يكتب محرر (الكلمة) هنا عن هذا الكتاب الجديد، وكيف تتضافر فيه خيوط التاريخ الإنساني مع التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي، وكيف يتبدى عبره المسكوت عنه في الواقع المصري، وهو يكتب ما جرى لمصر من خلال روايته لمسيرة حياة تلك «المولودة» في مفترق الطرق والمراحل والروافد الاجتماعية والفكرية معا.

وإذا »المولودة» سُئلت، بأي ذنب؟

صبري حافظ

 

طوال قراءتي لهذا الكتاب الجميل (المولودة: رواية نائلة كامل المولودة ماري إيلي روزينتال، القاهرة، الكرمة، 2018) لنادية كامل، كان يتردد في داخلي مع كل ضربة من الضربات الكثيرة والقاسية التي تتعرض لها طوال مسيرة حياتها، سؤال الآية الكريمة الاستنكاري «وإذا الموءُودة سئلت، بأي ذنب قُتلت» (سورة التكوير،8) ولكن بالصيغة المفتوحة التي ينبثق معها كل مرة فعل جديد! بأي ذنب تتلقى كل هذه الضربات المصمية أحيانا، والمجانية دائما؟ ولماذا هذا التضييق عليها والتنكيل المستمر بها؟ وبأي ذنب تعاني الراوية في السجن، وفي الحياة معا؟ أهو حبها لمصر التي آثرت البقاء على أرضها والتزامها بقضاياها؟ أم تراها قيم الحق والعدل وغيرها من القضايا النبيلة التي آمنت بها ودافعت عنها؟ ولماذا هذا الغباء الذي يسعى لتبديد كل ما هو جميل ونبيل في مصر؟ أسئلة عديدة تنبثق عند كل منعرج من منعرجات هذه الحياة الثرية الخصبة.

لكن ما كان يمنع هذه الأسئلة من أن تصيبني بالغم والكدر، في هذا الزمن الردئ الذي تتنامى فيه دواعي الإحباط والاكتئاب، هو أن الكتاب يطرح في مواجهتها تلك القدرة الإنسانية على امتصاص الضربات ومقاومتها. والأهم من ذلك على النهوض بعدها ببراءة وعفوية، ودون ضغينة للاستمرار في الطريق.(1) وكأن مسيرة تلك الحياة الناصعة الجميلة في بساطتها وجلدها ترفدها بثقة في إنسانية الإنسان، وفي أنه لا يصح إلا الصحيح في مواجهة التردي والهوان! وبرهان على مقولة همنجواي الشهيرة «من الممكن سحق الإنسان، ولكن هزيمته غير ممكنة». لأنه برغم تعاقب الضربات وتلاحقها، ظلت «ماري/ نائلة» المناضلة المؤمنة بمسؤولية الإنسان عن مواقفه، وبقدرته على التصدي لكل ما هو خطأ من حوله منذ كانت في السادسة عشرة من عمرها، تتسم بصلابة نادرة يمكن دعوتها بالصلابة العفوية الهشة التي تستعصي برغم هشاشتها على ما يحيط بها من انكسارات.

بل إن الحكاية نفسها في سلاستها وتدفقها تشكل هي الأخرى ردها على ما يعج به الواقع من غباء وسلبيات؛ لأنها وقد انشغلت بدوافع كل حكاية وسياقاتها، تنطوي على قدرتها الخاصة على الاستمرار الناجم عن الوعي بصيرورة الحياة، وبما تتطلبه من اختيارات صعبة في بعض الأحيان. وهي اختيارات يبدو بعضها الآن، من خلال استراتيجيات تجاور الحكايات والسياقات عبر السرد المستعاد، وقد مر عبر مرشح الذاكرة وهدهدة الزمن وهو ترياق الأوجاع، وكأنه من أهم وثائق تاريخنا الاجتماعي والإنساني في السبعين عاما التي عاشتها صاحبة تلك السيرة. لأن نادية كامل تكتب، تحت سطح تدفق قصة الأم وعرامتها، قصة الأب في الوقت نفسه، وما تلقاه هو الآخر من ضربات متلاحقة، تلقاها بصبر وجلد ونزاهة وترفع عن التدني والصغار. أو بالأحرى قصة جيل تفانى في حب بلاده وكافح من أجل مستقبلها، وقدم لها أفضل ما لديه، ولكنه تلقى من نظم العسف العسكرية التي تلاحقت عليها الكثير من الظلم والجحود. ومع ذلك لم يدفعه هذا الظلم إلى التخلي عما يؤمن به، أو الانخراط في جوقة المثقفين الخونة الذين ينقلبون على مبادئهم من أجل ما يقدمه لهم النظام الحاكم من عطايا مسمومة.

شكل الكتابة وبنيتها:
ولأن شكل أي كتابة وبنيتها لا تقل عندي أهمية عما تطرحه من رؤى وقضايا، فإنني أود أن أبدأ بتناول شكل هذا الكتاب وبنيته. فنحن هنا بإزاء كتاب يتعامل بشكل حر مع الزمن، دون أن يتخلى كلية عن تتابعه. حيث يبدأ تمهيده بصوت الكاتبة، وبعام 2001 العام الأول في الألفية الجديدة، والذي تواقت مع بلوغ صاحبة قصته السبعين، وابنتها/ كاتبة القصة الأربعين من العمر. ويعلن عن دافع الكتابة البسيط وهو استنقاذ الحياة من براثن الضياع، لأن آفة حارتنا النسيان كما يذكرنا نجيب محفوظ. ولا ينتهي هذا التمهيد قبل أن نعرف أن صاحبة الحكاية قد ماتت، بعد أن أفرغت حمولة ذاكرة خصبة عامرة بالتجارب والحيوات في حجر ابنتها، وتركتها لها كي ترويها للحفيد الصبي، الفنار والهاجس وضابط نغمة الكلام: «نبيل على نبيل شعث»، الفلسطيني الذي تصب فيه كل الروافد التي جعلت فلسطين قبلتنا ومستقبلنا معا، كي يجد الحكاية حينما يحتاجها.(ص9)

