اللغة المواربة، التي تستعملها عدنية شبلي في روايتها القصيرة، الكثيفة، المقتصدة، المختزلة، تؤدي دورها في تسليط الضوء على التفاصيل الثانوية للجريمة؛ على ما جعلت منه تلك الجريمة عاديًّا في حياة شعب، يُقتل ويُباد كلَّ يوم، تحت سمع العالم وبصره.

عن «تفصيل ثانوي»: سرديَّة كبرى للنكبة عبر حكاية صغيرة

فخري صالح

 

أصبحت رواية الكاتبة الفلسطينية عدنية شبلي “تفصيل ثانوي” واحدة من أكثر الروايات العربية المترجمة مقروئية، خصوصًا في ترجمتيها إلى اللغتين الألمانية والإنكليزية، خلال السنتين الأخيرتين. فبعد أن قررت مؤسسة ألمانية تدعى ليتبروم LitProm منحها جائزتها عام 2023، وأن يقام حفل تسليم الجائزة ضمن فعاليات معرض فرانكفورت في تشرين الأول/ أكتوبر 2023، قامت إدارة المعرض الدولي الأهم للكتاب في العالم، بإلغاء الفعالية التي تشارك فيها شبلي. فقد بدأت فعاليات المعرض بعد أحداث طوفان الأقصى من ذلك العام، ولم ترغب إدارة المعرض بأن تكون هناك أصواتٌ فلسطينية، أو داعمة للفلسطينيين، مشاركةٌ في الفعاليات. كما تنبه عدد من النقاد والصحافيين المناصرين لإسرائيل في ألمانيا (وما أكثرهم!) إلى الرواية فهاجموها بشراسة، لكونها تظهر جنديًّا إسرائيليًّا بصورة مسيئة. منذ ذلك التاريخ، انصب الاهتمام مجددًا على “تفصيل ثانوي” (التي نشرت في طبعتها الأولى عن دار الآداب اللبنانية عام 2017)، وترجمت إلى عدد من اللغات. لكن هذه الضجة التي أثيرت حول الرواية لا تمسُّ أهميتها، وإن كانت تسلط الضوء ساطعًا على هذا العمل الروائي الفلسطيني المتميز.

1

كيف تكتب الرواية الفلسطينية النكبة؟ كيف تسجل هذا الحدث المفصلي، المأساوي، على جميع الصعد، الفردية والجماعية، الشخصية والحميمية، والأكثر شيوعًا وانكشافًا من المشاعر والخبرات والتجارب، في حياة الفلسطينيين؛ وهو الحدث الذي ما زال مستمرًّا حتى هذه اللحظة، بعد ما يقارب ثمانية عقود من الزمن، هي عمر النكبة الفلسطينية، في حياة من بقوا في البلاد، ومن تشرَّدوا في كل جهات الأرض؟

غاية هذه المقالة هي تسليط الضوء على رواية متميزة قدمت مقاربة لحكاية النكبة من خلال التركيز على حدث صغير، وتفصيل ثانوي، يبدو معتادًا، ومكررًا، ضمن حكايات الطرد الكبير

لا شكَّ في أن الروائيين الفلسطينيين، وبعضًا من الروائيين العرب، قد سردوا حكايات النكبة، منذ السنوات الأولى للخروج الفلسطيني الكبير، كلٌّ بطريقته، استنادًا إلى التجربة الشخصية، أو الحكايات المتداولة على ألسنة الناس، أو السجلِّ الشفوي للنكبة، أو عبر الاستعانة بالمادة التاريخية التي سجلها مؤرخون فلسطينيون وعرب وأجانب. لكن الأهم من وجهة نظري هو طريقة المقاربة، أو زاوية النظر التي اتخذها كلُّ روائي للكشف عن هذا الحدث المزلزل لحياة الملايين من البشر الذين استفاقوا على ضياع الوطن ومحو الهوية. ولكنني لا أسعى هنا إلى تصنيف أشكال هذه المقاربات، رغم أنني حاولت ذلك في دراسة سابقة لي عن رواية النكبة. فغاية هذه المقالة هي تسليط الضوء على رواية متميزة قدمت مقاربة لحكاية النكبة من خلال التركيز على حدث صغير، وتفصيل ثانوي، يبدو معتادًا، ومكررًا، ضمن حكايات الطرد الكبير. فأن تقتل القوات الإسرائيلية المحتلة رجلًا أو امرأة، أو تقوم مجموعة من الجنود اليهود بقتل فتاة واغتصابها، خبرٌ تناقلته الروايات الشفهية للفلسطينيين، والكتب التي سجلت أحداث النكبة، وسردت ما جرى للكثير من الرجال والنساء في حرب 1948. لكن التركيز على هذا التفصيل الصغير، والحكاية الصغرى، هو مجازٌ للحكاية الكبرى، وحفرٌ في أعماق التراجيديا الفلسطينية.

