يكتب الناقد المصري أن الرواية اعتمدت على القصة المتصاعدة زمنيا، ما خلق الرغبة لدي القارئ للمتابعة، سعيا للوصول إلى نتائج ما يمكن أن يحدث، منبثقا من تلك المظالم التي تؤجج الرغبة في الانتقام والخلاص من الظلم. غير أنه لم يستسلم كلية للصيغة التقليدية في الحكي.

الرقص والغناء.. في .. «حصن الزيدي»

شوقي عبدالحميد يحيى

 

يولد الإنسان علي الأرض، كقطعة من العجين، السهل تشكيلها. ذلك التشكيل الذي يخضع لعاملين رئيسيين، ينضم تحتهما، كل المؤثرات الفرعية، والتي بدورها منبثقة من هذين العاملين، وهما الجغرافيا والتاريخ. وإن لعبت الجغرافيا بدورها في صُنع التاريخ. لتصبح الجغرافيا، هي المؤثر الرئيسي في صنع الإنسان علي الأرض.

فإذا ما أردنا أن نستدل علي ذلك، فقد لا نجد أكثر من "اليمن" كمنطقة جغرافية، صنعت تاريخا، متواصلا، ومتأصلا، نستطيع من خلاله قراءة الأوضاع الملتبسة علي تلك الأرض، والممتدة عبر سنين طويلة، رغم اختلاف الزمان، وتعدد الشخوص، الذين يصنعون التاريخ، ولتفرض ظروف الجغرافيا طبيعتها الصحراوية علي الأشخاص، فتصيبهم بالرعونة، وقسوة القلب، واستخدام القوة في السيطرة علي مصادر العيش، فترجع بنا إلي وجود الإنسان علي الأرض. وهي الرؤية التي سعي إليها الروائي اليمنى "الغربي عمران" ، في مشروعه الروائي الممتد عبر رواياته "مصحف أحمر" 2010، "ظلمة يائيل"2012، "الثائر" 2014 "مملكة الجواري" 2017 وصولا إلي "حصن الزيدي" 2019.[1] والتي سعي من خلالها، جميعا، إلي استبطان التاريخ اليمنى، وليؤكد ما رددناه طويلا من أن الروائي هو المؤرخ الحقيقي، والذي من خلال عمله نستطيع التعرف علي حياة البشر في منطقة محددة، في تاريخ محدد.

فمن خلال "حصن الزيدي" نتبين الوضع السياسي، والمنبثق من تضاريس المنطقة، وما يلعب الدور الرئيس في خلق حواجز بين منطقة وأخري، وكأنه تحديد لحدود دول متجاورة، وهو ما نجح الكاتب في التعبير عنه، في العنوان الرئيسي، وفي تحديد الجزء من الدولة، وكأنه دولة مستقلة، باستخدامه لكلمة (الحصن) وكأنه يحصنها من اعتداءات الآخرين:

{حتي يوم مقتل "عنصيف"، كانت قري الوادي مقسمة إلي مشيختين، فقري مشرق الوادي تتبع حصن "مرداس، وقري مغربه تتبع دار "شنهاص" في قرية الجفنة. وكانت العلاقة بين الشيخين تتسم بالعداء المستمر، فكل منهما يتربص بالآخر}ص21. وهو ما يذكرنا بمناوشات الجيرة، التي تجري بين العديد من دول العالم. فهنا أيضا نجد أطماع التوسع والسيطرة التي تنتج عن الجيرة، فضلا عن القرابة، وكأننا أمام أوضاع عالمنا العربي عامة، والتي من المفترض أن ما يجمعها، ليس الجيرة فقط، وإنما نوع من قرابة النسب والدم أيضا. فيشن "مرداس" حربا علي "شنهاص" ، وبعد تدمير البيوت، ولم يكتف المنتصر "مرداس" باقتياد زوجة "شنهاص" وابنتيه وابنيه فقط، وإنما{ بترت الأكف اليمني للذكور، وسُملت العين اليسري كل أنثي، ثم أودع الذكور حبس الحصن.. وأعلن "مرداس ضم القري إلي أملاكه}ص21.– وهو ذات الفعل في رواية الكاتب "الثائر"[2] حيث سعي إلي تأكيد ذات الرؤية، بتفريغ عيون رموزها جميعا، وتحويلهم إلي عجزة، ومكسحين، حتي أن قائدها "علوس" يسير علي عجلة، بعد أن انتزع ذراعه وساقيه.

