يكشف الباحث المصري هنا عن الدلالات الثقافية والسياسية الكامنة في تمثال مختار الأشهر، بمناسبة مرور قرن على نسخته الباريسية الأولى، 1920، وكيف أنه قد حول النحت إلى طاقة تشحن جموع الشعب بقيم الانتماء والاستقلال الوطني والكرامة، وترفد الذاكرة التاريخية للأمة، بسلاح حضاري راقٍ من أسلحة التحرر والاستقلال.

تمثال نهضة مصر: أمثولة الهوية الوطنية

قراءة ثقافية في الذكرى المئوية لثورة 1919

طارق النعـمان

 

لَقَد بَعَثَ اللَهُ عَهدَ الفُنونِ وَأَخرَجَتِ الأَرضُ مَثّالَها

(أحمد شوقي)

مدخل: في معنى الذكرى
إن مفهوم الذكرى أو إحياء الذكرى بمرور فترة زمنية معينة، عقد أو ربع أو نصف قرن، يوبيل فضي أو ذهبي أو ماسي، أو قرن كامل من الزمان، على حدث من الأحداث أو على مولد أو رحيل شخصية ما، هو مفهوم احتفالي وشعائري بامتياز. ذلك أن أفعال التذكر الجماعية هي أفعال طقوسية وشعائرية تُعبِّر عن حاجة ماسة لاستدماج هذا الحدث أو هذه الشخصية ضمن مكونات الوعي الخاصة بالجماعة المحتفلة والمحتفية، سواء بالقبول أو بالرفض، سواء للتمجيد أو للتنديد.

وبالطبع، فإننا اليوم، ونحن نحتفل بالذكرى المئوية لثورة 1919، نريد أن نبعث ونستدعي ونؤكد القيم التي قامت ثورة 1919 لتعبِّر عنها وتنادي بها. وهي قيم التحرر والحرية، قيم العزة والكرامة والشرف الوطني، قيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز على أساس دين أو طائفة، أو عرق، والندية على مستوى العلاقات الدولية، وإن كان يمكننا أن نضيف إليها بعدًا آخر، لم تهدف إليه الثورة إلا أنها قد تمخضت عنه، وهو عدم التمييز أيضًا على أساس النوع الاجتماعي.

وهي جميعًا قيم تتسم بأبعادها الإنسانية وبالتقدم والرقي؛ خصوصًا أن هذه القيم لا تفتأ تنفلت وتتراجع، وتتفلت وتتساقط من أيدينا ما بين لحظة وأخرى؛ ومن حين إلى حين؛ على نحو أشبه بريطة في التراث العربي أو بينلوبي في الأوديسا، والتي لم تفتأ كل منهما أن تنقض غزلها كلما أوشكت أن تتمه أو تهيأ للآخرين أنها قد أتمته. ومن ثم فإن الحاجة إلى إعادة شحن الذاكرة بهذه المعاني والقيم تمثل مغزى أساسيًا من مغازي مثل هذا الاحتفال. هذا فضلاً عما تتيحه عمليات التذكر من إمكانيات لإعادة القراءة؛ ومن ثم إعادة المراجعة والتقييم، وتعميق الفهم تجاه الأحداث والأشخاص الفاعلين والمُحركين للأحداث، بما يتيح رؤية أكثر عمقًا للماضي والحاضر؛ ومن ثم القدرة على تدبر واستكشاف واستشراف المستقبل.

وإذا كانت الاحتفالات تمثل طقوسًا وشعائر للتذكر ولتنشيط الذاكرة؛ فإن الآداب والفنون، على مدار التاريخ، كانت ولا زالت هي الأخرى تمثل مجلى آخر من مجالي تخليد الأحداث والشخصيات المؤثرة في الذاكرة التاريخية للأمم. ولا أدل على ذلك من تمثال ’’نهضة مصر‘‘ لشاعر وقصاص فن النحت الحديث محمود مختار، وما مثلته ولا تزال تمثله سردية هذا التمثال.

