تثير الكاتبة الكثير من الأشياء التى يمكن الإلتفات إليها، وهى الثقافة، التى تتمثل فى العادات المؤثرة فى حياة الإنسان، فتحدد موقف الآخرين منه. والثورة التى تدعو للتغير للأفضل، والإبداع وعلاقته بالمجتمع، لأنه فى الأساس رسالة موجهة من المبدع إلى المجتمع. فتنحت فى إبداعها من طين الأرض نماذج بشرية حية.

رواية العدد

آخر المحظيات

سعاد سليمان

 

رسالة لن يقرأها

لماذا مت؟ كيف تموت دون أن أشفى غليلى؟ لماذا الآن؟ كيف استرد حقى منك؟

حتى فى موتك ظالم وجبان، حتى فى موتك مخادع! سألعنك كل يوم، لن أرحمك لحظة، لن تستريح بدونى، يقولون إن الموتى يشعرون بدنو أجلهم فيتطهرون من الخطايا، بموتك ما زلت تمارس هوايتك بالخطيئة فى حقى.

 يقولون إنهم يُبرئون ذمتهم من ديونهم، فلماذا لم تسدد ديونك؟

ألم تنظر فى كشف حسابك؟ ألم تر الملايين من قطرات الدموع؟ ألم تلمح كمية الفقد والحنين التى استهلكتها من أيامى وسنينى؟ ألم تستوقفك عذاباتى وأنت لاهٍ فى غطرستك ورعونتك واستخفافك بآدميتى؟

أحمل ذنوبك اليوم، هل أثقلت موازينك بكشف حسابى؟ هل تسخر بأن هذه ليست الذنوب التى يحاسب الله عليها؟

إذا لم يحاسب الله من يعذب أرواحاً نبيلة فمن الذى يستحق أن تلهو به ملائكة جهنم؟

 

رسالة لن تصل إليها

                               "سامحينى"

                              الموتى لا يُسألون

 

"أراك فى قبرك، شبه عارٍ، بجانبك امرأة غير محددة الملامح تنام فى حضنك، مبتسمة ابتسامة الرضى، أرانى أبكى وأصرخ، ألطم خدودى، لكن صوتى لا يخرج. صراخى صامت، لا أحد يسمعنى.

أجرى فى وحشة المقابر أبحث عن مخرج، أصحو فزعة فأجد دموعى تغرق مخدتى، ألماً يشقق خدودى، كأنى أبكى حقيقةُ وألطم خدودى بالفعل".

فى أى وقت من ليل أو نهار، فى بيتى أو بيت أهلى، يطاردنى الكابوس اللعين، لم أجد له تفسيراً، لم يستطيع كل الذين استشرتهم إفادتى أو التخفيف عني. تركونى فريسة لكابوس غريب وغامض ينهشنى ويكدر عيشى.

تلاحقنى الهواجس تؤكد أن الكابوس رسالة، لكن رسالة لمن؟ وممن؟ ولماذا؟

منذ رحيلك تتبعنى الكوابيس أينما حللتُ، تطاردنى بإصرارٍ وتحد. كابوس واحد فقط لا يتغير ولا يتبدل، فى البداية اعتقدت أنه مرتبط ببيتنا الذى عشت فيه معك خمسة عشر عاماً، وتحديداً بغرفة نومنا، بالتحديد عندما أنام على السرير الذى فرق بيننا أكثر مما جمعنا.

سريرنا الذى لم أنتبه لتفاصيل تكوينه إلا بعد رحيلك، فصار مكانك الخالى بقعة نائية جداً عن مكان نومى، تنبهت لهذا الفاصل البارز بين جهتى نومنا، بين هذا البروز أخدودين على جانبى السرير، حاولت أن أنام بعرض السرير فآلمنى هذا الجزء البارز فى المنتصف، فعدت أنكمش فى أخدودي فى الجهة اليمنى.

طاردتنى رائحةُ عِطرِك لدرجة الإختناق، قاومت الهروب من الغرفة، كلما تشبثت بالنوم فيها زادت رائحتك النفاذة والتى كنت أكرهها ، لا أدري لماذا؟

تحالفت معها الكوابيس لتطردني من الغرفة، ربما لتسكنها أنت وأشباحك.

لُذت بغرف الأطفال غرفة غرفة، تلاشت رائحتك، لكن لم تنتهِ الكوابيس.

ماذا تريد يا رامى؟ هل أقرأ على روحك الفاتحة، هل أوزع الصدقات رحمة بك؟

أتخبط فى كوابيسي وأحزان صغاري، الأثاث العتيق لبيتنا الكئيب، بين أوراقك وكتبك التى كانت دائرة محرمة ممنوع  على الأقتراب منها. حتى عندما طلبت منك أن تعيرينى بعض الكتب لأقرأها كى أسلي وحدتى، سخرت منى ونهرتنى، حرمت علي دخول عتبة باب مكتبك ومكتبتك، رفضت حتى أن أنظفها لك مهما علت الأتربة الأرفف. أو تكدست سلة مهملاتك، فكنت تفضل تنظيفها بنفسك.

اليوم البيت لى، والمكتبة والأوراق، مفاتيح أدراجك.

عندما فتحت الباب هاجمتنى رائحة عطرك، كأنك جعلت من هذه الغرفة مخزناً للرائحة التى لا تبدلها أبداً. تراجعت مختنقة، أغلقت الباب بشدة، تنشقت هواء خالياً من رائحتك، ملأتُ رئتاي بمخزون أكسجين أحتياطى يساعدنى على المقاومة حتى أفتح الشبابيك وأزيح ستائرها السميكة. متسلحة بالصبر قررت المواجهة، سددت أنفي حتى تجدد الهواء، افترشت أشعة الشمس المكان.

هل تحزن الكتب لفراق أصحابها؟ حزينة كتبك بعدك يا رامى، أكاد ألمس آهات الحزن بين أرفف المكتبة الضخمة، حتى مكتبك ينعيك وتلك الأوراق المبعثرة، أقلامك ماركة "يونبيل" والتى لا تستخدم غيرها، رسومك العشوائية، شخبطات قلمك على قصائد لم تكتمل صارت كئيبة، تلك الأظرف الصفراء الضخمة يطل منها الأسى وزادها الإصفرار وحشة، لم يعد هاتفك يرن، أعلن "اللاب توب" الراقد فى سكون حداده عليك.

أمسك هاتفك المحمول، هل مازال يتذكرك أحد؟ لم تصلنى ولا برقية تعزية من أصدقائك كثيرى العدد، ربما فضلوا نعيك فى الصحف التى ظلت أسبوعاً كاملاً تنشر التعازي، لم أكن أعرف حجم معارفك ولا طبيعة علاقاتك بالآخرين.

الغريب أنه لم يرد اسم امرأة فى أى نعي، ولا على هاتفك المحمول. كيف لم أنتبه لهذه الملاحظة من قبل؟ هل يمكن ان يخلو عالم رجل مثلك من وجود امرأة إلا أنا؟ أين زميلات العمل؟ أين الصحفيات والإعلاميات اللواتى كن يستضفنك فى برامجهن ليل نهار تتحدث كخبير فى شؤون حقوق اللاجئين؟

أخيراً أمسك بتليفونك المحمول بين يدى، أستغربه كثيراً، فعلى مدى عشر سنوات لم ألمسه ولو بالمصادفة، حتى لو رن وأنت فى الحمام فلا أستطيع الاقتراب منه أو مجرد النظر إليه، لماذا؟ أسأل نفسى، صحيح أنك لم تطلب منى ذلك، ولكنى كنت أخشى ملامسة أشيائك بعدما عرفت حرصك الشديد فى المحافظة على خصوصية عملك كما أوهمتنى. أو ربما لرعبى من هذا الفزع الذى يبدو فى عينيك بمجرد الإقتراب من الكمبيوتر، أو التليفون المحمول، أو الخطابات الواردة إليك، أو الأظرف التى ترتبها بعناية، أو الكتب المحظور الاقتراب منها.

كما توقعت، كانت كل الأسماء لرجال. حتى الأسماء النسائية مسجلة باسم رجل مثل مدام أحمد، مدام مصطفى، مدام حمزة، وهكذا، رسائلك فارغة، فلم تكن تحتاج أن تراسل أحداً. وواردك، واردك ممتلئ حتى التخمة، لم أتمالك نفسى من الابتسام، وتحول الابتسام إلى ضحك هستيري، لا، لا أصدق، ياللهول على رأي الأستاذ يوسف وهبي، ما هذا؟ كل هذه الرسائل لرامي من رقم واحد فقط، بالطبع لن يكون رقماً يخصُ أحد أصدقائك الرجال، على حد علمى أنه لم يكن لك صديقات، فلمن الرقم؟ ماذا تقول الرسائل مجهولة المصدر؟

هل كنت أفتح رسائِل زوجى الراحل منذ شهر؟ أم أفتح على نفسى باب الجحيم؟!، مصدومة مذهولة، أكاد أنفجر من الغيظ، أحسُ كمن صُفع على قفاه، هل كنتُ مغفلةُ إلى هذا الحد؟ أرانى صرت "عبيطة" لا أجد كلمات تصف هذا الشعور الغريب.

 

الرسائل

التاريخ 5/8/2010 "قبل شهرين من وفاته"

ردني إلى قلبك، فبدونك يقتحمنى الفراغ، أبدو مرتعشة هشة، تهتز الأرض تحت أقدامى، بدونك لا أكون.

التاريخ 2/8/2010

وحيدة أنام، اشتهى أن تحتضنني من ظهري العاري إلا من صدرك الممتزج به، تُدخل يدك اليمنى أسفل عنقي لتغفو فى يدى اليسري، فوق خصري تلتقي يدك اليسرى يدي اليمنى، وأنا مقيدة بك، تمرح الطمأنينة حولى.

19/7/2010

كٌف عن إيذائي، أخلع هذا الوجه الخشبى الذى ترتديه إذا جمعتنا صدفة، دبرتها لأحظى برؤيتك، فتتجاهل وجودي، تولينى ظهرك الذى يعلن حياده ويستحق سخطي على جمودك.

فزِعة ألقيت بالهاتف بعيداً، تتسارع دقات قلبى، أتسمر فى مكاني زائغة البصر. أشعر بدوار عنيف، عرق بارد يغرق مفاصلى، لا أستطيع السيطرة على ارتعاشة أطرافى، أكتم أنفاسى المتسارعة وآهات حسرتى... من أين جاءت هذه الرسائل؟ أي باب للجحيم دخلته؟ أين يختبئ العذاب إن لم يكن فى هذه السطور؟ لا أصدق، ولن أصدق. يختلط ضحكي الساخر بدموعى، بذهولى، بدهشتى. بصعوبة أتمالك نفسي، أخرج من غرفة الجحيم زاحفة على ركبتي فلم أستطع الوقوف. أغلق الباب خلفى بعنف، أخاف أن يتبعني هذا التليفون اللعين، يريني صنوفاً أخرى من رسائل مجهولة لا تحمل أسماً فقط رقماً يكاد يكون المرسل الوحيد.

كم من الوقت مر وأنا فاقدة الوعي، أتخبط فى ظلام البيت التي لم تفلح أضواء الشارع الخافتة أن تفك طلاسم ظلمته. بخطوات متعثرة أحاول الوصول لأقرب مفتاح للإضاءة، أتسند على قطع الأثاث المتناثرة خشية السقوط، أنتبهت لغياب أولادي الذين خرجوا منذ الصباح مع أختي زهرة وأولادها، بعدما عانوا طوال الفترة الماضية من تفاصيل الأحزان لفراق أبيهم.

ما زالت الأرض تدور بى، صداع يفتِك بكل جزء فى رأسي، أستعيد ما مضى، تختلط الذكريات والوقائع فى عقلي، لقد أفقدتني المفاجأة القدرة على جمع ما تفتت من روحى. أشعر كأننى فى غيبوبة، أحتاج لمن يصفعني حتى أسترد وعيي. ينقذني من توهماتي صوت صعود الأولاد يتبعه صوت جرس الباب.

  • "استحلفك بالله يا زهرة لا تتركيني وحدي".

أرجو أختي أن تشاركني الليلة فقط، أنشغل بترتيب الأحداث بينما تتولى زهرة العناية بأولادي وأولادها حتى يستغرقوا فى النوم.

تربت زهرة على كتفى، تحاول أن تختلق أعذاراً أو تجد تفسيراً للرسائل الغامضة، بسذاجة تؤكد، ربما المقصود شخص آخر، تركتها تثرثر، غصت فى داخل روحى.

  • "إلى هذه الدرجة كنت تحبينه يا زينة؟"

أفقت على سؤال زهرة، تنبهت حواسي كلها، أعدت السؤال على نفسي

: هل حقاً أحببتك يا رامى؟

لكن السؤال الأهم: هل أحببتنى؟ بالطبع لن أعرف الإجابة فالموتى لا يُسألون!

 

النبشُ في جسد ميت

استعرت قدرة الجبال، قررت أن أتحداك يا رامي، ربما لم تكن لدي القدرة سابقاً على مواجهتك، لا أدري لماذا؟ لن أخاف بعد الآن. سأنقب عن أدق أسرارك، سأفتش في كل أشيائك، ربما أعرفك!!

رسائل العاشقة

التاريخ / لا يهم

لماذا لا تنتهي، فكلما وأدتك عدت أكثر توحشاً، تفسد حداداً لم اتلق فيه عزاءك بعد، تنتهك صلابة روحي المزعومة، لماذا وهل وكيف ومتى؟ انتحرت كل أدوات الاستفهام كرهاً لك ومللاً مني.

قصصت شعرى لأنك لم تمنحه وعداً بتوسد ذراعيك، حرمته الاستطالة كي لا يشتاق لمساتك على خصلاته.

رسمتك على وسادتى، وفى مرآة غرفة نومي، ومدخل باب حجرتى، وعلى أكواب شرابي، وطفايات سجائري التى أخبئها حتى لا أدخت وأنفض سيجارتي على وجهك، أعيدها من مكمنها حينما تهجرني، متخلصاً بنذالةٍ مني ومن مشاعري وذكرياتي والاماكن التى جمعتنا، تتركني للحسرة. أتلذذ بحرق ملامحك بهدوء وعلى مهل، ثم ابكيك أيها المشوه.

كل الرجال الذين يحلمون باعتلاء عرشي يتهمونني بأنني "مازوخية" أعشق تعذيب ذاتى بحبك، يسألونني: ماذا منحك راميكِ غير العادل كي تتوجينه أميراً للرجال، وهو لا يهديك سوى قسوة الاحتلال.

لا أحتاج إلى أدلة أكثر من هذه الرسائل المُغرقة فى الرومانسية، حتى أتأكد أنه كان فى حياة زوجي قصة حب خاصة جداً، وربما ملتهبة على طريقة الأفلام العاطفية، متى بدأت؟ متى انتهت؟ من هي هذه المرأة؟ ماذا أحبت فيه؟ لماذا أحبها؟ تقول فى إحدى رسائلها:

أبحث عن وجهك فى كل حانات وسط البلد، فقط أريد لمحة تشفي حنيني، نظرة واحدة أختلسها بسرعة، أخاف أن تلمحني، أخاف أكثر أن تسمع من موقعك البعيد داخل الحانة دقات قلبي التي فقدتُ السيطرة عليها.

هي إذن امرأة حقيقية تتعذب بحب زوجي، زوجي الذى لم أره أبداً، أو لم أره بهذه الكيفية، بهذا الإبداع الذي يحتويه سطور المرأة العاشقة، ماذا عشقت فيه؟ ماذا منحها؟ سطورها تقطر مرارة وحرماناً لغيابه، لا يقل عن حرمانى فى وجوده، إذن لمن كان، ربما لامرأة ثالثة أو رابعة، وأين هن؟ كيف أعرفهن؟ سأفتش في كل أوراقه وكتبه وملابسه حتي البالية منها، والتي هجرها منذ سنين، أفكر جدياً في استخراج جثته من بين جدران مقبرته، افحص جسده خلية خلية، ربما وجدت بصماتهن على جسده البليد. نعم كان بليداً، شارد الروح، يتعلل بقضاياه الوجودية وأزمات العالم، تصاحبه كل أنواع الخمور حتى يفقد الوعي، فينام مهدوداً مكدوداً مُحبطاً، يصحو مرتسماً الجدية والوقار. تحولت حياتي إلى نشرات أخبار ومناقشات أيديولوجية، لم أفهم منها حرفاً، لم أعرف ما هي الأيديولوجيا، لكني كرهتها، لم يعِ هذا الغبي أن النساء لا تمتعهن الأيديولوجيا ولا الأفكار الفلسفية حتى لو كان صاحبها سقراط نفسه، وهو لم يكن سقراط، بل مجرد سفسطائي يقنعني بقضية هامة، يتحمس لها، يقضي الليالي يدبج الأسانيد والأدلة تاركني للبرودة والوحدة، وغموض الفهم، ثم ينقلب عليها يفتت أسانيدها، يركلها بعيداً ليعيد الكرة بقضية أخرى، وهكذا دائماً.

لم يكن يعنيني فى كل قضاياه الوهمية سوى أن أؤكد أقتناعي التام خشية أن يتهمني بالجهل. الجهل هذا المارد الذي استحضره بيني وبينه، جهلي المعلوماتي والفلسفي و "الفذلكي" أيضاً. لم يخجله جهله الرُجولي بطبيعة الأنثى وما ترغب فيه.

