يحيلنا خطاب الروائية المصرية المبدعة رضوى الأسود – في روايتها يونيفرس (1) إلى حالة من المراقبة الصامتة، أو الانتظار السلبي داخل البطلة / ميريت إزاء مجموعة من الأحداث التي تمتد من الماضي القريب الذي صاحب تحولات أزمة كوفيد، ثم بنية الحضور، وأجزاء من المستقبل القريب المتخيل؛ ويجمع الخطاب السردي التجريبي لرضوى الأسود بين تعددية الاحتمالات التأويلية التي تصاحب الحضور التمثيلي للذات ضمن العوالم الافتراضية لفضاء يونيفرس؛ فالذات تراقب تلك الآلية التي قد تقترن بالرعب، وأشكال الزومبي المحتملة، أو تقترن بإعادة اكتشاف الحضور التمثيلي الداخلي الآخر للذات؛ وهو حضور ينطوي على استعادة الأصالة الروحية، والتعاطف الكوني، ومشاهدة الحضور التمثيلي للذات عبر التداخل بين الواقع اليومي، ويونيفرس، والفضاءات الاستعارية المحتملة في الوعي واللاوعي؛ ونلاحظ أن العوالم الافتراضية أو الخيالية قد طورت من العمليات الإدراكية لشخصية ميريت عبر علاقتها بفريد الذي يميل إلى العزلة التكنولوجية، ثم استعادتها لحاتم عبر علاقة توترت بين الواقع، وفضاء يونيفرس التمثيلي؛ وكأن فضاء يونيفرس قد صار مفتتحا للآلية الميكانيكية، والأصالة الروحية الأخرى العابرة للحدود الزمكانية في الوعي واللاوعي؛ ومن ثم يولد الخطاب السردي مجموعة من التضمينات التي تنطوي على تعددية الانطباعات حول يونيفرس، ودائرية تأثير أصالة العالم الداخلي لميريت، وامتداد الآلية الميكانيكية العبثية الأخرى في خطاب شخصية وكيل الشر داخل مدينة ميلونيا؛ يجمع خطاب ساردة رضوى الأسود – إذا – بين تصورات متداخلة حول العمق الذاتي التمثيلي الراهن، وملامح من الديستوبيا الكامنة في امتداد الآلية الميكانيكية في المدينة الأخرى، وملمحا يعود إلى اليوتوبيا المكانية – الشخصية المحتملة التي نكتشفها ضمن تأثير مذكرات ميريت، وضمن خطاب صديقها الكاتب عقب رحيلها، وفيما وراء حدث التواصل الداخلي الذي يرتكز على استدعاء الصورة الذهنية أو التمثيل الذهني الأقرب للروح بين ميريت وحاتم حين أصيب بكوفيد؛ وكأن الذات تنشئ تمثيلا ذهنيا آخر لعالمها الخاص ضمن فضاء تجريبي محتمل لامرئي، ويمتد ضمن دائرية صور الوعي فيما وراء المشهد اليومي، أو فيما وراء الأفاتار المحتمل التشبيهي في فضاء يونيفرس الافتراضي؛ ومن ثم فالخطاب يفترض وجود فضاءات فانتازية ممكنة أيضا، ومتجاورة، وقد تجمع بين كل من اتجاهي الصراع، والمواءمة الدبلوماسية في المستقبل القريب.
وتمثل ميريت – من زاوية سردية – الدور العاملي للبطلة التي تحمل قدرا من الإشكالية والخصوصية الداخلية للوعي، والبحث عن الأصالة داخل الحضور التمثيلي، وتأكيد الفكر النقدي، في مواجهة بطل مضاد يجسد مفهوم التمثيل الآلي ضمن بنية الحكاية الدائرية؛ وقد تواتر دور البطلة وامتد من خلال صديقها الكاتب، أو من خلال خطاب الساردة التي ارتكزت على التبئير الداخلي المتنوع وفق تعبير جينيت؛ وقد انتقلت من استبطان العالم الداخلي للبطلة، إلى المنظور الشخصي، ثم إلى منظور صديقها في النهاية؛ كي تشير إلى الحضور السردي الدينامي للبطلة في وعي الآخر، وفي الفضاءات الممكنة المتصارعة، أو المتداخلة، أوتمثيلات مدن اليونيفرس الفانتازية التي تتشكل بين الوعي والواقع.