 ومن بين الرجال في الحبس، كان ابن"شنهاص" - ابن عم الشيخ، والاستيلاء علي أرضه- الذي هرب منه بعد حين، ومن بين النساء، وأُلحقت بالخدم ابنته "شادن" التي زرعت الود والتسامح في نفس "زهرة" ابنة "حمامة"، التي حملت بها سرا من "عنصيف". لتظل "زهرة" في حماية "شبرقة" سرا، لعلمها بالحقيقة، غير المعلنة، وفي حمي الشيخ ""مرداس" فيما بعد. ولتصبح هي الناجية، لتلتقي ب"قارون" ، بمباركة "عيشة" الزوجة الثالثة للشيخ "مرداس"، سعيا وراء الانتقام من كل من "مرداس" زوجها السابق، و"زيد الفاطمي" زوجها الحالي، والتي كانت من بين ما اغتصبه الأخير من الأول، بعد أن أودعه سجن الحصن، في صورة مزرية. 

وبعد مقتل "عنصيف" ابن شيخ القبيلة، الذي راح يُعمل قوته في الأخدام، ويعتدي علي بناتهم، ومنهم "حمامة"، التي كانت ضمن خدم "شبرقة" أولي زوجات الشيخ "مرداس" فحملت منه في "زهرة"، ليبدأ مستشار (السوء) "زيد الفاطمي، في بث سمومه، برسم الغواية للشيخ {جلس "زيد" إلي الشيخ بعدما تفرق الجمع، مشيرا: أري أن تشيعوا أن "شنهاص" هو من يقف خلف قتل "عنصيف" ، وأنه من شجع القاتل علي ما ارتكبه. ولنعمل بسرعة لتجهيز الرعية فنباغت قري الغرب ونضمها إلي مشيختنا. علينا أن نستغل هذه الفرصة التي لن تتكرر}ص18. وتسري تلك السموم في دماء الشيخ "مرداس"، الذي لم يكفه قتل ابنه "عنصيف" كواعظ ورادع، فأطلق ابنه الثاني في الرعية، لتبرز طبيعة الأم، "شبرقة"، التي تخشي علي ابنها الثاني من مصير ابنها الأول، فتستعطف الأب الذي قُد قلبه من حجر، أمام جبروت السلطة، والمال، ف{ تتذكر "شبرقة" أنها أرسلت في طلب زوجها، وتوسلت إليه ألا يشجع "جبار" علي ارتكاب المظالم. ذكرته بمصير "عنصيف" الذي ذهب نتيجة إهانته لأعراض الرعية. ركعت بين يديه دامعة ترجوه حماية من بقلبها، فرد عليها ساخرا: ولدك مقدام، وما شكوي الرعية إلا دليل شجاعته، هو شيخهم، والشيخ إن لم يتعلم برعيته فبمن سيتعلم؟}ص33. لتظهر أحد معالم الطبيعة الصحراوية، الفارضة وجودها علي الأشخاص، ليس تحجر القلب علي الرعية فقط، وإنما حتي علي أولاده. فحين قُتل ابنه "عنصيف"، لم نشعر بأي عاطفة من الأب علي ابنه، بل ماحدث هو الاستسلام، لوسوسة الشيطان "زيد الفاطمي" باستغلال الفرصة، في الاستيلاء علي أراضي وممتلكات ابن عمه، وضمها إلي ممتلكاته.

وأيضا، عندما عاد ابنه الثاني "جبار" من إحدى غاراته، مصابا، وعلم الشيخ أن ابنه لن يقف علي قدميه بعد الآن، وجه البارود إلي صدره، وسط الجميع، وأرداه قتيلا، دون أن يطرف له جفن. وكذلك بعد مقتل ابنتيه – من "شبرقة" فلم يظهر عليه حتي الاستفسار، عن سر مقتلهما، أو عن من قتلهما. وكأنهما لا يعنيانه.