ليس الجنس هو ما كنت أريد، أنما أردت الاحتواء.. التفهُم.. طبطبته على روحي، لكنه لم يفهم، أبداً لم يفهم.

لا أثر لامرأة أخرى غير تلك العاشقة التي ما زالت كلمتها تطاردنى، لماذا هامت به عشقاً؟ أعيد السؤال مئات المرات ماذا رأت فيه؟ أو ما هى الصورة التى رأته عليها؟ لماذا لم أره أنا بهذه الكيفية؟ هل كان شخصين؟ معي بشخصية ومعها بأخرى. ما عرفته وعشت معه حياتي طوال خمسة عشر عاماً، لا يمكن أن يستحق كل هذا الحب، ولا يفجر أي طاقة عشق فى امرأة أياً كانت.

يقولون إن لكل أمرأة راداراً يلتقط الموجة التى تنبعث منها خيانة زوجها، فكيف لم يلتقطك راداري أيتها المرأة العاشقة؟ هل كنتِ بارعة في التخفي فلم المح لوجودكِ طيفاً؟ أم كان هو يجيد إخفاءكِ؟

هل هاتفتِه وأنا بجانبه؟ كيف كان يجيبك؟ هل بصيغة ذكر؟ كيف لم يرد اسمك على لسانه ولو سهواً؟ لم أجد لك اسماً، أنت مجرد رقم مجهول التسمية على هاتفه، واسماً مستعاراً في إيميلاته. امنحيني خيطاً يدلني عليكِ، ليس غيرة أو محاولة انتقام من أرملة خانها زوجها الراحل، لا لم يخني، بل خان مبادئه التي صدعني بها عن الإخلاص والنبل، الصدق والفروسية واحترام المرأة، تكشف سطورك أنه لم يحترمك.. لم يحترمني.

أقسم أنني لا أكرهك، بل ربما أحبك، أكاد أشفق عليكِ، بل إنني بالفعل أشفق عليكِ، وقبلك أشفق على نفسي، قد تتخيلين أيتها المجهولة إنه كان لي رجلاً محباً متفاهماً، مسانداً، حنوناً، لا لم يكن كذلك، أقول انا لكِ من هو.

 

دهشة متبادلة

هو ذلك الرجل العصبي دائماً، العنيد، الكتوم، الصامت أبداً إلا عندما يثرثر عن أمجاده ونظرياته فى السياسة والوجود. لا يبوح بمكنون نفسه، هو ذلك الهارب من مسؤولياته، تمر الأيام والليالى لا أراه إلا صدفة ونحن نسكن بيتاً واحداً.

هو ذلك الراجل الذي لم يجاملني مرة بهدية بسيطة، لا يتذكر عيد زواجنا ولا عيد ميلادي. وأعياد ميلاد أولادنا أذكره بها.

لم يحتضني فى غير موضع ممارسة الجنس، لم يلمس يدي برقة، حتى فى أيام الخطوبة، لم يقبلني على جبهتي أو خدي، حتى قبلاته أثناء المعاشرة الزوجية قبلات سريعة خاطفة كأنه مطارد أو مذعور، أحياناً كنت أتعامل معه على أنه شبح ما إن يظهر حتى يختفى. لم يلحظ يوماً أي تغيير سواء فى تفاصيل البيت او شكلي أو ملابسي، إلا عندما انبهه بسؤالي:

  • "ألم يعجبك التنسيق الجديد للبيت؟"

حينها يثور، يصرخ فى وجهي أنه يكره التغيير، لا يحب الجدل ولا الحساب أو العتاب أو توجيه اللوم. متقلب دائماً، يفترض بي عدم الفهم.

هو ذلك الرجل الذي لم يُثن مرة واحدة على طعام أعددته، أو مجهود بذلته مع الأولاد سواء فى دراستهم أو مرضهم أو تربيتهم. لم يذهب معى يوماً إلى طبيب الأطفال. الادهى أنه لم يختر أياً من أسماء أولاده، يقول: "هذه أمور نسائية لا أفهم فيها، سأرضى بأى اسم بشرط أن يكون لطيفاً".

عندما يعود من سفره الذي يتزامن دائماً مع توقيت ولادتى يقوم باستخراج شهادة الميلاد.

كان يتعمد أن يسافر قبل ولادتى بأسبوعين، يعود بعدها بعشرة أيام وربما أكثر، لا ألمح فى عينيه لهفة أو إقبال على الاحتفاء بالمولود، عندما يهاتفنى لا يسأل عن صحتى، لا يقول حتى الكلمات المعتادة بعد الولادة "حمد لله على السلامة"، فقط يسألنى بحيادية: "ماذا أسميت وريث العدايبة الجديد؟" أندهش لماذا لم يستفسر عما إذا كان المولود ذكراً أم أنثى؟ كيف كان يعلم أنهم جميعاً ذكور؟

بالمثل منحته من الدهشة ما فاق تصوره وريبته، فقد أسميت كل أولادنا بأسماء يحتل حرف الألف الجزء الأوسط منها. وإذا جاءت تسمية عامر، "البكرى" بناء على رغبة والده ووالدي، إحياءً لاسم جدهما عامر الكبير، فإن تسمية باقي الأبناء كانت حسب رغبتي، باختيار دقيق ليس فقط كى يشبهوا اسمه واسم أبيه وجده فى وسطية حرف الألف "رامى عادل حسين عامر أبو عدبة"، لكن لسببٍ يخصنى وحدي. فانتصاب الألف فى منتصف الاسم يشعرني بالقوة والصلابة بأنني أم الرجال الذين سيشدون "ضهري"، ييرفعون ذكري وسط نساء العائلة، ساتحكم فى اختيار نسائهم، من لا تعجبني لن تنال شرف زواجها من ابني، ستسعى كل فتيات العائلة لتنال رضاي. سأجلس على أعلى كرسي ويحيط بي زوجات أولادي وأحفادي يدللونني وأمنحهم بركتى.

كنت على يقين أن ذلك سيحدث، كنت تقريباً أراه بالتفاصيل، اندهش من نفسي من اين تجيئني هذه الثقة؟ لماذا لا أراك عندما أمد خيالي إلى زفاف أي من أولادنا؟ هل كنت أدرك في اللاوعي أنك ستموت فجأة بدون أي مقدمات أو أمراض مسبقة؟ كعادتك عدت للبيت مع شروق الفجر، تركتك وقمت بشؤون المنزل والأولاد المعتادة، استغربت نومك حتى ما بعد العصر، حاولت إيقاظك، لكنك لم تُجِب، جسدك بارد مغلق العينين ووجهك تحول إلى علامة استفهام.

عامر وفارس وحازم وجاسر وأخيراً خالد، خمسة ولادات أنهكت جسدي وأضاعت بهجة شبابي. نعم كنت تعطيني ما يغطي نفقات البيت والاولاد ويزيد، أعترف وللحق أنك كنت حنوناً مع أولادنا فى أوقاتك القليلة المتاحة. تجمعهم حولك، فترسم مع عامر الذى بجانب عشقه للرسم استهواه المسرح فى السن ذاته الذى استهواك فيه، نصحته بأن يجمع بين موهبة الرسم والمسرح، خاصة أنه على بعد خطوات من بيتنا، بل يواجهه تماماً، كنت حريصاً على اصطحابه عند كل عرض جديد، فلم تشأ أن تكرر ما جناه أبوك عليك عندما منعك من الاقتراب من هذا العالم الذي وصفه بأنه لا يليق بسليل عائلة العدايبة، رفضت بشدة وعنف أن يتدخل والدك فى اختيار مستقبل أولادك وهو ما أوجعه كثيراً، أحس بانك تعاقبه على حرمانك من شيئ أحببته.

مات أبوك ولم يفارقه غضبه منك وعليك، ظل يكظم أحزانه التي أفترسته طويلاً، رغم أنه ينكر ذلك، يقول إن في أحفاده الخمسة عزاء له عن جفائك معه.

كان يجلس بيننا يتابع بشغف الاحتجاجات على التعديلات الدستورية التى فُصلت خصيصاً من أجل التوريث، ظهرت الوقفات الاحتجاجية فى وسط البلد ونقابة الصحفيين والمحامين، ونادى القضاة بما أسموه بالمثلث الملتهب. تصاعدت احتجاجات القضاء التى تضامن معها قطاع واسع من جمهور المفكرين والمثقفين والكتاب والصحفيين، التف الجميع حول المستشار زكريا عبد العزيز وزميله المستشار هشام البسطاويسي.

كانت حسرة المحامى الكبير عادل حسين بلا حدود، تمنى أن يكون فى الصفوف الأولى مع هؤلاء القضاة الذين يعرف أكثرهم معرفة شخصية ومهنية، جمعتهم الكثير من القضايا والجلسات داخل حرم المحاكم وخارجها، منعته سنواته التى تعدت السبعين وأمراضه التي تراكمت من المشاركة، اكتفى بمتابعة دقيقة لكل الأحداث عبر قناة "الجزيرة"، بكى بدموع طفل وهو يسمع خبر توقف قلب المستشار البسطاويسي لمدة أربع دقائق كاملة، لم يحتمل قلبه فرحة عودة النبض لقلب البسطاويسي فتوقفت دقاته تاركاً ابتسامة الانتصار على وجهه.

كعادتك يا رامي فى المواقف الصعبة، ارتبكت، وقفت عاجزاً حائراً لا تدري ماذا تفعل. جاء أبي بصلابة الكبار يُكرم صديق عمره وابن عمه بدفنه، ظلت مآقيه تحتجز دموعاً عصية على الإنفلات، أما أنت، فقد كنت تائهاً، ظللت طوال ليالى العزاء لا تكلم أحداً، تتحرك بشكل آلي.

الغريب أنه بعد الليالي الثلاثة نفضت أحزانك، عدت لسيرتك القديمة وربما أكثر سوءاً، فقد أمعنت فى الهروب، تسكر حتى لا تدري من أنت. بعد أسبوع واحد فقط جمعت كل كتبه وأوراقه فى صندوق كرتون، تخلصت منها سريعاً، حتى ملابسه لم تحتفظ منها بشيء صممت على تجديد غرفته وإعادة طلائها، اشتريت غرفة نوم كاملة للأولاد، لم يرق قلبك إلا لمجموعة البايب الثمينة التي كان يعتز بها، وعكاكيزه التى كانت لا تفارقه.. يحملها لا ليتوكأ وعليها ولكن نوعاً من الزينة والأبهة.

عندما أنظر إلى وجوه الأولاد أراهم كلهم أنت بصورة أو بأخرى، سواء فى الشكل أو السلوك أو الطبائع مهما اختلفت هواياتهم ورغباتهم، فإذا كان عامر قد اخذ منك حب المسرح، فإن فارساً يشبهك فى حبه للشعر والسياسة، واستحوذ دائماً على اهتمامك الأكبر فتخصص له الكثير من الوقت. تبهرك أحلامه وتطلعاته التي تفوق سنوات عمره الأثنتي عشرة، يحلم بأن يكون رئيس جمهورية مصر، ترمقه بإعجاب وتقول:

"جريئة أحلامك يا فارس، لكن يا ابني هذا هو الحلم المستحيل، لماذا لا تبدل حلمك العنيد؟"

  •  يرفض، تجادله:
  • "ولكنك يا فارس شاعر والسياسة لا تعرف مثالية ونقاء الشعراء"، فيجيب: "أليس الشاعر إنساناً ورئيس الجمهورية إنسان فلماذا لا يستفيدان من إنسانيتهما؟"

تضحك بأسي، تؤكد له: "إن السياسة بحر من القذارة الواقعية، والشعر أطياف من النقاوة والمثالية والأحلام وهما لا يلتقيان".

وعليه إما أن يتخلي عن الشعر أو عن الحلم في عرش مصر. يواصل بعناد أنه لن يتخلى عما يريد، فترمقه بنظرة إعجاب يشوبها حسرة، تربت على كتفه، تنهي جدلكما قائلاً: "أن الشاعر الحق أعلى قيمة وأكثر أهمية من كل حكام الأرض".

أستغربك كثيراً يا رامى من أين تأتي بكل هذه الحيوية والتدفق والطاقة التي تمطر بها الأولاد فلا يفارق الصغير خالد حجرك، هو الوحيد الذي لا تنسي ما يطلبه من ألعاب مهما بلغت تكلفتها أو غرائبها، وهو ما يثير غضب حازم الذى ظل عاماً كاملاً يطالبك بلعبة "البلاي ستيشن" تري لماذا؟ هل لأن خالداً يذكرك بطفولتك؟ لم أكن أحرص على تصويره مثل أخواته فيكفي أن أنظر إلى صور طفولتك وأنت في مثل سنه كي أراه بشحمه ولحمه.

أما جاسر فهو خفة دم تمشي على الأرض، وخفة وزن لا حد لها، يكاد من خفته ألا يلمس الأرض أبداً، دائماً يردد أنه كان في الاصل طائراً، وتحديداً صقراً يجوب السماء، لكنه لا يعرف ما الذي فعله حتى غضب الله منه فخلقه إنساناً، لديه يقين بأن الله سيرضى عنه يوماً ما، سيعود صقراً مرة أخرى. يسخر منه فارس بأنه فعلاً سيعود طائراً ولكن كحمامة، يمعن حازم فى إغاظته بأن حجمه لا ينبئ إلا بعصفور صغير من الممكن اصطياده بنبلة، فيبكى، لكنك تهدئ خاطره بقولك:

  • "أما عن الصقور فهي لا بد أن تكون رشيقة القوام وليس ضرورياً أن تصبح طائراً كي تستطيع الطيران".

تنصحه بأن يكون طياراً عندما يكبر، تهديه الكثير من الكتب عن الطيران والطائرات والطيور، حتى قبل أن يتمكن من القراءة بطلاقة، فلم يكن قد أكمل الثماني سنوات بعد.

حازم هو النسخة النفسية منك، وإن لم يشبهك في الشكل، رغم ذلك تسميه "الشريك المخالف". فلم تشفع له عبقريته فى التعامل مع الإلكترونيات، وهو لما يبلغ العشر سنوات بعد، أن يحوز رضاك، هو الوحيد الذي لم تستطيع استيعابه، اعتبرته شخصاً بلا هدف أو موهبة.

هل كنت تعاقبه لأنه الأكثر قرباً لي، فهو الوحيد الذي يمطرني بأحضان دافئة، أشعر معها أني طفلته لا أمه، كأنما أوقف كل أحضانه كملكية خاصة بي، هو دائماً حريص على أشيائه، مرتب، نظيف. صحيح أنه لم يكن متفوقاً في دراسته مقارنة بإخوته، لكنه ليس بالفاشل أو الغبي، كان لابد أن تفخر به، لكنك لم تفعل. وزادت الجفوة بينكما بعدما تعرض لحادث غرق في النيل أمام عينيك في نجع "العدايبة"، وقفت يا رامي مذهولاً، حائراً وابنك يغرق، لم تلقِ بنفسك خلفه، لم تصرخ حتى صرخ إخوته، قاوم هو، قال لي بعد نجاته أنه أغمض عينيه، تخيل نفسه "سوبرمان" فرد ذراعيه، كتم أنفاسه، سبح بكل قوة حتى عاد إلى الشاطئ سالماً، بدلاً من ان تأخذه في أحضانك أو تمتدح تصرفه، هاجمته رحت توبخه بأنه لم يطع أوامرك بعدم التوغل فى الماء، لم يشفع له أن التيار سحبه رغماً عنه، لكنه واجهك بقوة أدهشتك، لم يبك عند موتك، منعه حزنه الدفين أن يبكيك.

 

الخطوط الطولية للبيجاما

                                        من رسائلها

أعشق الماء لأنك تشبهني به في سريانه وبساطته، رونقه ونقاوته، وأنني كما هو سر الحياة.

هل صحيح ما تقوله هذه المرأة؟ لماذا لم تشبهني أنا بأي شئ؟ هل كنت لا تراني؟ هل محوت وجودي إلى هذا الحد؟ لا أذكر أنك ناديتني مرة باسمي، لا أذكر أنك تبادلت معي "هزاراً" أو حواراً، لم تقل لي مرة انك تحبني، لم أسألك، هل اعتبرت الحب تحصيل حاصل؟ هل كما يقولون "ورطتك بالعيال"؟ لكنها رغبتك في أن يكون أولادك كُثُر، يعوضونك وحدة طفولتك، أردت "عزوة" يمتد بها اسم رامي عادل إلى الأبد.

رامى الحلم الجميل لمن لا يعرفه، أما من حصل عليه فقد اكتوي بناره، كنت أنا قابضة الجمر والمخدوعة، المغفلة، المطعونة فى أنوثتها.

هل لم أكن امرأة أحلامك؟ أو النموذج المفضل لك؟ كنت مطيعة هادئة، لم اطالبك بشئ أبداً، هكذا علموني أن بنت الأصول لا تطلب، لا تسأل عما لا تعرف، لا تتذمر، تقبل كل ما يقدم لها، وانا قبلت، لم اسأل، لم أعرف، وليتني ما عرفت!

                                        من رسائلها

يصير جلدي أكثر نعومة عندما تلمسه بأصابعك الطويلة الرقيقة، أعشق شكل يديك الإنسيابي، تصير روحي أكثر بهاء عندما ترمقني بتلك النظرة المتيمة بعشقي، تتفتح خلايا جسدي، تختفي تجاعيد وجهي، لا أجد فى الدنيا سواي أنثي، عندها أشعر أني أجمل أمرأة فى العالم.