وتتطور شخصية البطلة – بدرجة رئيسية – بصورة إدراكية في تضمينات خطاب الرواية التجريبي؛ فالذات تبدأ تشكيل هويتها من خلال فعل المراقبة الصامتة للأحداث، وبعض الانطباعات الداخلية المصحوبة بالرعب، أو الآلية الميكانيكية المحتملة والتي تقع بين خبرات اللاوعي الجمعي التي رافقت الصراعات التكنولوجية القديمة، وتجسداتها التصويرية المتقطعة في تيارات الوعي الآنية المحتملة، والتأويل الكلي الممكن لفضاء يونيفرس، ثم تعيد الذات اكتشاف صورتها الذهنية التي اقترنت بالتأمل العميق أو بنشاط العقل اليقظ؛ ومن ثم تعيد اكتشاف الأصالة الداخلية في مستويات الوعي، والحضور التمثيلي الآخر، وفي الشخصيات الأخرى التي تتصل بمدلولها السردي – الأخلاقي الذي يذكرنا بمفهوم ريكور حول الهوية السردية؛ ومن ثم يظل التمثيل الذهني حول ميريت مصاحبا لدلالات الأصالة الداخلية الممتدة في الآخر، وفي فضاءات الوعي، وفضاءات يونيفرس الدينامية المؤجلة في سياق التجاور، والتعارض، والتداخل في المشهد اليومي، والكوني.
وأرى أن خطاب رضوى الأسود التأويلي / التجريبي حول فضاء يونيفرس التمثيلي الممكن، والمؤجل معا يضيف تضمينا نسبيا لمجموعة من الأعمال الفلسفية، والروائية، والسينمائية التي ناقشت العوالم الافتراضية، أو التمثيلية؛ فالساردة منحتنا ذلك الحضور الاستثنائي لخصوصية العالم الداخلي للبطلة ميريت والذي يتجسد بين الانتماء إلى دائرية الصورة الذهنية عن الذات في عوالم الوعي، أو الحضور السردي التمثيلي داخل نظارة اليونيفرس؛ وهو حضور تشبيهي حلمي يقترن بالبحث عن الحب أو الأصالة فيما وراء مركزية يونيفرس، أو الحضور الشبحي الآخر الذي يكمن في استعادة مذكراتها من خلال منظور صديقها الكاتب؛ ومن يذكرني مثل هذا الحضور الشبحي بخطاب دريدا حول أطياف السينما في فيلم رقصة الشبح؛ ففعل الاستعادة التمثيلية – عند دريدا – يمثل حضورا شبحيا ممكنا للصوت الذاتي إذا قامت الذات بتمثيل نفسها، أو تمثيل الآخر / التاريخي في فيلم سينمائي؛ فصوت مذكرات ميريت سيصير طيفيا داخل الآخر، وداخل بني مدن يونيفرس المكانية الخيالية فيما وراء النهايات.
وتأتي الرواية ضمن سياقنا الثقافي المعاصر أو تتصل بإنشاء التوقعات التأويلية الممكنة للمستقبل، وتتداخل مع بعض الملامح الثقافية في السياق الثقافي الآني؛ مثل التقدم التقني في العوالم الافتراضية، والفضاءات الاستعارية، ووفرة الصور، والمعلومات، والاستدلالات العقلية الفورية المؤقتة، والمتغيرة والتي تصاحب الصور، والمعلومات التي تتصل بعمليات الوصول الواعي، ومساحة العمل العصبية العالمية المنتجة للاستدلالات والتفاسير العقلية، والاستجابات النشطة؛ فضلا عن صعود الحساسية الجمالية المكانية وفعل التأمل الداخلي الذاتي؛ ومن ثم فشخصية ميريت تتوافق مع حالة وفرة التمثيلات الاستعارية، والتأملات الداخلية في صورتها الذهنية، أو هويتها السردية ضمن تسلسل حكائي، يجمع بين التوقعات الفائقة وبناء الاستدلالات العقلية التأويلية حول يونيفرس؛ فهي تعيد إنتاج فكرة يونيفرس انطلاقا من الأصالة الداخلية، والمراقبة الإبداعية للذات، وتمثيلاتها الأدائية في الفضاء الافتراضي أو اليومي؛ لتناهض المراقبة الصامتة الأولي للأخيلة العبثية، أو أخيلة الرعب؛ لذا قد يتصل فضاء يونيفرس بالتمثيل الذهني لشخصية ميريت، وحضورها التمثيلي الآخر الذي يؤسس لحضور تأملي دائري متجدد من خلال معبر يونيفرس الافتراضي؛ وكأن التنازع الداخلي بين نسخ يونيفرس المختلفة يستنزف التمثيل الذهني التفسيري الواحد للذات، وحالاتها الإدراكية الدينامية، واستدلالاتها الفورية ضمن لحظة الحضور.