1. مختار وسردية التمثال:
وفق ما يرويه لنا بدر الدين أبو غازي، فإن بواكير فكرة التمثال وإرهاصاته الأولى أخذت تتشكل بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، حيث كانت الثورة تتأجج في نفس مختار من أجل بلاده المنتهكة والمستلبة من الاحتلال، وهو ما جعله يريد أن يقيم صرحًا لبلاده .. شيئًا آخر غير التماثيل التي استلهمها من التاريخ مثل تماثيل ’’خالد بن الوليد‘‘ و’’علي بن أبي طالب‘‘ و’’طارق بن زياد‘‘، ولذا فقد ’’نحت تمثالاً لمصر الثائرة وهي تتأهب للمعركة وتتهيأ لنضال المستعمرين وسجَّل في ملامحها وفي تحفزها لاستلال السيف من غمده ملامح الثورة الناشئة‘‘ (انظر أبو غازي، مختار، ص 32) ولكنه عاد بعد هذا التمثال يفكر في أمر آخر، هناك وراء مطلب الحرية دافع قوي هو اليقظة‘‘ (المرجع السابق، ص 277)

وهكذا، فإن هذا التمثال، كما يبدو، لم يُشبع ما في نفس مختار من مشاعر متأججة وأحاسيس متدفقة تجاه أحداث ثورة 1919، خصوصًا في ظل كونه بعيدًا عن وطنه إبان نشوب الثورة، وهو الثائر بروحه وطبعه، حتى من قبل أن تندلع الثورة، إذ لم يتوانَ ذات يوم حين رأى حكمدار القاهرة الإنجليزي يداهم المتظاهرين عن أن ينقض على حصانه ليسقطه من عليه، ويُعتقل ويُسجن على إثر هذه الواقعة، وهو لم يزل طالبًا بعد في مدرسة الفنون الجميلة. (حول ثورية مختار، انظر أبو غازي، ص ص 20-21). في ظل هذا يمكننا أن نتخيل ما كان يعتمل في وجدان مختار من مشاعر خاصة بثورة 1919. ومن ثم بزغت فكرة تمثال ’’نهضة مصر‘‘؛ وهنا يترك مختار منصبه وعمله كمدير لمتحف جريفين في باريس ليتفرغ لتجسيد هذه الفكرة التي ملكت عليه روحه ووجدانه وكل وجوده وكيانه على مدار عامين على نحو ما يمكن أن نستشف من عبارات صديقه ومعاصره في باريس مجد حفني ناصف، الذي يقول لنا:

’’تغلغلت الفكرة في صدر مُصوِّرنا فوضعها على الورق ثم صوَّرها صغيرة ثم كبَّرها حتى استقر قرار فكره على أن يكون حجمها هكذا، وكلما أراد أن يخط خطًا انبعث في مخيلته أثر من آثار جلال النهضة، يحاول مُصوِّرنا أن يترجم عما في فكره من الخيال فيظل يحذف ويضيف ويضغط ويُضخِّم، يرى أن هذه الهيئة من الطين لا تنطق بما في نفسه فيهدمها ثم يعيدها فإذا ابتعد عنها وقد أنهك العمل قواه العقلية والجسمية ووجد أنه ينقصها شيءٌ من الرونق والحياة حمل ذراعُه رأسَه ثم استند إلى منضدة ينظر إلى ما صوَّر وهو باهت؛ هكذا يبقى بقية النهار، فإذا استفاق جر أرجله إلى مخدعه فلا هو مستيقظ نشط ولا هو نائم مستريح. هنا تتضارب في نفسه مضارب شتى من الخيال فيبكر لتصويرها إلى ما قبل الغروب وهو مأخوذ بالأمل. يروقه ما صنع فيركب عربة وتراه بشوشًا خفيف الروح عليه مخايل الثقة بالنفس، ولكنك لا تلبث في اليوم التالي أن تراه مكتئبًا وهكذ وهكذا حتى تم له ما أراد، وإن ما يقع للشاعر في قصيدته أو الموسيقار في أغنية وضعها هو الذي وقع لمُصوِّرنا عامين.‘‘