هكذا تستهل نادية كامل هذا الكتاب الذي يكاد يكتب لنا جانبا بالغ الأهمية من قصة مصر في القرن السابق على لحظة القرار/ الكتابة تلك: لحظة بداية القرن الجديد عام 2001. ثم تمضي بعد ذلك في تقسيم الكتاب إلى ستة أقسام يوشك كل منها أن يكون كتابا قائما بذاته بتشابكاته وتداخل سياقاته، وإن تكاملت كلها في خلق هذا النسيج الذي تتضافر فيه خيوط عدد من العائلات التي تنحدر كلها من مجموعة من روافد متعددة وتتلاحم عبر زيجات مختلفة؛ يرودها الحب ويدفعها الإيمان بالقدرة على قهر العقبات لجعل المستقبل أكثر إشراقا من الحاضر. حيث يعود بنا القسم الأول إلى ثلاثينيات القرن الماضي وأربعينياته، ثم تواصل التقدم في الزمن إلى الخمسينيات في القسم الثاني، والستينيات في القسم الثالث، وصولا إلى السبعينيات في القسم الرابع، والثمانينيات في القسم الخامس. لكنها ترتد في القسم السادس والأخير، وهي تروي كثيرا مما دار في التسعينيات، إلى القرن التاسع عشر، حيث توافدت الجذور الأولى التي تفرعت عنها الأسرة من أربعة أركان الأرض. جذور أسرة راويتها «ماري/ نائلة» التي جاءت من أوديسا وإيطاليا، وجذور اسرة زوجها «سعد كامل» الذي جاءت جدته من القوقاز، وتزوجت في مصر وأنجبت أمه وأخوها فتحي رضوان الذي كان في فترة الخمسينيات وزيرا في حكومة عبدالناصر، ولكنه لم يستطع مساعدة اخته التي كانت «تتلطم» على أبواب السجون كي توصل الغذاء لابنها المحبوس دون ذنب أو جريرة، سوى حب بلده والتعبير عن أشواقه لأن يكون لها مستقبل أفضل.(2)

هكذا تتحرك نادية كامل في هذا الكتاب في الزمن، صعودا وهبوطا، بحرية سلسة، هي بنت عمل الذاكرة المراوغ في تداعياتها وترابطاتها الحميمة. وهي تكتب هذا الكتاب الفريد والجديد في ثقافتنا العربية. لذلك يصعب تصنيفه أو إدراجه في أي جنس أدبي. وإن كان أقرب ما يكون إلى جنس السيرة الذاتية، أو السيرة التأملية التي تكتب حياة، أقرب الشخصيات إلى كاتبتها، ألا وهي أمها. وتكتب وإن بطريقة غير مباشرة سيرة سنواتها هي الأخرى معها، وسيرة حرصها على معرفة جذورها وهويتها. وأهم من هذا كله ماذا تعني لها مصريتها! صحيح أن نادية كامل حرصت على أن تترك أمها تتحدث في معظم أجزاء الكتاب بضمير المتكلم، وأتاحت لها أن تشير إلى ابنتها/ كاتبة سيرتها، نادية، بضمير المخاطب مرة، وبضمير الغائب أخرى. إلا أن التداخل بين الصوتين، صوت الأم، وهي صاحبة السيرة بلانزاع، وصوت الأبنة، كاتبتها، منح النص فرادته، وأثراه بزخم شديد الخصوصية والحميمية. فغرابة اللغة وارتباكاتها وتهشماتها في بعض الأحيان، هي بنت غرابة الحكاية، أو بالأحرى خصوبتها وغناها الذي تتراكب فيه اللغات كما تتراكب الأجناس والأعراق.

ففي الكتاب برغم لغته الخاصة التي تمتزج فيها الفصحى بالعامية وببعض المفردات الأجنبية، حميمية من نوع فريد، وفرت له قوة مدهشة على شد القارئ والتأثير فيه. وفيه أيضا «خفة دم» مدهشة لا تتوانى عن السخرية من الذات، أو رواية الكثير من القصص بطريقة تهكمية تعمق من دلالاتها وتوسع أفق تلقيها. لأنه يكتب لنا حياة تتسم بالثراء والتدفق والعرامة. ولكنها تكتب معها ومن خلالها قصة مرحلة غنية في تاريخ مصر، لم تكتب من قبل بهذا القدر من الحميمية والتفاصيل. تمتد من منتصف القرن التاسع عشر، وسيولة الحركة في الدولة العثمانية المترامية الأطراف وقتها، والحاوية للكثير من الأجناس والأعراق والديانات، وحتى نهاية القرن العشرين. وتكتب على مد هذه الرقعة الزمنية الطويلة شريحة اجتماعية أو بشرية أثرت المجتمع المصري وأغنت فسيفساءه المعقدة؛ من خلال التركيز على شجرتي عائلة الأم «ماري/ نائلة» وعائلة الأب «سعد كامل» والتي تمتد جذور كل منهما بطريقتها الخاصة إلى سيولة الحركة في تلك الدولة العثمانية. وتكشف من خلال كتابة تاريخ الشجرتين عن بعض الأدواء المتأصلة في الثقافة المصرية، وعن شيء من العنصرية التي جلبتها النزعة القومية من ناحية، وضيق أفق حكم العسكر وغبائه من ناحية أخرى.

تضافر المصائر وتشابك الحيوات:
وحتى لا يبدو هذا الحكم بتمييز ديني، أو عنصرية مضمرة أو متأصلة في الثقافة المصرية صادما، دعني أبدأ بذلك التوازي الذي تعقده الحكاية في قسمها السادس بين قصة أسرة الأب «سعد كامل» وكيف جاءت جدته لأمة «منيرة رضوان» شقيقة فتحي رضوان الشهير، هي الأخرى من القوقاز. حيث يقدم لنا النص قصة الأختين «حفيظة وصفية» اللتين جاءتا على ظهر حمار من أبخازيا، بعد أن دفعهما أبوهما للسفر إليها هربا من الحرب، فـ«هربوا بجلدهم» كما يقول المثل. (ص482) ووصلتا إلى مصر وتزوجتا فيها، وأصبحت إحداهما بعدما تزوجت من عثمان رضوان جدة سعد كامل، لكن لأنهما مسلمتان وتزوجتا مسلمين، لم يتعرّض أي من أبنائهما، «منيرة وفتحي رضوان وبقية اخوتهما» لأي تساؤل عن مصريته! وتزوجت «منيرة» من كامل أحمد الذي جاء من بني سويف، وعمل في التدريس وتدرج من مدرس، إلى ناظر، مدرسة إلى مفتش حتى أصبح «كامل بك أحمد». واستقر بعد المعش في الشواشنة بالفيوم حيث اشترى 30 فدان بها، ثم باعها واشترى بثمنها 100 فدان كانت في حاجة للإصلاح في منطقة أرخص، هي سيلا!

