كيف يتحوّل الكائن ــ الإنسان إلى مكان؟
كيف تتحوّل الطبيعة في الكتابة إلى كائن حيّ يصنعه الكاتب على "عينه"، عين الخيال والتحديق والتأمّل؟ كيف يحدث هذا، بحيث تصبح الكتابة اشتباكًا مع المكان، واستيعابًا لعظمته في آن؟! فنحن هنا لا نتحدث عن مكان محض أسطوريّ بائد، بل عن أمكنة لا تزال مأهولة ببشر يعيشون يوميّاتهم، بؤسَهم وشقاءهم، أو رفاهيتهم وشغفهم بالحياة؟ لذا، وفي الأثناء يجري تناول المكان بمكوّناته، البشر والحجر، والتاريخ والجغرافيا، والآثار، والمعابد البوذية بأحجامها الضخمة ومحتوياتها الساحرة، والأسواق، والتدقيق في ملامح العابرين، وما تحمله من توترات وتقلبات. وكلّ همّه عيش التجربة ــ الرحلة وكتابتها، فالمكان الذي لا يكتبه لا يمكنه الاحتفاظ به، كما يقول.
خليل النعيمي يكتب الرواية وأدب الرحلة في آن. نوعان من الكتابة يلتقيان ويفترقان في عالم الأدب عمومًا. وهما كذلك في عالم النعيمي. فهو مع كلا النوعين يمنح الاهتمام بالعناصر المشتركة، من مكان وشخصيّات، وغيرها. ما يختلف هو طبيعة العلاقة مع المكان في كل منهما. وهذا طبيعي. فالمكان في الرواية ليس هو الغاية، بل هو مكان "الأنا"، ووسيلة لحمل عناصر الرواية من مكوّنات اجتماعية، الإنسان والمجتمع. بينما "مكان" الرحلة هو مكان "الآخر" الذي نذهب إليه لاكتشافه، ولاكتشاف الذات من خلاله. هذه مقدّمة أولى للدخول إلى رحلة ــ رحلات النعيمي التي يعيد من خلالها اكتشاف عوالم معروفة، ويقدمها من وجهة نظره، وجهة نظر تنطلق من شعور بالانبهار حيال معالم تبدو شديدة الإبهار، خصوصًا ما يتعلق بطبيعة تلك البلاد الجبلية القاسية، ولكن المحتشدة بالجماليّات. هنا إضاءة على رحلات النعيمي، وبعض خلاصاتها:
بقدْر كبير من حب الأرض والانغماس فيها، وحب الإنسان والارتباط بهمومه، يكتب خليل النعيمي رحلاته المتعددة هذه، في هذا الكتاب، فضلًا عن لغة شفيفة، وتأمّلات شديدة العمق في عالم الكون؛ الأرض والإنسان والحضارات التي مرّت في هذه البلاد أو تلك، معلنًا عن ولادة جديدة في كل اكتشاف لمكان جديد، ذلك أنه لا يذهب إلى الأمكنة زائرًا وحسب، بل حالمًا باكتشاف عالم/ مكان جديد، لا ليكتبه أو يكتب عنه، بل ليعيشه بكلّ معاني الكلمة، ومكانًا بعد آخر، يجد نفسه دائمًا في أماكن طفولته الأولى، في البادية ــ الجزيرة السورية، التي فيها نشأ وعيه الأوّل وتشكّل.
تجمع الكتابة هنا، في "أنا مكان" (دار ديوان، القاهرة، 2025)، بشغف وحب، بين قراءة المكان/ الأمكنة، والغوص في التفاصيل على غير مستوى، أبرزها المستوى الثقافي ــ التاريخيّ والمعرفيّ، ثم المعيشي/ الحياتي الذي يعيشه سكّان هذا المناطق، في ما يسمّى "طريق الحرير"، الطريق الذي يكتشف النعيمي أنه لم يكن للتجارة فقط، بل كان "طريقًا للعلم أيضًا، كما يقول الفيلسوف ميشيل سير الذي يستعير النعيمي مقولته ... وذلك بدءًا من سمرقند وطشقند، وصولًا إلى تايلاند والبيرو، مرورًا بالطبع في اليابان وحضارتها "الحداثية" التكنولوجية. الحداثة الحقيقية كما يقول النعيمي، وليست تلك الحداثة السطحية، حيث إن "الحداثة لا تتناقض مع الإنسان ... الحداثة الفعليّة، لا حداثة العرب اللفظية البائسة، لا تخرّب العلاقات الإنسانيّة، ولكنها على العكس تبدع علاقات جديدة، شديدة الرفاهة والإمتاع، وتعمّق، في الوقت نفسه، استقلال الفرد، وتؤكد "فردانيته" التي لا مناص منها.