ويلعب الزيدي دوره الثعباني في بث سمومه الثنائية التأثير، حيث تؤجج السعير في قلوب الحكام، وتزين لهم أفعالهم. كما أنها في ذات الوقت تصب زيت الاستسلام علي قلوب الرعية والخدام، فيسهل قيادهم، بل وبطواعية وإيمان منهم. ففي ساحة التعذيب، عقب صلاة الجمعة، وقبيل أن يبدأ حفل التعذيب بتقطيع الأيدي، وحين يُحكم الوثاق علي أعمدة التعذيب، يتلو المستشار الديني لشيخ القبيلة، وكاتب الخراج المجموع من الناس إلي بيت الشيخ، موعظته، جاعلا من آيات القرآن وعاء يصب فيه ومنه التهم، ويبرر الأفعال{إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يُقتلوا أو يُصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو يُنفوا من الأرض ذلك خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم}43.

بعد إغارة جنود "مرداس" ومستشاره "زيد الفاطمي" علي بيت أبناء عمومته، وهروب من هرب، وسجن من سًجن، كان "شنهاص" أحد الفارين، تاركا وراءه امرأته وابنها الصغير "قارون" ووالده المسن، أن يظلوا في البيت، وعليهم دفع الخراج، وبعد طول إلحاح من الجارات، تسمح الأم لابنها الصغير "قارون" أن يتولى عنها توصيل الخراج لبيت "مرداس" ويتولى الفاطمي الحساب، تقدم "قارون" وألقي بزكيبته أمام المستشار زيد الذي سأله: {أهذا كل ما عليكم من شرك؟

فيرد عليه ببراءة: تقول أمي لم يبق لنا إلا القليل من الذرة.

وليرد "زيد في حدة": أين شرك عسل النحل، وعجل وسمن البقرة وشقران الدجاج. وليواصل {ما زلت غرا يا بني، والحق علي والدتك، عليك أن تعلم أن الوادي بجباله وشعابه وكل ما فيه حق الشيخ}ص38. ويُساق "قارون" إلي الحبس، ليقضي فيه سنوات بين صنوف التعذيب، التي يراها، ويذوقها، إلي أن يتم خرق جدران الحبس ويتم تهريب المساجين، ليهيم "قارون" سنيا في الجبال، وتسعي أمه التي لا تعلم بعملية الهروب، لإخراجه من الحبس، تسحب بقرتها إلي بيت الشيخ، فداء لابنها، فيتم طردها عدة مرات، إلي أن يخرج "جبار" غاضبا، ليصرخ فيها{البقرة حقنا هاتيها، واذهبي وإلا}. ويأتيها ابنها بعد سنوات أخري، فتحكي له ما حدث، وليري فيه الظلم، لترد عليه {لا ظلم ولا حاجة، قالوا إنها حقهم.

-لكنها بقرتنا.

-لا يا ولدي، إحنا من جيز الناس، فبقر الناس إن ولدت بقرة في أي قرية يرفع العاقل للشيخ يبشره بولادتها، وإن ولدت شاة كذلك، حتي الدجاجات  يحصونها ويحصون بيضها وشقرانها، فلهم الشرك من كل شيء} ص73.

وبينما كان "زيد" يلعب دور الوسواس في أذن الشيخ، في الظاهر، بينما هو يخطط، ويسعي لإزاحة الشيخ نفسه، وتنصيب نفسه وأبنائه شيوخا على الحصن، وما أضيف إليه. لذا فقد سعي لتوطين أفكار الناس أنه حامي، ووارث وصايا النبي وآل بيته، فحصل علي موافقة الشيخ – الذي هزمه الكبر، وأقعدته الشيخوخة- بإقامة ضريح ، يطوف حوله العامة، ويتضرعون إلي الله من خلاله. كرامة لآل بيت النبي، لنتيقن من أنه يمثل التيار الشيعي في الإسلام، وبما لم نكن في احتياج لأن يصرح الكاتب به.

