بلغة ناعمة، تعبر الكاتبة السورية عن وقائع جد مؤلمة، جد صاخبة، وكأن الأمل فى الغد. ما عاد له وجود.. فالعدو كامن على الأرض لم يزل، والشعارات تطن فى كل اتجاه.. وعلى الأرض يعيش البشر على الأمل .. الذى احترق.

قُصاصات مُنتَهية الصلاحيّة

فـدوى العـبود

 

لم يكن من المفترض أن أهدر الكثير من الأوراق، إنّها مجرد رسالة صغيرة عن فصل الربيع!

 هذه الورقة العاشرة بعد المائة، ولم أستطع كتابة عبارة واحدة.

أنهت ليليان موضوعها، ثم ركضت تلوِّح بجدائلها، وأنا ما زلت في مقعدي عاجزة عن كتابة جملة مفيدة.

ترسم ليليان اسمها بحروف كبيرة وهي تضع توقيعها فوق كل شيء؛ فوق الجدران والمقاعد وجذوع الأشجار. وأنا لا أجيد رسم اسمي إلاّ فوق الثلوج، (أرسمه من هنا فيذوب من هنا!)

 نحن نجلس في المقعد ذاته. وننتقل معاً في الصفوف ذاتها، ونتعرف معاً للأساتذة ذاتهم. لكن وحدي من أتأخر في الكتابة، وفي كل مرة يخرج التلاميذ وأظل بمفردي مع الأستاذ الغاضب الذي يمسح نظارته كل ثانيتين وينظر نحوي بيأس مردداً "إنها بضع عبارات. ثلاثة أسطر. مجرد أسطر. يعني عبارات من قبيل جاء الربيع بزهوره الجميلة، أقبل الربيع بفراشاته البيضاء. ألا تستطيعين كتابة ذلك!"

 يصرخ الأستاذ من مكانه. ويصرخ كل أستاذ يقف مكانه!

يعاود النظر من النافذة. يدير المفتاح في أذنه ويعاود الصراخ: إنها ثلاثة أسطر! مجرّد أسطرٍ ثلاثة!

 في الحصّة الماضية، طلب إلينا أستاذ الفنون رسم العلم المدرسيّ. لكنّ العلم الذي مزقته الريح؛ لم يكن ليثبت في رأسي.

 كانت الريح تؤرجحه هنا وهناك، وكلما حاولت رسمه تناثرت الألوان وتداخلت حتى تشكل منها علمٌ جديدٌ قاتم اللون.

يرفع الورقة ثم يرميها في وجهي.

- ما هذا؟

-علم يا أستاذ

أثير الضحك في الصف، فيصرخ من جديد.

حين قابل والدي، أخبره أنيّ مشكلة كبيرة؛ والدي بدوره هزّ رأسه بأسىً وأخبر أمي: الأستاذ يقول إنها مشكلة المشاكل.

انظري يقول والدي ويسحب قلم الدكان من خلف أذنه، يمزق ورقة بحجم راحة الكف ويصرخ ناثراً لعابه هنا وهناك.

 انظري!

يرفرف العلم ويغني التلاميذ النشيد الوطنيّ، أقبل الربيع بزهوره الجميلة وفراشاته الملونة

يبلل القلم بشفتيه، ثم يضع نقطة عنيفة ويصرخ من جديد: هل ترين كم هو سهل!

هيا ماذا قلت؟

ماذا؟

لكن العلم لا يثبت في رأسي والربيع لا يزور القرية يا أبي!

 الطلاب يلعبون في الباحة، وأنا أحاول جاهدةً إنهاء موضوعي؛ وكل ما أستطيع فعله. أني أمزِّق الكثير من الأوراق.

لم يتبق من الدفتر سوى الغلاف. أرميه هو الآخر؛ وأحاول كتابة (عبارة، كلمة، فاصلة، نقطة).

أحدق من النافذة فتمتد برك الجليد فوق شوارع القرية. الأشجار مغطاة بالثلج، والأطفال يتراشقون ويتدافعون ويتزلجون.