وينطوي الخطاب على تضمين يتصل بحالة تجاور المعلومات، والصور، ونسخ اليونيفرس الافتراضية؛ وهو تأكيد الجانب التوليدي للصور، والفضاءات الافتراضية داخل التطور الإدراكي الروحي الواعي للشخصية؛ والذي يصل بين الفضاء الآلي، وصور الوعي، وهارموني الفضاءات الممكنة المضاعفة؛ وهي فضاءات للفانتازيا، أو الحلم، أو فضاءات استعارية كونية.
ويصرح خطاب الساردة بوجود لمدينتي فلوسينيا، وميلونيا المتعارضتين نسبيا في النهاية؛ ومن ثم يتشكل دلالة المضمر – فيما وراء السياق – وفق إمكانية وجود توسع مكاني حلمي تجريدي، يتجاوز حضور البطلة التاريخي، أو حضورها التمثيلي داخل يونيفرس؛ وهو حضور تمثيلي تأملي آخر أقرب إلى حالات الوعي المراقب / المبدع لصور الذات الأدائية في المدن الخيالية، أو في وعي الآخر، أو فيما وراء أطياف مذكرات ميريت، وتمثيلاتها في وعي الآخر.
وأؤكد – في هذا السياق – استمرارية الرؤى الثقافية التأويلية لعلاقة الذات بالعوالم الافتراضية، وتغيرها وفق تغير المؤشرات السياقية، وطرائق مراقبة الوعي التمثيلية الفوقية لحضور الذات التمثيلية في المشهد التمثيلي المحتمل؛ لذا فهي لا تنفصل عن الأعمال الفلسفية التي ناقشت الظاهرة من زوايا خطابية متنوعة؛ مثل رؤى مارشال ماكلوهان، وجان بودريار، ودريدا؛ فماكلوهان قد ارتكز على تأويل ضمير المخاطب / المشاهد من داخل حالة التفاعل التمثيلي مع التليفزيون؛ أما بودريار فقد ارتكز على التداخل بين التشبيه والإحالات المرجعية إلى الواقع، أو العوالم الافتراضية الإلكترونية، وقد أعاد دريدا اكتشاف الطيف التمثيلي للذات، والآخر من خلال الإحالات المرجعية اللسانية، والأدوار السينمائية، وفعل الاستدعاء لطيف الآخر؛ مثل أطياف كافكا، وفرويد، ووالد هملت، وبارت.