(أبو غازي، مختار، ص 278)

لقد استثارت مقالات مجد حفني ناصف خيال الأمة المصرية واستنفرت طاقاتها الكامنة في تجسيد وتخليد لحظة يقظتها ونهوضها، خصوصًا أنه أشار في المقال الأخير إلى ضرورة اقتناء تمثال مختار بمعرفة البلديات ووضعه في ميدان عظيم من كل بلد، كما أنه قد توافق في هذه الأثناء أن سافر الوفد المصري برئاسة سعد زغلول إلى باريس للدعوة للقضية المصرية، وتعرف أعضاء الوفد على مختار من خلال الجمعية المصرية التي كانت غالبيتها من الطلبة المصريين، وقد شاهد أعضاء الوفد التمثال قبل أن يعرضه، فنال أعجابهم جميعًا، و’’أدركوا أن هذا الشاب المجهول هو من دواعي فخرهم وأنه بجهوده الصامتة يؤدي للقضية المصرية أجل الخدمات ومن واجبهم أن يُمهِّدوا له الطريق ليأخذ مكانه اللائق في بلاده.‘‘ (المرجع السابق، ص 279)

 

النسخة الباريسية من التمثال التي عرضها بمعرض الفنون بباريس ونال عليها الجائزة عام 1920.

ثم أخذت تتوالى مقالات عديدة لكل من حافظ عفيفي وأمين الرافعي، وويصا واصف، وواصف بطرس غالي تدعو للاكتتاب من أجل تمويل صنع تمثال ’’نهضة مصر‘‘. وفي ظل هذه الدعوات المُفعمة بالحرارة والزاخرة بالحماس، وما تم ترجمته ونشره من إشادات بتمثال مختار في ’’الفيجارو‘‘، و’’المجلة الحديثة للفنون‘‘ وسواها، أخذ المصريون يرون في تمثال مختار سفيرًا لقضية التحرر والحرية، وإنهاء الاحتلال، وأنه حُجة ناطقة على جدارة مصر بالحرية والاستقلال، وأنها أمة حية ونابضة ومتفجرة بالطاقة والحيوية وقادرة على وصل ما انقطع مع تراثها الحضاري العريق. بعبارة أخرى، وعلى حد ما تشير بث بارون؛ فإن الحماس لنجاح وإنجاز مختار في فرنسا قد أطلق حملة من أجل أن يتم نحت التمثال بالحجم والمواصفات التي تجعل منه أثرًا تذكاريًا. (Baron 2005: 67)

ولعل هذا هو ما حدا بالكثير من المصريين البسطاء والفقراء من صغار عمال وباعة جائلين وفلاحين وسواهم إلى أن يتبرعوا بقروشهم القليلة مشفوعة بخطابات تُعرب عن مدى أسفهم وأساهم لعدم قدرتهم على التبرع بالمزيد وتعكس إلى أي مدى يتماهون مع كل ما هو مُضمَّن في هذه الرسالة العالمية الناطقة باسم مصر، والمَمْهُورة باسم شعبها، على النحو الذي تُجسِّده سردية التمثال. ولا شك أن بعض هذه الرسائل المُصاحبة للاكتتاب تعكس وتُصوِّر وتُجسِّد ما كانت عليه المشاعر الوطنية في هذه المرحلة من تاريخ مصر من حرارة وحماس وتأجج واتقاد؛ إذ نجد عُمالاً، طلابًا صغارًا، أطفالا من البنين والبنات، وسيدات يتماهون جميعًا مع فكرة مختار وما تمثله فكرة مختار، لقد أصبح التمثال هكذا أيقونة للهوية المصرية التي بذل المصريون الكثير من التضحيات بحثًا عنها وفي سبيل إنجازها.

