تقدم الباحثة في الثقافة الشعبية المصرية هنا عرضا لأحد الكتب المهمة التي صدرت حديثا باللغة الفرنسية وحرره باحثان فرنسيان بارزان في هذا المجال. وهو كتاب جديد يشهد على غنى وتأثير ثقافة البوب المصرية، ويقدم تحليلات مختلفة لمدى قدرتها على التعبير عما يمور به الواقع من توتر واحتجاج من ناحية، والتأثير في الذائقة الأدبية والفنية من ناحية أخرى.

ثقافة «البوب» في مصر

بين التيار التجاري السائد والوقفة الاحتجاجية

سـمـر شـنوده

 

يقدم هذا الكتاب الجماعي (ثقافة البوب في مصر) من تأليف مجموعة من الباحثين وإشراف ريتشارد جاكمون وفريدريك لاغرانج، بانوراما شبه كاملة عن الثقافة الشعبية في مصر فهو يحلل المظاهر الثقافية التي يتناولها الباحثون في كتاباتهم عن مصر، والتي تقتصر غالباً على تحليل النصوص الأدبية، الفضاءات الصوتية، والمرئيات، إلخ. ومن هنا تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يقدم الإنتاج الأدبي المصري بجميع أشكاله التسويقية: الدعاية، الروايات، تعليقات الصور، المسلسلات. يحلل مؤلفو المقالات التسعة ثقافة البوب المصرية في سياقها التاريخي الأدبي خلال فترة ما قبل الثورة والثورية، وما بعد الثورة، وأخيراً في الفترة الحالية والعقد الأخير عامة.

يسلط الكتاب الضوء على فترة الثورة الشعبية التي حدثت في مصر عام 2011، ويظهر خصوبة ثقافة البوب المصرية على الرغم من الاضطرابات التي هزت المجتمع بجميع مستوياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية. كما يؤكد على أثر الثورة في المجالات الثقافية حيث أضحت مكانًا يعبر فيه الفنانين والمثقفين المصريين عن أراءهم ويقفون في ساحات الاحتجاج مع الجماهير الغاضبة الهاتفة للحرية. يشير الكتاب إلى أن الخلخلة الحاصلة في المجالات الثقافية المختلفة قد غيرت مفهوم التعاطي مع الأدب الشعبي، وأعطته مكانةً جديدة. وهنا فقد تأثر الحقل الثقافي بالثورة، وفي نفس الوقت استمر الفنانون في الإنتاج على الرغم من القيود السياسية التي شهدتها تلك الفترة. يؤكد هذا الكتاب إذاً أن الثقافة الشعبية في مصر هي ثقافة تغيير تتكيف مع أي مناسبة اجتماعية أو سياسية.

يحتوي هذا الكتاب على تسعة مقالات تتمحور حول الثقافة السائدة المسوقة تجارياً ودراسة "نصوص وصور ومسلسلات من الإنتاج الثقافي المصري بكل أوجهه كالثقافة الشعبية والثقافة الفرعية والتيار الفني السائد"، كما نقرأ في مقدمة فريديريك لاغرانج. وينصب الجزء الأول من المجلد على خيال البوب من شكله الكتابي إلى السمعي البصري.

في الفصل الأول، يدرس ريتشارد جاكمون (Richard JAQUEMOND) حالة المؤلف الشاب أحمد مراد الذي كتب حتى الآن ستة روايات تعتبر من الروايات الأكثر مبيعاً في مصر. حيث أنه يعتبر من أكثر الكتاب قراءةً. ويضع قائمة بالمؤلفين العرب الأكثر قراءة على موقع Goodreads والشبكات الاجتماعية، والذين لهم تأثير واضح على الإنتاج الأدبي في مصر. يعتقد جاكمون أن المؤلفين المصريين يستخدمون وسائل جديدة لزيادة شعبيتهم لدى الجمهور مثل شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك وتويتر) والتوقيعات والمقابلات التلفزيونية وغيرها.

في الفصل الثاني، تشدد تيريزا بيب (Teresa PEPE) على اقتباس الرواية وتحويلها إلى مسلسل تلفزيوني حيث تقدم المثال الأشهر في مصر وهي رواية الروائي صنع الله إبراهيم "ذات" التي تم بث مسلسلها التلفزيوني وأخذت العنوان نفسه (ذات) خلال شهر رمضان في يوليو 2013. في الفصل الثالث، يقدم الباحث غايتان دو روي (Gaëtan du Roy) تحليلاً للعلاقات بين الأديان في مصر من خلال رمزية منطقة شبرا الشعبية حيث يعيش المسلمون والمسيحيون المصريون في حالة تعايش سلمي لا مثيل لها.

