من فعل طبيعي بسيط تبني الكاتبة العراقية المرموقة ناهده جابر جاسم إشكالية معقدة تكشف طهرانية الموقف الثوري وتزمته، بحيث يتماهى الثائر مع صرامة القيم الاجتماعية العراقية المتخلفة وأعرافها الكابحة الصارمة مكرساً قيم هم نفسهم يسعون لتغييرها بما يتناسب مع سعادة الفرد. فيتحول الثوار بدورهم من دعاة بناء حياة جديدة إلى حراس حياة قديمة، من خلال الموقف من ضحكة رفيقة لهم تركت كل شيء خلفها، وعملت سراً وحملت السلاح من أجل حلم جماعي بمدينة فاضلة.

الضحك

ناهدة جابر جاسم

الضحك؟ هل الضحك تهمة؟!.

أقصد الضحك الحقيقي الذي يتجاوز المزاح والسخرية والسخافة. الضحك باعتباره متعة عظيمة وعارمة بل كل المتعة.
كنتُ مُولعةً بلعبة الضحك. ومنذ طفولتي وأبي يميزني من دون أخواتي الأربع من ضحكتي. حينما أضحك أشعر أنني املك الأرض بسمائها وبحارها وكائناتها. أذكر مرة كنت جالسة مع بنات جيراني على سطح دارنا، قرب برج طيور أبي وتنور أمي الملاصق للسياج بثقوبه العشرة المطلة على الشارع. ولأنني لم يكن لي أخا أكبر مني فأهل بنات جيراني كانوا مطمئنين. لا حب ولا عشق ولا خزعبلات، لا خوف على بناتهم، صار بيتنا عشاً للبنات، كنَّ من عوائلٍ كادحةٍ ،أحداهنَ كانت أسمها "سعدية". أبوها حارس ليلي وأمها بائعة خضرة في السوق. "سعدية" كانت تجيد النكتة والتمثيل. مَثلَتْ لنا مشهداً لإسماعيل ياسين الكوميدي المصري الشهير من فيلم (إسماعيل ياسين في الجيش) حينما يصطحبه عسكري أخر إلى الحمام. طلبت مني أن أجلب لها فانيلة وسروالا داخليا من ملابس أبي. ارتدتهما، وعملت مكياجاً مستخدمةً قطعة من الفحم لتكبير شفتيها ووضعتْ قطعة إسفنجية بين الشفة السفلى والأسنان، وبدأت تصيح

- ألحقوني يا ناس حَ ينظفوني…

صرخ به العسكري:

 - اسكت وادخل الحمام…

وإسماعيل يصرخ:

- أصلي أنا عمري مادخلتش حمام!.

 كانت تُمَثل ونحن غارقات في الضحك والسعادة ببراءة مشاعر تجمعنا.
حينما زرت العراق في نهاية عام 2003 وبعد فراق دام أكثر من أربعة وعشرين عاماً سألت عنها، فأخبرتني أمي أنها أعدمت مع زوجها عقب انتفاضة آذار 1991 تاركةً سبعة أطفال، ثلاثة منهم معاقين، وجريمتها توزع الماء على المنتفضين. أرمدني مصيرها الفاجع وجعلت أبكي بصمت حينما خلوتُ إلى نفسي.

* *  *             
كانت ضحكتي صاخبة، فريدة النبرة تبدأ خفيفة ثم تتصاعد بسرعة هائلة لتبلغ ذروتها فأكاد أتلاشى فرط البهجة.
كان الوقت غروباً والشمس تنحدر نحو حضن الفرات حينما سمعتُ أبي يسأل أمي حال عودته من العمل:
 -
وين نهودة؟
سمعتُ أمي تجيب:
 - على السطح مع أخواتها وبنات الجيران
ناداني بعلو صوته:
- بويه نهوده أش لون ضحكة تردْ القلب بس لو تنصيها، عالية وتوصل لرأس الشارع.
أجبته بضحكة أعلى وقلت:
-
عرفت ضحكتي بويه كلنا كنا نضحك!.
كنتُ أراه من حافة سياج السطح المشرف على باحة البيت الداخلية، أجابني ضاحكاً
 - بويه حبيبتي أكدر أميز ضحكتك من بين العشرات
كان مبتهجاً يرفع ناظريه نحوي وأنا أعاود ضحكي بكل القلب.
* * *
لم أكن أضحك ضحكتي المميزة على ما ترويه زميلاتي وجاراتي من نكات وطرائف فحسب، بل كنت أحاول خلق الضحك خلقاً. فكنت أقترح على صديقاتي المقربات في المدرسة إقامة حلقة ضحك، فننزوي في طرف الساحة البعيد لصق جدار المدرسة العالي المظاهر لمحلة أهل الشط وهم قوم هاجروا من أرياف مدينة الكوت بعد أن جف نهر قريتهم، ولبناية رعاية الأيتام. وأقول لهنَّ لنبدأ. فتضحك واحدة منا ضحكة مصطنعة فتقلدها الجالسة بجانبها ثم الأخرى وتدور الحلقة. نضحك ونضحك حتى يحلّ الضحك الحقيقي فيجرفنا بسيله، فتضج الساحة بضحكنا، حتى أن التلميذات يتجمعن حولنا، ينظرن بدهشة أول الأمر، ثم سرعان ما يجرفهنَّ منحدر الضحك العاصف، فيبدو منظرنا طريفاً وكأننا في مهرجان ضحك. ضحكات تنطلق من القلب، متدافعة، متزاحمة، صاخبة، عنيفة كعنفوان صبانا وأحلامنا بالحرية والمساواة في مدينة فاضلة.
* * *

