تفتتح (الكلمة) بهذا العدد الجديد عامها الرابع عشر، بفضل إصرار أسرة التحرير على مواصلة الجهد لاستمرار هذا المنبر الثقافي المستقل، الذي يرعى بنية المشاعر العربية السليمة، ويرفدها بكل ما يعزز قدرتها على الصمود في وجه عالم شائه، تسود فيه الأكاذيب ويتذرع فيه التخلف والشعبوية بالتعبير عن صبوات الشعوب.

عام جديد من عمر الكلمة وأمل

صبري حافظ

 

تستهل (الكلمة)، بهذا العدد الجديد، العدد 153، عامها الرابع عشر في مسيرة طويلة حافظت فيها على استقلالها عن كل المؤسسات العربية الفاسدة، والتمويل المشبوه، عربيا كان أو غير عربي. فقد شكل استقلال (الكلمة)، والالتزام الأخلاقي والضميري بقضاياها، حافزها الأساسي لمواصلة مسيرتها واستمرارها. وقد مكنها هذا الاستقلال من أن ترعى بنية المشاعر العربية السليمة، التي لاتزال تؤمن بأن العدو الرئيسي للأمة العربية، ولحلمها المشروع في التقدم والازدهار، هو العدو الصهيوني. ولاتزال تعتبر قضية فلسطين، وحق شعبها في بلده قضية العرب الأساسية. مهما حاول الأعداء، وذيولهم في مؤسسات السلطة العربية التابعة تشويه هذه القضية، أو حرف نظر الشعوب العربية عن أولوياتها الرئيسية.

تستهل (الكلمة) هذا العام وتستهل معه عقدا جديدا من هذا القرن الجديد. قرن بدأ عقده الثاني بثورات الربيع العربي التي سرعان ما انقضت عليها معاول الثورة المضادة بالهدم الوحشي والتدمير والتنكيل بالثوار في كل مكان. ولكنه آثر ألا ينتهي دون أن تثبت الشعوب العربية، أن بنية مشاعرها الداعمة لحق الشعب الفلسطيني في أرضه، ولحق بقية شعوب المنطقة في الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، لا تزال سليمة، برغم كل المليارات التي أنفقتها الثورة المضادة لتدمير حلم الشعوب العربية بالتغيير. وأن انطلاقة ربيعها الأول مع عام 2011 لك نكن إلا الخطوة الأولى في صيرورة التغيير، وفي مسيرة طويلة لا مناص من نجاحها في تأسيس أوطان جديدة، خالية من الاستبداد والقهر والفساد. لا تستأثر طغمة فاسدة بجل خيراتها، وتترك الفتات للملايين، في عالم يتزايد في الخلل في كل مكان. وإنما تتمتع شعوبها، كبقية شعوب الأرض بالحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.

وقبل أن ينتهي العقد، وبعد أن ازداد الواقع العربي حلكة واكتئابا، حانت موجة هذا الربيع العربي الثانية في الجزائر والمغرب والسودان والعراق ولبنان. في بلدان بعضها ذات نظم مختلفة عن النظم العسكرية التي ثارت عليها موجة الربيع العربي الأولى. وإن كانت السودان قد عاشت أسوأ أشكال حكم العسكر المتذرع بالتأسلم، والذي يوظف، في شبكة فسادة التي كادت تخنق السودان، الإسلامجية كمرتزقة وميليشيات قمعية. أما لبنان والعراق، فيتذرع كل منهما بأن لديه نظم شبه ديموقراطية، تعتمد دوريا على صناديق الانتخاب، ولكنها فيما يبدو كصناديق الانتخابات التي جاءت بالإسلامجية للحكم في مصر، عقب ثورة 25 يناير فيها. لا تعبر بأي حال من الأحوال عن مطامح شعبها في الحرية والعدل الاجتماعي. لأن ديموقراطية كل من العراق ولبنان كانت تتوزع بين المحاصصات الطائفية والعمل لحساب قوى خارجية في آن. مما جعل الشعب نفسه يشعر بأنه يفتقد إلى أبسط شروط الوطن والمواطنة، ويرفع شعارا بالغ الدلالة «نريد وطن».

والواقع أن اندلاع هذه الموجة الثانية يرد الأمل لكل من أحبطتهم كوابيس الثورة المضادة وما خلفته من تبعية وتمزق ودمار من ناحية، ويثبت من ناحية أخرى أن الربيع العربي الذي انطلق مع الثورة التونسية في ديسمبر 2010، وقبل عقد كامل من الآن، ليس إلا صيرورة تردنا إلى صيرورة الثورة الفرنسية، كلما توفرت لها قيادة ثقافية رشيدة كلما تغلبت على نزعات العنف والثورة المضادة، كما هو الأمر في الحالة السودانية. لكن ما يهمنا من هذا الأمر هنا في (الكلمة) هو أنه يبرهن على أن رعاية ثوابت الواقع العربي، بكل اثنياته وتنويعاته الثقافية والعرقية والدينية، وتعزيز إمكانياته في التفكير العقلي النقدي، وبلورة حقه في مستقبل أفضل تتحقق فيه الحرية والعدل، تسوده الكرامة لايزال عملا يستحق منا مواصلته. فبعد أن كاد اليأس يطبق على النفوس، ويجعل بعضنا وأنا على رأسهم يفكر في التوقف عن مواصلة الطريق، ردت لنا تلك الموجة الثانية الأمل. وأكدت لنا أن ما نبذله من جهد طوعي غير مأجور في أسرة تحرير (الكلمة)، وأن التفاف الكتاب والقراء حولها، فمازال الكثير من الكتاب يبعثنون لنا بنصوصهم وهم يعرفون أننا لا ندفع عنها شيئا، فليس لنا أي دخل من المجلة المفتوحة مجانا للقراء كي نأجر كتابها. لأسرة تحرير الكلمة التي تواصل الجهد والصمود خالص شكري وتقديري، ولكتابها وقرائها الذين يلتفون حولها كل التقدير والامتنان. فعزاؤنا جميعا أن ما ينفع الناس يمكث في الأرض، ويتجذر في الضمير واللاوعي الجمعي، بينما يذهب الزبد وكل ما تحيط به من أوهام وأكاذيب جفاء.