ولكيما نُدرك هذا يمكننا مُطالعة بعض رسائل المُكتتِبين، فهذه رسالة ’’الشحات إبراهيم الكيلاني‘‘، وهو أحد الفعلة البسطاء بهندسة السكة الحديد بالزقايق، وقيمة تبرعه ستمائة مليم: ’’إنني رجل فقير جدًا أشتغل بهندسة السكة الحديد الأميرية بوظيفة فاعل ويوميتي 70 مليمًا ومتزوج بيتيمة الأب وأم زوجتي تبيع ترمسًا ولي شغف بقراءة الصُحف عن عهد النهضة المصرية الأخيرة، بينما كنتُ جالسًا أقرأ جريدتكم الغَرَّاء بكيتُ بكاءً شديدًا فسألتني زوجتي عن سبب بكائي فأخبرتُها عن التبرع لتمثال نهضة مصر، ولم يكن معي نقود أتبرع بها خلاف 200 مليم فقالت زوجتي إنها تتبرع بمائة مليم أيضًا وقالت أمها مثلها وكذلك فعل أخوها وعمره 15 سنة، أمَّا أختها البالغة من العمر 13 سنة فقالت إنها لا تمتلك إلا 50 مليمًا فتبرعت بها، ولي طفل عمره سنة ونصف كانت أمه وفَّرت له 50 مليمًا فأحضرتْهم فأصبح المجموع 600 مليم، فأرجوكم أن تتقبلوا منا هذا المبلغ القليل لتوصيله إلى أمين صندوق تمثال نهضة مصر وتتوسطوا في قبوله، ونكون لكم من الشاكرين، هذا وإني أدعو جميع الفعلة زملائي في الزقازيق وخلافها وأدعو أيضًا جميع العمال للتبرع لتمثال نهضة مصر‘‘ (المرجع السابق، ص 281)

كما نجد صوتًا نسائيًا يُعبِّر على أجلى ما يكون عن مُساهمة المرأة الخلاقة في النهضة: ’’سيدي الفاضل مدير الأخبار: إن المرأة المصرية التي كانت لها يدٌ تُذكَر في تشجيع النهضة الوطنية في مصر لا تستطيع أن تُحْجِم عن البذل في سبيل إقامة تَذكار يُخلِّد ذكرى النهضة، ولا شك أن السيدة برهنت في الحركة الأخيرة على مبلغ شعورها بالواجب وإدراكها لمعنى التعاون، لا شك في أنها ستقوم بتأدية ما هو مفروض عليها لتنفيذ هذا المشروع الجليل الذي سيكون شاهدًا على أن المصري والمصرية متكافئان في تقدير الواجب وتشجيع العاملين، وإني أرسل إليكم مع هذا خمسة وعشرين جنيهًا آملة أن يكون ذلك فاتحة اكتتاب كبير تقوم به سيداتنا العاملات حتى تُبرهن المرأة المصرية مرة أخرى على أنها لا تتردد في الاشتراك في كل ما يعود على مصر بالنفع والخير. حرم حسن الشريف‘‘ (المرجع السابق، ص ص 281-282).