يخاطب مارشال ماكلوهان المشاهد المحتمل – في كتابه الوسيط هو الرسالة – ويرى أن ذلك المشاهد صار هو الشاشة؛ فهو محاط بالصور، وهو نقطة التلاشي في المنظور؛ ومن ثم فالتواصل ينطوي على تفاعل كلي معقد مع المكوث داخل نقطة انطواء أو تلاش داخل المنظور؛ وقد لاحظ ماكلوهان أيضا أن الوسيط قد يتجاوز الحداثة وخطية الزمن؛ فرواية يقظة فنيجان لجويس تمثل كهفا يتجاوز الزمكانية للبشرية داخل وعي ولاوعي الشخصية. (2)
يرصد ماكلوهان – إذا- التناقض بين الاتصال الكلي للحواس، والانقطاع الممكن عن واقع الشاشة، ويعيد اكتشاف دائرية الصور اللازمنية في كتابة جويس؛ ومن ثم نلاحظ إمكانية توليد عوالم خيالية استعارية من داخل العالم الافتراضي التقني؛ فدائما ما تتشكل العوالم التصويرية المضاعفة فيما وراء خطاب الصورة الآلي؛ فالذات في رواية جويس تتصل بأصداء اللاوعي الجمعي؛ وسوف نلاحظ أن توقعات ساردة رضوى الأسود – في يونيفرس – تصل الذات بالصور التأملية والخيالية الممكنة التي تعيدنا إلى نماذج اللاوعي الجمعي فيما وراء رحيل البطلة؛ والتي اتصلت بنماذج مثل المستكشف، والمبدع، والحكيم في تصنيف يونغ؛ فهي تستكشف يونيفرس من نقطة فوقية، وتنخرط في إبداع تمثيلي حين تنقل الحضور الأدائي إلى تأمل صورتها الذهنية داخل الوعي، وتكتشف حكمة الزراعة التي تستنزف الوجبات الآلية الميكانيكية؛ وتذكرنا أيضا المدن الخيالية ببعض نماذج الشر مثل نماذج الزومبي أو نموذج وكيل الشيطان.
أما جان بودريار فيري – في كتابه التشبيهات والمحاكاة – أنه إذا أعدنا النظر في العلاقة بين الخريطة التفصيلية الكبيرة، والمنطقة التي تمثلها عند بورخيس، سنلاحظ أن الخريطة قد تمتد زمنيا فيما وراء المنطقة أو المكان؛ ويستدل بذلك على التوسع الراهن للصور والتشبيهات دون أصل مرجعي واضح (3)؛ وقد أشار بودريار أيضا ضمن مقابلة مع مايك جان ومونيك أرنو - إلى فكرة اكتشاف المحاكاة في بنية الشيء نفسه في أعمال وارهول مثلا، وأشار إلى ازدواجية الإشارة الزمنية فيما بعد الحداثة التي تتصل زمنيا بالحداثة بينما تعود دائريا إلى المحاكاة الساخرة لعلامات الماضي. (4)
تتخذ العلاقة بين الشيء، والتشبيه – إذا- بعدا تداخليا أصليا بينما تتوسع في تشكيله العوالم الافتراضية المعاصرة؛ مثل السينما، والتليفزيون، والإنترنت؛ وقد تابعت بعض لقطات بودريار الفوتوغرافية في بدايات الألفية؛ ولاحظت تجسد جماليات الاختفاء، والتشبيهات ضمن منظوره التجريبي؛ فقد يرصد انعكاس المبنى بطريقة استعارية على سطح الكأس المقوس، أو يلتقط صورة لكرسي فارغ عليه بساط أحمر ويشير إلى سانت بيف، أو يرصد محاكاة لشخوص افتراضيين على جدارية؛ ومن ثم يحتفي بودريار بالتوسع في جماليات الاختفاء الممزوج بحضور استعاري في الأثر، وإمكانية التوسع في الصور التمثيلية في الواقع، والواقع الافتراضي في آن.
ونلاحظ أن ساردة رضوى الأسود قد انحازت – في خطابها التجريبي – إلى فكرة التحويل، وإعادة إنتاج الهدف من التقنية من خلال تنازع اليوتوبيا، والديستوبيا؛ أو التنازع الداخلي بين نسخ يونيفرس التي تتخذ شكل الفانتازيا التي لا تنفصل عن اليومي والداخلي / التأملي، والكوني؛ ومن ثم فقد تصير التوقعات الأولى عن مستقبل يونيفرس مفتتحا لتوسع تمثيلي داخلي أسبق من ظهور يونيفرس نفسه، أو يتصل بالعوالم الافتراضية ضمن تعديلات ميتا إدراكية للسياق ضمن بنية الحضور الممتدة داخل المستقبل القريب في الرواية.
وقد تواترت صور الآلية وعلاقتها بالأصالة الداخلية في أعمال مثل روايتي عالم جديد شجاع، والجزيرة لهكسلي؛ حيث نعاين الآلية، وتدرج ارتقاء الوعي من الرعب التمثيلي، وعوالم اللاوعي إلى إمكانية الارتقاء الروحي؛ ورواية كلارا والشمس لإيشوجورو التي ارتكزت على شعرية منظور الروبوت كلارا، والاتصال العميق مع الطفلة؛ وفيلم ألفافيل التجريبي لجان لوك غودار؛ وقد ناقش إمكانية التعارض بين البرمجة الآلية السلبية، وإعادة اكتشاف الذات فيما وراء مركزية المنطق الآلي داخل سياق مدينة ألفافيل الخيالية.
