يمكن النظر إلى القصة كفصل في سيرة ذاتية، فالراوي يفتتح النص بعبارة "ورأيتني طفلًا هزيلًا أخضر العود" ليسرد حكاية رحلة الطفل "جميل" فجرًا، في قرية يتعايش فيها البشر والحيوان والنبات والأسطورة، لينادي القابلة التي تسكن على أطراف البلدة لتوليد أمه، تذكير شجي، بمشهد أنقذته الكتابة وأبقته حيًا.

والصبح إذا تنفّس

صفوت فوزي

 

ورأيتُني طفلًا هزيلًا أخضرَ العود، يغالبُ خوفَه، يتعلقُ بأهداب فرحةٍ ضنينةٍ تتوهجُ في داخلي. أنفَلِتُ من زمتة الحيطان الخانقة، أمسك بذيل جلبابي في أسناني وأقول يا فكيك، أتقافزُ فرحًا كجدي صغير، أتسمَّعُ وقعَ أقدامي هابطًا درجات السُّلَّم الحجري المتآكل. شرخة ضوء هزيل تشق عتامة بئر السلم. القطط الجرباء الجوّابة ماءت بوحشيةٍ وانفلتت هاربة، وأنا مروَّعٌ بفزَعِ الصغار، أسمع دقات قلبي تضربُ صدري كمقرعةٍ. أعدو في الحارات الضيقة الساكنة المعتمة في غبشة الفجر. أتفادى بِرَك الماء الصغيرة التي تجمعت من مطر الليل، والكلاب الهاجعة لصق الجدران، والفئران النشطة تطاردها عِرس دؤوبة متوفزةٌ. أراها فيرتجفُ بدني ويتداخل بعضي في بعضي وأواصل الجري. أتطلع إلى سماءٍ حليبيةِ اللونِ، والقمر ابن أربعة عشر يفرش ضَوءَه على البيوت النائمة، رمادية ومتربة. أعب ملءَ صدري من هواء الصبح النقي. قدماي طيعتان، وروحي في خفة طائر محلق. على سطح قريب يطير الحمام ويحط على القش والأفرع الجافة.

أعبر الجسر الخشبي الضيق. أفرد ذراعيَّ، تتأرجحان في الهواء. أوازن حركتي المندفعة إلى الأمام. أتلمس خطوات محسوبة حذرة على فلق النخيل الذي يهتز وينزل بي قليلًا. اهتزاز الفلق تحت قدمي له وقعٌ مرنٌ مطواع، يغمرني بنشوةٍ خفيفةٍ تصعد إلى القلب ممتزجةً برعب الوقوع في المصرف. تتصاعد منه الآن رائحة النتَن فتُفعِم رئتي بالعفن والعطن.

ينفسح الطريقُ أمامي غامضًا، يكاد يكون خاليًا، تومض فيه ارتعاشات أضواء هزيلة تقاوم الانطفاء. أفرد ذراعيَّ على امتدادهما. أميل بجذعي يمينًا وشمالًا. أسابق الريح اللينة التي تهب الآن عبر فضاء الحقول.

على البعد، ماكينة طحين "راغب" غبراء كالحة بجرمها الهائل، جاثمة على طرف الحقول الممتدة حولها، كجملٍ خرافيٍّ بَارِكٍ. قابعة هنا منذ خلق الله الأرض. تطير الغربان وتحط على سطحها المائل. أنظر إليها فيضطرب قلبي ويفارقني أماني. يطلُّ الفزعُ من مداميك بنائها القديم، وأركانها المعتمة. تنفث الدخانَ والبخارَ من مدخنتِها التي تطعن السماء. يأتيني صوت تكاتها رتيبًا منتظمًا، يهز الأرجاء في الصمت الجاثم الممتد، تك.. تك.. تك. بابها الحديدي الكبير، حين يُفتح، يئنُّ أنينًا صدئًا مفزعًا ينفذ إلى رأسي. ينبثق من أعماقي تحذير أمي المتكرر: لا تقترب من ماكينة الطحين، فإنها لكي يدور حجرها الكبير لابدَّ أن يُراقَ عليه دمُ طفلٍ صغير. الحيرةُ والأسئلةُ المربكة التي تنهمر داخلي: لماذا لا يذبحون جديًا صغيرًا أو ماعزَ بدلًا من الطفل الصغير؟ تُرهِقُني الأسئلة المرة، وليس من مجيب. أعدو مسرعًا كعصفور مطارَد، ورعشة تعصف ببدني المتصلب.

تلة مرتفعة على تخوم القرية، تتخللها فتحات بُنيت من الطوب اللبِن تبدو كعيون واسعة مبقورة. تهدمت أجزاءٌ منها، وتصدّع البعضُ الآخر، وبقي بعضُها شاهدًا على جبانات القرية القديمة، مراقد جُنوب الذين رحلوا وطوتهم الأزمنة. هجرها الأهالي منذ زمن بعيد، وصاروا يدفنون موتاهم في الجبانة الجديدة المبنية بالطوب الأحمر والأسمنت.

همساتٌ وأقاويل كثيرةٌ تترددُ بين أهل القرية والقرى القريبة، عن كنوزٍ مخبوءةٍ تحت الجبانة القديمة وفي أقبيتها المعتمة الرطبة. أوانٍ فخارية مملوءةٌ بمشغولاتٍ ذهبيةٍ، وجرارٌ قديمةٌ تحوي تعاويذَ وتمائمَ تجلبُ السعدَ وتفك الضيقَ وتَهِبُ الولدَ للعاقر. كانوا ينبشون هذه الجبانات، وهم يقسمون بأغلظ الأيمان أن الحاج "سيد" لحاد القرية، عثر في إحداها على رقبة جمل من الذهب الخالص. باعها واشترى بثمنها فدادين كثيرة، وابتنى له بيتًا كبيرًا من الطوب الأحمر والأسمنت على أطراف القرية، وصار من أغنياء المنطقة وكُبَرَائها.