في الأربع سنوات الأخيرة، قبل التحاقي بصفوف الأنصار الشيوعيين، خفتت ضحكتي، وصارت نادرة وأنا أخوض غمار العمل السري، مجازفةً في فقد كل شيء أبني وظيفتي أهلي وحياتي كذلك، حتى أنني نسيت خفة دمي والطرق التي كنتُ أتفنن بها كي أجلب الضحك لي وللقريبين مني، وحينما يأتي أحيانا بغتة، فأضحك بصخب أقطعها متخيلةً لحظة القبض عليّ. تفاقم وضعي حتى أن الضحك مات حينما سمعتُ بإلقاء القبض على رفيقي -جميل مكط- الذي كان حلقة الوصل بين التنظيم الذي أقوده وتنظيمهم الذي أنكشف. صرت أتوقع القبض علي في أية لحظة، وكذلك زوجي الجندي في جبهة البصرة. وحينما نجحنا في الوصول إلى الثوار، وحللنا في فصيل المكتب السياسي شعرت بالأمان وسط رفاقي وقرب رفيق عمري، فانطلقت روحي الحبيسة وعادت ضحكتي مجلجلة أكثر صخباً وعنفاً.
كنت أظن أنني تخلصت من ضغط هاجس الاعتقال والقيم والأعراف الاجتماعية القاسية، وحولي مجتمع مثالي، مثقفين مؤمنين بفكر واحد يبغي تحرر الإنسان و المرأة. كنتُ أضحك من القلبِ على نكات الرفاق وقصص الأنصار ومفارقات الحياة.
لكن في اجتماع حزبي وكنا نجلس خمسة رفيقات ورفاق فاجأني مسئول الخلية رفيقي "أبو الجاسم" في أخر فقرة في الاجتماع يعني بالمتفرقات:
-
رفيقة بهار عليك شكوى من رفيق!.
استغربت. لم أفعل أي شيء. وفي لحظات فكرتُ في مسار يومي. فلم أجد أي فعلٍ يستدعي من احدٍ شكواي. انتظرت كي يكمل لاستبين الأمر. كان يتلكأ في القول وجعل يتلفت إلى عمق الوادي. كنا نجلس بعيدا عن غرف المقر الحجرية على صخور مرتبة كالمقاعد محاطين بسفحي جبل متين الشاهقين، ويصلنا ضجيج مجرى نهر "الزاب" الهادر في عمق الوادي.
لزمت الصمت أنتظر. حرك يديه ونطق متعثراً:
-
رفيق "علي" يقول تكلموا معها كي تخفف من ضحكتها التي تثير الرفاق.
رددت على الفور:
-
 معقولة هذا الكلام رفيق.. معقولة!.
نهضت مغادرة الاجتماع وأنا أغلي غضباً على كل مَن حولي
أسكبتُ الدمع غزيراً وبصمت،وشعرت بحزنٍ عميق وصدمة من رفاقي المناضلين  لتحقيق وطن حر وشعب سعيد، لكنهم يريدون حضر ضحكتي عليّ. تماديت في الشرود رائيةً وجه أبي وزوجي المستغرقين بالضحك كلما انفجرت بضحكي. أصبحت وجلة في الأيام التالية أحبس ضحكتي وأتلفت كلما انفلتت بعفوية لموقفٍ ما أو نكتة إلى أن تشردنا عقب حملة الأنفال في دول الجوار، فرجعتْ إلي بكل زخم صخبها بعد أن تحررت من جو الثوار  الحزب وعلاقاته الخانقة.
عاشقة للضحك منذ طفولتي وصباي وشبابي …. ضحكتي التي كان يميزها أبي لصخبها الفريد.
وبقيت ضحكتي مصحوبة بوجه أبي وهو يعلق فيما أنا مستغرقة بالضحك:

- بوية نهودة اضحكي.

أنا وأنت لا نملك سوى الضحك على الدنيا والأيام!
أضحكي يا ابنتي  وأبقي على فطرتك.

تشرين الثاني 2015