وتحيلنا ساردة رضوى الأسود إلى مجموعة من المراجع الشخصية والمكانية التجريبية؛ فهي تتذكر لقاءها الآخر بحاتم داخل يونيفرس، وكان يتجسد في آفاتار باسم أحمد؛ وتنوعت لقاءات الفضاء الافتراضي بين التواصل التمثيلي الفائق والانفصال أو الهروب؛ ثم تحيلنا في النهاية إلى الحوارية التي تدل على الهارموني المؤجل دائما بين ممثل مدينة فلوسينيا الذي يستهلم شخصية ميريت وتمثيلاتها الطيفية الممتدة في الوعي واللاوعي الجمعي، وممثل مدينة ميلونيا الذي يبدو مثل وكيل تمثيلي للآلية، وقبولهما بتسوية دبلوماسية عقلانية / عملية توحي ببقاء التنازع أو التداخل الدائري بين الفضاءات الواقعية الافتراضية في المستقبل القريب. (5)
يوحي الحضور التمثيلي الأول / الأفاتار إذا – بشيء من تحرر الصور والهويات الشخصية، بينما يوحي الحضور التمثيلي الآخر؛ ويتصل بالصور الذهنية وانطباعات الوعي المراقب التأملي الذي يقوم بالتعديل المستمر للصور الذهنية التأملية للذات وفق مكون أصالة الحضور، ويفترض نوعا من التوسع اللامرئي للفضاءات المحتملة فيما وراء المدينتين الخياليتين؛ ومن ثم تظل الرؤى التفسيرية حول المراجع المكانية والشخصية قيد التشكل فيما وراء فضاءات اليوتوبيا والديستوبيا الممكنة في مشاهد الواقع الافتراضي، وفي مدن الفانتازيا.
وإذا أعدنا قراءة نموذج التواصل الأول بين الساردة، والمروي عليه طبقا لمبدأ الصلة التداولي لدى سبيربر، وويلسون؛ وهو يشير إلى إمكانية التوسع الإدراكي الاستدلالي وفق المؤشر السياقي الأكثر أهمية واقتصادا في موقف التواصل؛ ونلاحظ أن المؤشر السياقي الأكثر حضورا هنا هو التوليد التصويري / الداخلي لعلامات الواقع الافتراضي، واليومي، والفضاءات الممكنة؛ فوفرة الصور المتجاورة تنشئ دائما سلسلة دينامية سردية من الانطباعات، والتوقعات، والحبكات السردية التفسيرية، والفضاءات التمثيلية الموازية في عوالم الوعي، واللاوعي داخل البطلة، وفي موقف التواصل بين الساردة، والمروي عليه؛ ومن ثم تنشئ الساردة هوامش تفسيرية مفتوحة في المستقبل داخل المروي عليه لمصائر الشخصيات التي استلهمت المدلول السردي، أو التمثيل الذهني لهوية ميريت، ويتوقع أن يصير التوسع الاستدلالي مرتبطا بالهارموني الخيالي المؤجل، أو بالتعارض الجذري المؤجل، أو ببناء فضاءات أخرى ممكنة تشبه فضاء العالم الداخلي التمثيلي الآخر لميريت فيما وراء المشهد.
ويتضمن خطاب الساردة حجة استدلالية تقوم على صحة فرضية حضور ملمح الآلية الميكانيكية؛ ثم تتدرج في تأكيد الفرضية الأقوى – طبقا لسلم ديكرو الحجاجي – وهي تجاوز مركزية الآلية في العودة الدائرية للصورة الذهنية التمثيلية للذات؛ ومن ثم تصير النتيجة هي توليد الفضاءات، والتمثيلات الذاتية الممكنة في الوعي خارج مركزية التعارض بين بنيتي الآلية، والهارموني المؤجل في العوالم الافتراضية.