وكنت ألبدُ بجوار السور اللبِن القريب، يضرب الخوفُ قلبي، أراقب العيال الأكبر سنًّا وهم يتسلقون الحوائط الطينية. ينفذون من الفتحات الفاغرة أفواهها، مهددةً وقادرةً على ابتلاعهم جميعًا داخل بطنها المظلم الرطب. أشغل نفسي بالتطلع إلى أشجار الكافور السامقة، وهامات الجميز العتيقة الطيبة، تحرس الموتى وتؤنس وحدتهم. يغيبون فيخفق قلبي، ثم يخرجون تباعًا وبيد كلٍّ منهم عظمةٌ من عظام الموتى. أموت رعبًا وأتداخل في جلدي. يقفز إلى الذاكرة تحذيرٌ محفورٌ في لحم العمر الفائت: من يتجرأ على انتهاك حرمة الموتى تحل عليه اللعنة. أخبرهم فيسخرون منى: عيّل خوّاف.

أعدو بكل عزم الخائفين، أنصت للريح أعالي الشجر.

يلوح على البعد منزلُها، مقصدي. قابلة العائلة. على يديها العجفاوين وُلِد كل أطفال العائلة والجيران. عاش منهم من قُدّر له العيش، ومات الآخرون، وبقيت هي تحمل ذكريات كل الذين أخرجتهم للحياة. أمي أنجبت سبع بطون. ماتت "فيفي" وهي بعد رضيعة، وبقي الآخرون يصارعون الحياة وتصارعهم، واخترت أنا أن آتي إليها. امرأة عمي أنجبت ثمانية. عاش أربعة منهم ورحل الباقون. عاشت بحسرة الذين ماتوا، وانطفأت الفرحة في عينيها حتى لحقت بهم.

على أطراف القرية، عند آخر حدود العَمَار يقع بيتُها، وحيدًا، منعزلًا، تحيط به الغيطان. غرفتها في الطابق الأرضي على يمين الداخل.

طرقت الباب طرقًا خفيفًا.

  • من؟
  • جاءني من الداخل صوتُها المشروخ بالعجز وطول فوات السنين
  • أنا "جميل" يا ستي.

من فتحة الباب تطل عليَّ متشحة بالسواد. رفعت شريط المصباح فأزاح عكارة الظلام وبانت ملامح الأشياء. في عينيها الخابيتين ونس عطوف، وتساؤل ودود. على الحصير الأبيض المفروش، طعامها الخشن، قطعة من جبن الجرار القديم ورغيف شمسي. حيطان مبقعة حائلة اللون ترك الزمنُ والغبارُ والوهنُ بصماتٍ واضحةً غائرةً في لحمها. ثمة مسامير معلقٌ فيها ملابس قليلة، وصورةٌ كبيرةٌ للعذراء مريم بوجهها القمري المنير تحتضن وليدَها.

في الضوء الشحيح، أتأمل وجهها الصغير، العطوف، وبدنها الهزيل، جلد على عظام، يغرق في ثوبها باهت السواد. يفيض من العينين الضيقتين دفء سيال.

أمسكتِ البابَ وهي تزرُّ عينيها محدقة إليَّ. امرأةٌ طيبةٌ تحمل في قلبها فيضَ المواسم وشُحَّ السنين، رمادَ الذين ماتوا وفرحةَ الذين عاشوا وكبروا وعمروا الأرض والبيوت. لمبة الجاز المعلقة على الحائط، بلهبها الأصفر الوسنان، يلقي بظلالٍ باهتةٍ على الجدار وهي تسألني، وأنا أجيب:

أمي بتولد، وأرسلتني إليكِ.

في همةٍ باديةٍ، عصبت تربيعتَها ذات الترتر الأسود منطفئ اللمعان، فوق شعرها الأبيض المفروق ينتهي بضفيرتين مطروحتين على الظهر. تسوِّي ياقةَ ثوبها بكفها الصغير المرتعش. رمت بطرفِ طرحتِها على كتفها الأيسر، وتناولت حقيبةً من قماش. مددت لها يدي. أغلقت الباب، وسرنا معًا.

البيت يموجُ بحركةٍ متوترةٍ قلقةٍ، مترقبةٍ، واسم العذراء مريم، أم النور، تهمس به الشفاه ضارعةً متوسلةً. المرأة القابلة هادئة، عارفة، حازمة. تطلب أصنافًا من العطارة، وتُخرج أشياء أخرى من حقيبتها القماشية. فوق أغصان شجرة قريبة زقزقت عصافير تستقبل الصبح الذي يتنفس الآن، وشمس الله الوليدة تُطلُّ من خلف السحاب. انفرطت دجاجاتُ الدار تنبش الأرض، تلقط الحَبَّ في حيويةٍ باديةٍ. شقت فراغ الغرفة وسكونها صرخةٌ حادةٌ رفيعةٌ وانفتح الباب. أختي الوليدة ترفس الهواء برجليها الرفيعتين الصغيرتين وتصرخ. دوَّت زغرودةٌ طويلةٌ، والفرحة تزدهي في الوجوه المرهقة، وأمي عيناها نديَّتان بالدموع.