وهنا بالطبع ووفق الكيفية المستخدم بها دال ’’النهضة، في كلا الرسالتين يمكن للمرء أن يدرك بسهولة أن هذا الدال مُستخدَم وكأنه مرادف للفظ ’’الثورة‘‘. كما يصف أحد التلاميذ الصغار في رسالته هذا الاكتتاب بالقداسة إذ يقول إنه يريد أن يفتتح حياته ’’بالاشتراك في هذا الاكتتاب المُقدِّس‘‘ بنصف ما يملك وهو خمسة وعشرون قرشًا، ويُقسم بوطنية مختار، وهو قسم كما تعلمون عظيم، أنه لو كان يملك مئات الجنيهات لاكتتب بنصفها كذلك. وفي ظل هذه الأجواء الحافلة بالحماس والحرارة الوطنية يعود مختار من باريس إلى مصر ليُنجز مشروعه الذي لم يعد مشروعه وحده، وإنما مشروع الأمة بأسرها. وتبلغ اكتتابات المُكتتبين ستة آلاف وخمسمائة جنيه اقتطعها الكثير من فقراء هذه الأمة من قوتهم اليومي من أجل تحقيق وتجسيد الرمز، رمز نهضتهم. ويتم الترخيص من الحكومة بإقامة التمثال في ميدان المحطة في مدخل العاصمة، بقرار من مجلس الوزراء في 25 يونيو 1921 وأن يكون إنشاء القاعدة وإقامة التمثال تحت إشراف وزارة الأشغال. (انظر المرجع السابق، ص ص 276 – 283)

نعم لقد رأى المصريون في تمثال نهضة مصر خطابًا منشورًا أو رسالة مفتوحة للعالم أجمع عن جدارة مصر واستحقاقها للحرية والاستقلال؛ وكأنهم بشكل لا واعٍ كانوا يدركون أن كل من يرى من أصحاب الضمائر الحرة هذا الإبداع المصري المُعبِّر عن إرادة نهوض مصر لا بد من أن يقر بأحقية وجدارة مصر في الحرية والتحرر. لقد أدرك المصريون أن التمثال ما هو إلا تكثيف لكل آمالهم وطموحاتهم، ولكل أحلامهم وتطلعاتهم نحو المستقبل بقدر ما هو تلخيص جامع ومكثف لتراثهم الحضاري العريق الذي أخذوا ينفتحون عليه من جديد في ظل ما كان يظهر من كشوف أثرية متتابعة.

لقد كان مختار وكل المتحمسين للمشروع يدركون أن ما يصنعه مختار ليس مجرد تمثال أو عمل فني، بل إنه، ومن اللحظة الأولى، يصنع أثرًا خالدًا، يصنع عملاً هو، من لحظته الأولى ومن قبل أن تمر عليه السنون، أثر بكل معنى الكلمة، عمل مصنوع من لحظته الأولى ليدخل التاريخ بمعناه الفني والإنساني والسياسي والحضاري، أثر يُضاف إلى ثروات مصر الرمزية ورأسمالها الرمزي والثقافي. (حول مفهوم الثروات الرمزية، انظر Bourdieu 1996: 141-173 )

لكن إن كانت هذه هي مشاعر الغالبية العظمى من جموع المصريين، فقد كان هناك بالتأكيد من لا يريدون لمصر أن تنهض وألا تكون هنا في الزمان والمكان، وأن تظل على حد عبارات السياب ’’هناك في جانب التل تنام نومة اللحود‘‘ (السياب، أنشودة المطر، ص 124)؛ ومن ثم كانوا يناهضون ويعرقلون إنجاز هذا المشروع، خصوصًا أن هذه النهضة ــ الثورة، أو الثورة ــ النهضة اقترنت بعدوي القصر اللدودين: (الوفد وسعد زغلول) وقد كانوا بالطبع من أشد المتحمسين لمختار ولمشروع التمثال. ومن ثم فقد كان من المُقدَّر حتمًا على مختار ومشروعه أن ينال جزاءه من هذه الكراهية المُضمرة للوفد ولسعد من جانب القصر، ومن جانب كل الحكومات الموالية للقصر.