تكتب عدنية شبلي عن اغتصاب فتاة بدوية فلسطينية، ومقتلها على يد أفراد فصيل صهيوني مقاتل أثناء الحرب، عبر حكايتين، الأولى منهما تروي حدث اغتصاب الفتاة ومصرعها، والثانية تسرد رحلة بحث قامت بها فتاة فلسطينية أخرى، ولدت في اليوم نفسه الذي قتلت فيه الفتاة الأولى 13 آب/ أغسطس، بعد حوالي ربع قرن من حدث القتل، لمعرفة المكان الذي قتلت فيه الفتاة، والظروف التي أحاطت بهذه الحكاية الصغيرة من حكايات المصائر التعسة للكثير من الفلسطينيين. الحكايتان هما وجهان من الوجوه الكثيرة لسردية النكبة، ولما تسميه الرواية التفاصيل الثانوية لهذه السردية. وما هي نكبة الفلسطينيين إن لم تكن في التفاصيل والحكايات الفردية التي صنعت مأساتهم الجماعية؟ لكن ما يقوم في أساس رواية “تفصيل ثانوي” هو التعبير بصورة مواربة، شبه محايدة (أو أنها في الحقيقة تدعي الحياد في سرد الحكاية الأولى على الأقل، لأن الراوي يبدو قريبًا، بل لصيقًا بقائد الفصيل الصهيوني الذي أمر بقتل الفتاة)، وتسعى إلى تتبع التفاصيل الصغيرة في وصف المكان، والطبيعة، وسلوك الشخصيات، وما تقوم به من أشياء يومية، وما ينتابها من مشاعر، من أجل النفاذ إلى أعماق الحكاية، والإضاءة على طبيعة الشخصيات. وينبغي الإشارة هنا إلى أن الشخصيات بلا أسماء، فهي، رغم كونها تبدو من خلال الوصف شخصيات من لحم ودم، إلا أنها في الحقيقة تقوم بوظائف في السرد، كما تحقق وظائف مجازية، ورمزية، في سياق الأمثولة الكبرى لنكبة الفلسطينيين. فالتفصيل الثانوي، الذي يخصُّ ولادة الفتاة الفلسطينية في اليوم نفسه الذي قتلت فيه الفتاة البدوية الفلسطينية عام 1949، هو ذريعة للكشف عن معنى النكبة المستمرة، من خلال تواصل تلك التفاصيل الثانوية التي تحكم حياة شعب بأكمله. فلا فرق في المصائر بين فتاة فلسطينية تغتصب وتقتل، في الأيام الأولى من النكبة، وفتاة تلقى المصير نفسه، بعد عقود من إنشاء الدولة العبرية. واللغة المواربة، التي تستعملها عدنية شبلي في روايتها القصيرة، الكثيفة، المقتصدة، المختزلة، تؤدي دورها في تسليط الضوء على التفاصيل الثانوية للجريمة؛ على ما جعلت منه تلك الجريمة عاديًّا في حياة شعب، يُقتل ويُباد كلَّ يوم، تحت سمع العالم وبصره، ببلادة مشاعر، وإشاحة للبصر عن بشاعة ما يحدث.