وأرى أن الخطاب يتضمن أيضا حجة استقرائية، تقوم على تأكيد حالة ميريت الإدراكية لكل من الأداء التمثيلي ضمن حبكة سردية تصويرية داخل يونيفرس، والمراقبة التعديلية الممكنة التي تعيد تشكيل الفضاء الافتراضي داخل حضور تمثيلي فائق يتجاوز الآلية؛ مثل تلك الحالة الإدراكية النسبية ليونيفرس تقبل التكرار، والتجدد في الشخصيات الأخرى التي تستلهم سيرة ميريت السردية، وتمثيلاتها الذهنية.
وينطوي خطاب الساردة على فعل كلام تمثيلي ضمني يقوم على تأكيد التباس بنية يونيفرس، وتوقعات المستقبل القريب التي تشبه الديستوبيا وبعض الجماليات القوطية الممزوجة بجو من العبثية المؤجلة، ولكن تلك البنية نفسها قد تقود الساردة إلى حكمة اكتشاف حضورها التمثيلي الداخلي الآخر من خلال مراقبة الوعي لحضورها القصصي الإبداعي داخل يونيفرس؛ أما فعل الكلام التعبيري فيقوم على انحياز الساردة للمراقبة التعديلية لصور الذات داخل الواقع، والواقع الافتراضي، والتي تستنزف توقعات المركزية الميكانيكية الأولى؛ وينطوي الخطاب على فعل كلامي توجيهي يتعلق بدائرية السؤال حول تكوين يونيفرس الجمالي، ومستقبله القريب الذي قد يولد هوامش خيالية وتفسيرية أخرى ممكنة داخل وعي الشخصيات التي تستلهم ميريت، وداخل المتلقي في آن.
ونستنتج وجود استعارة إدراكية ضمنية في خطاب الساردة؛ تقوم على علاقة المشابهة بين كل من فضاء الإدخال الأول / الفضاء الافتراضي أو يونيفرس، وفضاء الإدخال الثاني / الفضاء الحلمي أو الفضاء المحتمل؛ ويتصل كل من الفضاءين بالآخر بمجموعة من الدلالات؛ مثل إنتاج صورة تمثيلية للذات، والآخر؛ ولكن فضاء الحلم يرتبط بدرجة أكبر بالانطباعات، والتأويلات، وقابلية الصيرورة السردية، وإن كان فضاء الحلم ديناميا بدرجة أكبر، وقابلية المراقبة الفوقية التمثيلية؛ وهي فاعلة بصورة إبداعية في حالة فضاءات الحلم، والفضاءات الاحتمالية؛ ونلاحظ أن فضاء الإدخال الأول / يونيفرس تتجلى فيه الذات كدور عاملي داخل قصة افتراضية قيد التشكل، بينما تتجلى الذات في فضاء الحلم المراقب كبطل أو كنموذج للحكمة والاستكشاف، والإضافة التصويرية؛ ويتم توليد فضاء المزج الإدراكي داخل نموذج الاستعارة الإدراكية كتكوين جمالي مكاني إبداعي هجين بين الفضاء الافتراضي، وفضاء الفانتازيا، وفضاء الحلم.
ونستنتج أيضا وجود نشاط ذهني ميتا إدراكي داخل وعي ميريت؛ يتراوح بين الحالة الذهنية أنا – الآن؛ وتراقب فيها الذات حضورها التمثيلي السردي الأدائي داخل حبكة العالم الافتراضي، ولكن من زاوية دائرية الأثر، أو الحضور الطيفي التمثيلي الآخر في عوالم الوعي؛ والحالة الذهنية الأنا – الميتا إدراكي؛ وتقوم فيها الذات بالمراقبة التمثيلية الفوقية بهدف تحوير المخطط الاستدلالي الأسبق عن يونيفرس باتجاه التوسط، والتحول السيميائي نحو مجال مكاني استعاري توليدي آخر، أو دائرية الاختلاف الداخلي بين الآلية، والأصالة، والبهجة.
*هوامش الدراسة:
(1) راجع، رضوى الأسود، يونيفرس، دار العين للنشر بالقاهرة، وإلكترونيا على أبجد، 2024.
(2) Read, Marshall McLuhan, the medium is the message, Gingko Press Inc, p. 120, 125.