وهكذا لم يحل كل هذا الحماس من قِبل كل فئات وطبقات الشعب والصفوة دون الكيد السياسي من جانب القصر وحكومات القصر؛ ومن ثم لم تتوانَ كل الحكومات المُناهِضة للوفد، وعلى رأسها حكومة زيور باشا (1924-1926) عن أن تُعوِّق وتُعطِّل المشروع من خلال سخافات وتفاهات بيروقراطية عديدة، وهي سخافات من قبيل التلكؤ والتباطؤ في اعتماد المبالغ المالية المطلوبة لاستكمال المشروع بعد أن نفد مبلغ الاكتتاب، وإيقاف صرف مكافأة مختار أكثر من مرة من قِبل وزارة الأشغال، ومن العجيب أنه قد تم قطع المكافأة في إحدى هذه المرات بسبب سفر مختار إلى باريس وكأنه ليس فنانًا، وإنما، على حد رده على الوزراة، موظف في وزارة الأشغال تغيَّب عن العمل؛ ومن ثم وجب عليه الخصم نتاج تغيبه، في حين أنه قد سافر لأمور متعلقة بتمثال النهضة، ولكي يعرض تمثاليه ’’لقية في وادي الملوك‘‘ و ’’كاتمة الأسرار‘‘ في معرض الفنانين الفرنسيين، إلا أن المفارقة أنه بينما كانت الحكومة المصرية تقطع عنه المكافأة بحجة تغيبه كانت وزارة الخارجية الفرنسية تعد المذكرات للإنعام عليه بوسام جوقة الشرف تقديرًا لإبداعه. (انظر المرجع السابق، ص 48)

ومن التجليات الأخرى للفجاجة البيروقراطية التي مارستها الحكومة مع مختار مطالبته بتقديم شهادتي حُسن سير وسلوك، مما دفع مختار إلى الرد بخطاب لاذع في سخريته، (انظر أبو غازي، مختار، ص 50). والمؤكد أن مواقف وزارة الأشغال مع مختار في زمن زيور لا تدعو لشيء سوى السخرية، والسخرية اللاذعة والمرة. وكما يتضح فإن الكراهية الدفينة للوفد ولسعد من قِبل الملك فؤاد كانت بالتأكيد هي السر في ممارسة حكومة زيور الموالية للقصر، ممثلة في وزير الأشغال ’’حسين سري باشا‘‘، وموظفي وزارة الأشغال، لإبداعاتهم البيروقراطية العديدة والعتيدة من أجل تعطيل إتمام المشروع، خصوصًا أن الملك فؤاد كان قد قابل مختارًا بعد عودته إلى مصر، وطلب منه أن يصنع له تمثالاً نصفيًا؛ إلا أن مختارًا لم يستجب للطلب الملكي، وكأنه كان يستشعر في أعماق وجدانه نوعًا ما من تضارب المشاعر والانقسام الوجداني ما بين تجسيد وتخليد رمز نهوض الأمة وتطلعاتها وأحلامها، وتخليد ملك أقل ما يُقال عنه إنه لا يرتقي إلى مستوى طموحات أمته وشعبه.

وفي مقابل هذا بالطبع كانت تربط مختارًا بسعد وبالزعماء الوفديين علاقات وثيقة. وهكذا ظلت سياسة التلكؤ والمُماطلة مستمرة حتى فاز الوفد في انتخابات عام 1926، وشُكِّلت وزارة برئاسة عدلي يكن أغلب وزرائها وفديون. لكن على الرغم من كل ذلك، وكل ما عناه مختار من أجل إتمام تحفته الفنية هذه نجده يسمو ويعلو على كل هذه السخافات، وعلى أي نزعة ذاتية؛ ولعله هنا تحديدًا يجدر بنا أن نستمع إلى صوت مختار وكلماته، وهو يُوجِز لنا في عبارات كاشفة وبالغة الدلالة والتكثيف، وهو على وشك الانتهاء من إنجاز النسخة المصرية من التمثال في يناير عام 1927، سردية هذا التمثال الأيقونة وقصته التي ليست في الحقيقة سوى سردية فرعية على السردية الكبرى، أو السردية الإطار، أي سردية ثورة 1919 التي تولدت منها هذه السردية وسرديات أخرى عديدة سواها؛ إذ يسأله مندوب ’’البلاغ‘‘:

عد بنا إلى الوراء يا أستاذ واسردْ عليَّ بالاختصار تاريخ التمثال.