ما كل هذا الغرور؟! من هذا الذي يمنحك كل هذه المشاعر والأحاسيس، رامي؟! لا أصدق، رامى الذي لم أعرف لون عينيه إلا من الصور، لم يبادلني نظرة فاحصة حتي، هل كنت مخادعاً يا رامي إلى هذا الحد؟ من منا خدعت أنا أم هي؟ مع من كنت أكثر زيفاً؟ هل ما تقوله هذه المجنونة بعشقك هو الجانب الحقيقي منك؟ أو ما عرفته منك طوال حياتي؟

كنت تكبرني بخمس سنوات، حينما بدأت الوعي، كنت أراك فى بيتنا تلعب أحياناً مع أخوتي، بينما أبوك وأبي كعادتهما يتسامران، طفلاً هادئاً، يصفونك بالرزانة والحكمة، تحسب كل خطوة ولعبة وكلمة، كثيراً ما وبخ أبي أخوتي الصبيان الأربعة الأكبر منك والأصغر، يطالبهم أن يتخذونك قدوة ونموذج، لكنهم يفشلون فى تقليدك، تغلبهم طبيعتهم الشقية.

لماذا اخترتنى يا رامي من بين كل بنات العائلة الذين كانوا يتمنون الزواج من سليل الحسب والنسب رامي عادل حسين عامر أبو عدبة؟ الشاب النابغة الذي تتغني العائلة بنجاحه ونبوغه، الذي يكتب الشعر وتنشر أهم الجرائد قصائده وهو ما زال طالباً فى الجامعة، لم لا وهو ابن المحامى والشاعر الكبير المعروف في الأوساط الادبية والقضائية. تنبأ لك الجميع بمستقبل ناجح، خاصة بعدما أعلنت تمردك على المحاماة مهنة أبيك، قررت أنك لن تسلك طريقة، ستفتح نصراً جديداً، ستعمل في السلك الدبلوماسي خاصة أنك تجيد ثلاث لغات، الفرنسية والإنجليزية والإسبانية، فكل الشروط تنطبق عليك.

تمنيتك. نعم تمنيتك، حلمت بك، طمعت أن أثبت تفوق وجدارة الزينة التي يقولون عنها أنها متحفظة، وتقول عني أمي أني مؤدبة، يرونني تقليدية الشكل والطباع، أردت ان أثبت لهم أنه لا توجد امرأة عادية وأخرى خرافية، كنت ارى نفسي زوجة مثالية، أردت أن ابهر الجميع بقدراتي التي لا يعرفونها، أن اخرج لساني لكل جميلات وقبيحات العائلة. الزينة تكسب، الزينة زوجة الدبلوماسي الشاب، الزينة تلف العالم وتقابل السيدة الأولى، الزينة حرم السفير رامي عادل تشارك فى الأعمال الخيرية،  كانت أضغاث أحلام، فلم تبرح الزينة جدران بيتها الأربعة في شارع القصر العيني، فى ذلك البيت العتيق الذي اشتراه أبوه منذ نهاية الخمسينيات، غارقا بالتحف من كل صالات المزادات في القاهرة، كل قطعة فيه تحفة فنية تتميز بالضخامة والقدم والجودة الشديدة، رفض تغييره عند زواجنا فيما عدا غرفة نومنا التى أصريت على تغييرها، كان هذا هو الإصرار الأول والاخير في حياتى معه.

لكنك فشلت في أن تصبح دبلوماسياً، بسبب عشقك لحانات وسط البلد، هذا الداء الذي لم تستطع التخلص منه،  لم يقلل هذا من قيمتك كعريس "لقطة".

كنا نعرف أنك لن تتزوج خارج إطار العائلة، حسب العرف والتقاليد المتبعة، والتي كنت دائم الحرص عليها. رغم انك كنت أمنية صعبة المنال بالنسبة لي، إلا انك اخترتني من بين كل المرشحات للزواج منك بما فيهن أخواتي البنات. كم كانت صدمة بنات العائلة حينما حادثت والدك من فرنسا تطلب منه خطبتي.

لم أخف فرحتي ودهشتي، حينما وصلني الخبر، فرحتي بالحصول عليك، دهشتي من لهفتك على الإرتباط بي، لدرجة أنك لم تنتظر لحين عودتك، اعتبرت تعليق أخوتي على هذه المفارقة نوعاً من الغيرة، لم تستغرق خطبتنا أكثر من شهر، لم أستطع حتى أستكمال تجهيز متطلبات العروس.

لم أستمتع بعلاقة خطوبة دافئة مثل كل البنات، فكانت لهفتك التي تعجلت بها الزواج مرضية جداً لي، نعم تمنيت أن تمسك يدي، أن نتمشي على كورنيش النيل، أن تخطف مني قبلة في غفلة من الجميع، لم تفعل، بررت أنا ذلك بأنه احتراماً منك للعائلة، حرصاً على صورتك الشديدة الجدية والاحترام.

تنازلت طواعية عن دفء أيام الخطوبة، بعدما أشادت أمي بسلوكك المهذب في مراعاة حرمة البيوت، حتى لو كنت خطيبي، مؤكدة انه في الزواج سنفعل كل ما نريد.

ضاعت كل الأمنيات فما فات مات كما يقولون، حتى في أيام شهر العسل لم نخرج من المنزل، عندما حاول أبوك الاحتفال بدعوتنا على العشاء في أي مطعم لم توافق، خرجتما وتركتماني وحدي، وعدتما مع شروق الفجر، ثملين تنهيان شجاراً غير مفهومه أبعاده.

بمرارة اضحك، أتذكر الآن أن الطلب الوحيد الذى طلبته منك فى حياتى مازال مؤجلاً: أن أذهب معك إلى السينما. ظللت تؤجل وتماطل. لم أتخيل أن هذا الحلم البسيط، هذه الأمنية الصغيرة تجعلنى أنتظر خمسة عشر عاماً حتى تحققها لي، لكنك تموت، وتظل معلقة أمامي، تعلن أنها لن تتحقق أبداً.

 

من رسائلها

لست غاضبة منك، لأنك رفضت أن تمنحني طفلاً، يهبني أمومة، هي حلم كل نساء الأرض، فأنت بذلك وضعت النهاية لتاريخ المحظيات التعيسات، فكنت أنا آخرهن.

محظية زوجي، هذا هو التعريف الذي ارتضيته لنفسك أيتها العاشقة، نعم أنتِ تستحقين هذا اللقب، فكل الجرأة والخلاعة في رسائلك تنبئ بحالك، لكن من هن باقي المحظيات؟ وما علاقتهن بك يا رامي؟ لماذا هن تعيسات؟ هل الزوجات أسعد حالاً أو محظوظات لا سمح الله!

لماذا لم تمنحها طفلاً؟ هل كنت تخاف الفضيحة فى العائلة؟ وأنت كما يصفونك فارسها الحارس على نقائها، تقاليدها وعاداتها، فلم يمنعك أنك قاهري المولد والنشآة، الحرص على تفاصيل الحياة فيها سواء في الملبس والمأكل والسلوك، حتى الأغاني والموسيقي. لم يفلت اولادنا من الإرتباط بنجع "العدايبة" فقد أجبرتهم على العيش بهذه الاصول، فكنت تحرص على قضائهم كل الإجازات والأعياد في النجع، فلم يعرفوا البحر بقدر ما عرفوا هدوء النيل، لم يذهبوا مرة لنادٍ بقدر ما لعبوا فى التراب والطين، لم يهتموا كأقرانهم بمباريات كرة القدم بقدر ما اهتموا بالغيطان والزرع. كنت حريصاً على أن يكونوا نسخة طبق الأصل منك، ورفضت أن تكون نسخة من أبيك أو هكذا تدعي.

لا، لا أتصور هذا الخاطر الذي يلح على رأسي، هل من الممكن أن ينجب رامي من امرأة أخرى غيري؟ ومن هذه المحظية العاهرة، هل تساوي بيني وبينها يا رامي؟

ماذا بك يا زينة؟ هل تقارنين نفسك بتلك المرأة؟ حتى لو أنجب منها، فأنت الشريفة ابنة الأشراف، سليلة قبائل العرب، ابنة الأخلاق وصرامة العادات والتقاليد والأعراف، التي لا تستطيع أية أمرأة أن تميل عنها ولو فى خيالها، ربما شاركتك زوجك، لكنها أبداً لن تشاركك شرفك وعزتك، كونك زوجة شرعية محترمة لمحامٍ يعمل فى هيئة دولية بحجم الأمم المتحدة، وأما لخمسة رجال يرفعون رأسك في قنا والقاهرة والإسكندرية وأينما تفرقت العائلة، فأنت أم الرجال، أما هي فربما تكون عاهرة، هى كذلك بالتأكيد، أو أمرأة تستغله مادياً وجنسياً.

كيف أزيل غموضك يا رامي؟ لم يعُد عقلي يستوعب كل هذه المفاجآت، تُرى ماذا تختبئ أيضاً؟

 

من رسائلها

من قلب مكلوم بالموت عشقاً، من روح محصورة فى مأزق الفقد والوحشة والهجر، أدعوك يا ربى، يا رب المظلومين، يارب العاشقين، ان ينهشك الوجع، أن تتكبد مشقة فقدانى، أستمحيك يا ربي ألا تخذلني فى رد حق قلبى، من ينتصر للقلوب المرهقة غيرك؟ من يأخذ بيد الأرواح المبتلية بالعشق غيرك؟ خلقتني يا رب بقلب يقارب الخمسين من العمر وما زال يرفرف كعصفور أخضر، لماذا يا ربى لم تهبنى غلطة الإحساس رحمة بي من القساة قلوبهم، الغبية مشاعرهم، المشوهة نفوسهم، لك وحدك الرجاء، ولي وحدي العزاء.

لا أدرى هل أبكي أم أضحك؟ ولكني لم أستطع أن أمنع دمعة سقطت رغماً عني. هل العاهرات يتعذبن بالحب؟ ربما!! لمن كل هذه اللوعة والتدلهِ،  أفى حب رامي ؟ هو أبعد ما يكون عن شخصية الرجل العاشق أو المعشوق؟ ماذا قدم لكِ؟ هل كما تقولين عن نفسك "مازوخية" توهمتِ نموذجاً البستيه شخصية رامي؟ وبالغتِ فى تعذيب نفسك به؟

هل لم يتحمل مسؤولية حبك؟ كما لم يتحمل مسؤولية عائلته وترك كل الهموم لي وحدي؟ أستغربك كثيراً أيتها المرأة! بل استنكرك، كيف لم تمنعك سنواتك الخمسين من هذه المشاعر المراهقة التي تطاردين بها رجلاً أصغر منك بخمس سنوات؟ اب لخمسة أبناء، لديه زوجة أصغر منك بعشر سنوات؟ ما الذي كنت تبحث عنه يا رامي عند هذه المتصابية؟

هل كنت تفتقد حنان الأم؟ لكن فرق خمس سنوات لا يصنع منها أماً لك؟ كما أن أمك لم تدخر ذرة من حنان أو اهتمام ورعاية دونك، لم تنجب سواك، لم تغفل عنك لحظة، رحلت بعد حصولك على بكالوريوس الحقوق بامتياز. ما كل هذا الارتباك الذي تحوطني به؟

 

من رسائلها

أكره العطور التى تحرمني من أن أتنسم رائحة جسدك، لك رائحة الرجولة، لملمسك غواية العشق، فلا تنهرني أبداً عندما أتشمم عرقك، لا تحرم شفتاي من النهم، عند تقبيلك كل جزء من جسدك الدافئ.

أحاول الاحتفاظ بهدوئي قدر طاقتي، تمتزج في داخلي السخرية بالدهشة.. بالاستنكار، هذه المرأة كاذبة، حتى في ليلة الدخلة، تركني ودخل الحمام كأنه يتيح لي التصرف براحتي، أبدل ملابسي بلا خجل، غاب طويلاً ثم عاد مرتدياً "بيجامة" حريرية، وجذبني إلى السرير، اندسسنا بين الأغطية في عز شهور الحر، نظر إلي كنت ارتدي قميص عرسي الأبيض، أطفأ أنوار الغرفة، أنزل ملابسي الداخلية، اعتلي جسدي بلا مقدمات، غاب بداخلي دقائق مرت علي كسنوات شعرت خلالها بألم يذبحني، ثم تركني أجفف قطرات دم البكارة بالمنديل الأبيض، ذهب ثانية إلى الحمام، اغتسل، اغرق نفسه بالعطر، ثم أولاني ظهره ونام.

 

من رسائلها

كيف لي أن أستقطر عرقك عطراً لجسدي؟ كيف لي أن أجعل جسدك وسادتي وحضنك ملاذي الأخير؟ لا ملتجأ لي بعده.

يفور دمي من كلماتك أيتها المرأة الغبية، أو ربما كنتِ فاقدة لحاسة الشم، فلم يكن له رائحه، أيتها المحظية الكاذبة كان يغرق نفسه بالعطر، عطر واحد لا يغيره "سنتياجو" يقول إنه يحبه، لأن العطر باسم بطل رواية "مئة عام من العزلة" لكاتب كبير فى قامة نجيب محفوظ اسمه "ماركيز"

 

من رسائلها

أستعيد لحظات لقاءاتنا فاشتهيك أكثر، فما زلت تثير جنوني بهذا الهدوء الناعم الذي تدخلني به، تشهق روحي ويصير جسدي شعلة من الشبق.

لم أفهم شيئاً – مهلاً – أعيد قراءة هذا السخف مراراً وتكراراً. ما معنى الشبق؟ ومن هذا الذي يثير جنونها؟ عمن تتحدث هذه العاهرة؟ هل ما فهمته بالتقريب صحيح؟ هل الشبق هذا ما يسمونه المتعة الجنسية التى يتحدثون عنها؟ لم اجربها سوى مرة واحدة فقط، فى الحلم، حلمت بالممثل أحمد ذكي وهو يأخذنى بين أحضانه ونغيب معاً فى قبلة سينمائية طويلة، شعرت بلذة غريبة، انتفض جسدي بالرعشة، فلم أكن أشعر مع رامي بشئ من الإثارة أو المتعة، لم يهفوا له جسدي يوماً، كنت أعتبر المرة الوحيدة فى الشهر التي يجامعني فيها بمثابة عقاب، كان يصرُ على إطفاء الأنوار، ثم يطلب مني أن أخلع ملابسي السفلية، من فتحة بنطلون البيجاما يُخرج موضع رجولته، يرقد فوقى بكامل ملابسه، بكامل ملابسي، يظللنا الغطاء صيفاً وشتاءً، تمر دقائق، يلهث بسرعة ثم يهدأ، ويتركني أعد الخطوط الطولية في ظهر بيجامته.

 

الدائرة الجهنمية

صرت اسيرة الدائرة الجهنمية التى أدخلتني فيها يا رامي. لا أستطيع الفكاك من سطوة رسائل هذه المرأة، لم أكن أعرف أن الدخول إلى عالمك السري بهذه البساطة.

تطالبنى زهرة وتلح علي : "لابد من إغلاق هذه الغرفة والتخلص سريعاً من محتوياتها، وفرم كل ما يحتوى اللاب توب، حرق كل ما يذكرك به" لكني كلما قررت تطهير البيت منك ومن عشيقتك، لابدأ حياة مختلفة بدونك تناديني رسائلها، يحفزنى صوتها.

ماذا تريد مني هذه المرأة؟ العجيب أنها تلح في دفعي لقراءة أسرارها.. أسرارك. تكاد أن تدفعني دفعاً، لكنك تمنعني بكل قوة من مواصلة القراءة، أشعر بك تقف أمام باب المكتب، تسده بكامل جسمك، تفرد ذراعيك على اتساعهما، تحاول أن تحتجزني خارج حدود الغرفة التى صرت لا أغلقها أبداً. أتصور أحياناً أنك ستخرج منها غاضباً، توبخني على جرأتي لاختراق حدود كهفك العتيق، لكنك لم تحكم غلقه جيداً، فما كان اسهل من الوصول إلى تفاصيل بريدك الإلكتروني وكل ما يلزم لفتح صفحتك على "الفيس بوك"، لم أبحث طويلاً، فقد كانا مدونان فى ذاكرة هاتفك، هل كنت تريد إخباري؟ هل تنتقم مني؟ ماذا جنيب؟ ماذا فعلت لك؟

 

من رسائلها

فى علبةٍ من القطيفة الزرقاء، جمعت من فراشي كل الشعيرات التى تسقط من جسدك، ألملمها، كل أعقاب السجائر التي لامست شفتيك، المناديل الورقية التى جففت بها ماءك الشهي، أخلطها معاً، اصنع منها عطراً، أتشمم فيه رائحتك وحدى.

أكاد أفقد عقلي، تعبت بحثاً عن هذه المرأة، هاتفها مغلق، حاولت مراسلتها على بريدها الإلكتروني، فلم تصل الرسائل، صفحتها على "الفيس بوك" غير متاحة، كيف أعرفها؟ كيف أصل إليها؟ ماذا تعمل؟ ما اسمها؟ لم تتوافر عنها أية معلومات على الإنترنت سوى اسم "الهدية" فماذا يعني؟ بجنون أبحث فى كل الأدراج والأوراق، ربما وجدت صورة أو عنواناً،  شيئاً ما يدلني عليها غير تلك الرسائل اللعينة.

