نحظى من خلال هذه الحوارات العميقة بفرصة فريدة من نوعها للولوج مجدداً إلى عالم سرديات أوستر الروائية والسيرذاتية التي تشكّل كل واحدة منها سفراً داخل أراضٍ مجهولة، الأمر الذي يثير رغبتنا في إعادة قراءتها. حوارات لا تنير عمله الكتابي فحسب، بل أيضاً حياته المرتبطة بشكلٍ حميمي بهذا العمل.

بول أوستر يسترجع مسيرته

وأجمل الأجوبة: لا أعرف

أنطوان جوكي

 

"لا أحد قادر على قول من أين يأتي كتاب ما، ناهيك عن كاتبه. تنبثق الكتب من الجهل، وإذ تستمر في الحياة بعد كتابتها، نبقى غير قادرين على فهمها كلياً". هذه الجملة كتبها الروائي الأميركي بول أوستر في روايته "لوياثان" (1993)، ولا نجدها بدافع الصدفة في مقدمة كتاب "حياة داخل الكلمات" الذي يتألف من سلسلة حوارات قادتها الجامعية الدنماركية إنغي سيغومفيلد معه على مدى ثلاث سنوات، وصدرت ترجمته الفرنسية حديثاً عن دار "أكت سود". فباختيارها هذا الاقتباس كفاتحة له، أرادت سيغومفيلد الإشارة منذ البداية إلى مفارقة رضوخ أوستر لهذا النوع من الاختبار الذي يقتضي العودة إلى جميع أعماله بدافع تفسيرها.

من هنا قيمة هذا الكتاب الذي، بجمعه باحثة مختصة بأدب أوستر وكاتبٍ كبير يسعى بكل تواضع وصراحة إلى إعادة تشييد تعرّجات سيرورة إبداعه وفقاً إلى أسئلتها؛ يغذّي بحثاً شغوفاً وحاذقاً يقع عند تقاطع الحوار وتأويل النصوص، وهو ما يجعل منه وليمة تثير حتماً لعاب المهتمّين بفعل الكتابة عموماً، وبأعمال صاحب "مدينة من زجاج" تحديداً.

عالم روائي

وفعلاً، نحظى من خلال هذه الحوارات العميقة بفرصة فريدة من نوعها للولوج مجدداً إلى عالم سرديات أوستر الروائية والسيرذاتية التي تشكّل كل واحدة منها سفراً داخل أراضٍ مجهولة، الأمر الذي يثير رغبتنا في إعادة قراءتها. حوارات لا تنير عمله الكتابي فحسب، بل أيضاً حياته المرتبطة بشكلٍ حميمي بهذا العمل، وتتناول كتبه، الواحد تلو الآخر، من زاوية موضوعية ووفقاً لترتيبها الزمني، مع التزام سيغومفيلد فيها رغبة أوستر في حصر أسئلتها بـ "ماذا" و"أين" و"متى"، وتجنُّب، بقدر المستطاع صيغة "لماذا" التي غالباً ما تجفّف الكاتب لانعدام أي جواب لها.

من جهته، وظّف أوستر على مدى ثلاث سنوات جهداً ووقتاً كبيرين في هذه الحوارات من أجل منحنا مدخلاً مميزاً إلى عمله الكتابي، وكشف لنا أسراره وجوانب مجهولة أو ما زالت معتمة منه، كالهواجس التي تتسلّط عليه وتعبر رواياته. وحول هذه الحوارات، أسرّ لأحد الصحافيين: "أردتُ قلب كل شيء رأساً على عقب. أفترض أنها وضعية جدّ طموحة: عدم الاكتفاء بما هو متعارف عليه، التلاعب به أحياناً، كشف المعايير التقليدية وإخراجها من حدودها".

قارئ هذه الحوارات يحفظ حتماً أشياء كثيرة منها، لعل أبرزها علاقة الكاتب المفارقة بالحقيقة ونفيه وجودها: "نؤكد بأن شيئاً ما هو حقيقي، لكن يمكن نقيضه أن يكون حقيقياً أيضاً. (...) أتقدّم داخل العتمة". وفي هذا السياق، يبيّن روابط كثيرة بين كتبه وشخصياته، ضمن حذر ثابت من سيرته، مغالطاً محاوِرته تارةً، حين يتطلب الأمر ذلك، بتأكيده لها مثلاً أن "هذه الشخصية ليست أنا"، ومُقِرّاً تارةً أخرى بأنها على الطريق الصحيح في تحليلها. حوارات يتابع فيها تشييده تلك "السردية المتواصلة التي ننسجها عن أنفسنا"، كما يقول في "ابتكار العزلة"، مقدّماً لنا عرضاً دقيقاً ومسهباً لما يسمّيه "آليات الواقع"، ومتوقّفاً بالتفصيل عند العلاقة المعقّدة لوجودنا مع الصُدَف، أو مع "موسيقى المصادفات" (عنوان إحدى رواياته)، عند كفاحنا من أجل تحرير إرادتنا وعند روابط حياتنا بالتاريخ، بالسياسة وبالثورات الاجتماعية والثقافية.