2

تنقسم الرواية إلى جزأين: الأول ينقل للقارئ تفاصيل رحلة فصيل عسكري إسرائيلي، يقوم بتأمين الحدود مع مصر، ويمشط المنطقة بحثًا عن فلسطينيين يمكن أن يتسللوا، ويشكلوا خطرًا أمنيًّا. وفي أثناء عملية التمشيط، يعثر الفصيل على مجموعة من البدو، ومعهم عدد من الجمال، فيطلقون النار على الإنسان والحيوان، ويأسرون الفتاة، ويسوقونها معهم، ثم يجردونها من ثيابها ويحممونها، ويغسلون شعرها بالنفط، ويلبسونها من ملابسهم، فتبدو شبيهة بهم (في إشارة جارحة إلى إنسانيتها الممتهنة). التفاصيلُ الدقيقة لهذه الحكاية، رغم أنها مرويَّةٌ من قبل سارد محايد، هي من منظور قائد الفصيل. فنحن لا نعرف شيئًا عن الشخصيات الأخرى، لا الجنود، أو البدو القتلى، أو الفتاة التي اغتصبها قائد الفصيل، ثم توالى عليها جنوده، فأمر بقتلها في النهاية، بدون أن نعرف لماذا قرر التخلص منها، وأمر أحد جنوده بالقيام بذلك، ودفنها في قلب الرمال.

الجزء الثاني من الرواية ترويه فتاة فلسطينية ولدت، كما يبدو عام 1974، ومن الواضح أنها في نهاية الثلاثينات من عمرها، وهي تقوم بعملية البحث المحمومة عن تفاصيل مقتل الفتاة البدوية، في العقد الثاني من الألفية الجديدة، بدلالة أنها تسمع أصوات قصف غزة ورفح، أثناء انطلاقها نحو منطقة النقب، التي وقعت فيها عملية الاغتصاب والقتل. والفرقُ بين الجزء الأول والثاني، أن الراوي في الجزء الثاني هو من نوع الراوي المشارك. فالفتاة تروي عن نفسها، وتبوح لنا بمشاعرها، ومخاوفها، وتقوم بتحليل طريقة نظرها إلى العالم، واهتمامها، على عكس الكثيرين ممن حولها، بالتفاصيل الثانوية الصغيرة، التي قد تبدو للآخرين غير مهمة، مثل بحثها عن حكاية تلك الفتاة البدوية التي عثرت على مقالة كتبها صحافي إسرائيلي عن مصرعها.

وإذا كان القسم الأول من الرواية يركز سرده على الضابط الإسرائيلي (الذي يعاني من حمى تنتابه بعد أن لسعه عنكبوت في فخذه، كما أنه يشعر بالعزلة، وتتناقض مشاعره بالرغبة في الفتاة، والأمر بقتلها، ويتوقف ارتجافه المحموم عندما يلصق جسده المحموم بجسدها)، فإن القسم الثاني، المروي، كما لاحظنا، من وجهة نظر الفلسطينية، التي تعمل موظفة في رام الله، هو امتدادٌ للحدث الأول، ومواصلةٌ له، رغم أن مصرع الفتاة على يد الجنود الإسرائيليين، الذاهبين لاحتلال مدينة رفح، بعد ما يزيد على ستين عامًا من النكبة، ليس مصحوبًا بالاغتصاب الجماعي. القسم الأول مرويٌّ من منظور ضابط إسرائيلي عصابي، مريض، سوداوي، يشعر بالعزلة، ولكنه يتبجح بالقول “إن الذي ينتصر هو الإنسان وليس الدبابة”، وهي العبارة التي تجدها الفتاة الفلسطينية (التي تبحث في أرشيفات ومتاحف الجيش الإسرائيلي عن حقيقة مصرع الفتاة الأولى) مكتوبة على مدخل مستعمرة “نيريم”.