على حافة الجنون أقف، إذا امتثلت لنواهي "زهرة" عن قراءة الرسائل، يقتلني الفضول وتعبث بي الهواجس، ما الذي تخبئه الرسائل ولم أعرفه بعد؟ وإذا استجبت لأهوائي وقرأتها يطير عقلي، تنهار أعصابي، ينفلت لساني بشتائم لم أرددها من قبل، لا أعرف من أين أتيت بها، تنتابنى حالة من الرغبة فى تحطيم كل صورك بالبيت.

 

من رسائلها

الأمان قضيتي الأولى والأخيرة معك، مع كل الدنيا، خمسة حروف حولت حياتي إلى جحيم، أخاف الرحيل، أنت لا تفهم معنى الرحيل فى حياتي، طفت كل بلاد الدنيا بحثاً عن الأمان، وقتلاً لفراق الأحبة، تفزعني كلمة "لا أريدك" قالها لى أبى، قالتها لي أمى، قالها لى زوجي السابق، أما انت فقد تفوقت فى رجمي بها طوال خمسة عشر عاماً.

الأمان... عن أي أمان تتحدثين! وأنت من زلزلتِ حياتي، وضعتني على فوهة بركان لا ينتهي. أنتِ من أشعلتِ النيران فى بيتي، أهدرتِ قيمتي، دمرت ذكرياتي، أفسدت عمري الماضي والقادم، تبحثين عن الأمان لك وحدك، ماذا عن أماني أنا وأولادي الخمسة؟ ظالمة أنت أيتها المجهولة، خمسة عشر عاماً تعيش هذه المرأة بيني وبينك يا رامي! هل قبل زواجنا أم بعده، أم بالتوازي معه؟ ربما عرفتها ليلة عرسنا، وربما فى حفلة زفافنا.

  • "من تكون هذه المرأة؟"

أنهكتُ زهرة بتساؤلاتي:

:"من مِن اللاتي حضرن حفل زفافي ينطبق عليها مواصفات المرأة المجهولة، لها زوج سابق، مطلقة إذن، أنكرها أبوها وأمها، تقص شعرها، تجيد التلاعب بالكلمات، جريئة إلى حد الوقاحة".

أعدت تشغيل فيديو حفل زفافي، فحصت الحاضرات امرأة امرأة حتى الصغيرات منهن، بحثت في قصة حياة كل واحدة منهن، فلم تكن غريبات. كلهن أقارب مشتركين، والغرباء من أصدقاء رامي كانوا رجالاً بدون اى سيدات.

 

من رسائلها

تغار فساتيني من ذلك الفستان الأسود ذي الخيوط الفضية، فقط لأنك تعشقه، منحته التميز بين أثوابى حينما راقصتنى أول مرة وانا أرتديه، عندما خلعته ونهلت من شهدي، كان الفستان شاهدنا المتواطئ.

وصل انهياري حدته، لا لم يعد كافياً حرق هذه المرأة ولا رسائلها ولا "اللاب توب" بكل ما فيه لابد من نسفها. كيف أجدها؟ لن أكتفى بقتلها إلا خنقاً بيدي هاتين.

"أيتها الكاذبة العاهرة، هذا الرجل الابكم، أبو الهول المتحجر لا يعرف كيف يرقص، إما لخجله الشديد، وإما لجموده ووصفه للرقص بالخلاعة سواء للرجال أو النساء فكيف راقصك؟!"

أين أهرب منها؟ كيف أنجو؟ هل سأقضي ما بقي من عمري أتساءل من هي؟

من بين دموعي وصراخي، أسأل زهرة التي فشلت فى تهدئتي أو السيطرة على دموع أولادي المفزوعين لرؤيتي وأنا ألطم خدودي وأصرخ، أجري فى البيت فاقدة التوازن، أفتش كل الأدراج والدواليب، الكتب والأوراق،"سأقلب العالم كله حتى أجد هذه المرأة الغامضة". ـ"تُرى أين كان يخبئها رجلي الحجري؟ أين؟" "هل زارت يوماً حجرة نومنا؟"

مزقت ملاءات السرير، شققت الوسائد، بسكين حادة استخرجت أحشاء المراتب، بعثرت قطنها، أسأل ندف القطن ندفة ندفة:

  • "هل لامستِ يوماً جسد المرأة العاشقة، هل تشربت يوماً عرقها، أتشممها، استنطقها: "أجيبي".

هل منحتها مكاني يا رامي أثناء غيابي فى الزيارات الطويلة عند أهلي، التى كنت تحثني عليها بدعوى صلة الرحم ولا يهمك طول الغياب؟

ـ سأقلب العالم كله حتى أجدك، من يلهمني الراحة؟ من استأجرك أيتها المرأة لتفعلي بى ذلك؟ من حرضك لدفعي إلى الجنون؟"

بين فوضي تمزيق كل شيئ في غرفة نومنا، اخترت مكاني، ونمت وتمنيب ألا أصحوا أبداً.

هل متُ فعلاً؟ أشعر أنني فى منطقة ما بين السماء والأرض، أصوات هامسة تردد أسمي..

فتحت عيني وجدت الجميع حولي، أخوتي، أولادي، حتى أبى رغم مرضه وأمي كلهم يحيطون بي.

عرفت أني بالمستشفى، طلبت من الطبيب أن أعود بسرعة إلى بيتي، لكن زهرة اللئيمة ترفض، تنصح الجميع ببقائي لحين إتمام شفائي، أعلم تماماً أنها تريد أن تنفرد بالرسائل لتتخلص منها، أنهرها بشدة وأنفجر في نوبة بكاء حارة.، لم تجد توسلاتى بالعودة إلى بيتي بعدما حقنني الطبيب بمهدئ، نمت على إثره لا أعرف كم من الوقت.

ما بين غفوتي والإفاقة أستجدي الجميع:

  • "أرجوكم أعيدونى لبيتى كي لا تنفرد المرأة العاشقة بالرقص فيه، وربما شاركها رامي الرقصة".

أصرخ: "أعيدوني، أريد أن افسد عليهم وحدتهم، أن أتلف رقصتهم" أرى نظرات الشفقة فى عيون الجميع، لكن لاأحد يسمعني، لاأحد يصدقني.

  • "أعيدى خلفي ما اقول: هذه أمرأة وهمية".

أردد: "هذه امرأة وهمية".

  • "لم توجد امرأة فى حياة زوجي أبداً!!"

أردد: "لم توجد امرأة فى حياة زوجي أبداً".

  • "قولى أيضاً: سأمتنع عن قراءة هذه الرسائل منذ الأن!!"

رددت وراءه...

  • "قولى: سأتخلص من هذا الهاتف حالاً".

لم استطع النطق، تعلقت عيناي بالهاتف المحمول لرامي يمسك به الطبيب النفساني الذي أحضروه لي، كي يساعدني في التخلص من أثر هذه الرسائل التي أوصلتني إلى انهيارعصبى.

فزع الطبيب من صراخي عندما وصفته بأنه كخيال المآتة، ضحك حينما شبهته بدكاترة المجانين فى أفلام إسماعيل ياسين، حاولت إخفاء لهفتي فى الحصول على الهاتف الذى راح يتفحصه بدقة ويقرأ محتوياته.

 سألته: "من اعطاك هذا الهاتف ؟"

أجاب بأدب شديد: "السيدة أختك".

  • "ومن سمح لك بقراءة محتوياته؟"
  • "السيدة أختك".
  • "وما رأيك في الرسائل التي قرأتها؟"

بذهول قال: "رائعة".

 تدارك متراجعاً

  • "أقصد مفتعلة".

سألنى: "كيف تتأكدين أن هذه الرسائل من امرأة؟"

استغربت سؤاله جداً،  همست لنفسي: "يبدو أن الطبيب مجنون".

ابتسم كمن قرأ أفكارى وقال: "لست مجنوناً يا سيدتي، بل زوجك هو المجنون، الدليل هذه الرسائل المغرقة فى الغرام والعشق والرومانسية".

باستخفاف وعدم تصديق سألته: "كيف؟"

قال بثقة: "لا توجد امرأة تحمل مثل هذه المشاعر، ولا تستطيع أن تمنح رجلاً كل هذا الحب".

سألني: "هل قرأت هذه الرسالة؟"

قرب الهاتف لمجال رؤيتي، ثم أبعده مفضلاً أن يقرأ هو لى.

تقول الرسالة:

لا تفزع عندما تجد شفتي مرسومتين فوق قدميك، فقط تركت دليل امتناني على ما منحتني من نشوة دون أن أوقظك.

بحماس أكمل: "أرأيتِ!! لا توجد امرأة في الكون تفعل ما تخبرنا به الرسالة. هل صادفت يوماً امرأة قبلت قدم رجل؟ حتى الملوك والأباطرة، لم يحصلوا على هذه المنحة، أنا لست من كارهى المرأة، صحيح أنني أتجنب التورط معهن، ولا أطمئن إلى الوثوق بهن، لكن لم يذكر تاريخ البشرية بماضيه وحاضره وربما مستقبله هذا الحدث الهام".

وضع الهاتف جانباً وسألني بجدية: "هل كان زوجك وسيماً؟ فحلاً مثلاً؟ ذا ثروة وسلطة وجاه؟ ألم يكن رجلاً عادياً مثلنا؟"

حاولت كتمان ضحكة انطلقت رغماً عنى.

  • "نعم يا دكتور، كان رجلاً عادياً مثلكم، ولكن كيف تفسر وجود هذه الرسائل؟"

بنبرة الخبير قال: "ببساطة هو الذي يكتبها لنفسه، كان رجلاً مريضاً، يبحث عن المغامرة ولا يستطيع ممارستها، تبهره الإثارة ولا يملك القدرة على الاقتراب منها، أراد أن يكون معشوقاً ليمنح نفسه تحققاً لم يستطعه على أرض الواقع، وقد تأكدت بنفسك بأن المرأة المرسلة لا ترد على الاتصالات، ولا الرسائل والإيميلات حسبما أخبرتني السيدة أختك إن لم أكن مخطئاً".

ظللت أحملق فى الطبيب، غير مصدقة لما قاله رغم أن كلامه منطقي ومريح. أكثر ما أجبرني على قبول تفسيره، اشتياقي لبيتي وأولادي الذين اهملتهم، لا أعلم عنهم شيئاً، وأنا لم أعتد أبداً الابتعاد عنهم تحت أى ظرف.

صرت أتسلى برسائل رامي دون أن أخذها على محمل الجد، أسخر منها أحياناً، أتعاطف معها أحياناً أخرى، أمنع نفسي من الخوض في أسئلة، لن تورثني غير الجنون والحسرة.

 

من رسائلها

أنت الوحيد الذي يصمُني بالغباء، تضعني فى مواجهته تماماً، كلما قررت الهروب، بدون أسباب محددة، لم تشفع لي دموعي ولا جروحي، وهذا التفاني فى حبك أن ترحمني، أن تواجهني، أن تجلس أمامي وتعلنها صريحة واضحة، أنك راحل بغير رجعة.

لكنك تعود، أعلم أنك ستعود، تقول صديقتي إنك قدري، وتلومني لماذا أهرب منك؟ فانت قدري بقسوته وجلافته، بسخائه حين يعطي، وضرباته الموجعة حين يأخذ.

أدعو عليك بحق أوجاعي، وامتهان روحي، بحق سحق أنوثتي، أدعو عليك بكل جبال الحقد والغضب التى راكمتها بداخلي سنوات عمري.

ما أسهل أن أفجر غضبي واصرخ أني أكرهك، قد أكون غبية، لكني لست بمخادعة فأنا أحبك.

من اين آتي بالحياد الذي ينصحني به دكتور "الغبرة" وأنا أقرأ هذه الرسائل، حاولت إقناع نفسي بأنها رسائل كتبها زوجي لنفسه، مستحيل، نعم لست عالمة فى الطب النفسي، لا أحمل إلا مؤهلاً متوسطاً "دبلوم تجارة"، لكن فى هذا الزمن لم يعد العلم قاصراً على الكتب، فأبسط قواعد العقل والمنطق أن رجلاً مهما بلغ من القدرة على انتحال مشاعر الأنثى أن يكتب مثل هذه الرسائل بهذا العمق والصدق والتفاصيل الأنثوية التي لا تعرفها سوي النساء.

ربما كان هذا الطبيب يخدعني، اعتماداً على أن الأصعب قد واجهته، وأن ما تبقى من الرسائل لن يضيف جديداً، لكنه مخطئ فلا بد من خيط يوصلني إلى تفاصيل حكاية غرام زوجي.

 

مباراة بغير حكم

صارت اللعبة سخيفة، نعم لعبة، انا والعاشقة ما أشبهنا بلاعبتين في مصارعة حرة، ترمي إلي بكلمات شديدة الوجع، أحاول قدر استطاعتي تفادي الضربات أو تلقيها بأقل ألم، يحزنني أنني لا أستطيع ركلها، أو ضربها حتى الموت وإعلان انتصاري. كثرت هزائمي أمامك، لماذا لا ترحميني وتهديني الضربة القاضية، أنت من تملكين وضع نهاية المباراة، مباراة بغير حكم، فالحكم بيننا لم يكن عادلاً أو منصفاً، منحك كل القوة وتركني منزوعة الطاقة.. مهانة، مهزومة أمام مجهول لا أدري ماذا يخبئ من مفاجآت؟

تقتحمني وجوه نساء كثيرات فشلت فى طردهن من مخيلتي، الشقراء والسمراء، الطويلة والقصيرة، تتداخل الملامح، لم أستطع القبض على ملمح واحد أميزك به.

اتجول فى كهفك العتيق يا رامي، أنبش دفاترك وصفحات كتبك، ألمس تلك الأظرف الصفراء الشاحبة فى أرفف المكتبة، أستشعر صلابتها وثقلها. لم افكر يوماً فى اختراق مكنونها، ربما لوجود هذا الحاجز النفسى الذى أوحى به الشعار المكتوب عليها "مفوضية اللاجئين للأمم المتحدة – فرع القاهرة".

أحاول أن أتسلى بهموم غيري، أندمج فى قراءة هموم اللاجئين والمطرودين فى العالم، الظرف الأول 1995، أفرغ محتوياته، تتناثر على الأرض أوراق ورود جافة، قصاصات لقصائد قديمة لرامي، خطابات مزدوجة كل خطاب معلق به آخر رداً عليه، أفترش أرضية المكتب، أنقض على الخطابات، آلتهم سطورها.

 

الخطاب الأول

باريس 25 آذار/ مارس 1995

هل كنت وهما أم طيفاً؟ أم مجرد حلم تلاشى مع ضوء النهار؟ أنفاسك التي مازلتُ أحسُها ساخنة على عنقي، لمسات أصابعك الحانية ما زالت بصماتها على جسدي، رائحتك التى عطرت فراشي وتسللت إلى خلايا روحي كيف أنكرها؟ هل مجرد اختفاؤك فجأة من حياتى يحولك إلى مجرد خيال، وأنت كنت الحقيقة الوحيدة بين يدي، أسبوع بأكمله تحتويني أحضانك من برد باريس، ووحشة الوحدة والضياع، استيقظ على صورتي فى عينيك أراني فرحة ونضرة. أراني صرت اكثر بهاء، تغريني بتلك النظرة المنبهرة بي، كأنك لم تشاهد فى حياتك امرأة سواي، وجهك لا يفارق بؤرة بصري. حتى عندما أغمض عيني أراك، كنت أجبر عيني على الاحتفاظ بصورتك حية نابضة أمامي أطول فترة ممكنة، لا أعرف متى أحببتك، هل حينما ظهرت من بين أشجار حديقة لوكسمبورج، وأنا أجلس بين أشيائى، حينها لم يكن يهمني أن أجمع شتات روحي ولا بقايا جسد منهوك ومنتهك، يحمل دليل امتهانه كدمات زرقاء فى كل جزء مني، بقدر ما حاولت أن أحافظ على القليل من حاجاتي، بعض أدوات الرسم ولوحتين  تعلققت بهما، استطعت بجهد وشقاء أن  استخلاصهما من بين يدي حسام، ملابسى القديمة، فقد صادر كل الملابس التى اشتراها لى طوال الثلاث سنوات هى فترة زواجنا، كل لوحاتي واكسسواراتي، حتى عطوري وأدوات زينتي... طردني من منزل الزوجية، أقسم إلا أدخله مرة أخرى، وأنني لا أستحق العيش فيه، أضاف وصلة من الردح البلدي لا اعرف كيف أجاده بهذه الطريقة، أنه "لمني" من حواري باريس وصفني بأنني "صايعة" تربية شوارع، لا أقدر قيمة أن أكون هانماً تحت غطرسته وشذوذ أمه. أما امه فقد وقفت تتشفى بحالتي وكأنها زوجته الأولى التي تخلصت من منافستها، رغم انشغالي بتجنب ضرباته العشوائية، إلا أن اكثر ما شغلني مراقبة انفعالات أمه، كانت عيناها تزداد لمعاناً مع كل صرخة من صرخاتي، كلما أفرط فى ضربى اتسعت ابتسامتها، وارتعشت شفاتاها، نعم رأيت كل ذلك لأني ببساطة وقفت أمام ضرباته بتحد فاق تصوري، هكذا أنا فى المواقف الصعبة أواجهها بكل قوة لا أبكى، لا أنتحب، لا أذرف دمعة واحدة، وعندما ينتهي الموقف أنهار تماماً.

