يكثف القاص العراقي في نصه الحنين إلى الماضي وذلك الزمن العراقي البرئ حينما هدأ المجتمع العراقي قليلا ليلقط أنفاسه قبل الحروب والدكتاتورية راصدا من خلال حدث يومي وتجربة حسية شدة تعلق الناس فيما بعضهم وتداخل الجيران وكأنهم عائلة واحدة في نص يزخر بالعاطفة والأسف على تشتت العراقيين في الغربة والحروب وغياب ذلك التكافل.

غربة

علي صالح جيكور

 

أعرف أن الارض كروية، وتدور حول نفسها، وانها ضمن مجموعة كواكب تدور حول الشمس

وأعرف أيضاً أن الجانب المواجه للشمس ينعم أهله بضياء النهار وألقه وأشعة شمسه الدافئة، والجانب الأخر معتم وباردة.

لكني لم أكن أعلم ولم أتخيل يوماً، بأننا سنتناثر في هذه الأصقاع النائية، ونتأرجح بين النور والظلام، يعيش بعضنا في الصيف والآخر في الشتاء والخريف والربيع في ذات اللحظة، أن نكون بعيدين عن بيوتنا وأهلنا، عن وطننا، أن لايجمعنا فصلٌ واحد، ولحظة واحدة تعلن إشراقة عام جديد علينا كلنا

هل تعرفون معنى الغربة؟

سأحكي لكم شيئاً عن مرارة هذه الكلمة التي لا يعرف لوعتها إلا من عاشها؛ تَجمعَّ الناس في الزقاق الصغير في قطاع 47 بمدينة الثورة الدافئة، حول الشاحنة التي حملت أغراضنا نهاية سبعينيات القرن الماضي، للإنتقال الى منطقة شارع فلسطين في الضفة الثانية لقناة الجيش. كانت النساء تبكي، تعلقن بثياب أمي التي راحت هي الأخرى تولول وتنشج وتشير بيدها الى أبي مُحملة إياه تبعة هذه المصيبة..

أما الرجال فقد تحلقوا حول أبي صامتين، تجمعت في عيونهم سحابات الحزن، يدخنون بكآبة وقد ألقى الحزن بظلاله على قسماتهم المتجهمة، ينتظرون إشارة منه للعدول عن الأنتقال، وعدوه أنهم مستعدون لأي مساعدة، وإعادة النقود للمشتري الجديد غصباً عنه !.

عمتي مريم كانت أكثر الناس حزناً، تبكي بحرقة وتنوح والشيلة تغطي نصف وجهها، وتنشج بصوت مسموع : (ولكم وين راحين بهل الغربة؟؟، وين تخلوني وتمشون، إمنين أجتني ودولبتني؟؟)

الغربة ياعمتي الحبيبة، ويا أهل زقاقنا الطيبين؟؟ بضعة كيلومترات هي الغربة؟؟ الضفة الثانية لقناة الجيش هي الغربة؟.

ليس بوسع تلك القلوب النقية تَحَمُل البعد والفراق، لو قُيض لهم أن يعيشوا في بيت واحد لما توانوا عن فعل ذلك، الأشياء تفقد معناها وعبقها لديهم، إن هُم تباعدوا..!!

حميمية ودفء ذلك المكان وأهله مازالت تبكيني إلى هذه اللحظة، وأنا أكتب في فجر هذا العام الجديد، أجلس الى نافذة كبيرة، أحدق في غبش الصباح الرمادي الكئيب، تنهش قلبي ذكريات ماضية من طفولتي، ترتسم أمام عيني الآن، لحظة إنبلاج الفجر هناك، تصدح أصوات الديكة، صخب العصافير، ضجيج المآذن المحبب، إصطفاق الأبواب ودبيب الناس المتوجهين الى الأفران والمساجد، ترتفع الشمس بجدائلها القمحية، فيرتفع صوت (بدرية) وهي تحمل على رأسها صينية تتراقص فوقها قدور الحليب والقيمر، تُسجَر التناتير، تفوح منها رائحة الخبز، يشعل أبي سيكارته الأولى وهو يسعل ينادي على إستكان الشاي، تدور أمي بين المطبخ والغرفتين الصغيرتين التي أحتوتنا، متناثرين على أرضيتهما، مشتركين بأغطية ووسائد وأنفاس دافئة.

ذكريات أخشى أن تبهت أو تنطفيء كلما تقادم العمر، وطالت سنوات الغربة، لحظات حميمية تجسد معنى الأرتباط بالمكان والأشياء التي كانت تحيط بنا، مازالت عالقة في الذاكرة، والوعي، الأصوات، الرائحة، الظلال، ها أنا الآن أكتب وأتبسم بحسرة، أولادي وزوجتي في الطابق الأعلى، ياسمين في غرفة، وحسون في غرفة، لاأعرف لِمَ أشعر بأنهم محرومين من دفء الاشتراك في غطاء واحد أو وسادة واحدة، وأنفاس دافئة؟؟

لكني كلما أطَلُّ على غرفهم، وأرى لُعبهم وحقائبهم وأغطيتهم الدافئة، أهرب خجلا وخوفاً وحزناً، لما يلاقيه أطفال وطني اليوم..

أطفال وطني يعيشون بلا فرح لايعرفون البسمة، ولا الطفولة، لا لُعَبَ ولا هدايا ولامدارس، ولارياض أطفال، منهكون من سعي النهار بحثاً عن رغيف خبز على الأرصفة وتقاطع الاشارات المرورية..

ضاع الوطن، تفرق الزقاق وأهالي المدينة، مات من مات، وهاجر من هاجر، وظل من يعيش غربة داخل غربة، لم يعد هناك من يتشبث بثياب جاره ويبكي بُعده، أويثنيه عن الرحيل. !!