ولأن أحد ابنائه سعد كامل وقع في غرام «ماري إيلي روزينتال» وتزوجها فقد كشفت القصة عن عنصرية الثقافة المصرية حينما يتعلق الأمر بالمختلف دينيا، في مواجهة تسامحها من الأجنبي والمماثل دينيا كما هو الحال مع «حفيظة وصفية». لأن موسى روزينتال المهاجر الآخر الذي جاء، في نفس الوقت تقريبا ولكن من أوديسا، وهي ليست بعيدة جدا عن أبخازيا، مرورا بتركيا حيث تزوج سارة التركية التي تنحدر من جذور يهودية أندلسية، أدى دينه اليهودي المختلف إلى تعرض ابنهما «إيلي» الذي ولد في مصر، برغم عدم اهتمامه بديانته، وزواجه من مسيحية إيطالية كاثوليكية، للكثير من المضايقات. وعانى وأُنكرت عليه مصريته أكثر من مرة برغم تمسكه بها، حتى أضطر إلى مغادرة البلاد. وامتد هذا الانكار لابنته «ماري» برغم ولادتها في مصر من أب مولود بها، وتمسكها بمصريتها. ألا يكشف هذا التوازي عن تمييز وعنصرية؟!

لكن دع هذا الأمر جانبا، لأنه من الإضاءات العرضية الكثيرة التي يكشف عنها هذا الكتاب الجميل. فالرواية تكتب لنا قصة التفاعل بين عائلتين تضرب جذورهما في مناطق بعيدة، بعد اوديسا عن أبخازيا، وبعد تركيا عن إيطاليا، وبعد كل تلك البلدان عن مصر، وقربها منها في الوقت نفسه. فقد كانت مصر البلد الطاردة لأهلها الآن في مراكب الموت والغرق في المتوسط، كانت في القرن التاسع عشر، بلدا جاذبا للأجانب، بلد الخير الوفير والآمان، كما تقول الراوية بالطلياني Cuccagnia على العكس من أوروبا التي كانت تدمرها الحروب. كانت سمعة مصر أنها بلد الأمن والرخاء (ص480) فماذا جرى يا ترى؟ وما هي مسؤولية العسكر، لا استثني منهم زمن عبدالناصر نفسه، عما لحق بها من تردي وهوان؟ ولماذا تبدلت المواقع الآن فعم الرخاء أوروبا وأصبحت جاذبة للمهاجرين من أبنائنا الذين انسد أمامهم الأفق، بينما تعصف الحروب ببلادنا، وتطرد أبناءها إلى قوارب الموت والدمار؟!

يوشك الكتاب في مستوى من مستويات القراءة والتأويل أن يكون جوابا على هذه الأسئلة الملحة والمقلقة. لأنه يقدم لنا من خلال تركيزه على رواية سيرة نائلة كامل المولودة ماري إيلي روزينتال مدى ما عانته تلك المرأة الجسورة الصلبة من أجل الحفاظ على القيم التي آمنت بها، ورادت كل خطوات حياتها، منذ أن كانت صبية في الخامسة عشرة من عمرها، استهوتها اجتماعات شباب «البيك» وجمعية إيطاليا الحرة التي تناضل ضد الفاشية، وتعلي قيم جاريبالدي والحرية؛ وكيف شاركت بشكل يوشك أن يكون عفويا وطبيعيا في التنظيم اليساري الذي تولد عن اتحاد تنظيم هنري كوريل حركة مصرية «ح. م.» مع تنظيم «الأيسكرا» أي «الشرارة» باللغة الروسية الذي اتخذ من عنوان جريدة لينين الشهيرة اسما لها، بزعامة هلال شورتز، لتكوين «حدتو» الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني التي كانت تنادي بتحرير مصر من نير الاستعمار الانجليزي على أسس اشتراكية. (ص75) وحتى دخلت السجن لأول مرة، لمرارة المفارقة يوم عيد ميلادها الثامن عشر في 30 مايو 1949، ولم تخرج منه إلا بعد أن ألغت حكومة الوفد الأحكام العرفية، فحوكمت وحكم عليها بعام، وخرجت يوم الحكم نفسه عام 1951، لأنها كانت قد أمضت بالسجن أكثر من مدة العقوبة المطلوبة.

بعد تجربة السجن الأول هذه، والتي كانت مدرسة أولية لها بشكل من الأشكال، زادتها إيمانا بما ناضلت من اجله؛ أدت فترة الاضطرابات التي تلت إقامة دولة الاستيطان الصهيوني، وهزيمة الجيش المصري في فلسطين، ثم إقالة حكومة الوفد عقب حريق القاهرة في 26 يناير 1952 إلى مغادرة الكثيرين من الأجانب الذين كانوا عماد هذه التنظيمات الشيوعية الأولى. وقد غادر كثير منهم مصر بسبب تضييق الشرطة المصرية عليهم من ناحية؛ وتذرعهم بضرورة النضال في صفوف مناضلي بلادهم الأصلية من ناحية أخرى. لأن الدولة المصرية أصرّت على أن تصنفهم كأجانب برغم مصرية كثيرين منهم. لكن «ماري» رفضت خيار ترك مصر إلى إيطاليا أو فرنسا كما فعل كثيرون، وتمسكت بمصريتها، فهي مولودة في مصر لأب مولود بدوره فيها، وطُلب للتنجنيد بها، ودفعت أمه «سارة روزينتال» عنه الفدية المقررة وقتها، وكانت مبلغا كبيرا بمقاييس تلك الأيام في مطالع القرن العشرين. وقد كانت وثيقة دفع الفدية وقتها، تعادل شهادة تأدية الخدمة العسكرية، وهي بدروها المعادل الرسمي للجنسية هذه الأيام، ومع ذلك عانى «إيلي» وعانت أسرته.

