(47)       ترمانيني، خلود، 2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص227.

(48)       شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص435.

(49)       المصدر نفسه، ص436.

(50)       المصدر نفسه، ص448.

(51)       بزيع، شوقي، 2005- الأعمال الشعرية؛ ج2/ص508-509.

(52)       ترمانيني، خلود، 2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص231.

(53)       أبو عفش، نزيه، 2003- الأعمال الشعرية، ج1/ص468.

(54)       المصدر نفسه، ج2/ ص349.

(55)       المناصرة، عز الدين، 2006- الأعمال الشعرية، دار مجدلاوي، الأردن، ج1/ص417.

(56)       المصدر نفسه، ج1/ ص380- 382.

(57)       خضور، فايز، 2003- الأعمال الشعرية، ص341.

(58)       ترمانيني، خلود، 2004- الإيقاع اللغوي في الشعر العربي الحديث، ص226.

(59)       شرتح، عصام، 2012- ملفات حوارية في الحداثة الشعرية، ص135.