وعلي الجانب الآخر، وانطلاقا من ذات الرؤية، بان الدين هو السلاح، وهو الوسيلة للقيادة والتسيُد، نجد "شنهاص" الذي سكن الجبل، واخذ يتحين الفرص للانقضاض علي ابن عمه، نراه يُكونُ خلية إسلامية أخري، لكنها في هذه المرة، خلية (سُنية). ويشكل له أنصارا، يقف فيهم خطيبا في تلك{ الجموع التي توافدت من مختلف قري الوادي، يدعوها إلي التمسك بكتاب الله وسنة رسوله الكريم، معلنا البدء بتطهير القري من دعاة البدع والشِرك، منكرا ما يدعيه الروافض بورثتهم للنبوة}ص232. بل وينقلب علي "قارون" الذي زامله يوما في الجبال، لمقاومة ظلم الحصن، بعد أن علم بزواجه من "زهرة" وإقامتهم ليالي الطرب والعزف علي الناي، بمعني الدعوة للحياة، في مواجهة ما يعيشونه من دعوات، ومحاولات للموت، البادية في حديث "شنهاص" الذي استدعاهما بواسطة عدد من رجاله الغلاظ {لكن أن تتحول إلي نافخ مزمار، سكير، مصاحب لزانية، فهذا ما لن أغفره لك... لن أتركك تنشر الرذيلة في الوادي، وهذا أنت بين يدىّ، سأذبحك وأذبح ساقطتك ذبح النعاج.

-علام تقتلنا، هل نفخ المزمار أكثر جرما عند الله من قتل النفس، أنا لست قاطع طريق، ولا سافك دم، ومن تصفها بالزانية هي زوجتي.

-تعلم بأن الله حرم الخمر، وحرم المزامير، وأن عقاب شاربه الجلد، وعقاب الزاني القتل رجما}ص246.

 ليصبح الصراع بالدرجة الأولي بين (شعبتى) الإسلام، بين الشيعة والسنة، بين"زيد"و"شنهاص"، حيث {بدوره أعلن زيد النفير العام لرعيته محددا الهجرة مركزا للتجمع، مكررا توجيه الدعوة لمحبي آل البيت في كل مكان لمناصرته}ص232. وإمعانا في استغلال سذاجة العامة ، يقف "زيد" خطيبا فيهم، لاويا عنق الآيات لما ييسر له قيادهم ، مدعيا أنه لم يسع إلا إلي تنفيذ كلمات الله- مجتزأة - {رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت}[3] ،والأحاديث، بعد تطويعها وتغيير كلماتها {إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتى أهل بيتى}[4] ص224.فيتمكن "زيد" من السيطرة علي الحصن، ووضع الشيخ "مرداس" في السجن، ويُتم تغيير اسم الحصن إلي "حصن الزيدي". 

ويصبح الخروج من بينهما، أو الخلاص منهما، بيد القوة العسكرية، ممثلة في "جمال" ابن "عيشة" الزوجة الثالثة ل"مرداس"، والذي رفض الانصياع لأبيه، و(استُدعي) لتعلم العسكرية، بناء علي طلب  إمام صنعاء كرهينة في البداية، ثم يتعلم الجندية وإطلاق النار بعد ذلك، في الوقت الذي كانت تأتيه أخبار الوادي وما يحدث فيه من مظالم. ليأتي بعد ذلك بالدبابة ذات المدفع المتحرك، ليدك بيت الزيدي، غير أنها لم تقتله (كرمز)، وإنما تمكن الزيدي من الهروب، ليسكن الجبل في طرف منه، وفي طرف آخر يقبع "شنهاص". وليستمر الصراع، المتحكم فيه تياري الإسلام، متسلحين بالطبيعة الجغرافية، وكأنه صراع ما له من نهاية.