ولما رفضت «ماري» مغادرة مصر برغم كل الضغوط التي مارستها الشرطة ضدها وأسرتها؛ قررت الخلية التي كانت بها، وترك معظم أفرادها مصر، تسليمها لخلية مصرية كان يشرف عليها عبدالستار الطويلة، الذي كان من المحترفين الثوريين الذين يتفرغون للعمل السياسي اليساري وقتها. «ومع إن النادي الإيطالي اللي دخلته أواخر 1946 كان بداية انفتاح على حياة أوسع وأفكار سياسية وثقافية أخصب، «لكن برضو كانوا شباب ضد الفاشية بعد الحرب العالمية الثانية، ومحصورين في جانب واحد: إن الماركسية والشيوعية تتقدم في العالم. بعدهم عشت فترة شديدة السرية أيام التهرب من البوليس مع عبدالستار الطويلة، تجربة مظلمة كدا. فترة توزيع منشورات بلا مناقشات ولا متابعة للأحداث ولا إثراء فكري ثقافي. وانتهى الأمر إني رحت السجن. الحمد لله في السجن عشت نسبة إثراء فكري وثقافي. لكن لما خرجت وبعدت عن السجن، وعن جو – مش الخوف – جو الرهبة، السرية، ابتديت أكون سعيدة زي لما دخلت النادي الإيطالي. لقيت المجتمع المصري مليان تقدميين، مش بالذات شيوعيين، تقدميين قريبين من الفكر الماركسي والاشتراكيةعموما. كنت أعرف شوية عن الشعر والفن في المجتمع الفرنسي بعد الحرب العالمية الثانية، لكن ما كانش عندي فكرة إن مصر مزدهرة بالطريقة دي، شعراء وكتاب ورسامين وسياسيين، معارض واجتماعات ولقاءات. حياة ثقافية إنسانية أنا حضرت منها كثير. علاقتي بسعد اتطورت في الجو دا» (ص 139-140)

التاريخ الثقافي المضمر في النص:
وأصبحت ماري بسبب اهتماماتها الثقافية والسياسية العامة جزءا من المناخ الثقافي المفتوح، الذي تخلق في مصر طوال فترة الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي. ومن خلال هذا السياق تعرفت على سعد كامل ونشأت بينهما علاقة حب انتهت بالزواج بالرغم من كثرة العقبات التي واجهتهما. وتتشابك مسيرة حياتها مع هذا التاريخ الطويل من النضال ضد المستعمر والقصر والفساد. وهو المناخ الذي تولد فيه الزخم الثقافي الذي ميز هذه المرحلة في كثير من مجالات الأدب والفن والإبداع. وهو المناخ الذي تفتح فيه وعي الراوية وتبلورت فيه مشاعرها، وعلاقتها الحميمة مع زوجها من خلال مشاركتها في الكثير من النشاطات التي كان يقوم بها، بشكل علني مفتوح، وبعيدا عن مناخات السريّة وتوزيع المنشورات القديم. ويوشك هذا النص في مستوى آخر من مستويات قراءته أن يكون تاريخا لما أهلمه تاريخ بعض جوانب الثقافة المصرية، وخاصة في فترة أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي بل وجزء من ستينياته، ودور اليسار المصري في توسيع افقها، وإدخال العديد من الاهتمامات إلى ساحتها.

حيث نعرف منه كيف بدأ حليم طوسون معارض رسوم الأطفال في متحف الفن الحديث بمبناه الجميل الذي كان يحتل رأس المثلث الكبير الذي يبدأ قرب ميدان التحرير عند التقاء شارع قصر النيل مع شارع شامبليون. وهو المبنى الجميل الذي مازلت أذكر، وأنا اكتب هذه الكلمات زياراتي له واستماعي في مكتبته للموسيقى الكلاسيكية في بواكير الشباب، وكيف أشعر بالحزن لضياعه، فقد انهالت عليه معاول الهدم التي دمرت كل جميل في مصرنا العزيزة. وفي نفس مبنى متحف الفن الحديث هذا، والذي كان قصرا جميلا تحيط به حديقة غنّاء، وكان يضم إلى جانب لوحات الفن المصري الحديث، مكتبة موسيقية غربية ثرية، بدأ لويس عوض ما سماه بجمعية «الجرامافون» للاستماع للموسيقى الكلاسيكية وتذوقها، والدخول إلى عوالمها التي كانت لاتزال مغلقة على ذائقة المصريين.

وبموازاة هذه الجمعية كوّن يوسف حلمي «جمعية أصدقاء سيد درويش» التي كان لها فضل جمع تراثه الموسيقي والحفاظ عليه. وفي الفترة نفسها بدأ فؤاد حداد حركة شعر العامية المصرية، وطورها من العوالم التي كانت قد أخذتها إليها أعمال بيرم التونسي من قبله؛ وراد كمال عبدالحليم ترجمة أشعار إيلوار وأراجون وبابلوا نيرودا وجاك بريفير، بمساعدة «المولودة» التي كانت تفك له شفرات لغتها الفرنسية الأصلية، وتترك له صياغتها العربية، فاتحا الأبواب على لغة شعرية جديدة وصور شعرية طازجة، سرعان ما أثرت حركة الشعر الحديث في مصر والعالم العربي من ورائها.

ثم مجموعة فناني القلعة من جمال كامل ووليام اسحق حتى عبدالغني أبوالعنين وجمعية «أنصار السلام» التي كان سعد كامل هو الدينامو الفعلي المحرك لها، بينما كان البنداري باشا، الذي كان يدعى وقتها بالباشا الأحمر، لتبنيه الأفكار الاشتراكية أثناء عمله سفيرا لمصر في موسكو لسنوات، رئيسا شرفيا لهذه الحركة. وكيف نجح سعد كامل في استقطاب عدد كبير من الكتاب والفنانين للانضمام لها، وعلى رأسهم يوسف إدريس وصلاح أبوسيف وتحية كاريوكا وبهجت عثمان وحسن فؤاد. وكيف أسست سيزا نبراوي «الحركة النسائية التقدمية» التي تجاوزت رؤى هدى شعراوي وأفكارها، وكانت فيها الرسامة أنجي أفلاطون والممثلة هدى زكي وتحية كاريكا وغيرهن كثيرات.

