يتناول الشاعر العراقي هنا ذكريات مفصلية إنسانية وشعرية مع الشاعر الأردني، يبدأها من بيروت، فبغداد، فعدة من أماكنٍ أخر. ويشير إلى الميسم الشعري المميز الذي تلمسه في ديوانه الشعري الأول «مديح لمقهىً آخر» و الخصائص الشعرية المائزة والمقتدرة في الدواوين المتلاحقة.

مع أمجد ناصر .. الــفَــنُّ متمكِّــناً

سعدي يوسف

 

(1)

كانت بيروت، حيثُ حللتُ، في أواخر السبعينيات، مدينةً تنام على قلَقٍ، وتصحو في الصباح على حدود.

أمّا نحن الذين لُذنا، بِظَهْرِ النمِرِ مَرْكَباً، فلقد كانت لنا جمهوريتُنا، جمهورية الفاكهاني، الممتدة بين جسر الكولا والشيّاح. ثمّتَ كنا نحلمُ، ونكتبُ، ونحبّ...

وثمّتَ أيضاً، كنا نُقتَلُ: غِيلةً حيناً، وقصفاً إسرائيلياً أحياناً.

في هذا الاحتدام، الذي يشدّ العصَبَ حتى جنون التوتّر، نشــرَ أمجد ناصر مجموعته الشعريةَ الأولى "مديح لمقهىً آخر".

ربما لم تكن هذه المجموعة الأولى شديدة التميّز عن ســواها من أشعار تلك الأيام، لكنها حملتْ، بصورةٍ جنينيةٍ، مِيسَــمَ كاتبِها المبكرَ، المِيسَــمَ الذي سيتأكّد أكثرَ فأكثرَ مع كل مجموعةٍ تجِدُّ، "منذ جلعادَ وهو يصـعد الجبل"، صعوداً حتى أيامنا هذه.

كنتُ أشرتُ إلى أن "مديح لمقهى آخر" تحمل ميسَماً ما.

والحقُّ أن الإحاطةَ بهذا الميسِم ليست بالنظرة العجلى. النظرةُ العجلى لن تأتي بشيء، ما دامت المجموعة الشعرية المذكورة ليست شديدةَ التميّز، كما أسلفتُ.

إذاً، على المرءِ أن ينتزعَ انتزاعاً، ما يراه مؤشراً إلى آتٍ.

من جانبي، رأيتُ ما حسبتُه، مؤشراً، ليس عن فرْطِ تفاؤلٍ، وإنما عن اقتناعٍ بما بين يدَيّ.

انتبهتُ في "مديح لمقهى آخر" إلى ما يأتي:

شجاعة التحديق.

الاهتمام بالنتوءات.

الثقة بالنفس.

لقد انتبهتُ إلى أن صاحب المجموعة يملك عينين نفّاذتَينِ، وإلى أنه يستخدم هذا العامل البصريّ، بأمانةٍ وشجاعة، وإلى أن النظر منصرفٌ، حتى في تلك المرحلة المبكرة جداً، إلى ما هو ضروريّ.

وانتبهتُ أيضاً إلى أن أمجد ناصر في محاولته الإحاطةَ بعالَمنا، يتجنّبُ الـمُوَطّـأَ، والممهّدَ من السبيل والـمرأى، ويفضِّل الاهتمامَ بالنتوءاتِ التي غالباً ما يتجنّبُها السُراةُ المترَفونَ، الذين يخشَونَ على نعومةِ أقدامِهم.

وتلمّستُ في "مديح لمقهى آخر" ثقةً بالنفسِ، واضحةً، ومُعْلَناً عنها.

قلتُ: إنها، حقاً، لَبِشارةُ خيرٍ!

لم تخِبِ البشارةُ، ولم تخْبُ...

* * *

(2)

بيروت لم تكن ملتقاي الأول مع أمجد ناصر.

في النصف الثاني من السبعينيات، نُقِلْتُ بأمرٍ من طـارق عزيز وزير الثقافة والإعلام في العــراق آنذاك، من "المركز الفولكلوري" حيث كنت سكرتير تحرير لمجلة "التراث الشعبي"، إلى منصب "نائب مساعد أمين مكتبة" في دائرة ملحقة بوزارة الريّ، تقع قرب السدّة، غير بعيدة عن "مقهى عرب" الذي كنا نرتاده أيام الدراسة الجامعية.

كنتُ في تلك المكتبة القديمة، التي تعود أصولُها إلى الاحتلال البريطاني، وكانت في سابق مجدها اصطبلاً لخيول العثمانيين.