التقنية الروائية

اعتمدت الرواية علي القصة المتصاعدة زمنيا، ما خلق الرغبة لدي القارئ للمتابعة، سعيا للوصول إلي نتائج ما يمكن أن يحدث، منبثقا من تلك المظالم التي تؤجج الرغبة في الانتقام والخلاص من الظلم. أي أن الكاتب استخدم الصيغة التقليدية في الحكي، غير أنه لم يستسلم كلية لتلك الصيغة،حيث سعى لتنبيه قارئه إلي انه لا يقدم قصة للتسلية، وإنما هو يسعي لإيقاظ روح المقاومة، والخروج من الكابوس، الحالي، والمتأصل، لصناعة تاريخ جديد، متغلبا علي قوانين الجغرافيا، للحاق بركب الزمن، والخروج من مظاهر التخلف والجمود، من خلال النقلات السريعة، والغير ممهد لها، وكأن القارئ يتعرض للماء الساخن، وبدون مقدمات، يفاجأ بالماء البارد، الذي يُحدث الانتباه، واليقظة الدائمة، لتحسب ما قد يحدث فجأة. خاصة وأن الرواية جاءت دفعة ، أو دفقة واحدة، اللهم التقسيمات الثلاث (مرداس – زهرة - قارون) والتي لم تُضف كثيرا لتلك الدفقة، خاصة أن الأسماء الثلاثة التي اختيرت، لم تكن هي ما يصنع الفارق، أو الصراع، الذي نراه يدور بين الثلاثي (مرداس – زيد –شنهاص) حيث يشكل هذا الثلاثي ذلك الصراع، وتلك المشكلة، فيمثل الأول وجهة السلطة، ويمثل كل من "زيد" و "شنهاص" طرفي صراع آخر يسعي لإزاحة "مرداس أو الحكم، والجلوس علي كرسيه. كما يمكن القول بأن هذا الثلاثي معا، يمثل وجه الظلم والعنف والقتل، في مواجهة كل من "زهرة" و"قارون" معا، حيث يمثلان وجه الحياة المرجوة، والقائمة علي البهجة، أو الحياة، ولتصبح المواجهة بين الموت والحياة، أو بين القائم والمرجو. وهو ما يدعونا للنظر في شأن عنصر آخر، كان يمكن أن يكون له دور في احتدام هذا الصراع، أو علي الأقل في تغيير دفة الأمور، ولو مرحليا – مستمدين من عبرة التاريخ والجغرافيا العربية تحديدا، المثل والتجربة- ونعني به، (إختلاق) شخصية جمال، إشارة إلي جمال عبد الناصر، وتجربته في اليمن، علي الرغم من فشلها القاتل، الذي {احاطه الشيخ باهتمامه، وكثيرا ما حمله بين يديه مزهوا باختياره لاسمه: جمال عبد الناصر ابن الشيخ  ومزارع، قاد مصر ويقود العرب، وابني هذا سيكون مثله}ص84. كما جاءت عملية تعليمه العسكرية في العاصمة، وكذلك الإتيان به في النهاية بمدفعه المتحرك ليدق حصون الطغاة، مقتضبة، وغير مختمرة التقديم، فجاءت كصناعة من الكاتب، عقلية أكثر منها مستخرجة من الفعل. إلا اننا لو نظرنا لهذا التقسيم الثلاثي، من ناحية المساحة الكتابية وعلاقتها بالأدوار المنوطة بكل منها، فسنجد أن الكاتب قد وفق فيها كثيرا، حيث منح الجزء الخاص، ب"مرداس" المساحة الكتابية الأكثر، ولتحتل نحو نصف مساحة الرواية، علي إعتبار ان "مرداس" وما يمثله، وابنيه، المشكلة الأساسية. بينما احتل الجزء الخاص بكل من "زهرة" و "قارون" النصف الآخر، وكأننا بالفعل أمام مواجهة بين قوي الظلام، وقوي الحياة. خاصة وأن ايا منهما لم يحسم الموقعة لصالحه، وكأن الكاتب يفتح النهاية، أو يفتح الحاضر للمستقبل.

كما جاء الاستخدام الرمزي، في النهاية أيضا، بلجوء "زيد" لقطع لسان "مرداس" عندما اخرجه من السجن، لحظة أن أتي "جمال" بقواته العسكرية، وكأنه يترجم كل فعل "زيد" إزاء "مرداس" الذي شل حركته، باستخدام الدين، الذي يصمت الجميع أمامه، فلا تعقيب علي ما يقوله الدين، فكانت النتيجة ما آلت إليه الحال، خاصة وأن "مرداس" كان قد تأكد من أفعال "زيد" وعدم إخلاصه، وسعيه للسيطرة والاستحواذ، غير أنه –مرداس- لم يعترض، ولم يُوقف أفعاله. وهو ما يترجم أفعال – كل – حكام الدول العربية –تقريبا- إزاء تلك التيارات[5]، وما اكده "مرداس" نفسه في حديثه مع "عيشة" {الفواطم أكثر الخلق معرفة بشرع الله، فهم آل بيت رسوله الكريم، وبمقدورهم تطويع الرعية لمشيئتنا، أو دفعهم للعصيان، فبحفظهم لكتاب الله وأحاديث الصادق الأمين يسوسون الناس، ولديهم بلاغة الحديث}ص49.