3

ثمَّة في الرواية رموزٌ وصورٌ مجازية متكررة leitmotifs، وسواسيَّة الطابع في كثير من الأحيان، ودالّّةٌ وكاشفةٌ، في كل الحالات. ومن ضمن هذه المجازات صورةٌ الخنفساء الميتة، التي يسحقها قائد الفصيل بحذائه، بعد أن يقتل العناكب التي سجنتها بشباكها. “كانت بضعة عناكب صغيرة تربض تحته، حاكت بخيوطها الدقيقة بيتًا علقت داخله خنفساء رمادية ميتة” (ص: 23). ويجري السارد، الذي يستبطن منظور قائد الفصيل ورؤيته للأشياء والعالم من حوله، مقارنة استعارية بين تلك الخنفساء الميتة والفتاة البدوية الباكية، المرتجفة، بعد مقتل أهلها وجمالهم، على أيدي جنود قائد الفصيل. “كان الآن يعلو فقط نحيب مكبوت لفتاة تكوَّرت كخنفساء داخل ثيابها السوداء، وحفيف أوراق الدوم وأعواد القصب التي راح الجنود يجوبون بينها” (ص: 26). المشهدان دالان تمامًا، والتشبيه الذي يضفيه السارد على كتلة الفتاة، بثوبها الأسود الوسخ، شديد الإيحاء هنا، كما أنه يومئ للقارئ بما يمكن أن يحدث للفتاة، فيما بعد؛ بل هو يجعلنا نتيقن من مصيرها المحتوم، الذي تحدد مسبقًا في التشبيه الصريح للفتاة بالخنفساء الميتة.

ثمَّة صورة استعارية أخرى، من ذلك النوع الذي يتصل بالرائحة التي يشمُّها قائد الفصيل، على نحو وسواسيٍّ متصل، وهي ذات علاقة بهلاوس قائد الفصيل، وتركيزه الشديد على اللسعة المتقيِّحة في فخذه، والرائحة الصادرة عنها (رغم أنه يظن أن الرائحة صادرة من الفتاة البدوية)، وهوسه بالنظافة وتطهير المكان. “اتجه نحو صفيحة الماء، وسكب نصف محتواها في الوعاء، ثم حمله إلى الطاولة. عاد وتناول المنشفة الصغيرة، ثم قطعة الصابون، التي قرَّبها من أنفه، مستنشقًا رائحتها، بينما هو يقترب من الطاولة. خلع قميصه ووضعه على الكرسي، ثم بنطاله، وفجأة جمدت حركته. كان الورم فوق فخذه قد انبجس، وأضحى موضع اللسعة فجوة من اللحم المتآكل المتعفن، الذي امتزج فيه القيح الأبيض والزهري والأصفر، وفاحت منه رائحة نتنة حرّيفة” (ص: 53). وهي صورة متصلة بالصورة السابقة للخنفساء الرمادية الميتة، وما تثيره في الضابط الإسرائيلي من وساوس، تسلطية، ورغبة متكررة في تنظيف المكان، والقضاء على الحشرات فيه، وتطهيره، وإعادة ترتيبه، رغم كونه مجرد سقيفة. وهو ما يدلُّ، بصورة مواربة، على أن الضابط شخصية سايكوباثية تعكس رؤيتها الداخلية السوداوية على العالم من حولها، وعلى الموجودات الصحراوية، وعناصر الطبيعة، والبدو الذين يبحث عنهم، حتى لا يتسللوا، ويزرعوا في المكان الصهيوني النظيف (!)، الذي يسعى مع جنوده إلى إقامته في هذه النقطة التي وصلت إليها القوات الإسرائيلية على الحدود المصرية.

الصورة الرمزية الثالثة هي للكلب، الذي يبدو حضوره كليًّا في العمل. فهو شاهد، يهجس به الضابط الإسرائيلي، كما تهجس به الفتاة الفلسطينية الباحثة عن حقيقة ما حدث للبدوية القتيلة. إنه كلب الفتاة البدوية الذي يلازمها، ويبدو مثل روح حارسة لها. “التفت هو أخيرًا إلى الكتلة المتكورة السوداء التي ما زالت تئن، ثم غار عليها ممسكًا بها بكلتا يديه وهزها بقوة، فعاد نباح الكلب يعلو، ببنما ازداد علو نحيبها هي ليختلط بنباحه” (ص: 27). سيظهر هذا الكلب مرارًا وتكرارًا في الرواية، مقعيًا على باب السقيفة التي حُبست فيها الفتاة، وملاحِقًا قائد الفصيل وجنوده، وهم يأخذونها إلى ساحة القتل، ثم يعود إلى يقظة قائد الفصيل، أو حلمه (؟)، وهواجسه، ووساوسه، بعد مصرع الفتاة. “اقترب الكلب من كف يده اليمنى المنبسطة في الهواء، وأخذ يشمشمها، ثم أطبقها فجأة على فكيه. وراح ارتجاج نباح الكلب المكبوت يتسرَّب إليها، في حين كان صوت انزلاق أطرافه على الأرضية وهو يحاول الإفلات من قبضته، يملأ الفضاء. ويجاهد الكلب. وكلَّما جاهد أكثر، ازدادت وتيرة تعثره وانزلاقه على الأرضية، وارتجاج نباحه المكبوت، كما حدَّة صرير السرير الذي استلقى الضابط فوقه، إلى أن فتح هذا يده أخيرًا، فانزلق الكلب على الأرض قبل أن ينطلق عواؤه يائسًا عاليًا وهو يلوذ بالفرار” (ص: 61).