تأتي الكتابة عن هذه الدول لا من منظور مشاهدة خارجيّة عابرة. فالكاتب يختار زاوية ما يكتب/ يرسم منها وعنها. يفرش أوراقه وأقلامه، ويأخذ في تأمّل المَشاهد من حوله، ثم يشرع في رسم لوحة "المكان" ــ مكانه الذي يمثّل شيئًا من روحه، من تاريخه الذي يحمله في جوانبه. ترتفع درجة حرارة النصّ بحسب درجة التحام الكاتب بالمكان وعراقته، من جهة، وبدرجة ارتباط هذا المكان بالمكان الأوّل للمؤلف وبدايات تشكيله ونشوئه، وتقدّم وعيه بالمكانين معًا ... مكان طفولته وصباه، الجزيرة السورية "الحسكة".
الأمكنة هنا، في دول الاتحاد السوفياتي السابق، تبدو متشابهة في طبيعتها. جبال وأنفاق وغابات، كلّها تجعل الإنسان المسافر يشعر أنّه في حالة تحليق على "حافة الهاوية"، حيث الطرقات الضيّقة في بطون الجبال، لا سهوب ولا سهول، بل ظلمات داخل ظلمات. عالم من السحر والخوف يفتح على أسئلة المصير الذي ينتظر البشر في أحوال كهذه. لحظات تضع القارئ في حال من الترقب والانتظار. هنا نجد الرحّالة ــ النعيمي يصوّر نفسه وقد أجهده التنقّل في وسائل المواصلات، وبين المقاهي والمطاعم، صديقًا للحشود التي تحيط به، مندمجًا أو وحيدًا، غارقًا في نفسه، أو في العالم الذي يغوص فيه، كأي شخص اعتاد الترحال، وقُل الترحّل، فهو منضبط بمواعيد لا يتخلّف عنا.
البداية من هنا
يبدأ النعيمي رحلته من طشقند في "الطريق إلى سمرقند"، وهنا وجد ضرورة الوقوف عند تيمورلنك (الرجل الأعرج) الذي استباح دمشق، حيث أساطير تملأ فضاء طشقند، منها ارتسامات المغول، بدلًا من حياته قاطع طريق وسارقًا في سمرقند، وكونه لم يحصل على لقب "خان"، رغم لقب "ملك العالم"، و"إمبراطور الهند"، لأنه لم يكن من سلالة "الخانات" المرموقة. ومنذ البداية يكتب عن "السفر، أو الرحيل، إذن، بوصفه جزءًا من الاستقرار، وكلّما رحل الكائن استقرّ أكثر، لكنه يصير يستقر في المكان الذي يهواه، وليس الذي يرثه...". ثم يصف الشوارع الطويلة والنظيفة، يرسم ملامح الناس الصامتين، ويرجع (فلاش باك) إلى حياته البدوية وترحاله المستمر، حيث لا يكون للكائن مكان "يجب أن يعود إليه ليموت فيه".
وفي سمرقند، وفي لفتة "أيديولوجية" تبدو غريبة على أجواء الكتابة هنا، ولكن ضمن تنوّع النظرات، ينتبه الرحّالة إلى دول آسيا الوسطى التي "بعثرها ستالين" في دول عرقية ميكروسكوبية (أوزبكستان، طاجكستان، كازاخستان) ليسهل ضمّها وإخضاعها، خلال عقود الاشتراكية "المسيّرة ونسختها السياسية المُهلكة (الغولاغ) التي نقلت الاتحاد السوفياتي من دولة زراعية متخلفة إلى دولة صناعية غزت القمر". ثم يكمل جولته في هذا البلد الذي نبغ فيه كبار العلماء المسلمين الذين احتضنتهم بغداد المزدهرة يومذاك: الرازي، الخوارزمي، ابن سينا، البيروني، وغيرهم. وظهر فيه طائر "السيمرغ" الأسطوريّ رمز البلاد. وحيث "آسيا الوسطى عمومًا لم تكن تعني سوى قادتها التاريخيين: جنكيز خان، وهولاكو، وتيمورلنك، وشاه جاهان (ملك الجهات)، أما الآن فندرك أن ذلك التاريخ لم يكن إلّا مشروعًا كونيًّا خارج كل حساب إثنيّ، كان "نمط حياة" وطريقة تواصل مع الآخرين، ووسيلة سيادة على العالم الخارجيّ من دون حساب للخسائر والمصائر، وفي أغلب الأحيان كان المغول هم الذين يُستوعَبون من قبل الأهالي الذين يُخضعونهم". غير أنه لا يستطيع إلا أن يستعيد ذكريات سورية والجزيرة بين سمرقند ــ دمشق: نهرها بردى وفروعه، نساؤها، الحور في سمرقند، والحور السوريّات على الخابور... وسواقي الجزيرة المترعة بالماء.