هناك كانت كتب الريّ، والسدود، والفيضانات، وكتب الرحّالة الأقدمين، ومشاريع الريّ الكبرى، المنفّذ منها، وغير المنفّذ. وكنتُ مكلفاً بمتابعة ترسُّب الطين في أنهار العراق وجداوله، وتقديم تقارير رسمية إلى جهات رسمية

عن هذا الترسُّب!

كنت أجلس في أعماق المكتبة، وأقرأ عن حضارة الأنهار والحروب.

هناك قرأت، أنا المغضوب عليه، "أناباز" زينوفون...

لم يكن أحدٌ يجرؤ على زيارتي.

أعرفُ هذا، وأعرفُ ما قد يتعرّض له من يجرؤ على زيارتي.

*

في ضحى أحد الأيام، قال لي عبّاس (وهو مساعد أمين المكتبة، إذ ليس في هذه المكتبة العتيقة أمينٌ) إن أحداً يريد أن يراني.

قلت له: ليتفضّل.

أمجد ناصر كان الزائر!

عرفتُ منه أنه في زيارة إلى بغداد، وأنه طلب من المسؤولين في وزارة الثقافة والإعلام أن يراني فسمحوا له.

الحديث محدود، بالطبع، فللجدران آذانٌ، كما يقال...

أعتقدُ الآن أن موافقة المسؤولين مَرَدُّها كون أمجد يعمل في مجلة "الهدف".

ما زلتُ أقدِّرُ للرجل هذا الموقفَ، فعديدُ زوّار بغداد كان عظيماً، أيّامَها، لكنـه كان الوحيد الذي زارني في ممتحَني بالمكتبة القديمة لوزارة الريّ!

*

في أوائل الثمانينيات، أحسستُ بأني أردُّ لأمجد بعضَ فضلٍ، حين حملتُ له، من هند في بيروت، رسالةً وأشياءَ أخرى، وسلّمتُها له، وهو في عدن بالمدرسة العليا للإشتراكية العلمية...

المدرسةِ التي فرَّ بجِلْدِهِ، وجَـلَـدِهِ، منها!

* * *

(3)

لَكأنّ العقودَ الثلاثةَ التي تمدّدَ عليها شِعرُ أمجد ناصر، هي عقود الامتحان القاسي المديد، إذ جرت مياهٌ كثيرةٌ تحت جسورٍ كثيرة، وانهدمت جسورٌ وقلاعٌ، وزالت ديارٌ، وفُتِحتْ أبوابٌ، وغُلِّقَتْ أخرى...

في هذه العقود، تساوى الغثُّ والسمينُ. والمعرَبُ والمعجَم. والناطقُ بالضادِ وغيرُ الناطق. تساوى محررُ الصفحة والشاعر. الأبيضُ والأسودُ.

وثارتْ عواصفُ كبرى في الفنجان.

"المعاركُ" الشعرية التي حُسِمتْ في أوربا وأميركا، منذ قرنَينِ، ثارَ نَقعُها، وخفقتْ بيارقُها عندنا، أمارةً على موقعنا الفعليّ من التاريخ الثقافيّ والشعريّ. لقد كان المشهدُ مؤلماً، ولايزال.

البابُ الوسيعُ الذي كان بإمكان قصيدة النثر أن تفتحه أمام تطور النصّ الشعريّ العربي، انهدَمَ تحتَ سيلٍ عَرِمٍ من تفاهةِ الـمُسَطَّرِ المجّانيّ، غيرِ ذي العلاقةِ بالحياة وأشيائها، واللغةِ وأفيائِها...

لقد كانت عقوداً للتخلّف العامّ في أمّةٍ تُدفَعُ خارجَ التاريخِ دفعاً.

أين أمجد ناصر من هذا كله؟

أعتقدُ أن الرجل زوى نفسَه عن المشهدِ الفاجع بمجانيةِ الدعوى والمعترَك، وظلَّ يطوِّرُ رؤيتَه وأداتَه، مستقلاًّ بنفسِه، لايرفع بيرقاً، ولا ينضوي تحت بيرقٍ.

مُقامُه بأرض لندنَ، منحه مسافةً كافيةً وضروريةً، للنظر من بعيدٍ، ولتطويرِ النظر إلى الداخل.