يظهر الكلب أيضًَا للفتاة الفلسطينية التي تتتبع آثار الفتاة القتيلة، في القسم الثاني من الرواية، قرب البيت الجديد الذي سكنته في رام الله، وينغص عليها نومها. “بقي نباح الكلب يتردد في الفضاء حتى آخر ساعات الصباح، تحمله الريح تارةً قريبًا مني، وتارةً بعيدًا عني، إلى أن بات عليَّ أن أنطلق إلى عملي الجديد” (ص: 73). ثم يعاود الظهور لها ثانية في السقيفة التي استأجرتها في المستعمرة الإسرائيلية في النقب، قريبًا من موقع مقتل الفتاة البدوية. “ألمح فجأة كتلة سوداء داكنة تمشي فوق العشب وتتجه نحوي، ثم تتوقف أمام الأرجوحة. إنه كلب. وفي الحال، يروح وجود الكلب هذا يدفع الخوف إلى نفسي. فأحاول طرده مرة تلو الأخرى، إلا أنه يبقى واقفًا في مكانه لا يتزحزح، فيما الفزع يشتدُّ بي، ما يرغمني في النهاية على النزول من الأرجوحة والعودة إلى سقيفتي. لكن، قبل أن أدخلها، أنظر إلى الوراء نحو الكلب، لكنني لا أجد له أثرًا بالمرة. كان قد اختفى كليَّةً” (ص: 113). (وعلينا أن ننتبه هنا إلى صورة الكتلة السوداء للكلب التي تُرجِّع صدى كتلة الفتاة البدوية السوداء في القسم الأول من الرواية، ص: 26). ثم يسدُّ عليها الطريق، وهي تسعى جاهدة للتعرف على موقع القتل، أوَّلًا في صورة الآثار الحادة لأطرافه على الرمل (ص: 117)، ثم وهو يحاصرها في سيارتها، مطاردًا إياها، ومانعًا لها من الهبوط من السيارة (ص: 119- 122).

يبدو الحضورُ الكليُّ للكلب في الرواية دالًّا أساسيًّا من دوالِّ العمل، وإشارةً مواربة إلى البنية العميقة للمعنى، أو إلى ما يسميه البلاغيون “معنى المعنى”. فالكلبُ كان ملازمًا للفتاة القتيلة، وقد شهد على حادث القبض عليها، وحبسها في السقيفة، واغتصابها، ثم قتلها. كما أنه عاد إلى قاتلها، في محاولة للانتقام منه، أو تذكيره بجريمته (؟). كما أن ظهوره للفتاة الباحثة عن آثار القتيلة، وسيره على دربها، وتطابق مصير الثانية، ولو جزئيًّا، مع مصير الثانية، دلالةٌ إضافية إلى الدور الذي يلعبه الكلب في تفتيح آفاق معنى النص.

ثمَّة شاهدٌ آخر في النص هو الجِمال التي تتعرض للقتل، مع أصحابها البدو، أهلِ القتيلة. وهي، وإن كانت تموت قبل القبض على الفتاة، إلا أنها تعاود الظهور في نهايات النص. فـ”الجمال المرمية فوق الأرض، أشبه بتلال صغيرة كساها العشب اليابس” (ص: 26)، تظهر فجأة للفتاة الثانية، عندما تلتقط عن الأرض غلاف رصاصة في موقع للتدريبات العسكرية الإسرائيلية. “أرفع الغلاف أمام وجهي لأتأمله جيدًا، وعندها أرى على بعد بضعة أمتار، بين أشجار الدوم، قطيعًا من الجمال جامدًا في مكانه باهتًا فيَّ، فأجمد في مكاني بدوري. لا أدري ما الذي تفعله هذه الجمال في حقل نيران كهذا. يشيح الجملان الواقفان إلى جهة اليمين بنظرهما عني ويدوران باتجاه الشجيرات القريبة منهما، قافزين برشاقة عما يبدو أنه منعرجٌ في الرمل، ثم يختفيان بينها” (ص: 125).