كنت فى قمة انهيارى حينما لمحتك من بين قطرات دموعي تخطو بين أشجار الحديقة بيدك وردة بيضاء، لم اصدق أنك تتجه نحوي، رميت أحزاني، تعلق بصري بك، يقين بداخلي يهتف أنني أعرفك، تظن فى اذني أغنية الاطلال لأم كلثوم، مقطع واحد لا يتغير "يا حبيبى كل شئ بقضاء، ما بأيدينا خلقنا تعساء، ربما تجمعنا أقدارنا ذات يوم بعد ان عز اللقاء، فإذا أذكر خل خله، وتلاقينا لقاء الغرباء، ومضى كل إلى غايته، لا تقل شئناً فإن الحظ شاء" وكلما انتهى المقطع عاد ليتكرر بلا نهاية.

هذه كانت البشارة بحلول المعجزة، وأن القدر ما زال يعتني بي، كلما اقتربت منى خطوة اتسعت ابتسامتي – تفحصتك، طولك الفارع، جسدك الرشيق وجهك الأسمر بلون طمي النيل، جبهتك العريضة، عيونك السوداء، روحك الواثقة المطمئنة.

هل أعرفك؟ نعم أعرفك، أسعفتني الذاكرة، انتقلت بي إلى شوارع وسط البلد القاهرة، رأيتك كثيراً، ربما تبادلنا سلاماً عابراً، ربما تصادمنا خطأ فى عبور طريق، اعتذر كل منا للآخر ومضى لسبيله، جاءنى الجواب مع يدك الممدودة بالوردة. اغرقنى فيض من الدموع، بهدوء سحبت الوردة قبل ان ألمسها، قطفت ورقتين من أوراقها، مسحت بهما دموعى، كأن ماساً كهربائياً زلزل كياني، لم يمسح أحد دموعي من قبل، فما بالك بمن يجفف ملوحة آلامي بأوراق الورد.

لملمت أشلائي قبل أن تلملم أشيائي، أسلمت لك يدي تقودني حيث شئت طفلة تخاف أن تفلت يد أبيها فتضيع. الغريب أنني لم أجرب هذا الشعور، شعور الأمان فى يد ابى، فلم أره فى حياتي إلا مرة وأحدة، كنت قد تجاوزت العشرين، لم أسأل عنه مثل بقية الأطفال، لم يعنني وجوده أو عدمه، فى طفولتى كنت أعتقد أني ولدت من أمي فقط، وليس بالضرورة أن يكون كل الأطفال نتاج ذكر وأنثي، كان زملائي يضحكون من كلامي، عندما بلغت العشرين، لمحت أسم أبى مصادفة أو قل أني ربطت بيني وبينه بالصدفة، فقد رأيت لافته عيادته الطبية بشارع يوسف الجندي بوسط البلد آلاف المرات، لم أنتبه لتشابه الأسماء بيننا، ولا حتى للوقفات الكثيرة التى كانت أمي تقفها أمام رصيف عمارات فرسان مالطة، ذات الطراز القوطي، كنت أخاف من الرسوم المحفورة عليها، خاصة الكلاب المجنحة، شكلها يفزعنى، كنت اتصور أنها ستنزل من سقف بلكونة الطابق الأول لتلتهمني، وكم مزقت لحمي فى كوابيش طفولتي.

متى أحببتك يا رامي؟ هل عندما افتقدتك، صحوت فلم أجد لك أثراً، أم عندما رفضت أن أشاركك غرفتك، صممت أن تستأجر لي غرفة منفردة فى منزل مدام "فيوليت" أسرتني بشهامتك ونبلك، لم تبتز احتياجي وأنا بلا مأوى أو مال، ولا أمان، أدركت حيرتك،محاولتك الهروب مني، لكني أريدك، ألقيت بكل تعاليم العقل والحكمة خلف باب غرفتك، أرتميت فى أحضانك، نسيت كل العذاب الذى عشته طوال حياتي، غرقت فى دفء أحضانك، استعذبت طعم الأمان معك، أفقت على وداعك، مكتوب على ورقة وردة بجوار سريري.

 

خطاب ــ القاهرة 27 أيار/ مايو 1995

كم كنت متلهفة لرؤيتك، كنت أسبق باحلامي الطائرة المحلقة من باريس إلى القاهرة، أنهيت كل شيئ يربطني بالعالم الفرنسى، عدت كى أتنفس هواءك، وأعيش تحت سماءٍ تعرفك، أرضٍ يرتسم فوقها ظلك، شطحت بى الأحلام فتخيلتك تنتظرني على باب صالة الوصول، صدقت أوهامي، كدت أتعثر وأنا أقفز من سلم الطائرة، خدعتني الأحلام فلم أجد في انتظاري سوى مفاجأة زواجك.

بحثت عنك طويلاً فى كل حانات وسط البلد، لا أثر لطيفك، بعد أكثر من شهر لم تصدق عيناي أنك أمامي، رائحتك دلتني عليك، امتلأ أنفي بعبيرك الذى ما زلت أتذكره جيداً، أعتذر عن جرأتى حينما نقرت أعلى كتفك، أذهلنى الفزع والدهشة فى عينيك، لم أصدق رد فعلك عند رؤيتي، عرفت السبب حينما رفعت يدك اليمنى أمام وجهى، تفحم عينى بدبلة زواجك، تماسكت وأنهيت لقاءنا، لكنى لم أستطع الأمتناع عن التفكير فيك، عرفت الآن لماذا هربت منى، اعتذر ثانية فلم أقصد التطفل عليك ومطاردتك بمشاعر أتحمل آلامها وحدي.

قصيدة لرامي مرفقة بالخطاب

       أخطف العالم من كفيكِ وأهرب

       واسكب الهواء الذى بينى وبينك

       دون إثم كى لا تعودى.

 

خطاب جديد

15 تشرين الثاني/ نوفمبر 1995

كرهت اختلاق الصدف التي تجمعني بك، أهرب كما تشاء، بل أمعن فى هروبك طويلاً، إذا لم يكن حبى لك شفيعى، فما لى من حيلة، قلت:

"لن أستطيع قبول وجودك فى حياتى، فأنا رجل أحترم التزاماتى كزوج"

رجوتك: "سأكتفى فقط برؤيتك. أعدك أننى لن أكون عبئاً،لا أطالبك بأى ألتزام".

قلت: "أكره الإزدواجية".

سألت: "لماذا تقبل بها فكرياً وتتنكر لازدواجية الفعل؟"

قلت: "لماذا تقبلين الخضوع وأنت تكرهين القيود؟

فشلت فى نسيانك، فإما أنت أو الموت دونك، أعدك أنى سأطويك فى نفسى سراً لا يعرفه أحد، أهبك كل ضمانات السرية، فقط أدخلنى جنتك، فالحصول على بعض منك أرحم من متاهة فقدانك.

مرفق قصيدة لرامى لم ترسل

تدركين مواقيت انسكاب الضوء على روحى

وتبدئين بإرساء قوانين روعتك

دون فاصل بين جسدي وجسدك

 

المحظيات التعيسات

الظرف الثانى

القاهرة 25 شباط/ فبراير 1996

لم أستطع أن أقاوم مرور هذا اليوم دون أن اكتب إليك، لأنه يوم عيد ميلادى، ربما لا تذكر أنه قد مر أكثر من عام على أول لقاء بيننا فى باريس، ما زلت أحتفظ بوردتك البيضاء وبورقتيها اللتين جففت بهما دموعى، احتفظ أيضاً بوردة محفور عليها وداعك، ربما نسيت ان أشكرك حينها على مساعدتك لى، أنت حتى الآن لم تسألنى عن مشكلتى، لم تعرف شيئاً عن ظروفى وحياتى، لماذا؟ ربما زهداً، ربما لا يهمك أن تعرف ما أكونه، لماذا لا ترد على رسائلى؟ هل تراهن على زهدى فيك، لكنك مخطئ فلن أزهدك ابداً.

هل كنت لى منذ بدء العمر، أم أنك من يلملم ما تبقى من عمرى؟ كيف صرت النبض فى عروقى؟ كيف أصبحت أسيرتك؟ أغمض عينى لا أرى أحداً إلاك، كأنى بك رجلى الأول، هل لم أعرف الحب قبلك، لماذا تلاشى الجميع، كل الشخوص، كل الذكريات، تجسد العالم فى انتظار نداء منك لا تنطقه عادة.

غريب تعلقى بك؟ تتساءل لماذا أحببتك يا رامى؟ أنا أيضاً أسال نفسى، ربما لأنك الوحيد الذى شاركنى أفكارى قبل ان يشاركنى فراشى، نتقاسم كراهية "الموناليزا" ونؤمن أنها ليست بعظمة راسمها، وأن الأسطورة التى صنعها حولها النقاد هى ما منحتها القيمة، رغم أن ليوناردو دافنشى أعظم من مجرد حصره فى لوحة لامرأة كئيبة.، نعشق جنون سلفادور دالى، ونذوب أمام توهج لوحات فان غوخ. كيف لا اعشقك وأنت من أدرك أن الرسم عندى حالة تسمو فوق الحياة كثيراً، حينما أرسم فإنى أبتهل بالرسم إلى خالق الفن، لم أدرك حجم موهبتى إلا من هذا الإنبهار الذى يطل من عينيك، أنت من قلت لى إن الفن يمنحنا عظمة ربما لا نعلم أننا نملكها.

نعم أعترف أن رجالاً كثيرون مروا بحياتى، وكان مرورهم مثل الأطياف والأوهام، سرعان ما تمضى، لم أعد أذكر أحداً منهم، ربما فقط حساماً، لأنه ما زال معلقاً بأطرافى التى تود الفكاك منه بورقة تنهى ما صار طلاقاً بالفعل، بعدما ألقى بيمين ثلاثى، لكنه العناد والغرور، ما زال يسول له أننى سأعود راكعة، أطلب الصفح والغفران، أتحمل ساديته. أحياناً أشفق عليه، مسكين هذا الرجل، أفسدت أمه حياته، كان تعلقها به جنونياً، تتدخل فى كل صغيرة وكبيرة، بداية من مأكله ومشاربه، ألوان وموديلات ملابسه، حتى نساءه، تختارهن له، ولم لا!! فهى امرأة قوية جدا، متسلطة،  وجميلة أيضاً، تزوجت كثيراً، لم تنجب سوى حسام،كانت قد فقدت الأمل فى الإنجاب، ظلت تحممه حتى بلغ العشرين، تحلق له ذقنه بنفسها، ضاق زوجُها ذو الأصول التركية والذى ما زال من فصيلة "خرسيس أدب سيس" بهذا الاهتمام المرضى، بالتدريج انزوى وحيداً بعدما أهمله الزوجة والأبن، لكنهما لم ينسيا السيطرة على ثروته من بقايا التأميم الذى فرضه جمال عبد الناصر، وجرده من جزء كبير من ثروته، باعتباره كان احد الإقطاعيين بالوراثة منذ أيام الخديوي إسماعيل، كان جده الأكبر أحد نظار أملاك الوالدة باشا، استطاع تكوين ثروة معقولة من خلال علاقاته بالفلاحين وشراء محصولهم بأبخس الأسعار، نظير تسهيلات فى سداد ديونهم لحقول ومزارع الوالدة باشا التى ينتفعون باستئجارها، استمرأولاده وأحفاده  في تنمية هذه الثروة من بعده، شراء الإقطاعيات الكبيرة، كان السيد جودت هو آخر سلالة العائلة، كان يملك من الذكاء ما جعله يحتفظ بالكثير من الذهب فى أماكن سرية بشقته الفاخرة بالزمالك، يأخذ منه بقدر ما يحتاج، فظل يعيش فى رفاهية طوال حياته، رغم هيبة السيد جودت رستم كاظم إلا أنه لم يستطع مقاومة دموع الفاتنة التى كانت تجلس أمامه فى "جروبى" فى بداية الخمسينيات، لاحظ أنها مضطربة، تقلب فى حقيبة يدها بجنون، فتخرج يدها خاوية، تنظر حولها فى كل الاتجاهات تستنجد بالجالسين حولها، لم يعيروها اهتماماً، بخطى مضطربة اقترب منها، سألها ماذا يبكيها؟ زاد نحيبها،قالت من بين شهقات وارتباك واضح، إنها انتظرت زوجها طويلاً ولكنه لم يأت، بخجل أكملت أنها لا تملك أى نقود لتدفع حساب المشروبات. ابتسم بوقار، وطيب خاطرها، افاض فى كرمه، طمعت المرأة الذكية فيما بدا من وجاهة الرجل وبذخه الواضح فى البقيشيش الذى منحه للجرسون، قررت اصطياده بدلاً من زوجها البخيل، عرف منها قصة حياتها مذ مولدها وحتى سعيها للطلاق ممن رمته بأبشع الصفات وألصقت به كل النقائص، لكنها لم تخبره أن هذا هو الزوج الرابع الذى بدأت خطة التخلص منه، وهى التى لم تكمل الخامسة والثلاثين من العمر، كان جودت كاظم يتعدى الخمسين، لم يتزوج ابداً، إذ أن أى أمرأة يشتهيها كان يحصل عليها بسهولة، ما عدا مهجة استعصت عليه، بخبرتها عرفت كيف تدخله القفص الحديدى، بعدما صادرت كل ذهبه وأمواله بطريقتها الخاصة.

كنت الوحيدة التى فرضنى عليها حسام من جملة النساء اللاتى عرفهن، كرهتنى منذ البداية، أما هو فقد كان سعيداً بزواجه بمصرية، وأيضاً فنانة تشكيلية، اخفت كرهها لى، وافقت على زواجنا حتى لا تخسره، تعرف متى تنحنى للريح، فهو مثلها عنيد، لا يتخلى بسهولة عما يريد، رأيت فى عينيها توعداً بالتخلص منى سواء طال الزمن أم قصر، لم يستمر زواجنا أكثر من ثلاث سنوات، حولت حياتى إلى جحيم، رغم أنها كانت تعيش طوال هذه الفترة فى القاهرة، لكن أذنيها داخل غرفة نومنا، فكل تفاصيل حياتنا الزوجية كان ينقلها لها حرفياً، وربما بالموسيقى التصويرية، اكتشفت ذلك مصادفة، أخذنى الفضول كي أعرف من يهاتف حسام بعد انتهائه مباشرة من ممارسة العلاقة الزوجية، لماذا تطول هذه المكالمات الهامسة. لم يكن الغريب أنه يتحدث مع والدته فى القاهرة، لكن الأغرب أنه كان يحكى لها تفاصيل اللقاء الجنسى المنتهى منذ دقائق، فكرت أن أثور أو أغضب أو أعترض وأطالب بخصوصية حياتي، لكنى للأسف لم افعل ذلك، ما الذى يضيرنى أن يتفاخر برجولته أمام أمه، ربما وجدت مبرراً لسلوكه، لكنى لم أستطع تبرير سلوك السيدة مهجة حماتى المتسلطة، كنت أخجل من سماع أم لألفاظ فاحشة لا يتورع ابنها أن يذكرها لها صراحة، أكاد أسمع على الطرف الآخر لهاثها، أدهشنى أكثر الاستمرار فى نقل الوصف التفصيلى للمرأة العجوز، بمرور الوقت صرنا كجهازى تسجيل فى فراش الزوجية، وبالطبع اثناء الممارسة، هو يسجل كل شئ ليحكيه لأمه، وأنا أسجل حتى أعرف كم التلفيق الذى سيبتكره كل مرة، ليضفى على نفسه فحولة جنسية مزيفة، تجعل المرأة تشهق عبر الهاتف.

سئمت هذا الوضع الغريب، لكنهما لم يتيحا لى الوقت لاستمتع بهذا السأم، فقد فاجأنى زوجى بتحريض من أمه بضربى، أعتذر عندما اعترضت، مبرراً تصرفه بأن هذا الضرب يزيد من الإثارة والمتعة الجنسية، عدت أتجسس على مكالمتهما، لاكتشف سر التحريض، سمعتها تسأله:

  • كيف تسمح لها أن ترفض إمتاعك؟

أجابها: "ولكنى أستمتع بدون ضرب".

رفضت بإصرار، اخذت تعدد له فوائد الضرب، الذى يسجعلنى طوع أمره أغرته بفائض المتعة التى سيشعر بها، لم تستمع لتنبيهاته بما يعاقب عليه القانون الفرنسى عند ضرب المرأة، نصحته بضربى فى الأماكن الحساسة والتى أخجل من كشفها أمام الغرباء.

آه يا رامى، تحملت صنوفاً من العذاب تفوق الوصف، كنت أسمع حشرجة ولهاث حماتى عبر التليفون وكأنها تمارس الجنس على ما يحكيه ابنها، بل أكاد أجزم أنها كانت تفعل ذلك.

زاد عنف حسام وفاق الحد، بعدما فجرت أمه طبعه السادى الذى كان كامناً فيه، أصبح لا يصل إلى النشوة إلا إذا رأى دمى ينزف، لم أستطع الاحتمال، واجهته بشذوذه، خجلت من ذكر سيرة امه تحسباً للعواقب، فكل خطأ ممكن عنده إلا الحديث بسوء عن امه، ذكرته بأيامنا الرومانسية، رقته التى دفعتنى إلى الزواج به رغم مقاطعتى لفكرة الزواج منذ سنوات طويلة، حاولت تذكيره بسنوات زواجنا الأولى، وأول لقاء بيننا فى الحى اللاتينى على أحد نواصى شارع "مونمارتر" أرسم بروتريهات لمت يرغب، أعيش مما أكسب، ظهر أمامى كأنما خرج من أحد الأفلام الأجنبية: وسيماً، أزرق العينان، بشرته بيضاء مشربة بحمرة جميلة. حسبته أجنبياً.