صار يطلّ بموضوعيةٍ على ميراث الشعر في العالَمِ، ويقارِن بين ما نفعله وما يفعله الآخرون من شعراء الأمم الأخرى، معتمِداً مدخلَه الخاصّ والخصوصيّ إلى ما نفعله وما يفعله الآخر.

الفنُّ تعَـلُّمٌ دائمٌ، مثل ما هو سفرٌ دائمٌ.

وظلَّ أمجد ناصر يتعلّم.

وبينما شُغِلَ كثيرون ببناء أبراجٍ من الملحِ، ظلَّ الرجل يشتغل بأناةٍ على بناء نصِّه الصعبِ والمختلف.

ونعود، من جديدٍ، إلى "مديح لمقهىً آخر"، كي نرصد، عبر العقود الثلاثةِ، التحديقَ وقد أضحى أشدَّ شجاعةً، والنتوءاتِ وقد أمست أكثرَ حِدّةً حتى لتكاد تجرح من يلمسُها، والثقةَ بالنفسِ وقد برّرتْ حالَها تبريراً مؤصَّلاً.

"يا يحيى

لن تعرفَ نفسُكَ الراحةَ..."

نبوءةُ الأمّ، تكتسبُ معنىً وعُمقاً غيرَ عاديّينِ.

وسيظلّ أمجد ناصر، تحت الظل العجيب لهذه النبوءةِ.

الظل الذي يتنَزَّلُ قصائدَ، مثل غصونٍ مثقلةٍ بالثمار.

الثمارِ الاستوائية!

* * *

(4)

أ- في التجلي المتاح الآن، حتى "حياة كسردٍ متقطع"، تُمْكِنُ للمرء متابعةُ اهتماماتٍ جديرةٍ بالعناية.

لنأخذ المادةَ الخامَ مثلاً:

أنا أختارُ، عامداً، أقصرَ نصٍّ في المجموعة: ذكرى – ص29

الرصاصة التي أطلقَها من مسدّس والده العسكريّ (البرشوت)

عندما كان يلهو تحت قوس القيظِ والضجرِ وكادت أن تودي بحياة

أخيه الأصغر استقرتْ في الدرفة الوسطى من أول خزانة ثيابٍ

اشترتها العائلة وتُركت هناك (قصداً على الأغلب) لتظل مادةً

للكلام عن بِكْر العائلة الذي خرج ولم يَعُدْ.

المادة الخامُ هنا، غيرُ مُدّعيةٍ. هي مجموعة أسماء جامدة وأفعال. أمّا الفضْلةُ (النعت هنا) فقد كادت تلتحق بالاسم الجامد. الوسطى مثلاً في الدرفة الوسطى لا يمكن اعتبارُها فضلةً (بالمعنى الاصطلاحي السائد). إنها جزء من الدرْفة. جزءٌ من الاسم الجامد.

ب - اعتمادُ الكتلةِ وحدةً:

قد يكون هذا الجهدُ الخارقُ، المخالِفُ، المنجَزَ الفنيّ الأكثرَ تواتراً في "حياة كسردٍ متقطع".

المجموعةُ كلُّها تعتمدُ هذا المنحى الفنيّ.

ليس في المجموعة قصيدةٌ واحدةٌ تأخذ بالتسطير المبتذل.

لقد استُبدِلَتْ بالبيتِ، الكتلةُ (لنَقُل المقطع تيسيراً). (الباءُ للمتروك!).

ج - الصورةُ:

تتشكّل القصيدة من لعبة الصورة.

الصورة هي التي تُعَيِّن حركة النصّ.

قصيدة "فتاة في مقهى كوستا" ص 23، يحقُّ لها أن تتباهى بأنها قصيدةُ صورةٍ.

ليس ثمّتَ من كلام في النصّ.

أعتبرُ "فتاة في مقهى كوستا" إنجازاً فنّيّاً باهراً، عنوانه: التخلي عن الكلام.

د- طبقات القراءة:

في "استعدادٌ للطيران" ص 47

هنا، تتجلّى مهارةٌ عجيبةٌ، توغِلُ في تواضعِها...

كلُّ كلمةٍ، مُشَفّرةٌ، مثل بريدٍ ســرّيّ.

لك أن تحاول فكَّ الشفرة، بطريقتك، بقدراتك، الثقافية أو غير الثقافية، وفي كل محاولة فكٍّ ستجد الأمر عجيباً...

أليس هذا هو الفنّ المتمكن؟

* * *

(لندن 29.12.2007)

(كتب المقال بمناسبة صدور قصائد أمجد ناصر بالانجليزية)