يصافُ إلى هذه الصور والأحداث المتكررة الدالة، مشاهدُ وأحداثٌ حافَّة، معززة، وكاشفة، في حدِّ ذاتها، وتقوم في الوقت نفسه بتوسيع مدى النص، وتعميق حبكته. من ضمن تلك الصور والمشاهد والأحداث المرأة البدوية، التي تصادفها الباحثة في طريقها نحو المستعمرة التي شهدت حدث القتل، وتصعد معها في السيارة لتوصلها إلى مفترق طريق، دون أن تسألها عن الحادثة، فلو كانت الفتاة القتيلة ما زالت حية “ستكون في مثل عمرها الآن” (ص: 122). وكذلك صور آثار القرى والبلدات الفلسطينية الممحوة من الجغرافيا، والحاضرة في الخريطة الفلسطينية التي تحملها الفتاة معها، جنبًا إلى جنب مع الخريطة الإسرائيلية، للاستدلال على المكان. يعزز هذا الواقعَ الجغرافيَّ، والحضورَ الكليَّ للاحتلال، الجدارُ العازلُ، والمستعمراتُ والمزارع الإسرائيلية المتناثرة على جانبي الطريق. كما تستعين الكاتبة بسرد ما قرأته في كتاب عن الفن التشكيلي الألماني بعد الحرب العالمية الأولى، وجدته في السقيفة التي استأجرتها في مستعمرة نيريم. وتنتقي الساردة وصفًا للرسوم المشوِّهة، للجسد الإنساني، والمنحى التعبيري في الرسم، في تلك الفترة، وكذلك مقاطع من رسائل الجنود الألمان إلى حبيباتهم وزوجاتهم، يصفون فيها وحشية الحرب، ولا معقوليتها (ص: 114- 115). كل هذا يعزز المشهد الكليِّ لبلاد في حالة حرب، وتنبؤٌ بما يمكن أن يحدث لمن يتحرك في هذه الجغرافيا التي تبدو، في كل تفصيل من تفاصيلها، معادية. ويشكّل بحث الناقد الإسرائيلي يتسحاق لاؤور “اللسان المقطوع”، كما يبدو لي، خلفيةً من خلفيات عمل عدنية شبلي

4

تلعب هذه الصور المتكررة، والدوالُّ المفتاحية، دورًا أساسيًّا في تعميق الرسالة التي تحملها هذه الرواية، وتشكيل طبقة عميقة من المعنى، تتجاوز الحكايات التي تسردها، والاستبطانات التي تقوم بها، والسرديَّات المتقابلة التي ترويها؛ من حكاية قائد الفصيل في طليعة الجيش الإسرائيلي المتجه نحو الجنوب، إلى حكاية الفتاة الفلسطينية التي يتطابق يوم مولدها مع يوم مولد القتيلة، التي استبدت بها قصة البدوية القتيلة في حكاية قائد الفصيل. فنحن هنا أمام سرديتين متقابلتين لحكاية واحدة، هي فعل القتل، الذي يتبعه القتل. ليست الحكاية هي مقتل الفتاة البدوية يوم 13 آب/ أغسطس 1949، ثم مصرع الفتاة الأخرى الباحثة عن سر مقتلها، فقط. فقريبًا من السقيفة الإسرائيلية، في النقب، التي تستأجرها الفتاة الآتية من رام الله، ثمَّة أصوات بعيدة لقصف، تبدو مثل “دقًّ متباطئ على طبل ضخم” (ص: 115)، وهناك صورة رفح في الأفق البعيد يتصاعد منها دخان القصف (ص: 116)، وجنودٌ يصطفون على الطريق، وهم ذاهبون، كما يبدو، لاقتحام مدينة رفح (ص: 118). المكانُ كلُّه حقلُ رماية، وحقولٌ للقتل. ومصرع الفتاتين، الأولى عام 1948، والثانية في العقد الأول أو الثاني من الألفية الثالثة، هو مجازٌ لهذا الصراع الدائر، الذي تختار الكاتبة تفصيلًا صغيرًا منه، لتحكيه للقارئ. إن السرديَّات الصغيرة هي ما ينقل بصورة أشدَّ وقعًا ما يدور على هذه الأرض الصغيرة، التي تُدعى فلسطين.