"ممكن ترسمينى" حدثنى بالعامية المصرية، أمطرنى بوابل من الهدايا الثمينة، رسمته فى كافة معالم باريس، بعد شهر تقريباً، عرض على الزواج، وعدنى بأنه سيساعدنى فى تحقيق حلمى، خاصة أن عمله كملحق تجارى فى السفارة المصرية يتيح له ذلك، وانه سيجعلنى أغزو باريس بالفن المصرى، ربما أوروبا كلها، أكد لى إيمانه بموهبتى التى ثمنها بأنها أغلى وأقيم من رسم البورتريهات لقاء قليل أو كثير من الفرنكات، للأمانة كان صادقاً، ساعدنى كثيراً فى إقامة معارض فى أهم غاليريهات باريس، لكنه حصل على عمولته نظير بيع اللوحات، أشادت الصحافة الفرنسية بأعمالى، وكالعادة تجاهلتنى الصحافة العربية والمصرية.

لشهور عديدة فشلت امه فى الوقيعة بيننا، رغم أنها حاولت كثيراً، لكنه لم يصمد أمام السلاح الفعال والذى تعرفه جيداً: "المتعة" فالمتعة هى أهم ما فى حياته، لا يهمه ماذا يكسب أو يخسر للحصول عليها، لم يترك منها شيئاً إلا جربه سواء برضاها أو رغماً عنها، هى تعلم تركيبته، وتعرف كيف تسيطر عليه.

لم يتراجع عما تفجر فى داخله من عنف، كان فصل الختام عندما رفضت بشده مسلكه الغريب، قابل اعتراضى بعنف أشد، صادر كل أشيائي،لم يترك لى إلا جروحا وكدمات، مهانة وضياع، لم يصعب على التخلص منها.. فقط حينما وجدتك.

أتعرف لماذا يا رامى؟ لأنك ظهرى الذى احتميت به لحظة ضعفى، كنت بديلاً لأبى الذى رفضنى فى المرة الوحيدة التى رأيته فيها، ذهبت إلى عيادته، دفعت ثمن الكشف لطبيب القلب المشهور "هدايت عبد الهادى" كان عمرى عشرون عاماً، بدا هو فى بداية الخمسين من العمر، وسيماً رشيقاً، يدخن بشراهة حتى فى غرفة الكشف، سألنى دون أن يرفع بصره ليرانى، لم يدقق فى اسمى المكتوب أمامه والذى تعمدت أن يكون ثلاثياً "هدية هدايت عبد الهادى": "مم تشتكين؟" سألنى..

  • "لا أشتكى شيئاً!!"
  • رفع رأسه ببطء وبهدوء: "إذن لماذا جئتِ هنا؟"
  • "لكى أبحث عن أبى!!"

لم يفزع، أو يندهش، أعاد النظر فى الإسم الموجود أمامه بابتسامه ساخرة أكمل استجوابى:

  • "هل أفهم من ذلك أننى أبوكِ" فلم ارد، وأضاف بمزيد من التهكم:

وعلى طريقة الأفلام العربية القديمة من المفترض أن أقوم مترنحاً،وأقترب منكِ ببطء، ثم ترتعش يداى،احتضنك ونبكى سوياً، أصرخ فيمن حولى، أقول  من بين دموعي "بنتى – بنتى" وتقولين "بابا – بابا" ويكمل الراوى المشهد معقباً "حكمتك يارب".

انفجر فى ضحك متواصل زلزل الأرض تحت اقدامى، رحت أبحث عن باب الخروج لأفر من أمامه، استوقفنى بلهجة حادة وحاسمة: "أبوك ليس هنا، ببساطة لأنى لا اريدك، يكفى انى منحتك أسمى، لم أقصر فى الإنفاق عليكِ منذ ولادتك وحتى اليوم".

عاد إلى جلسته وأنهى مقابلتى، بأنه لا يتمنى أن يرانى مرة أخرى، حينها قررت ألا أقبل منه جنيهاً واحداً حتى لو مت من الجوع.

عرفت فيما بعد أن لدى أخوة من ابى ورثوا مهنته وشهرته، لم أرهم أبداً ولا أريد، أمى لم تنجب غيرى، فبقدر ما عرفت من رجال، وهم كثيرون، إلا أنها لم تعشق إلا طبيب القلب الأرستقراطى. ظل هو حبها الأول والأخير، عذابها الأبدى، عندما تدق الساعة السادسة والنصف تترك بلهفة كل ما يشغلها، تقف بتحفز لا يفتر ولا ينتهى على ناصية شارع يوسف الجندى من ناحية شارع هدى شعراوى، تتبع بعينيها هذا الرجل الوسيم، الذى عرفت بعد حين أنه ابى، لم تتأخر يوماً، لم تمل مراقبته، أو تتخلف يوماً عن رؤيته إلا للضرورة القصوى، لكنه لا يراها، يمشى متباهياً بنفسه، ينظر لأعلى دائماً، كأنما تعجز الأرض عن حمله.

رغم ذلك عاشت المريمية حياة عاطفية زاخرة بألوان وأطياف من الرجال، نادراً ما تجتمع معرفتهم بامرأة، رجال من مختلف الأعمار والأشكال والمهن، حتى الديانات، فبعد هروب الطبيب الهُمام، وقع فى غرامها يهودى لم يمهله القدر أن يكمل قصة حبه، فقد ظلت تماطله ثلاث سنوات كاملة حتى كانت نكسة 1967، واختفى يعقوب حزقيال بدون رجعة.

وسِر غرام المريمية، التى منعتنى منذ تعلمت النطق أن أناديها بأمى، فكنت أناديها بميمى، دافعها لذلك أنها لا تريد أن تشعر بكبر السن، بعدما تركها الدكتور هدايت ولم تكمل الخامسة والعشرين، تعود معرفتها بطبيبها العظيم من وجهة نظرها والشهرة التى حققها أثناء عملهما بمستشفى "المنيرة" الملك سابقاً، ممرضة جميلة تعمل تحت إدارته، يميزها إلى جانب الذكاء جمال يجمع بين الجسم الأوروبى والوجه المختلط بين المصرى والأوروبى، شعر أحمر طبيعى، ونمش يملأ الوجه بجاذبية خاصة – ورثت منها هذا الشكل – وعينان يميل لونهما إلى اللون الأخضر ويتخذ ضوءاً رمادياً يلمع أحياناً بنشوة غامضة، بالطبع لم تخطئها العين الخبيرة للدكتور هدايت، تخطى الحاجز الاجتماعى والطبقى، بتأثير من عصر الرومانسية فى السينما والأغانى والفن فى كافة أشكاله، عشقها من أول نظرة، ووقعت فى غرامه من أول رسمة، فقد رسمها الطبيب الذى إلى جانب براعته فى اللعب بالقلوب سواء بالوعود أو بمشرط الجراحة، كان بارعاً فى الرسم، لم يكن هناك أجمل من المريمية يزين بها لوحاته.

لم تصدق أن الدكتور رسمها، بل ومنحها اللوحة موقعة باسمه – ما زالت اللوحة معلقة بفخر واعتزاز فى صدارة بيتنا. هامت به، خدعتها الأحلام بأنها ستدخل جنة جاردن سيتى وتركل بيوت عائلتها فى السيدة زينب بعيداً، ربما تتمادى فتسقطها من الذاكرة، أغواها الطبيب فلم تقاوم، استسلمت، أما هو فقد اعتبرها نزوة، لم يكن يدرى أنه سيتكلف ثمنها شقة العزوبية فى عمارة أنور وجدى بباب اللوق فى وسط البلد لمحظيته وابنتها التى جاءت إلى الدنيا بعد تسعة اشهر، عقد زواج، يعقبه عقد طلاق، شهادة ميلاد لأبنة لم يرها، نفقة شهرية سخية، لم يتأخر شهراً عن سدادها، فى المقابل تخلص منها ولكنها لم تستطع أن تتخلص من حبها له، رفض أن يمنحها فرصة اخرى تستعيد فيها أحضانه، لم يغفر لها خيانتها كما يعتقد وتوريطه فى إنجاب بغير رغبته، ما زال حتى الآن يعاقبها على هذا الخطأ.

كنت أنا الخطيئة يا رامى، لم يغفرها الطبيب، ولم تغفر المريمية خطئيتها المجسدة فى، حملتنى وزر هجران الدكتور لها، تتهمنى بأن وجودى أوقف حالها، وقلل فرص زواجها بشكل تتمناه كل امرأة.

أتصدق أنها ما زالت إلى الآن تنعى حظها، تنتظر اليوم الذى تلبس فيه ثوب الزفاف الأبيض، وهى فى الستين من العمر، أعجب أحياناً لأحلامها الغريبة، وأشفق عليها حيناً آخر، كلما تكاثرت التجاعيد بوجهها تصرخ فى: "أرحلى عنى لا أريدك"، عندما أرحل تصرخ: "الوحدة تقتلنى عودى إلى".

أتعجب كثيراً لمفارقات القدر، هل تتشابه المصائر إلى هذا الحد، فكما وقفت المريمية تتلهف لرؤية طبيب قلبها الهاجر، وقفت أختلس النظر على أبواب خمارات وسط البلد، فقط كى ألمحك من بعيد، وأمضى.

وكما تتعذب المريمية بحبه، أتعذب فى بعدك يا رامى، وكما لم تحب أحداً بعده، لن احب سواك. كانت المريمية محظية الدكتور هدايت، استهواها عشقه، منحته من الحب أكثر مما تستوعب قدراته، وانا صرت محظيتك، عاشقتك، ولا أخجل من ان أعلنها، فلا تهمنى الأوصاف أو التوصيفات. ربما ما تحصل عليه المحظية أجمل كثيراً مما تحصل عليه الزوجات عادة، وربما لا يحصلن "المحظيات" إلا على التعاسة، فما أتعس المريمية، ووريثتها فى التعاسة هدية، وسبقتهن فى ميراث التعاسة فيروز جدتى لأمى، وقبلها أمها روح القلوب، هى سلسلة طويلة من تاريخ المحظيات التعيسات، ويا للغرابة يتشابهن فى الحرمان والعذاب والألم، كأنه مكتوب عليهن أن يحصدن هذا الموروث وحدهن.

من أين نبدأ، هل نبدأ من الجدة الأولى صانعة سلالة المحظيات التعيسات، "نجمة" التى جاءت من إحدى دول البلقان، طفلة لم تبلغ سن العاشرة، يقولون أنها من البوسنة، وتؤكد المريمية أنها من صربيا، ثم تتراجع فتقول انها من مالطة، ربما هى نفسها لم تعرف من أى البلاد جاءت تتعثر فى طفولتها، شقراء الشعر، غلامية الجسد، اشتراها مملوك من تجار الرقيق المنتشرين فى مصر وغيرها من البلدان، لم يهنأ بها  البك المملوكى، فقد هرب مذعوراً عندما دقت مدافع الحملة الفرنسية فوق رؤوس المصريين والمماليك، تاهت فى الشوارع لا تفهم لغتهم الغريبة، لا تعرف  ما الذى يدور حولها، سقطت فى الطريق من الجوع والفزع، عندما استيقظت وجدت نفسها فى بيت أمرأة جميلة، سألتها عن أسمها، فلم تعرف فاسمتها "نجمة" على اسم امها، علمتها المرأة اللغة المصرية بلغة الإشارة التى أصبحت تجيدها لأنها لغة التفاهم الوحيدة بينها وبين عشيقها الفرنسى، بعدما تركها زوجها إسماعيل بك كاشف، باحثاً له عن مهرب مع أستاذيه المماليك مراد بك، وإبراهيم بك، تاركين المصريين الذين امتصوا دماءهم طوال عهود من القهر يواجهون مصيرهم أمام الجيش الفرنسى. هوت "هوى" إلى عشق العسكرى الفرنسى نيكولا، وصمها الجبرتى فى تاريخه بالعار الذى جلل كل من أقام علاقة مع الاحتلال،  ماذا كانت تفعل امرأة وحيدة تركها زوجها المملوكى مريضة بدون طعام أو مال ولا أهل ولا ولد، لم يُغثها أحد ممن حولها، أطعمها الفرنسى،وترك لها القليل من المال والكثير من الدموع والحسرة والعار، مصير لا يختلف عليه أثنان: الموت إما شنقاً أو ضرباً أو كسر رقبة. عندما ماتت هوى فقدت "نجمة" أى مصدر للحياة، هامت فى شوارع القاهرة تستجدى أن يمنحها أحد أى طعام، تنام بجوار أى مسجد أو خرابة، أنتشلتها من هذا الضياع المعلمة ريحانة العالمة، التى تشرف على مجموعة من الراقصات تحيي بهن الأفراح، تعمل بهن احيانا فى بعض المقاهى والحانات التى ابتدع وجودها الفرنسيون، تركوها يديرها مصريون عاشروهم وفهموا منهم سر الصنعة. خصت ريحانه "نجمة" للرقص أمام المصريين من أولاد البلد الذين يبهرهم هذا الشكل الأبيض ذو العيون الملونة، لأن الأجانب يفضلون الراقصات والغوازى المصريات على وجه الخصوص، يريدون طعماً ولوناً مختلفاً عما هو متاح بكثرة فى بلادهم، فى البداية كانت "نجمة" تخجل، وبالتدريج اندمجت فى المهنة، لكنها بالتأكيد لم تتفوق على الراقصات المصريات اللاتى تمنحهن أجسادهن الممتلئة جاذبية جنسية خاصة، مقارنة بالنحافة الشديدة التى كانت عليها "نجمة".

من بين كتل الاجساد المهتزة بدلال تستعد لرقصة النحلة أو الدبور كما كانوا يسمونها، وعلى كلمات "دبور لسعنى يامه، بأدور عليه يامه"اللسعة جات علي صدري، ياما يا صدري، صار لهاليب وشوفت الويل.

 لمحها تاجر الغلال الميسور، الذى اشتهى أن يغير من حجم الأجساد التى يغوص فى لحمها بين حريمه السمينات جداً، تستمر الرقصة، تخلع الراقصات ثيابهن قطعة قطعة فى رحلة البحث عن الدبور الذى يبدأ بداية من الكتف والرقبة مروراً بالصدر والبطن والورك وما بينهما، تتلكأ "نجمة" فى تعرية المناطق الملسوعة من الدبور الوهمى، دائماً تترك القليل الذى يستر عورتها، مقارنة بفحش عرى الأخريات، تفاهم التاجر الماهر مع المعلمة ريحانة، دفع لها ما يشبه "بدل الانتفاع" لنجمة مقابل أن تتركها له.

لم تسأله المعلمة الخبيرة لماذا اختار "نجمة" تحديداً او ماذا سيفعل بها؟ المهم المبلغ الضخم الذى حصلت عليه، خاصة ان "نجمة" ليست أمهر راقصاتها، ولا أكثرهن إغراء ولا فحشاً، حتى نجمة نفسها لم تبد معارضة ولا ترحيباً بالانتقال إلى منزل تاجر الغلال الذى لم تتذكر اسمه أبداً، لكنها كرهت شراهته فى الأكل الذى لا يكف عن تناوله، وكرشه الذى يمتد أمتاراً أمامه، وتلك الرغاوى التى تتكون على جانبى فمه عندما يتحدث، يتركها تصنع دوائر مقززة على ذقنه وشاربه، لم تفهم نظرات التعجب وأحياناً الاستنكار الذى ترمقها بها زوجاته الأربع، فوجئت به بعد يومين يقتحم حجرتها بدون مقدمات، مخمور تماماً حاول اغتصابها بالقوة، قاومته باستماتة، أغلقت غرفتها، فى غفلة من الجميع هربت،لم يعثر لها أحد على أثر.

وجدت نفسها أمام سرجة فى حى السيدة زينب، وقفت مذهولة عما حولها، نطقت عيونها بالتوسل إلى الرجل الجالس داخل سرجة، سألها عما تريد، لم تجد كلمات تجيب بها، أدرك "سعيد السرجاوى" مدى ارتباكها من الغمغمة التى تخرج من بين شفتيها، وارتعاشة تهز جسدها بعنف، أجلسها، اشترى من الفرن رغيف عيش، أضاف إليه قطعة حلاوة طحينية، التهمتهما بشراهة، أضاف بعدها مشروب من بائع العرقسوس، لم تستسغ طعمه، حكت له قصتها بأقل كلمات ممكنة، صمت طويلاً، ثم أعلن مسؤوليته الكاملة عنها، هيأ لها غرفة فى ربع بأحد الحوارى المتفرعة من شارع الخليج المصرى، أخبر المحيطون بهم أنها زوجته، صار أملها فى الحياة، بل هو الحياة نفسها، عشقت رقته، فتوته، كرمه، كرهت إنكاره للجنين الذى تكون فى أحشائها، رفض أن يتزوجها لأانه اذا فعل ذلك فلن يستطيع الزواج من أبنة عمه شريكته فى السرجة التى ورثاها عن أبيه وأبيها، خاصة انها وضعت شرطا  للزواج به، إلا يتزوج عليها ابداً، أنها ستنهى الشراكة إذا أقدم على ذلك.