فقال:

ـــ كان ذلك في سنة 1920. وكنتُ حينذاك بباريس حيث اشتركتُ في المعرض العام. وليس الاشتراكُ فيه أمرًا سهلاً؛ لأن اللجنة صارمة جدًا في أحكامها، ويكفي أن أقول لك: إن الذين يتقدمون إليه لا يقل عددهم عن خمسة آلاف أو ستة آلاف، واللجنة تختار منهم ستين أو سبعين حفارًا تمنحهم الجوائز. ومجرد الاشتراك في ذلك العرض يُعد فخرًا كبيرًا للفنانين مثلنا. وقد لفت التمثال لما عرضتُه هناك أنظار اللجنة، وكان لي شرف أن أُنتخَب من بين الفائزين، ولا يسعني إلا أن أشكر الأمة المصرية التي قابلت هذا الخبر بالابتهاج، ومنذ ذلك الحين تكوَّنت فكرة إقامة التمثال في مصر، تخليدًا للنهضة القومية المباركة، وتشجيعًا للفنانين المصريين‘‘ ...

ـــ وإلى من يعود الفضل في تحقيق هذه الأمنية؟

ـــ لا أستطيع أن أجيبك على هذا السؤال وأن أحدِّد فضل هذا أو ذاك من أبناء وطني، فإن الأمة كلها اشتركت مع الحكومة في تحقيق هذه الأمنية. ولم يبقَ هناك فنانٌ يُدعى مختار أراد الناس أن يساعدوه، بل تحولت المسألة إلى فكرة وطنية، وإلى مساعدة الفن المصري. فتمثال نهضة مصر ليس مِلْكًا لأحد ولم يقم بصنعه فرد واحد، بل هو مِلْك لمصر ومصر كلها صنعته وسترفعه على قاعدته.‘‘ (المرجع السابق، ص 309، التشديد من عندي)

إن عبارات مختار هذه حافلة بالكثير والكثير من الدلالات والمعاني والقيم، إذ إنها بداية تنم عن تجرد قلما يُتاح أو يروق لذات مبدعة أن تتحلى بمثله أو أن تمارسه. كما أنه يُدرك ما للأمة المصرية من دور محوري في إبداع هذا التمثال، لا من حيث ما تم التبرع والاكتتاب به من أموال المصريين الفقراء المتحمسين للفكرة إلى حد الشغف والعشق والتقديس، بل من حيث ما قامت به كل فئات وأفراد الأمة من انتفاض ونهوض وثورة وما بذلته من تضحيات كانت وراء إلهامه بفكرة التمثال، إذ إن المُضْمَر في خطاب مختار، لكنه المؤكد، أنه لولا سردية الثورة ما كان التمثال وما كانت سردية التمثال. ’’فتمثال نهضة مصر ليس ملكًا لأحد ولم يقم بصنعه فرد واحد، بل هو ملك لمصر ومصر كلها صنعته وسترفعه على قاعدته.‘‘ هكذا نعود إلى أقنوم ’’الكل في واحد‘‘ الذي تجلى في عودة الروح لدى توفيق الحكيم. وكأن تمثال ’’نهضة مصر‘‘، وفق عبارات العبقري المُبدِع مختار، ليس عملاً فرديًا، بل إبداع جماعي أبدعته ثورة 1919 عبر وسائط عدة منها مختار نفسه الذي تلقى وحي الأمة فصاغ الفكرة في هذا النموذج المُصغَّر، ثم عادت الأمة لتتبنى الفكرة وتدعمها ماديًا ويقوم هو بتنفيذها مُجَدَّدًا في صيغتها الأكمل في مصر.