ومن الأمور الرمزية، التي أجاد الكاتب صناعتها، بوسيلة إبداعية بعيدة عن المباشرة، زواج "مرداس من "فاطم" ابنة "زيد" والتي أشار بنفسه لزوجته الأولي "شبرقة"  في تعليل تلك الزيجة، أنها زواج مصلحة، وكأنه يعقد المزاوجة بين الدين والسلطة. غير ان "فاطم" تفشل في الإتيان بالولد (الوريث) ، وكأنها إشارة إلي عقم تلك الزيجة، وأنها لن تُنجب، إلا بالحرام، حيث تحمل "فاطم"، بعد ثلاث سقطات، من أحد الحراس، ورغم العلم الخفي لمرداس بذلك، إلا أنه لم يعلن اعتراضه أو رفضه، رغم نظرة "زهرة" إليه بعد قتلها باتهامه، إلا أنه أنكر، لتبرز أيضا تلك الصورة الجلية للشخصية، التي ترفض الانهزام، أو حتي الاعتراف به، وهو ما ينضاف إلي ما قدمه الكاتب عبر السرد الهادئ، لشخصيتي "مرداس"، كشخصية حية، في لحظات قوتها وسيطرتها، خاصة بشخصه { وكانت البداية حين انتهج مرداس مناورة تمويه طارحا علي شنهاص ثلاثة خيارات}ص21. أو من خلال ما زرعه في ابنيه" "عنصيف" و"عبد الجبار". وكأنهما امتداده، مؤمنا بالمقولة المتوارثة{اغسل الوعاء بعد الكلب، واكسره بعد الخادم}. ومن خلال تعليماته، وتوصياته لابنيه بألا تأخذهم شفقة في التعامل مع الرعايا والأخدام. ثم في لحظات ضعفه، وانزوائه في حجرته،متخذا من "زهرة" نديما" {يشكو لها عذاب لياليه، وتقلبه بين الأرق والرؤي المفزعة، يرجوها ألا تمل سماع أحاديثه مهما كانت مفزعة. يذهلها نطقه لكلمة أرجوك}ص219. وصولا إلي لاحيلته، الأمر الذي ادي ب"زيد" أن يقوم بحبسه.

كذلك كانت شخصية "زهرة" التي تحمل من اسمها الكثير من صفاتها. فمثلما كان "عبد الجبار" في الوقت الذي عُرف به بين الناس "جبار" ليحمل من اسمه صفاته، فكانت "زهرة" بل وأمها "حمامة"، ليرجع إلي الأصل الذي يتوافق مع الطبيعة الشخصية، فكانت "زهرة" هي الرائحة العطرة في بستان الشر والقتل والدمار، منبعثة من تاريخ أمها، التي أتت من " الأخدام" الذين هم مجموعة من الرعايا، أقاموا لهم حياة خاصة،والذين { يعودون إلي أكواخهم يمضغون القات، ومع قدوم الليل يشعلون النار ويرقصون علي قرع الطبول... ويعيشون حياة بهائمية}ص10. إلي أن تلتقي "زهرة" "قارون" ليشكلا تيارا جديدا يسبح ضد التيار، فيشعل "الأخدام" نارا عالية، يدعون قارون إليها، تراه زهرة وقد جلس عازفا للناي كما كان جدها، يثير بأنغامه البهجة في دائرة واسعة من الأجسام السمراء التي ترقص} وليسأل "زهرة":

{أي حياة تريدين أن نعيشها"؟ ترد بغنج: ما نعيشه الآن}ص244. وليظهر في تلك الأجواء، هازم اللذات، رجال "شنهاص" ليستدعيهما، وليهددهما ويتهمهما بالفسق والفجور.

وبين البداية والنهاية، كانت جلساتها مع "مرداس" حين اتخذ منها نديما، لتظهر تلك الصفات الكامنة، والتي يكشف عنها حواراتها مع "مرداس" الذي يسألها عن سر إفشائها للسم الذي دسته له زوجته "شبرقة"، ظانا أن الانتقام من "شبرقة" كان وراء ذلك لتجيبه{ولماذا الانتقام؟

-ألا تظنين أنها أضرتك؟

- لم أحمل لها يوما غلا. .. منذ أن رأيت أمي تموت تحت أقدام الحراس، أصبحت أكره رؤية الموت.