سامحته، وعاشت مع أبنتها التى أطلقت عليها أسم "هوى" على اسم صديقتها القديمة، بل كانت بمثابة الأم لها، تنتظر ما يجود به من حنان وود ومال ورعاية. قبل أن يرحل الرحلة الأخيرة من الحياة إلى الموت، منحها الكثير من المال، ما يمكن أن يكفيها حتى يحين موعد زواج أبنتها، لم تتأخر دورة الأيام، فقد أكتملت أنوثة "هوى" بأسرع مما قدرت "نجمة" زوجتها من أول طارق لبابها، ضابط شركسى من ضباط جيش محمد على باشا، اختارها قدرى بك شركس رغم فقرها الشديد لاشمئزازه واحتقاره للمصريات. يعتبرهن فلاحات، خادمات "لحظرته" لا يرتقين إلى مستوى أن يلمسن جسده السامى، لم يبحث عن شرعية نسبها إلى أب، يكفيه شرعية جمالها الذي يبدو من اصول اجنبية عزز اختيارها.

بين الفراغ والوحدة، وتحمل صلف وغرور وشراسة قدرى بك شركس استقبلت "هوى" أول مولودة لها أسمتها "أحلام" وجدت "هوى" متنفساً للقهر اليومى الذى تعيشه فى الفرجه على ما يسمونها ألعاب خيال الظل، لم تنتبه لمن يتابع جمالها من بين فتحات المشربية التى زادت اتساعاً فى غيبة الزوج المغرور، صارت النظرات سهام مصوبة تخترق حدود الغفلة، توقظ منابت الانتباه، تنبهت "هوى" لعيون سمراء ووجه وسيم يتابعها فلم يكتف لاعب خيال الظل بلعبته المسرحية وإنما لعب بقلب "هوى" قاومت حب خليل الذى يلتهب مع استقراراه بجوارها، لم يعد اللاعب الجوال، ثم اختفى من  ميدان الأزبكية بعدما أغوى جارته الحسناء بالهرب معه، انتزعها من مملكة شركس، تاركاً له الغل والحقد ورغبة فى الإنتقام ممن هجرته، وفضلت عليه صعلوكاً لا يجد قوت يومه إلا بالكاد.

هربت "هوى" تركت لنجمة الطفلة "أحلام" التى لم تتعد الثلاث سنوات، هربت وأورثت نجمة عقاباً لا ينتهى، يمارسه زوجها المجنون، ربما تدله على مكان وجود ابنتها الساقطة.

"الساقطة" هذه أقل الشتائم التى تسمعها نجمة كلما ألح الإنتقام والتشفى عليه، ولتنفيذ انتقامه بث عيونه فى كل طريق من الممكن ان تسلكه "هوى" ورغم ذلك استطاعت التخفى، والهروب من "بصاصى" شركس، زارت أمها عدة مرات، أشبعت أمومتها برؤية ابنتها الوحيدة، خمس سنوات كاملة لم ييأس الشركس من ترصدها، لم تتهاون "هوى" فى زيارة أمها، حتى استطاع "بصاصوه" تحديد المواعيد التى تشترى نجمة فيها الكثير من الطعام والملابس ربطوا ذلك بالمرأة التى لا يظهر منها شئ، تدخل منزل نجمة، تأكد شركس من اقتراب سقوط "هوى"، لم تخطئ تقديراته، بسكين حادة انتظرها فى اليوم الموعود لكليهما.

قبل أن تُقبل "هوى" وجه ابنتها، انقض عليها شركس، غرس سكينه الحاد فى رقبتها، سقطت تختلط دماؤها بدموع أمها وابنتها التى تحولت أحلامها إلى كوابيس لم تفارقها حتى بعد زواجها بغير حب أو سعادة، فقط أرادت ان تعيش دون ان يكون قدرها مصير أمها أو جدتها، لكن مصائر بنات "احلام" الثلاث لم تختلف كثيراً عن نجمة وهوى وهدية ومريمية وأشرقت وتبارك وشوق ورهيفة وروح القلوب... تعبت من عدهن يا رامى.

ربما اختلف زمانهن، تفاصيل قصصهن، ظروفهن، لكنهن لم يكُن سوى محظيات، وأنا حفيدتهن جميعاً فى النسب والولادة... والتعاسة أيضاً.

 

نصف نبى

ظرف يعود تاريخه لعام 1996

خطاب بغير رد

روما – 12 أيار/ مايو 1996

آه لو كنت تعلم، كم انفطر شوقاً إليك لما تركتنى. لو كنت أعلم أننى بغيرك لا أكون لما رحلت ولو على جثتى. لأول مرة أتجرع مرارة الغربة، لأنك لم تعد معى. كنت غبية ومجنونة إذ تخيلت أنه بابتعادى سأرتاح من حنين موجع. نعم سافرت لعلى أرتاح ولو قليلاً منك، أنساك ولو لبعض الوقت، راهنت على البعاد، وضعت مشاعرى قيد الهروب منك إليك، آه لو تدرى ما بى، آه لو تعرف كم أحتاج إليك، فقط أتمنى أن أشعر بأنفاسك تختلط بهواء يمر بى فاستنشقك. عليك اللعنة... كنت همى فصرت الآن وجعى الأكبر... عليك اللعنة إذ لم ترد على رسائلى... عليك آلاف اللعنات إن لم تسمعنى صوتك... عليك ذنب قلبى إن صرت لا تشعر به.. عليك وجع روحى إن لم تحوطك، تحاصرك تستصرخك، إنى روح هائمة بك. أريدك، أفتقدك أشتاق إليك فلا تتركنى للوحدة.

 

خطاب آخر بغير رد

تمر الأيام ثقيلة، بطيئة الثواني والدقائق فما بالك بالساعات! صرت بلا هدف، حياتى بلا معنى، تلاشى الطموح، هجرتنى الأحلام، لم أعد أحلم بأن أكون خليفة أنجى أفلاطون ولا تحية حليم، كما تمنيت دائماً، مللت روما المبهرة الجميلة، اشتقت لكل حوارى مصر، لكنى أخاف، أخاف أن أعاود استجداءك وانت لا تجيب، حاولت كثيراً التخلص من مشاعرى نحوك، ما زلت أقنع نفسى بنسيانك وتعصاني، فلا يمكن للمشاعر أن تنتهى بقرار.

 أحياناً أتساءل هل المعجزة أننى عرفتك أم أننى أنتظر المعجزة فى التخلص منك. تخترق زخات المطر رأسى، أحاول أن أشق ثقباً فى تجويف مخى يتطهر من البؤرة التى تسكنها ولا فائدة. لماذا لا ترد على خطاباتى، لماذا لا تكف عن التلاعب بى؟ لماذا لا تكف عن التفاخر بأنك الوحيد القادر على التمثيل بجثتى بلا رحمة؟ أحياناً كلما أتخيل أنك على مرمى لمسة واحدة فقط من قلبى، أفتح عينى  لأراك قريبا فلا أجد سوى وهمى، وطيفك يسخر مني، أما أنت، فلم يعد منك سوى ذكريات بعيدة، بعيدة جداً.

قصيدة لرامى

وحدى

أختلق ألماً أورثه لروحى

وأعرف أنكِ ملاذى

الذى ينكره بعض مني

قلبى يبدأ نزيفاً من الصدأ

وأنتِ لا تكفين عن نثر ملحك

بابتعادك........

ما يبدو أنه رد من رامى غير مرسل تكثر فيه الشخبطات وصعوبة القراءة.

كفى خطابات يا هدية، لا أستطيع إرسال أى رد عليها، رسائلك تصيبنى بالجنون، تضعنى فى مواجهة قاسية مع نفسى، تُرى أين الخلل؟ لماذا صارت حياتي باهتة؟ لماذا يظللنى شبح التعاسة؟ رغن أننى نظرياً أملك كل مقومات الحياة الكريمة، فأنا الطفل المدلل لأمى التى أفنت حياتها فى الاهتمام بى، وأنا مصدر فخر العائلة التى ترانى أكثر انتماء لها من أبى الذى كفر بكل موروثاتها وتقاليدها، قاطع حتى زياراته إليها. تستغرب عائلتى هذا التعلق الشديد بجذورى، غرسته فى أمى طوال حياتى معها، صرت أتصدر كل مجالس الرجال فى الأفراح والمآتم.

 فى البداية كنت موضع تندر الجميع على تلك المفارقة، إذ يهرب أبى منهم، بينما أنغرس أنا بينهم، ابن البندر، لدرجة أنهم عرضوا علي عمامة جدي الكبير، أضخم عمامة فى قبائل قنا، وأطول طرف ينسدل على كتفه "عدبة" ولذلك أسموه أبو عدبة واتخذت العائلة لقبها "العدايبة"، كانت ضخامة العمامة دليلاً على علو المكانة ورفعة المنزلة، جدى الأكبر عامر أبو عدبة كانت تهابة كل قبائل قنا، لا ترد له حُكماً ولا كلمة لقوة شخصيته وجسارته ورجاحة عقله وقدرته على بسط نفوذه سواء باللين أو القوة.

اعتبروني بديلاً له بعد أجيال عديدة، رفعوني إلى منزلته، لا يردون لى كلمة، لا يقطعون أمراً بدونى رغم وجود كبار السن، عاملونى على أنني نصف نبي، لم أخطئ فى حكم، لم أظلم أحداً، ربما ظلمت نفسى، ظلمتك.

ترك ابى النجع بعد حصوله على الثانوية، بالغ أبوه العمدة حسين أبو عدبة فى الاحتفاء به، طوحت به الأحلام أن يدخل ابنه كلية الحقوق ليحجز مكانه بين الوزراء، فقد كانت الموضة منذ أيام سعد زغلول  أن من يمر بجوار كلية الحقوق سيأتى يوم ويصبح وزيراً، أراد أن يجمع بين هيمنة منصب الوزير والنسب العريق، والمهابة التى تجتمع لها كل أطراف العظمة.

هيأ له أبوه حياة مرفهة تليق بابن عمدة "العدايبة" أسكنه فى شارع القصر العينى – جغرافياً يتوسط الطبقة المتوسطة، ويجاور الطبقة البرجوازية، فى جاردن سيتى. عاش أبى حياته فى القاهرة بالطول والعرض، مغامرات لا تعد ولا تحصى تعرفها كل مقاهي وحانات وسط البلد، عشقة الأثير.

تواكب بلوغه سن الثامنة عشرة سنة نزوله القاهرة أثناء حرب 1956، صعد به الحلم الناصرى إلى السماء، وهوت به هزيمة 1967 إلى قاع اليأس، لم يهنأ بقدومى، فبعد خمسة أيام فقط من مولدى سقطت على رأسه أخبار الهزيمة الثقيلة، كان رجلاً وجيهاً وأنيقاً، منح نفسه لقب رب القلم والعدالة، أسوة بالشاعر والضابط محمود سامى البارودي رب السيف والقلم، كان يداعب صديقه الشاعر الكبير أحمد رامى الذى أسماني على أسمه بأن يقتنص له لقباَ، فإن الألقاب الشعرية لا تمنح ولكن تغتصب اغتصاباً، يبحث رامى عن لقب فيجد أن أحمد شوقى قد أخذ إمارة الشعر، وحافظ إبراهيم أخذ شعرية النيل، حتى عبدالحميد الديب لم يحرم نفسه من لقب شاعر البؤس، يضيف: أهو لقب بدل من التجرد التام الذى يعانيه الشاعر أحمد رامى.

اكتشف أبى خطأه عندما مات الشاعر الكبير أحمد رامى ونعته كل الدنيا بداية من الاهتمام الحكومى إلى الاهتمام الإعلامى والكثير من الجماهير، أما أبى فلم ينعه سوي أصدقاءه وعائلته فقط. لم يترك من المجد سوى بعض الدواوين الشعرية، ودعوات مظلومين استطاع نصرتهم، لم يحقق أمنية أبيه فى الوصول للوزارة، أو حتى المرور أمام مجلس الشعب القريب من بيتنا، اتخذ موقفه منذ البداية مع الناس وضد الحاكم.

أشارت على امى أن أعيد تحقيق الحلم القديم لجدي يستريح فى قبره.

قررت الاتجاه إلى السلك الدبلوماسى الأكثر ضماناً لمستقبل سياسى أفضل، ربما لم أحقق الحلم الكامل، لكن المعنى الأهم الذى يكمن خلف عمل رامى سليل العدايبة فى الأمم المتحدة أكثر بريقاً من الدبلوماسية داخل حدودها الضيقة، ربما حلموا بأنى سأكون يوما ما الأمين العام للأمم المتحدة كما قالت لي أمي.

لا أعرف كيف استطاعت أمي، هذه المرأة التي لم تحصل على اى تعليم أن تكون بهذا الطموح والحكمة، رغم أنها كانت راضية بكل شيئ، وأى شئ. لم تشك يوماً، لم تطلب شيئاً، كانت راضية اسماً وفعلاً، ابنة عم أبى، جاء بها العمدة من النجع مباشرة إلى القاهرة، تزوجها أبى بأمر من جدي الذي لم يمنحه أى فرصة لإبداء الرأى، رغم أنه تعدى الثلاثين من العمر، لم يفكر فى الزواج مطلقاً، لم تكن هي قد تجاوزت السابعة عشر عاماً، هذا لم يمنع أبى من التمسك بحريته القصوى، ربما زادت ليالي العربدة سواء بمشاركة ابن عمه تاجر الفاكهة بسوق روض الفرج جابر خليل أبو عدبة، هو أيضاً والد زوجتي، أو مع أصدقاء وسط البلد من شعراء وادباء وكتاب ومثقفين، او حتى منفرداً.

أنتِ يا هدية من علمتني ثقافة الاحتضان، ثقافة الحياة، الامتنان عند الأخذ، الإحساس بالآخرين، الاهتمام بقضايا الإنسان فى اى مكان وعصر، قبلك كان عملى هو أساس حياتى، بعدك شعرت بمسؤوليتي عن هموم بلدي، دون انتظار الثمن، سواء ترقية مهنية أو مكانة اجتماعية، فلم أكن أبداً تلميذاً للشاعر الكبير الذى لم يعرف من مشاعر الأبوة غير إلقاء الأوامر وسلسلة طويلة من الممنوعات يمارسها هو نفسه، أما أمى فهى صامته دائماً، مطيعة، لم أرها تضحك أبداً او تبتسم، لم أر من جسدها غير الوجه والكفين والكعبين، أكاد أجزم أن ابى لم ير منها غير ذلك، حتى شعرها لا أعرف له لوناً.

كانت تشبه الجزء الحنون فيكِ، ولكنها حنونة بغير إفراط، لا أتذكر أنها احتضنتنى إلا مرتين فقط، الأولى عند حصولى على البكالوريوس بامتياز، والثانية قبل موتها بيوم واحد، سألتنى: "هل قصرت معك يا رامى؟

فأجبت: لا

 قالت: "هل تسامحنى؟" لم افهم علام أسامحها، وهى لم تخطئ فى حقى، قبلتني، واحتضنتني، وفى اليوم الثانى تركتنى حائراً، رحلت من حيث جاءت، عادت إلى النجع، لم تخرج من بيتنا منذ وصلته إلى ان عادت إلى بلدها جثة.

الغريب أن العربيد الكبير عادل حسين أبو عدبة كره العربدة بعد موتها، لم يقرب إمرأة كما كان يفعل طوال عمره وخلال زواجه. أعاد النظر فى رؤيته للمرأة التى لم تكن تعنى له سوى الطاعة والخدمة بما فيها الخدمة الجنسية، اكتشفت يا هدية أن الشاعر العظيم الذى يكتب عن الحب لم يكتو بناره ابداً، فقط يأخذ منه حلاوته، ويرمي أوجاعه بعيداً، أعترف أنه اذكى منى، لم يتورط فى الحب مثلى.

نعم فأنا متورط فى حبك حد الانتحار، اعتقدت فى البداية أنك مجرد نزوة، تجربة وتمضى، كنت فى اللحظات التى أنعتق فيها من أسرك أستعيد وعيي وعقلي، أعود إليك بشوق ولهفة، أجد أن كل ما فيك يدفعنى للصدام مع جبال صلبة من الموروثات العتيقة، تعجز قدراتى على مواجهتها، كيف أعلن للعائلة رغبتى فى الزواج من أمرأة مطلقة، متحررة، تعمل بالفن، تدخن، أنكرها أبوها.

تحالفت ضدى كل قوانين الرفض، كيف بهذه البساطة أجازف بعائلتى، ربما اتهموني بأني سأجلب لهم العار إذاً تزوجتك.

أعترف أن جرأتك أفزعتني، تحررك، بساطتك التى تخفى قوة لا قبل لى بها.

نعم هربت ولم أحاول أن أتمسك بك، أمعنت فى سد كل الطرق بيننا، لم أنتظر حتى عودتى للقاهرة قيدت نفسي بسلاسل الأمر الواقع، بحثت فى ذاكرتى عن المرأة التى يسهل اقتيادها، عن أمرأة أكون أنا حلمها، مطيعة، بلا طموح، بلا خبرة، لم يلمسها أى رجل قبلي، والاهم أنها تشبه أمى.

حددت هدفى، اتخذت قرارى، ونفذ أبى ما اردت بكل دقة.

بعناد ربما، بقسوة أيضاً، كنت أسابق الزمن لأتمم زواجى، قبل ان يعطله وجودك، لم أسمح لطيفك أن يمر بخيالى فيفسد ما لم أتراجع عنه، سامحينى.

***********

أعمى البصر، غبى البصيرة يا زوجي، لم ترنى إلا كما أردت، لا ما أنا حقيقة عليه، ضللك وعيك المشغول بالهروب من العاشقة، صرت اسير قيود فرضتها على نفسك لم يجبرك عليها أحد، كان من الممكن أن تخلعها بسهولة، لم تمتد رؤيتك لترى ما بداخلى، لتكشف كنوزي، فخسرت الكثير يا ابن عمي، غبي.