لكنه هنا لا يكف أيضًا عن الإبداع والتحدي لنفسه كيما يبلغ بالفكرة آفاق الكمال، لا من خلال إعادة النظر في تمثيل الفكرة ولكن من خلال إعادة النظر في المادة المُجسِّدة للفكرة؛ إذ يختار مختار حجر الجرانيت ليكون المادة التي يُجسِّم ويُجسِّد من خلالها الفكرة في نسختها المصرية. وحين يسأله مندوب البلاغ:

ـــ ولماذا وقع اختياركم على حجر الجرانيت الذي يصعب نحتُه والذي يُقال إنه من أصلب ما يُوجَد من الحجارة؟

يُجيبه هكذا:

ـــ وقع اختيارنا عليه لأن قدماء المصريين كانوا يصنعون تماثيلهم منه، فأردنا أن نربط الماضي بالحاضر، وكأننا الآن نعود إلى ألفي سنة إلى الوراء، ونقطع الجرانيت من المكان الذي كان أجدادنا يقطعونه منه لصنع تماثيلهم. (أبو غازي، مختار، ص 309) ولكيما ندرك ما يعنيه النحت في الجرانيت، دعونا نستعرض ما يسرده لنا مندوب البلاغ ’’نهض الأستاذ مختار وتناول ’’الأزميل‘‘ أو ’’الأجَنَة‘‘ التي اشتغل بها واقترب من التمثال وضرب ضربتين متواليتين فتطاير الشرر من الحجر وانكسرت ’’الأجَنَة‘‘ ثم التفتَ إليَّ وقال:

ـــ هذا ما يجري لنا منذ ابتداء العمل، يوجد عندنا هنا حَدَّاد لا عمل له إلا صنع ’’الأجَنَات‘‘ هذه التي تنكسر بعد ضربتين أوثلاث.‘‘

(أبو غازي، ص 310)

أما عن علاقة النسخة المصرية بالنسخة الباريسية، فيسأل مندوب البلاغ مختار:

ـــ هل أدخلت على النموذج الذي عرضتَه بباريس تعديلاً ما؟

ـــ كلا؛ فإن هذا التمثال الكبير ليس إلا صورة طبق الأصل للتمثال الصغير الذي عرضتُه بباريس ونلتُ الجائزة عليه. على أن هناك بعض تعديلات فنية طفيفة أدخلتها عليه وهي لا تُغيِّر شيئًا في أصله. (أبو غازي، ص 310)

وأخيرًا، وبعد هذا اللقاء تأتي جولة أخرى من جولات البيروقراطية المصرية الأصيلة، إلى أن يترأس النحاس الوزارة، فتتدافع عجلة العمل ويتم إنجاز التمثال، إلا أن الملك يؤجل رفع الستار أكثر من مرة، إلى أن يتعطف ويتكرم ويوافق على تحديد يوم الأحد الموافق العشرين من مايو عام 1928؛ فتجتمع رموز الصفوة المصرية في ميدان محطة العاصمة، ميدان السكة الحديد، ليشاركوا في حفل رفع الستار عن هذه التحفة الجرانتية التي استغرق الانتهاء من تشكيلها، بفضل الأيادي البيضاء للبيروقراطية المصرية العريقة، ثماني سنوات كيما تتحول من آفاق الأمل والطموح والرغبة لأمة حالمة ومناضلة إلى واقع مرئي وملموس يجسد آمال وأحلام هذه الأمة في النهضة والنهوض. وقد كان ممن حضروا من رموز النخبة وممثليها مليك البلاد آنذاك الملك فؤاد، وأعضاء البرلمان، ورئيس الوزراء مصطفى النحاس باشا الذي ألقى كلمة الاحتفال، وأعضاء الحكومة، فضلاً عن جموع الصحفيين والمراسلين، والمندوب السامي البريطاني لورد لويد، وبالطبع، وعلى رأس كل هؤلاء جميعًا، خالق العمل ومبدعه محمود مختار؛ فضلاً عن إلقاء قصيدة شوقي التي نظمها بهذه المناسبة. (انظر رزق، نهضة مصر، جريدة الأهرام، بتاريخ 28 فبراير، عام 2002)