5

هناك جانبٌ أساسيٌّ آخر يمكننا الإشارة إليه في هذا العمل السردي الغني بالدلالات، وهو موضوعٌ متصلٌ بالصوت السارد، وزاوية النظر، والإذن بالرواية Permission To Narrate، كما يسميها إدوارد سعيد في إحدى مقالاته (1). فالسردية الصهيونية لحدث النكبة تحاول منع الفلسطيني من الكلام، وحرمانه من حكاية حقيقة ما حدث. ولهذا السبب، فإن الراوي في القسم الأول من الرواية ملتصقٌ تمامًا بقائد الفصيل الإسرائيلي، حيث نرى الحدث من خلال عينيه، ويتبني منظوره للحكاية. ثمَّة صوتٌ واحدٌ، أما الفتاةُ البدوية فتبدو عجماء، وعندما تتكلم يبدو كلامها غير مفهوم، لأنها تتكلم لغة غير مفهومة لقائد الفصيل وجنوده. كما أن المحتج الوحيد على كل ما يحدث هو الكلب، وهو أعجمُ بدوره. أما القسم الثاني من الرواية، فتحكيه الفتاة الفلسطينية التي ترغب، من خلال رحلة بحثها، إنطاق الفتاة العجماء القتيلة، والكشف عن حكايتها بعينين فلسطينيتين، لا من خلال الصحافي الإسرائيلي، الذي نقل من أرشيفات الجيش الإسرائيلي.

يبدو هدف عدنية شبلي الخفيُّ، الظاهرُ، هو كسر الحلقة الجهنمية للمنع من الرواية، وقد فُرضت على الفلسطينيين، لعقود طويلة، في الأوساط الإسرائيلية الإعلامية، والبحثية، والسياسية، والأدبية؛ وكذلك في الإعلام الغربي، والمؤسسات الأكاديمية البحثية، والمتخيَّل الأدبي الغربي الذي أسهم في تعميم السردية الصهيونية، وتشديد حضورها في الجزء الغربي من الكرة الأرضية، وفي أجزاء أخرى من العالم. ويمكن أن أشير هنا إلى بحث الناقد الإسرائيلي يتسحاق لاؤور “اللسان المقطوع” (2)، الذي يشكل، كما يبدو لي، خلفيةً من خلفيات عمل عدنية شبلي. فنص عدنية يتصادى سرديًّا، من خلال المتخيَّل، مع استنتاجات ذلك العمل البحثي للاؤور، الذي يبني استعارته على قصة “إزاء الغابات” للقاص والروائي الإسرائيلي أ. ب. يهوشوع، الذي يكون فيها العربي أخرس، لكنه يحرق الغابة. فمن الواضح أن عدنية شبلي تسعى إلى تقديم صورة اللسان المقطوع، عبر جعل الفتاة القتيلة بلا اسم، أو صوت، وعندما تتكلم لا أحد يفهمها. كما أنها تسعى إلى تقديم رواية شعبها، وإلى كسر حاجز منع الرواية، من خلال التفتيش عن حقيقة ما حدث.

هوامش:

يمكن قراءة مقالة إدوارد سعيد في:
Permission to Narrate, in: Edward Said, The Politics of Dispossession, Chatto and Windus, London, London, 1994, pp. 247- 268.

2. يمكن مراجعة مقالة يتسحاق لاؤور: “اللسان المقطوع”، ترجمة أنطوان شلحت، في مجلة “الكرمل”، العدد: 50، شتاء 1997، ص: 202- 234.

 

ضفة ثالثة