تلك ليليان، تشبك يدها بيد تلميذ وسيم. وهي تبدو أكثر طولاً من قبل.

- هل أكتب موضوع الربيع يا أستاذ؟

- يمكنك رميه في القمامة؟

-هل تنتظرني يا أستاذ؟

-أنتظرك منذ دهر.

إنه غاضب مني، يكزّ على أسنانه ويتحدث إليّ، لا بد أني عطّلت استراحة الشاي.

 يتقدم باتجاهي، ينحني نحوي ويصرخ: اكتبي أي شيء ... ثلاث كلمات فقط.

 "الآن عليك أن تكتبي عن الشتاء" يشير إلى كومة المواضيع التي تركها الطلاب فوق الطاولة: لقد انتهوا بسرعة.

"لا بدّ أنهم كتبوا كل شيء يا أستاذ"

ليليان زميلتي في المقعد، أذكى مني بقليل؛ تنتهي دائماً في وقت قصير. تكتب بسرعة، عادة نصدم مرافق بعضنا فينحرف الخط يميناً أو يساراً (هنا وهناك) فأضطر لتمزيق الورقة ورميها.

ليليان تقول: بإمكاننا الكتابة عن كل شيء، الكلمات موجودة وما علينا سوى وضعها بجانب بعضها؛ كما ينام الأزواج معاً فوق سرير واحد. وهي في كل مرة تنال العلامة الكاملة.

الأستاذ يقول لي: إنّه مجرد موضوع والتلاميذ يسخرون من كومة القصاصات التي تتجمع في آخر الحصة تحت مقعدي. عبارة هنا... وعبارة هناك أوراق فارغة، وبعضها رسمت فوقها نقطاً وإشارات استفهام. أحياناً أشمّ الحروف والألوان. ثم أمحو كل شيء؛ فحين تكون الحروف يابسة تصبح كالفراشات المحنّطة بعيون مفزعة. حروفي تجف بمجرد أن يلامسها الهواء.

ليليان تقول: أنه ليس من ضرورة لوجود الربيع حتى نكتب عنه، ولا لوجود الشتاء. ولا ضرورة لوجود علم كامل أو حب كامل كي نكتب عنه!

(كما يفعل أستاذ الموسيقا. يعزف دون بيانو)

سيؤنّبني والدي لأني طالبة غبية، فالجميع -وفي نهاية اليوم-ينالون عشر درجات ويتباهون بأوراقهم. بينما أعود بيدين فارغتين وينتهي بي الأمر بترك كومة قُصاصات أسفل مقعدي.

 ذات يوم وصلت كومة القصاصات حتى ركبتيّ، سدّت الممرات ثم طمرت المقاعد، أتى آذن المدرسة يحمل مجرفة؛ يتبعه بعض الأهالي الذين حملوا أبناءهم وراحوا يصيحون: (يالله، يارب العالمين كيف تكوِّم كل هذا!)

أمي أيضاً أجبرتني البارحة على تنظيف أسفل سريري وأسفل الطاولة الخشبية.

في إحدى الحصص اقترب الأستاذ من مقعدي بدا أكبر سناً. الطلاب أيضاً كانوا يرتدون البِزاّت الرسميّة بدل المرايل الزرقاء، والفتيات يضعن أحمر شفاه.

انحنى نحو ورقتي: ماذا تكتبين؟

- عن الشتاء يا أستاذ

- لكننا الآن سنكتب عن الحب!

ليليان تنهي موضوعها وترميه فوق الطاولة، وتخرج ويدها بيد شاب جديد. يخرج التلاميذ تباعاً ممسكين بأيدي بعضهم البعض.

(أقبل الحب بزهوره الجميلة)

مجرد ثلاث عبارات: يقول الأستاذ ويرفع رأسه فيظهر شارباه وقد غزاهما الشيب.

(أقبل الحب بعشبه الأخضر! ما رأيك يا أستاذ. هل تنتظرني يا أستاذ؟)

-منذ دهر!