لكن القبض على سعد كامل، والذي كان العقل المحرك لهذه المجموعات الإبداعية المختلفة، ثم الزج بالكثير من أفرادها في معتقلات عبدالناصر الرهيبة، عطل تلك الموجة الطبيعية من التقدم والازدهار والإبداع. لأن ما تكشف عنه قصة (المولودة)، أنه لا يكفي أن يكون هناك كاتبا موهوبا في الشعر أو المسرح أو الرواية، ولكن لابد أن يكون بجواره من يخلق السياق الذي تتبرعم فيه الموهبة وتزدهر. وكان سعد كامل على مايبدو هو خالق تلك السياقات الضرورية. بسبب تاريخه الطويل في العمل العام قبل استيلاء الضباط على الحكم. ولم تبدأ هذه الحركة الثقافية التي فعّلها سعد كامل عبر حركة (نصار السلام) فحسب، ولكنها تبلورت عبر عمله في الثقافة الجماهيرية بعد ذلك، مما أدى إلى أزدهار تلك المبادرة الثقافية مرة أخرى بعد الإفراج عنهم في منتصف الستينيات. لتتدفق مواهبهم من جديد في المسرح خاصة، مثل ألفريد فرج (حلاق بغداد) و(سليمان الحلبي) ويوسف إدريس (جمهورية فرحات) و(الفرافير)، والأوبريت الغنائي: حسن فؤاد (الشاطر حسن) وصلاح جاهين (الليلة الكبيرة) وغيرها من المجالات.

وبعد الإفراج عن سعد كامل عام 1959، وكان قد تعرف قبلها على ثروت عكاشة من خلال أخيه الطبيب النفسي أحمد عكاشة، بدأ يستخدمه ثروت عكاشة على حذر كمستشار لوزارة الثقافة، يجدد الدماء الراكدة فيها. فنهض بمجلة (نهضة أفريقيا) ثم بالجريدة السينمائية. ثم قام بتنظيم رحلة للمثقفين للنوبة لرسمها وتسجيل معالم الحياة فيها على غرار (وصف مصر) قبل أن تغرق في بحيرة السد العالي الذي كان يشيّد وقتها. لكن أنجازات سعد كامل لم تتوقف عند هذه المشروعات العديدة برغم أهميتها، ولكنها كُللت بإنشائه للثقافة الجماهيرية، وتعيينه مديرا لها عم 1966، حيث حقق عبرها هدفه الأساسي بأن تصل الثقافة الجادة إلى كل مكان في مصر. وأن يتولى مثقفون وفنانون قيادة عملية توصيلها تلك، في نوع من التفاعل الخلاق بينهم وبين جمهورهم الذي حرم من الثقافة من قبل.

تقول نائلة كامل وهي تتذكر فترة الثقافة الجماهيرية تلك: «فنانين كثير، من برة وزارة الثقافة انضموا بحماس لحركة الثقافة الجماهيرية وقصور الثقافة، وحطوا فيها روحهم، وعملوا حاجات جميلة. الفنانين والمثقفين انتشروا في أرجاء مصر، يعرضوا شغلهم ويتعرفوا على الناس ويتعلموا منهم. بالنسبة لسعد التجربة دي كانت بلورة لرؤيته للمشهد الثقافي، الدور اللي كان بيقوم به من سنين من ساعة ما طلع من السجن في 1959، وبالذات بعد انفراجة 1964، كان زي الدينامو في الحياة الثقافية» (ص342) وكيف بدأت قوافل الثقافة تجوب القرى بعد وصول «كارافان» هدية من دولة اشتراكية وقتها، فحول سعد الأمر إلى مبادرة، وكرر الفكرة بشكل محلي، وأحالها إلى نسق لممارسة ثقافية ثابتة توصّل الثقافة إلى القرى والدساكر. وما أن هلت بشائر أول رمضان له مديرا للثقافة الجماهيرية حتى أسس شادر الثقافة والفنون الشعبية في ميدان الحسين، في قلب القاهرة المعزّية، وهو تقليد احتضنته الجماهير بعدها، فاستمر حتى بعدما غابت وزارة الثقافة عنه. واستمر ازدهار الثقافة الجماهيرية حتى أصابتها، ضربة هزيمة 1967 القاصمة، وبدلا من استخدام الثقافة في الرد على الهزيمة وتصحيح المسار، بدأ الهجوم على المشروع كله وتم وأده، حتى انتهت تلك التجربة المهمة مع بدايات عام 1968. وجرى بعدها تهميش سعد كامل والتضييق عليه حتى أصابه الغم والاكتئاب.

السجن وتجفيف منابع السياسة:
وتتكشف تحت سطح قصة الراوية مع الحياة، وبشكل عفوي وربما غير مقصود مما يعزز من أهميته، كيف قام عبد الناصر، ثم سار على نهجه كل من خلفوه، بتجفيف منابع السياسة التي كانت مزدهرة في مصر، ومترعة بالفوران الثقافي والنشاط الفكري معا. وكيف صادر العسكر الحريات وحكموا بالأحكام العرفية وقوانين الطوارئ فيما بعدها. فقد أغلق مجلة (الكاتب) الأولى التي كان يرأس تحريرها سعد كامل، وكانت لسان حال حركة أنصار السلام التقدمية في مطالع الخمسينيات. ولم تكن الحركة تقوم بأكثر مما يدعى بنشاط المنظمات غير الحكومية الثقافي في هذه الأيام، وأقصى ما كانت تقوم به هو مجموعة من النشاطات التي تضع شباب مصر على خريطة النشاط الدولي للسلام والحرية. (أرجو من القارئ مراجعة القصة التي يرويها يوسف إدريس في الكتاب عن أول مرة يسافر فيها مع مجموعة من الشباب ص421 -423) وبعد أن حقق سعد كامل نجاحا كبيرا في تنظيم وفد مؤتمر المرأة الذي أحدث تأثيرا إيجابيا واسعا، وأخذ ينظم المشاركة بوفد أكبر في مؤتمر من مؤتمرات أنصار السلام في بوخاريست، بدأ تضييق الحكم العسكري عليه. «لأن حركة الجيش والمخابرات بتاعتها اشترطوا على سعد يقدم لستة بأسامي أعضاء الوفد والمخابرات لازم توافق على كل اسم ... وافقوا على الكل وشطبوا اسمه هو، منعوه من السفر هو اللي منظم الموضوع كله» (ص161) هكذا بدأ التنكيل بمن يتصور الحكم العسكري قيامه بتوجيه بعض النقد له، لا المعارضة بالمعنى الحقيقي للمعارضة في النظم الديموقراطية. ثم اعتقل سعد نفسه بعد تلك الواقعة بقليل، وسوف نعود لقصة سعد كامل، وكيف أنه يتبدى تحت سطح الحكي في هذا الكتاب نموذجا راقيا للمثقف الحر المستقل، الذي يأبى أن ينخرط في جوقة النظام السياسي أو يخضع له.