يتركز الجزء الثاني من الكتاب على فكاهة البوب والضحك بين التلفزيون والإنترنت. في الفصل الأول، يدرس الباحث عمرو كمال (Amr KAMAL) النسخة العربية للبرنامج الأميركي (Saturday Night Life) وهو برنامج مصري كوميدي شهير يحمل ذات العنوان "ساتردي نايت لايف بالعربي" والذي يبث على قناة ON المصرية. يحلل عمرو كمال، من وجهة نظر لغوية، المفارقات اللغوية المختلفة الناتجة عن الخلط بين المستوى الأدبي والعامي. في الفصل الثاني، يدرس فريديريك لاغرانج (Frédéric LAGRANGE) إعلان البيرة الشهير بيريل (Birell) الذي يعبّر عبر عن أهمية الفكاهة، وخصوصاً خلال الثورة المصرية. تم بث هذا الإعلان بين عامي 2007 و2017، أي أنه بدأ قبل ثورة 2011 في مصر واستمر بعدها، ويلاحظ لاغرانج أنه يستخدم نفس الشعارات (استرجل واشرب بيريل)، وهو رمز يضع الرجولة على المحك وخصوصاً خلال الثورة. في الفصل الثالث، يناقش المؤلف شهاب الخشاب (Chihab al-Khachab) التعليق الكوميدي الذي يقتبسه المصريون من الأخبار السياسية والصور والمسرح والمسلسلات التلفزيونية وينسبوه للأحداث السياسية، كما يقوم بتحليل بعده الدلالي والتاريخي في وسائل الإعلام والوسائط الرقمية مع التركيز على السخرية من الشخصيات الوطنية المصرية على فيسبوك.

يتمحور الجزء الثالث من الكتاب حول موسيقى البوب، من أغنية الاحتجاج إلى الأغنية الإلكترونية حيث يحلل الباحثون ثقافة البوب الشعبية وحضورها في الأوساط الشعبية ثم انتشارها على المستوى الوطني المصري. في الفصل الأول، تقوم الباحثة سفرين غابي تينبوت (Séverine GABY-THIENPONT) بمعاينة الاتجاه السائد لموسيقى الشباب المشار إليها بتسمية (البديلة)، التي تنتمي كلماتها إلى نوع موسيقى الروك، والموسيقى الالكترونية. يتخطى هذا النوع انتاجات الشباب المحلية، ويتحول إلى ظاهرة وطنية حيث أنهم قاموا بأقلمة محتوى أغانيهم مع الثورة عام 2011.

في الفصل الثاني، قامت الكاتبة مي تلمساني (May TELMISSANY) بدراسة معاني ودلالات الأغاني السياسية التي غناها المصريون في ميدان التحرير منذ اندلاع الثورة عام 2011. تشكل الأغنية السياسية تعبيراً عن فعل المقاومة بشكلٍ واضح، وهي تجدد أمل المصريين بضرورة تغيير الحكم واسقاط حكم مبارك. في الفصل الثالث، يلقي المؤلف نيكولا بويج (Nicolas PUIG) نظرة على موسيقى المهرجان، ويوضح كيف نشأت من هامش الثقافة الشعبية. يعتبر المهرجان جزءاً من الثقافة الجماهيرية في مصر وتعزف موسيقاه في الأعراس المحلية. يكشف المؤلف عن انتقال هذا الشكل من الثقافة الشعبية في مستواها المحلي، إلى المستوى الوطني المصري من خلال اهتمام كبار المؤلفين والنجوم بالمهرجان، ويمنح هذا الاهتمام قيمة كبيرة للمهرجان الذي غالباً ما تم تشويه سمعته في الأوساط الفنية والثقافية على اعتبار أنه فنٌ هابط.

يتركز الجزء الرابع من الكتاب على محور الشارع والأساطير ونقرأ فيه مقال واحد بعنوان "نزهة مع المجرمين. شارع البوب. والشارع وأساطيره على مقال واحد بعنوان "يمشي مع المجرمين: على خطى رية وسكينة في الثقافة الشعبية المصرية المعاصرة ". تستحضر الكاتبة إيلينا تشيتي (Elena CHITI) الأسطورة المعاصرة من خلال قصة الأختين ريا وسكينة اللتين أصبحتا أيقونة في الذاكرة المصرية الجماعية وفي الأوساط الفنية، لا سيما المسرح.

يعتبر هذا الكتاب مرجعاً أساسياً لمن يرغب بالاطلاع على ثقافة البوب والغناء وتسويقها في مصر، سواءً أكان مختصاً بالشأن المصري، أو مهتماً بثقافات وأعراف الشعوب؛ ولا سيما مصر ذلك البلد الغني عن التعريف الذي يعتبر الفن فيه ملهماً لكل فناني البلدان العربية. يدرك القارئ إذاً غنى ثقافة البوب الشعبية في مصر، والتي تستمر في سحر الثقافة العربية والتأثير عليها في جميع أشكالها المكتوبة والسمعية البصرية والغنائية. تنشر هذه الثقافة المصرية المحلية ويتم تسويقها على نطاق واسع على الشبكات الاجتماعية وفي وسائل الإعلام لدرجة أنها أصبحت مرجعاً أساسياً لجميع المهنيين ومحبي الثقافة العربية.

 

الكتاب

Culture Pop en Egypte: Entre Mainstream Comercial et Contestation (Paris, Riveneuve, 2020)