- وتكرهين القاتل؟

-أرثي له.}ص217. ف{أدرك مرداس مدي ما تحمله الفتاة من آلام، رغم طبعها المسالم، يشعر بأنها تُوثر عليه بعض الشيء، وأن مرافقتها له بذرت في نفسه عاطفة يفتقدها، تجاوز بها إلي الدهشة والإعجاب بجنوحها للغفران والتسامح}ص219. فقد استطاع الكاتب ان يصنع منها شخصية إيجابية، متشربة من الجذور، تفيض بثمارها علي من حولها، وكأن المغفرة والتسامح قادران علي تطويع أكثر البشر تجبرا، وظلما.

كذلك يمكن القول، بان الكاتب استطاع أن يجسد الجبروت في صورة صامتة، عندما استطاعت "شبرقة" والدة "عنصيف" و"جبار" ان تستدرج "حمامة" لتعلم منها أن ابنها "عنصيف" هو والد الطفلة "زهرة"، فتسوق "حمامة" إلي حتفها، وتُقتل، ودون أن تعترف لأحد بسرها، توعز لاحدي خاماتها،"شادن"، برعايتها، دون أن تفصح لأي منهما- "شادن" أو "زهرة"- عن ذلك السر الذي وراء ذلك التصرف. بل إن في تدخل "مرداس" لينقذها من القتل، عندما ساقها "زيد" للقتل مع رفيقتها الهاربة معها "شادن"، يؤكد أيضا أنه يعلم بذلك السر، الذي لم يبح به لأحد، وإن ادعي أن وراء ذلك التصرف، هو رؤيته لزوجته "شبرقة"، معلنا لها في أحد مسامراته معها، بأنه ليس من أنقذها من الموت، وإنما هي شبرقة {- تظنين أني من أنقذك؟  - ومن غيرك؟ - عليك أن تعلمي أن شبرقة هي من فعلت!}ص221. في إشارة إلي معرفة الأخيرة، بان زهرة من صلب ابنه "عنصيف". لتتجلى تلك القدرة علي قبول ذلك الجبروت، علي إنكار انصهار دمهم بدم أولئك الذين من الرعية، أو الأخدام.

وينهي الكاتب الرواية بمشهد يعبر عن الحالة الآنية، المنبثقة عن تاريخ طويل من الصراعات علي السلطة، فيختفي الشيوخ من المشهد، شيوخ القبائل، وشيوخ الدين، وإن لم يتم القضاء عليهم، وإنما تم ترحيلهم إلي خارج البلاد، ويختفي جمال، في ومضة، مثلما ظهر لومضة، وليظل تأثيرهم قائما، رغم الغياب. ولا يبقي في المشهد إلا أبناء البلد، بمن فيهم "قارون" و "زهرة"، ليظل الحلم والأمل فيما يمثلانه من حب، ورغبة في الحياة.

       صرخة جديدة يطلقها الغربي عمران في أحدث إبداعاته الروائية " حصن الزيدي"  زاعقا بضجيج الكلمات والحروف، مستنجدا بإنقاذ، ليس اليمن وحده، وإنما أمة كاملة، تسمي "الأمة العربية" التي تئن تحت ضربات الفُرقة والانقسام، والسعي لحصد المغانم، غافلة عن أنها قد اصبحت لقمة مستساغة، لمن يسعي لنهشها.

 

Em:shyehia48@gmail.com

 

 

[1]-  الغربي عمران – حصن الزيدي–نوفل بيرت لبنان- 2019.

[2]- الغربي عمران – الثائر – دار الساقي – طبعة أولي 2014.

[3]- الاية 73 من سورة هود.

[4]- اختلفت روايات الحديث باختلاف الألفاظ، وفقا للرؤي المختلفة، فبينما رواه البعض بالصيغة الواردة، رواه آخرون بالصيغة { تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدى أبدا.. كتاب الله وسنتي}. وإن دل هذا علي شى فإنما يدل علي تطويع الأحاديث وفقما يريد المتحدث.

[5]- تمت الإشارة إلي ذات القضية في رواية "أرض السودان" للسوداني أمير تاج السر.