هكذا بدأ العسكر يضيّقون على من يقوم بنشاط يمثل مصر، أو يرفع رايتها في الخارج بشكل مستقل وبعيدا عنهم. فسعد كامل كان مهتم بالسياسة من صغره، وكان في الحزب الوطني بسبب خاله، «فتحي رضوان» الذي كان من أعمدة الحزب الوطني، وفي فترة دخل مجموعة الاغتيالات والتي كان بها أنور السادات وقتها، ثم اتجه إلى أنصار السلام، ثم انضم للحزب الشيوعي المصري. فألقى النظام العسكري القبض عليه. ويقدم لنا الكتاب صورة لافته لكيفية تجفيف منابع السياسة في مصر منذ ذلك الوقت المبكر، وكيف تخلقت بدأت بذور القهر والاستبداد الأولى، حينما رأي فتحي رضوان اخته تحمل عمود الأكل لابنها وتنتظر على باب السجن، دون أن يستطيع أن يفعل لها شيئا غير أن يبكي كمدا! وحينما عرف أن ابن اخته الذي سار على خطاه، خطى خاله، في الاهتمام بالهم العام والالتحاق بداية بالحزب الوطني يعتقل ظلما دون أن يستطيع الدفاع عنه، وهو المحامي مهنة قبل أن يكون وزيرا!

والواقع أن بذور هذا القهر والظلم سرعان ما تتبرعم حينما تحكي لنا الراوية كيف حُكم عليها بخمس سنوات دون أي استجواب أو محاكمة أمام قاضيها الطبيعي كما جرى أثناء الحكم الملكي؛ اللهم إلا محاكمات العسكر الجائرة. «ما اعرفش لحد النهاردة الحكم أخدته على أساس إيه. كانت محاكمة عسكرية، وما كانش فيه محامي وأنا ما اتحققش معايا» (ص224) وهو الأمر الذي تضاعف بوضعها، مع زوجها طبعا، بعد الإفراج عنهما تحت المراقبة ولمدة خمس سنوات أخرى، من مضايقات الشرطة المستمرة.

وكان عدد كبير من أصحابهم قد تم القبض عليهم في 1959 بالعشرات ليلة رأس السنة، وقبل شهرين من الإفراج عنه. فقد أدت التغيرات السياسية في العراق وقتها بين عبدالكريم قاسم والقوميين العرب الموالين لعبدالناصر، إلى قبض عبدالناصر على أعددا كبيرة من الشيوعيين في مصر ردا على ما جرى للقوميين في العراق! فهل ثمة تجفيف لمنابع السياسة أكثر من هذا الخلل؟! لمجرد الانتقام من فشل عبدالناصر، وعميله سيء الصيت، عبدالحميد السراج في حماية القوميين الموالين له في العراق، وعلى رأسهم الشوّاف حينما حاولوا الانقلاب على عبدالكريم قاسم! ثم بلغت ذروتها حينما قُتل شهدي عطية الشافعي تحت التعذيب وعبد الناصر في يوغوسلافيا، ولما واجهه تيتو بالأمر، «عبدالناصر بعت يعزل المأمور اللي حصلت الحادثة دي تحت إدارته، وشالوه من السجن. ما عملش مراجعة لجهاز التعذيب والمباحث». (299)

وما زاد الطين بلة، وأصبح فيما بعد من ممارسات العسكر في الحكم، رفض الضابط الذي عينوه مسؤولا عن قسم التعيينات في (أخبار اليوم) التي كان صحفيا ناجحا بها منذ عام 1945 وحتى القبض عليه عام 1954، وكان مرتبه قد وصل بها إلى 35 جنيها، أن يعيده للعمل في الصحيفة التي كان يعمل بها، إلا كصحفي مبتدئ، وبمرتب 20 جنيها، بينما كان مرتب زملائه الذين عينوا معه من قبل قد بلغ 100 جنيه. كنوع من التنكيل به، وقد عرفوا مدى معاناته من الفقر مع أسرته. وإذا كنا جميعا نعلم أن اتجاه السادات في الحكم كان عكس اتجاه عبدالناصر، فإن موقفه من التعامل مع الثقافة واليسار المصري، كان شديد الاتساق مع موقف سلفه، إن لم يكن أشد منه قسوة عليهم. «من أوائل الإجراءات إللي خدها السادات لما جه الحكم فيما يخص الصحافة منشور إن سعد كامل ممنوع من الكتابة، هو ويجوز صلاح حافظ. سعد كان يدوب رجع يكتب في الأخبار بعد ماشالوه من الثقافة الجماهيرية .. واستمر المنع لغاية السادات ما توفي» (ص377) ذلك مع أن «سعد كان اشترك في قصية اغتيال أمين عثمان مع أنور السادات في الأربعينيات، الإعلام كان بيروج لصور بطولات السادات، وإنه قاوم الانجليز والاستعمار في شبابه زمان. فالناس كانوا متصورين إن فيه نوع من الزمالة القديمة بينه وبين سعد. .. بس حصل العكس»(ص377)