 

فتنة الحب المفقود

وهذا ظرف خاص جداً لا يحمل أى تاريخ، فقط كتب عليه "معارض هدية"

قصاصات ورق مرتبة بعناية، كتيبات لمعارض تشكيلية يحتوى الكتيب على صورة لنصف وجه لا يميزه سوى شعر قصير أحمر وابتسامة سخرية، ونظرة تتأمل المجهول.

  • "هل هذه هى العاشقة؟ لا أعرف! ربما!"

 زهرة تؤكد بيقين أنها هى، وإلا فلماذا يحتفظ رامى بكل ما يخصها بهذا الحرص، دعمت زهرة وجهة نظرها بأن الظرف ضمن مجموعة من الأظرف التى تحمل خطابات رامي والعاشقة، وأن هذه الكتيبات والقصاصات تكمل ما نقص فى قصتهما.

أما الوريقات التي تناثرت فهي قصاصات من أوراق الصحف تتحدث عن معارض الفنانة هدية، تشرح من وجهة نظر هذه الجرائد أبعاد لوحاتها التشكيلية، كيف أنها استغرقت فى تفاصيل شخصية واحدة هيمنت على كل ما تخطه ريشتها، اتفحص بعناية نماذج اللوحات المنشورة فى الكتيبات.

ما زالت هذه المرأة تقذفني بالصدمات، فوجه رامي يحتل كل لوحاتها، حتى إن لم يكن هو موضوع المعرض، فقد استبدلت وجه ابو الهول بوجهه، ورسمت حروف اسمه باللغة العربية والإنكليزية والفرعونية على المسلة الفرعونية النائمة فى حضن الجبل، صخور الجبل ذاتها تشبه وجه رامى، ما كل هذا الافتتان؟ كيف استطاعت أن تجعله وسيماً وفاتناً إلى هذا الحد؟ وهو الذى كان يقول عن نفسه أن الكاميرا لا تحب وجهه، وأن صوره دائماً ما تظهر منفرة.. كان يكره التصوير، فكيف ولماذا استسلم للمثول أمامها لترسمه فى كل تفاصيل لوحاتها؟!

هذا كتيب آخر يحمل عنوان معرض الأسد الحزين، لوحات لأشكال وأنواع غريبة من الأسود تحمل وجه رامى، رامى أسد يا للعجب، لماذا لم تسمه الأسد الهارب، الأسد الجبان، الأسد النذل، هذه هى صفات رامى، مع الاعتذار للأسد.

تقول رسمتك قمراً، شمساً تضئ للجوعى فى الصومال، وعلى كوفيات الفدائيين الفلسطينيين، ملاكاً يلوح لأطفال العراق المحاصرين بغطرسة وجبروت جورج بوش.

حتى الورود والأشجار والنخيل والأطفال، لم ترحمها السيدة العاشقة، لطخت أوراق الورود وجذوع الأشجار، تشكيلات من النخيل بوجهك يا رامي، استهانت ببراءة الأطفال، رسمتك على شرائط ضفائر البنات الملونة، ملابس أولاد الشوارع تمنحهم ابتسامتك، تواسي فقرهم البادئ فى وجوههم، أطلقت على بسمتك الأمل كما تقول فى كلماتها المكتوبة أعلى الكتيب، فكيف إذن كنت تمنح الآخرين الأمل وتهدينى الكآبة؟

نفد صبرى، لن أستطيع رؤية المزيد من هذا الهراء لعجوزٍ متصابية ورجل لا يتورع أن يحتفظ بتفاصيل قصة حب مشنية داخل جدران بيتى، لن تعلم يا رامي أن مصير قصة غرامك هو الحرق فى النار، سأحرق كل هذه الأوراق والأظرف وما تحوى، صورك وكتبك، سأنشر رمادها فوق قبرك، ربما يؤنس وحدتك هذا الرماد. أنفجر فى ضحك هستيرى، أتخيل رامى يقف أمامي وأنا اقذف فى وجهه بكل هذه الأوراق وهو يرتجف من الخوف، إن لم يكن منى، فمن الفضيحة، واهتزاز صورته فى عيون العائلة والاولاد، ربما لم يقم لي حساباً فى السابق، لكنه الآن سيحسب ألف حساب لي، ولى وحدى، يزداد ضحكي وسخريتى عندما أتخيله وهو منكسر النفس، وأنا انثر فوقه رماد غرامياته الفاحشة.

ترى لماذا جازفت يا رامى بالاحتفاظ بهذه الأوراق، وأنت الحذر الحريص الذى لا يمكن أن يفتضح أمره بسهولة؟ أم ان الموت الذى اختطفك على غفلة لم يتح لك فرصة ترتيب أوراقك.

ما بال النيران التى أشعلتها فى أوراق قصة غرامك يكوي لهيبها صدرى وتتسرب إلى أحشائي؟ لم أهتم للسعات التى تطولها يداى وأنا أطفئ النيران أنقذ ما أستطيع من أوراق غرامك؟!

فشلت فى إنقاذ قصاصات الجرائد، والقليل من كتيباتها التى تحمل لوحات وجهك، وإن شوهتها قليلاً المياه والنار.

من بين صفحات الكتيبات المحترقة أنتزع اللوحات التى تحمل وجهك، أعيد تشكيلها فتأخذ شكل المستطيل، وانام داخله، يحوطني وجهك من كل جانب.

خاطر غريب يلح على، أريد أن اذهب إلى الكوافير، تلاحقنى رغبة فى التزين كما لم أتزين من قبل، بل وسأفعل ما لم يخطر على بالى طوال عمرى، سأقص شعرى، واصبغ لونه بالأحمر.

  • "ألا تلاحظين أنك تقلدين صورة غريمتك يا زينة؟"

أفحمتنى زهرة بسؤالها، نعم إننى أقلدها، ما الذى تملكه ولا أملكه، لماذا فضلها على، لماذا استمرت علاقتهما خمسة عشر عاماً؟

"تغيرت كثيراً يا زينة؟" تضيف زهرة، "لا أذكر أنكِ ذهبتِ إلى الكوافير  فى حياتك إلا يوم زفافك، فشلت كل محاولتنا أنا واخوتك فى إقناعك بأهمية الكوافير  للمرأة، تفخرين بأن زوجك لا يهتم بجمالك الخارجى، والآن زوجك مات، فلمن تتزينين؟

  • "لرامى..." بعفوية اقول.

تشهق زهرة من الدهشة تسأل نفسها بصوت مسموع: "هل جنت الزينة؟"

  • "لا لم اجن، فما زالت الزينة، زينة العقل، والحكيمة التى لا تخطئ أبداً".

زهرة: "ولكنى أعذرك يا أختي، فما مررت به منذ وفاة زوجك لا يصدقه عقل ولا يفسره منطق".

يبدو أن الأغراب هو ما أشعر به يا زهرة، أشعر أنى أعشقك يا رامى، حنين جارف يدفع بى إليك، أعشق رامى، لكن ليس هذا الرامى الذى تزوجته خمسة عشر عاماً، بل رامى الذى يملأ لوحات المرأة العاشقة، هذا الرجل الفاتن، ذو الابتسامة العميقة الجميلة فى لوحات هدية الذى شكلته سطورها وحكاياتها فتحول من رجل كئيب عرفته وعشت معه منذ طفولتى حتى قبل أن أتزوجه، إلى حلم جميل أتمناه، وطيف يداعب أنوثتى.

 

 

الظرف الأخير

القاهرة 16 شباط / فبراير 1999

خطاب

لماذا تتركنى للذكريات يا رامى تحرقنى بالحنين، لماذا صارت قصتنا مجرد حكايات قديمة، نخاف أن نخطو إلى المستقبل، كمن يخاف الوقوع من أعلى قمة جبل. عام كامل وأنت تقاطعنى كأنى عدوك اللدود، طحنت الغربة عظامي، مللت الترحال هرباً من قسوتك، هل نظمت حياتك كما تتمنى؟ أنجبت الورثة الذين يشبهونك ويخلدون اسمك، لماذا أدفع أنا ثمن خلودك، لن اطالبك بشئ، أشعر أن شرايين الحياة بداخلى تجف، تذوى، أنانى أنت يا رامى، سعيد بكونك معشوقاً، لكنك لا تمنحنى فى المقابل أى شئ، تتعمد الإختفاء، الم تشبع من الهروب، ألا ترتوى من القسوة؟ ألا يؤنبك ضميرك على ظلمى؟ أربع سنوات وأنا مرهونة لغضبك وهجرك، وسخطك، أو رضاك، أو تمنعك. لماذا تكفر بالحب رغم قناعتك بأنه يمنحك البقاء؟ كيف وأنت شاعر تنكر ما تجبرنا عليه مشاعرنا. كيف ترضى أن ترى الرجولة خشونة وصلابة وجمود وجحود بكل المعانى؟ لماذا تخاف أن يكتشف الآخرون أن لك قلب عاشق؟ تفزع أن يروننى فى عيونك، فتهرب من مجرد الصدفة العابرة، لماذا تشعر أن كل العيون تراقبك، تلاحقك، ترصد همساتك، فتحذفنى، من مفرداتك، لا يا رامى ما يربطنى بك ليست فقط محض مشاعر تحاول أن تنجو بالهروب منها، أنا أيضاً استطيع أن أمنحك الخلود والتبجيل والمتعة.

لقد كرهت أن أحاربك بسلاح المرأة الذى لا يخيب، أى أمرأة، أن أشعل غيرتك برجل آخر، أنت أول من يعلم أنهم كثر حولى، من أجلك رفضت عروضاً لا تجروء امرأة مهما بلغت من جنون أن ترفضها، يبدو أنك لا تصدق، هل أظل مرهونة برضاك، لا لن يكون، أعدك يا رامى ان أنهى ذلى وعبوديتى لك، بيدى وإرادتى.

ملحوظة:- اعلم انك لن ترد، ولن أنتظر منك أى رد.

مرفق رد من رامى لم يرسل إليها

ربما لن يصلك ردى هذا، فلم أجرؤ بعد على مواجهتك حتى بخطاب، لكنك لن تعرفين يوماً أن ظلمك لى فاق الحد، أنت لا تعرفين، لا تعرفين أننى أقضى حياة جنسية مرعبة، مفزوع دائماً، لا أستمتع بفيض أنوثتك، أردت النهل منك، لكنى لا ارتوى، لا أكتفى، بمجرد أن أشبع أجوع، أحتاج دائماً أن أغوص فيكِ  لم أستطع، فقد سرقنى الزمن، من يقدر  أن يوقف زحف الأيام، ولا استطعت أختراق قوانين العائلة وأهزم مخاوفى، أخاف أن أتورط فيكِ إلى درجة الخنوع أو الخضوع، خفت ألا أستطيع الرجوع من شبقك وجنونك.

لا تعرفين، انتِ لا تعرفين أنك عذابى، سعادتى وقهرى وألمى ووجودى، المرأة الوحيدة التى تملأ كيانى، تلهب رجولتى، تشبع عقلى، منها أتعلم الحياة، تفجرين كل الطاقات بداخلى.. كل المشاعر التي لم أعرفها من قبل، أنتِ المرأة الوحيدة التى أشعر بالقرب منها بالإشباع التام، كان هذا يخيفنى، لأنه يقصينى عن بيتى وأولادى وأهلى.

كنت مستعداً أن أبيع الدنيا من أجلك، لكنهم يحاصروننى، ألمح فى عيونهم العتاب والملامة، فلا أستطيع فراراً.

لم تعرفيهم يا هدية، خمسة أولاد كلهم أنا بصورة أو بأخرى فكيف أترك صورى النابضة ليتم الأبوة وانا أعيش بينهم.

مرهق أنا يا هدية، مرهق ومتعب كما المريض يحتضر، ربما تعرفين يوماً أننى ما تزوجت إلا خوفاً منك، خفت الإنجراف إليك.. الاستغراق فيك.. الفناء فى وجودك، وأنا رجل لم يعتد إلا ان يملك زمام نفسه، كبر عندى أن أنقاد إلى امرأة حتى لو كانت هدية من السماء.

على مدى سنوات لم أستطع أن أصارحك بأنى كنت أتعذب بالقرب منكِ، وأضيع فى البعد عنك.

كيف أفسر لك سر هروبى منك، أنت تبحثين عن الأمان فى وجودى، وأنا أماني فى البعد عنك أبعد مسافة مكانية وزمانية ممكنة.

أقسم أنى أحبك، ربما لم أحب أمرأة سواكِ، لن تستطيع اخرى أن تنافسك فى قلبى، لكنك تنتهكين خصوصية علاقتى الزوجية، أعرف أنكِ لم تشعريني يوماً بأنك تغارين من زوجتى، هى لا تعرف عنك شيئاً، وأنا بينكما اخاف أن اذكر أسمها أمامك، أخاف أكثر أن يخونني لسانى وينطق باسمك، فالتزم الصمت.

الكارثة الحقيقية فى أداء واجبى الزوجى، تجديننى أجاهد طويلاً كى أطردك من عقلى، استكره رائحتك، أخرس صوتك الشهوانى الذى يتردد فى أذنى. أتجاهل غنجك المثير الذى يقتحمنى، أشحذ كل قدراتى العقلية القادرة على التركيز. رغم ذلك أخاف أن أنادى زوجتى باسمك، أخشى أن تطول قبلتى لها فاجذب لسانها كما أجذب لسانك وامتصه داخل فمى. أحذر أن أتفوه بالكلمات الفاحشة التى تعشقين سماعها، أحكم السيطرة على أسنانى كى لا تفتك بها عضاً رقيقاً لا تملينه. يحل العذاب بديلاً للمتعة الجنسية، عندما انتهى أشعر بانعتاق من أسرٍ طال، أسرع إلى الحمام، أتنفس بعمق، يسرى الماء فوق جسدي، أتطهر من إثم يلازمنى، رغبة محمومة فى البكاء أكبتها دائماً وانام. انام بعمق، وأنا الرجل القلق الذى يخاصمه النوم، انام هروباً يستغرق يومين، اعود لافتقادك من جديد، يمنعنى خجلى من البحث عنك، أكره أن تضعينى فى مواجهة مع نفسى، أمعن فى هروبى منك، أحاول أن اتماسك أمام التزامى العائلى، بصرامة أجبر نفسى على تجاهلك، رغم ان كل ذرةٍ في تهفو إليكِ، أضع كل الأقتعة التي تسمينها خشبية علك تكرهيننى، تساعدينى على حذف ما وقر فى دمي من تفاصيلك، أعلم كما تعلمين أن مقاومتى مهما طال الوقت ستنكسر على صخرة عنادك وتمسكك بي، تقتلنى دموعك يا هدية، دموعك تلك النداهة التى تؤرقنى، تسحبنى من يدي إينما أكون، تضعنى أمامك حيثما تكونين، اقف أمامها عاجزاً مشلولاً، لا أملك إلا أن أمسحها بكف يدى.

فى كل مرة ابتعد عنك، أشعر كأنى أدور فى الفراغ، لا أجرؤ على طلب الغفران، أو حتى القدرة على الاعتذار، حتى تنهين أنت القطيعة، كل مرة أشعر أنني صغير جداً أمامك، اننى طفلك المدلل الذى لا يكف عن الأخطاء، فاعفرى لى يا هدية خطاياى.

**********

بهدوء الأموات ألملم كل الاوراق، أعيدها داخل أظرفها، فى ملاءة بيضاء أكفنها، موسيقى جنائزية تصاحب خطواتى، سأطهر بيتى منك يا زوجى الخائن، سأخفى وجودك من خريطة حياتى، لن يكون لك وجود بعد اليوم، سأنسف كل ما يتعلق بك، لا أجد أى كلمات قادرة على وصف إحساسى بالحسرة، يقول إنه يتطهر منى، وإنى واجب منزلى مفزع، هل سأل نفسه يوماً ما إذا كان مرضياً لى؟ هل  سألنى يوماً هل أنتِ سعيدة؟ مستمتعة؟  هذا الجبان الأنانى، سأكون أكثر كرماً منك، سأهديك تفاصيل قصة غرامك يأكلها دود قبرك قبل أن ينهش جسدك.

أمضى مترنحة، اتبين مقبرتك يا رامى بصعوبة، لكننى أعرفها، ساعدنى حارس المقابر والتربى على الوصول إليها، لا أجد تفسيراً لنظراتهما، فى البداية رفضا فتح المقبرة، هددتهما بأنى سأفتحها بنفسى حتى لو اضطررت إلى نبش جدرانها بأظافرى، ركعت على ركبتى، بدأت فى تحطيمها بكل ما تصل إلىه يداى، تبادلا نظرات متوترة، بدأت بإلقاء خطابات رامى وعشيقته، صوره وكل ما يخصهما من اعلى المقبرة، بينما تتساقط الأوراق محلقة فوق جثمانك يا رامي رأيت ما لم يخطر يوماً فى خيالى، ما ألجم لساني.. فجأة تجسد الكابوس حقيقة أمامي، حقيقة لا تقبل الجدل أو التكذيب، يرقد رامى شبه عار، يحتضن امرأة من ظهرها يضع يده اليسرى أسفل عنقها تعانق يدها اليمنى، وفوق خصرها تلتقى يدها اليمنى بيدها اليسرى متشابكين، على وجهها ابتسامة الرضى.

تلاشت معالم الطريق من أقدامى، وحيدة ضائعة، أحاول أن "أصلب طولى" أتلمس طريقاً للخروج.