ومن بين المدن التي تستوقف النعيمي، وكلّها تستوقفه بنسبة ما، مدينة ــ قرية بخارى "جمال الروح"، حيث يربط مباشرة بين قرية الإمام البخاري، وبين الجزيرة السورية، بين عامودا، ورأس العين، بخارى المقدسة النبيلة "قبلة الاسلام"، "ركن الدين" و"الأكثر قدسية بين مدن طريق الحرير"، و"جمال الروح"، كما يصفها ابن عربي. يطلق عليها النعيمي أنها "أماكن مدلّهة يغمرها ضوء فاتر ومثير، مثل بريق عيون مملوءة بالشهوة"، وقد احتلّ المغول بخارى عام 1220م، بقيادة "نفس الله الخارق": جنكيز خان، بجيش زاحف كالجراد، وخطب في جامعها "أنا سخط الله عليكم. لو لم تقترفوا الكثير من الذنوب لما أرسلني الله إليكم لأعاقبكم" ،وفي المدينة القديمة، تجد أنك في "بولاق الدكرور" القاهريّ، أو الحميدية في دمشق، أو سيدي إدريس في فاس. بل إن النعيمي يذهب أبعد من ذلك، إذ يقول إن "المشترك الثقافي والحضاريّ للإنسانية ليس ادّعاءً، ولا تملّقًا للتاريخ، إنه حقيقة". ويضيف "كم خطر لي أنّ من يعرف الشام لا حاجة به لأن يعرف بخارى".
استخلاصات أخيرة
يستوقفنا النظر إلى طوكيو بوصفها "مدينة مفعمة بالنظافة والحياة". والنظر إلى الشعب الياباني بشيء من الانبهار "لم أرَ بشرًا أكثر لطفًأ من اليابانيين. ثمة جسر عاطفيّ ينبني، فورًا، بينك وبينهم." في العلاقة مع مدينة ستوكهولم، عاصمة السويد، يبدي عدم انسجام إلّا مع المدينة القديمة منها. في مدينة ليما، عاصمة البيرو، نكتشف، مع المؤلّف، حجم التقارب بينها وبين عالمه القديم: "الأبواب الخشبية العظمى المصقولة بإتقان زائد عن اللزوم، تذكّرني بأبواب خانات حلب. أبوابها الضيقة الصغيرة تقودني إلى الداخل، فأجدني في فضاءات دمشق العتيقة.". وهو يرى في ذلك نوعًا من "العودة إلى نمط العيش في الأندلس". وفي إطار ربطه بين عالم رحلته، وبين مكانه الأول، نرى كيف يربط مدينة مثل "نازكا" عاصمة الصحراء، وهي مدينة مسجلة من تراث الإنسانية لدى اليونسكو من أجل حفوراتها وعلاماتها المرسومة على الصخور الرملية من الأزل، حيث يقول "فيها أحسُّني في مدينة الحسكة في خمسينيّات القرن العشرين".
ونختم بقوله: "نحن نتبدّل عندما نبرح أمكنتنا، هذه هي حكمة السفر"... "كلّ شيء يتبدّل عندما نسافر: الرؤية والانفعال والاستجابة والكلام"... وإضافته "لا يكفي أن نسافر لكي نكتب، لكن "أن نكتب" تقتضي أن نسافر".
- عنوان الكتاب: أنا مكان
- المؤلف: خليل النعيمي
عن (ضفة ثالثة)