بعد الانفتاح والصلح مع إسرائيل «السادات بعت لسعد ينضم لمؤيدي النظام، وسعد رفض. كان مطلوب منه الانضمام بشكل مش محدد، ومن غير حساب. مطلوب إعلان تأييد السادات شخصيا وخلاص. فسعد قال لأ ورفض يروح يقابله، وانتهى الأمر إنه أُبعد أكثر وأكثر». (ص389) ولم يكن حال سعد أفضل مع نظام مبارك. «مبارك كان صديق صلاح حافظ. اتعرف عليه لما كان نائب للسادات وانبسط من شخصيته، وقعد ياخده مستشار خاص. صلاح كان رجع للصحافة، وكان بيكتب باب اسمه "قف". لما مبارك يسافر ياخد صلاح حافظ معاه. وفضل يستشير صلاح حافظ لفترة بعد ما بقى رئيس للجمهورية ... عبدالرحمن الشرقاوي وصلاح حافظ وضبوا مقابلة لسعد مع مبارك! غرضهم إيه؟ أعتقد تصورهم إن سعد يقول لمبارك عاوز يعمل إيه، يختار مجال ويقدم مشروع، زي الثقافة الجماهيرية مثلا. سعد اشتغل على مشروع الثقافة الجماهيرية أكثر من عشر سنين ... صلاح وعبدالرحمن اصحاب سعد وبيحاولوا يساعدوه يوضب وضعه. عارفين إنه كان منبوذ أيام السادات، وعارفين إن سعد عنده رؤية وأفكار، وعارفين الدور اللي لعبة في وزارة الثقافة، وإنه ضروري حايكون مفيد كمستشار. يمكن مش مستشار سياسي، ولكن في أي مجال من مجالات المجتمع والثقافة بالذات». (ص425) وفعلا اتصل به مكتب مبارك، وكان في الفيوم وقتها. (راجع تفاصيل ما جرى ص 426-427)

ورفض بتعفف نادر أن يقبل منه شيء أو حتى أن يتعامل مع نظامه. فلم يكن باستطاعة مثقف من طراز سعد ونزاهته، أن يفعل غير ذلك. فهو لا يقبل إلا أن ينهض بمشاريعه هو، بما يؤمن به وما يعتقده، وليس بمشاريع الآخرين، مهما كانت سلطتهم. لذلك كانت المقابلة بينه وبين مبارك نموذجا للمثقف المترفع عن أن يكون أداة في يد السلطة، بدلا من أن يوظف السلطة في تحقيق مشروعه، هو كما كان الحال أيام الثقافة الجماهيرية. لإنه ليس صلاح حافظ، الذي برغم أنه أمضى عشر سنوات في السجن، «خلص 8 سنين حكم ومطالعهوش، فضل معتقل سنتين فوق البيعة»(ص304)، لم يكتف بالعمل مع مبارك، ولكنه عمل بعد ذلك، لمرارة المفارقة، مع سميرة خاشوقجي في مجلتها التافهة. (راجع ص 444)

أوجاع تجربة السجن ودروسها:
تتحدث الراوية عن فترة السجن، فنكتشف أنها تميز دون قصد أو تخطيط مسبق بين فترة السجن الأولى، التي جرت عام 1949 أيام الملكية، وهي سنة ونصف، وبين المرات التالية التي تمت أثناء حكم العسكر. وتؤكد أنها تعلمت في المرة الأولى، حيث كانت في الثامنة عشرة من العمر، الكثير «باقييم مرحلة الولى على أنها انفراجة، اكتسبت خبرات ذهنية وثقافية ونفسية. دخلت وأنا مش فاهمة كثير عن الدنيا، واتصالي بالناس دي (تقصد المعتقلات الشيوعيات معها من أمثال إجلال السحيمي وميمي كانيل، وأسماء البقلي وبرت وجانيت) فتح لي طاقة، واتعلمت إللي ما كنتش أقدر اتعلمه برة السجن أبدا. مصر كانت تحت الاحتلال الانجليزي، كان لسه الملك موجود». (ص183)

وعلى عكس فترة السجن الأولى التي اتسمت بالايجابية واكتساب الخبرات الثقافية والنفسية والتعلم، تقول إن «الفترة الثانية كانت تحت حكم جمال عبدالناصر، الملك مشي والانجليز بيلمة حاجاتهم وماشيين. الفترة التانية ذي جزئين داخلين في بعض في ذاكرتي، لأن المراتين ورا بعض، نفس القضية تقريبا، نفس المحبوسين تقريبا، والمسافة بينهم شهور: نوفمبر 1953 أربع شهور، خرجت اتجوزت، ودخلت القبضة التانية في يونيو 1954، بعد ما تجوزنا بشهرين اتحكم عليّ فيها بخمس سنين.» (ص184) في هذه الحبسة الثانية، أو بالأحرى الثانية والثالثة، نجد أن البداية شديدة الاختلاف، ومن هنا شديدة الدلالات. فقد وجدت بمحض المصادفة بعض اللواتي تركتهن في السجن عام 1951 مثل «لي لي دايان» ذات الأصول الجزائرية فهي ربما من يهود الأندلس، و«فيا ياناكاكيس» وغيرهن من مجموعة «م.ش.م» لازلن هناك. ولكن قرار ترحيلهن القسري من مصر كان قد صدر، وكان اليوم التالي لوصولها للسجن هو يوم ترحيلهن. وتتذكر كيف قاومت «فيا» عملية طردها من بلد ميلادها مصر بكل ما تستطيع: «مش عايزة امشي. إجراء غير قانوني. أنا مكافحة من أجل الشعب، بأكافح عشانكم. أنا مصرية، عايزين يطردوني من البلد، دا غير قانوني، أنا مصرية، دا غلط، دا ظلم» (ص185) وانتهى الأمر بأنهم «جرجروها على السلم، شالوها من إيديها ورجليها لغاية ما حطوها في العربية، ما مشيتش برجليها، شالوها شيل، واستمرت تقول هتافات وشعارات مجموعة «م.ش.م»: تحيا الطبقة العاملة.» هكذا بدأ الغلط والظلم من خلال تلك التفاصيل الدقيقة يتنامى حتى أصبح هو القاعدة تحت حكم العسكر.