أكوم المزيد والمزيد. ليليان قالت: ستمضين حياتك تكومين القصاصات.

أمي الحنونة: قالت رأسك سيرتفع عالياً وتكتبين موضوع التعبير الخارق ذات يوم!

لكن والدي أجاب: تكتبه في الجنّة بإذن الله، ثم صرخ وهو يشير للدرب: أتعرفين أنهم ينادونها "أمّ القُصاصات"

هذه المرة الأخيرة، سأنهي موضوعي قبل أن يرن الجرس، سأكتب بضعة أسطر عن الربيع. وعن الشتاء وعن الحب! سأكتب كلمات تفوح منها رائحة العشب ويمكن لو لمس أحد الورقة أن يشعر بالندى فوق أنامله. ولو هبت نسمة ريح بين السطور أن تعبث بشعره.  لكن كالعادة تكومت القصاصات أسفل مقعدي

 ((لا بأس))

 ليليان اختفت وجلست مكانها شابة جميلة بشعر ذهبي، قالت إن الموضوع تبدل (إنه عن الوطن الآن)

يمكنك كتابة التعابير ذاتها عن الوطن: (أقبل الوطن بفراشاته الجميلة. وزهوره الرائعة)

نصحتني أن أكتب كلمات قليلة،

(لكن يجب أن أصف بشكل جيد هذا الوطن. يجب أن أعرف هذا الوطن!)

 أخبرتني: أن العواطف الجياشة تناسب الربيع والوطن والحب وشرحت لي كيف أن على أحدنا أن يكتب أقل الكلمات بأبهى العواطف. ثم أشارت تحت مقعدي: كيف كوَّمت كل هذا دون فائدة؟

أشعر بألم فظيع جهة قلبي، وخَدرٍ في قدميّ لا بد أني جلست في مقعدي لوقت طويل. اختفت ليليان، هناك شيء مفقود. أشعر أني أخفقت في شيء ما لا أعرفه!

أستاذي الذي غزا شعره شيب أبيض يحدق في أوراق بين يديه. لا بدّ أنى تسببت له بالأسى فهو ينتظر موضوعي الذي لا ينتهي.

قال أحدهم: عليك أن تكتبي عبارات مختصرة. أقل الكلمات.... ويفضل أن تكون العواطف كثيرة فيها.

لا أعرف كيف بدأت المدرسة تتحول إلى قاعة محكمة، الرجل بجانبي قال: إن على تقديم طلب استرحام لعلهم يفرجون عن ابني! وأن أظهر الحزن للرجل العجوز فوق المنصة

- هل هذا أستاذ اللغة العربية الجديد؟ 

 -لا هذا القاضي.

عليك أن تسترحميه بدموعك بدلاً من حمل هذا الكيس الممتلئ بالقصاصات، أترين تلك الكومة من القصاصات تلك كلها لك.

 حانت مني التفاتة، فرأيت طفلة صغيرة تنظر نحوي. كانت تحدق في عيني باهتمام وتنّقل نظراتها بين يدي وأسفل المقعد.

  أحدهم يمسك يدي طالباً مني الوقوف، حملني الشاب المبتسم، ووضعني فوق عربة صغيرة وراح يدفعني.

 دارت بي العربة في الأزقة الخالية، وانتبهت أن يديّ هرمتا كثيراً وبرزت عروقهما. تبتعد المحكمة أكثر فأكثر وندخل حديقة، تقفز ليليان بين ممراتها بينما تطيّر الريح جديلتها الذهبية هنا وهناك. أرغب باللعب معها، لكني أعجز عن النهوض، تلوِّح ليليان لي وتبتسم برّقة، تركض مبتعدة وتشير لي كي أتبعها فأحاول الوقوف...

على بعد أمتار كان الحارس يجلس أمام كومة من القصاصات، يلقي بها في النار المشتعلة؛ بينما راح يتصاعد رنين جرسٍ بعيد مُعلناً انتهاء الحصّة.