تحولات اجتماعية

في هذه الحوارات، نكتشف أيضاً وجهة نظر الكاتب حول تحوّلات المجتمع الأميركي وسياسات الإدارة الأميركية من خمسينات القرن الماضي حتى اليوم. لكن الجوهري فيها يبقى ما يقوله في سيرورة الكتابة وليس في ما تفضي إليه، وبالتالي في اللغة وماهيّتها ("ما يهمّني هو ذلك الاصطدام بين الأشياء والمفردات")، وفي أسرار عمله على لغته الخاصة، الدقيقة والصائبة إلى أبعد حد. سيرورة تعبر بالجسد الذي نادراً ما يستحضره الكتّاب، بخلاف أوستر الذي يعتبره الأداة الأكثر ضرورة في عمله الكتابي: "العالم في رأسي. جسدي في العالم".

في هذه الحوارات، نلاحظ أيضاً أن عملية الغوص مع الكاتب لاستكشاف كتبه لا تتبع أي منطق ولا تمنحنا أي جواب بديهي ــ تماماً مثل عملية الكتابة كما ينظر إليها ويمارسها ــ لكنها تنير التوتر المستثمَر داخل عمله بينه كإنسان وبين أناه البيوغرافية وكينونته ككاتب. من هنا مقاومته أي تفسير مفرط لكتبه وإجابته أحياناً على أسئلة سيغومفيلد بـ "لا أعرف" التي تعكس لديه جانباً من الشك، تواضعاً، وخصوصاً خوفاً من أن يؤدّي الدخول في الآليات الداخلية لكتابته إلى تبديد السحر الفاعل فيها.

وتجدر الإشارة هنا إلى أن أعمال أوستر الأدبية، المنبثقة من كاتب شديد الانتباه لانفعالاته وأصداء ذاكرته ("الذاكرة هي فضاء تتكرر فيه أحداث حياتنا")، هي أعمال متعددة الأدراج، وبالتالي مدوخة. وهذا ما يفسّر لجوء سيغومفيلد إلى عدد كبير من الاقتباسات الطويلة داخل أسئلتها؛ اقتباسات جميلة، صائبة وغالباً مؤثِّرة لكونها تشهد على حيرة الكاتب، وأيضاً على تأثّره العميق بشخصيات رواياته التي تشكّل ــ شاء أم أبى ـ أصناء لا تحصى له.

الملاحظة السلبية الوحيدة التي يمكننا تسجيلها على هذه الحوارات هي افتقادها أحياناً إلى نوعٍ من الليونة التي حالت دون تلك الاستطرادات المحيية لأي نقاش أدبي. ولا شك في أن ذلك يعود جزئياً إلى طبيعة أوستر المتحفِّظة، لكنه يعود أيضاً إلى التزام سيغومفيلد الحصري بالأسئلة التي جهّزتها قبل كل حوار. أسئلة تعكس معرفة عميقة بعمل صاحب "قصر القمر"، ولكن أيضاً افتتاناً واضحاً به منعها أحياناً من المحافظة على مسافة نقدية ضرورية منه، وبالتالي من تأجيج حواراتها معه والإلحاح عليه لدى تهرّبه من الإجابة، كحين امتنع عن الخوض في الروابط البديهية بين بعض شخصياته وشخصيات كتّاب آخرين، وتحديداً بين شخصية "بوزّي" في "موسيقى المصادفات" وشخصية "بوزّو" في نص صموئيل بيكيت المسرحي "في انتظار غودو".

ومع ذلك، يبقى "حياة داخل الكلمات"، بالتأمّلات والتحليلات الثاقبة المشتركة التي يتضمنها، كتاباً مرجعياً لفهم شخصية أوستر وسيرورة إبداعه.

 

اندبندنت عربية