في هذا المرة الثانية أيضا التقت بثلاث شخصيات نسائية اختارت أن تحكي لنا عنهن بالرغم من أنهن «مسجونات مش شيوعيات، قابلتهم في سجن مصر. تحية كاريوكا، وعلية توفيق زوجة يوسف صديق عضو مجلس قيادة الثورة، وزوزو ماضي الممثلة. ما كانش لها أي علاقة بالسياسة، لكن إيه حتة شخصية! إحنا الشيوعيات كنا أصغر منهن في السن، نفهم أكثر منهن شوية في السياسة، وأكثر منهم بكتير في الماركسية والشيوعية، ولكن كخبرة اجتماعية حياتية، كنا عيال كتاكيت جنب الستات دول». (ص185)

ومع أن حديثها عن هذه الشخصيات النسائية الثلاث، وكيف تركت كل منهن انطباعها الخاص على ماري/ نائلة كامل الشابة الصغيرة حديث شيق، إلا أن ما يهمني هنا هو التوقف إزاء علية توفيق، زوجة يوسف صديق، الذي لولا مبادرته بالتبكير بالحركة يوم 23 يوليو 1952 لفشلت حركة الضباط برمتها، وأنتهى المصير بعبدالناصر نفسه في السجن الحربي. وهي أخت محمود توفيق الشيوعي المصري الذي قبض عليه مع سعد كامل وآخرين. لكن القبض عليها لمجرد أن زوجها عارض جمال عبدالناصر في أزمة مارس 1954، «رفض قرار الأغلبية داخل مجلس الثورة بكبت الحريات. الموضوع كان فيه مساومة معاه، مش عايزين يحبسوه، يفضّلوا يبعدوه، وهو رافض الإبعاد.» (ص191) فكان الحل فيما يبدو هو الضغط على زوجته لعله يستسلم لما يريدونه منه.

وما أن أمضت أسابيع قليلة بعد الإفراج الثالث عنها حتى تم القبض عليها للمرة الرابعة من أجل الضغط عليها وترحيلها من مصر. ثم في محاولة ترحيلها القسري بعدما أفرج عنها في نهاية مدة السنوات الخمس التي قضتها في السجن ظلما. ورفضها قرار ترحيلها من مصر، وإصرارها «معنديش أي جنسية غير الجنسية المصرية» أمام رفض الضابط «لأ ما عندكيش الجنسية المصرية»، «كلامه دخل فيّا زي المطوة» «أبويا مولود في مصر، وأنا مولودة هنا وما عنديش جواز سفر أصلا، عمري ما خرجت من مصر، ما عنديش حد في أي حتّة! متجوزة وجوزي مصري» (ص221) كانت قد غيرت اسمها إلى نائلة كامل وأسلمت عام 1954، لكنها لم تحصل على الجنسية إلا عام 1966، بعد طلب الجنسية اكثر من مرة، أولاها حينما أكملت 21 سنة، أي عام 1952، ثم طلبتها مرة ثانية كزوجة لمصري بعد زواجها، وعاشت في مصر بالإقامة حتى 1966.

وكلما واصلنا قراءة هذا النص الجميل، وتعرفنا أكثر على نائلة كامل وعلى سعد كامل معها، ندرك كيف تتفوق الدماثة والموقف الأخلاقي الأعلى على الانحطاط والفظاظة والغدر. لأنها تقول لنا قرب النهاية: «يمكن أهم حاجة عملتها، إن حتى لو دخلت في سكك غلط، وسكك مش غلط، في النهاية اتصرفت دايما بإخلاص شديد، بأواجه نفسي واللي باشوفه لازم يتعمل عملته من غير ما أفكر حيجري لي إيه، ما كنتش حذرة، أعتقد كنت عفوية. رجعت أعمل إللي شايفاه صح كل مرة. تصرفاتي كان فيها passion عاطفة، مفيش برودة أو قلة اهتمام!» (ص478)

هوامش:

(1) إلى الحد الذي لم تفكر فيه مثلا ولفترة طويلة في أنها قضت خمس سنوات في السجن بلا ذنب أو جريرة، إلا لمجرد تشابه في الأسماء، بالرغم من أن الشاهد الرئيسي فشل في التعرف عليها أكثر من مرة، حينما قبض عليها في القضية المسماة «قضية الجبهة الوطنية» التي اتهم فيها زوجها سعد كامل عام 1954، وبعد أسابيع من زواجها منه. (ص 174 و176 حيث يقول الشاهد صراحة أنه لا يعرفها). فقد كان هناك 3 ماري هي، وماري بابادوبولو وماري ليفكي، ولكن المخابرات قبضت عليها هي، بالرغم من أنها ليست ماري المطلوبة في تلك القضية. وع ذلك حكم عليها بالسجن خمس سنوات مع الشغل. «ساعات سألت نفسي السؤال ده: أنا اتحكم عليّ بخمس سنين له؟ غلط؟ طلم؟»(ص180)ثم تستطرد «كان فيه أحكام عرفية، إللي هي اسمها قانون الطوارئ دلوقت، ما خضعتش لأي تحقيق بالمرة في قضية الجبهة الوطنية، ولا أثناء اعتقال الأربعة شهور الأولانيين قبل الزواج، إللى ما كانش فيها زيارات للأهالي ولا اتصالات بين المسجونين وبعض، وما كانش فيه قضية واضحة، ولا اتحقق معايا في القضية الثانية بعد الجواز. خدت حكم خمس سنين بدون تحقيق» (ص181)

(2) تحكي نائلة كامل هذه الواقعة البالغة الدلالة، على مدى عسف وغلظة حكم العسكر وتناقضاته الغبية، وهو يؤسس دولته الاستبدادية، وكيف أن فتحي رضوان كتب في مذكراته، أنه لما كان وزيرا، مر في سيارة الوزارة ورأي امرأة واقفة عند باب السجن «شايلة زيارة ومستنية الإذن بالدخول صعبت عليه، لما قرّب بالعربية اكتشف إنها أخته منيرة شايلة الزيارة لابنها سعد. المنظر ده خلاه يعيط». (ص179)