وتظل القصة القصيرة، جرابا يحمل فى باطنه الكثير، فالمبدعة ترسم فى قصتها (القصيرة) الكلمات، الطويلة المعنى. لمثل جوهر الإنسان المصرى، بأجياله المختلفة الرؤى, ومن بينها تتابع خطواط الحلم الواصل للقمر، ولتظل – الأنثى- مهضومة الحق، فتنسج من كلمات الأغانى، بصورها المتعددة، الفصيح منها والعامى، حبلا تصل بها إلى القمر، لتجلس بجانبه، وتظل تحلم.

فريحة

عزة بدر

 

• ربما كان يستشعر مثلي هذه الومضة الفضية الأخيرة لغياب القمر، يأتنس بقرب هذه النجمة الصغيرة التي كنا نسميها في طفولتنا "فريحة"، نسأل أمهاتنا لماذا هذا الاسم؟! فتقول لأنها دائما تجلس "فريح" القمر - أي بجانبه! لوهلة تصوِّرت نفسي إلى جانبك مثل "فريحة" ، كلما مددت خطا مستقيما فإنه يصل إليّ، من فمك إلى فمي خيط ذهبي ومن عيني إلى عينيك نظرة خاطفة، في هذا الفضاء الهائل، يمكنني أن أحلِّق بجناحين

لا تقصقصوا أجنحة امرأة في الليل، فإنها تحلم بأن تطير!، الطيران رغبة مشروعة كما قلت لي لذا أسبح كلما رأيتك بين سبع سماوات، وأُبحر مثل شراع أبيض.. أفرد جناحيّ دون أن أعي بحقيقتي.. هل كنت من قبل من فصيلة الطيور ولم أدرك جناحيّ إلا الآن؟

علىَّ أن أتجاوز الآن هذه المساحات الشاسعة المغلقة من الأرض التي تبدو الآن كثقب إبرة، يصعَّد فيها قلبي متوترا مجهدا وهو يصعد على درجه الخاص إلى السماء، قلت لي إنى من أبناء برج  (بابل)، وأعرف كيف يكون الصعود ومتى؟ أمسكت بيدي ونقلت حرارة يديك، ونبضهما إلى كفيَّ، أصابعي العشرة تغردُ... السلاميات نفسها ترقص رقصا غريبا عجيبا، كل سلامية تصعد على رأس أختها، تتحزم، وتتثنى في براعة تتخلى عن أمكنتها المعتادة في أصابعي، هذه العقلات التي كانت من عظم، أصبحت أيسر الآن من هصر عقلات عود من قصب، تبتسم...

فأرقص بعود قصب

ليذكرني بك... سأقوى على خصمي.. وأتكئ على ما جمع من أعواد القصب ليختبر قوة ذراعي، بعود قصب واحد أرد ذراعيه خائبتين!.. أمد ذراعي لتلتمس عُقلات تّنز بالعصير الساحر ، تبتسم

- ألك خبرة بالتحطيب؟

- قلت لا.. ولكني أحب الرقص! لطمتني أمي ذات يوم لأنني رقصت أمام المرآة! أخلت حجرتي من كل المرايا، قالت: طول التحديق فيها يجعل منك تلك المجنونة التي ترينها تمضي عارية في الطريق، ترفع فستانها وتتصوَّر أن تحت رجليها بحيرة ماء!، ويضحك منها الناس، هى أيضًا ترقص.. ترقص عارية!

أمي تكره المرايا، لكنى أحبها، أحتفظ بمـرآة مكسورة أرى فيها وجهي، الحاجبين، وجزء من العينين، بعض هُدبي المكحول، ثم فمي!

أمي لا تريد أن أرى جسدي كاملا، تقول لا تتعطري بليل، الياسمين سيجذب النحيلات إلى صدرك، الفُل سيحيل حياتك جحيمًا بالمزيد من النحل المتعطش للزهر، لا تتعطري بليل.. عليك بالوضوء لتحلمي أحلامًا شريفة، أريد أن أقول لها أني معك أحلم أحلاما شريفة!، يدي تشعر بكيانها معك، مس اصابعك يُحيل جسدي إلى معزوفات من الموسيقى يسمعها الليل فيبكى..

يقول من تلك التي تشتكى إلى الليل حُبا نائما.. منذ سنوات وهو يغفو على ركبتيها والآن نما، جذعه اخترق السقف وثمره يشق السماء بنعومة....

... قلبي أدرك الآن المعنى العميق للخفْق، فليس هذا اليوم عاديا، بالنسبة له .. كان في الأيام الماضية ينبض أما اليوم فهو يُزجى دقاته إلى آخرين، يوقظهم من سباتهم العميق يهمس: من لا يحبُ.. قضى قبل الأوان!

لهذه السبائك الفضية التي توَّجت رأسك أن تعتب على الحياة، ذلك العتاب الأبيض لأنها لم تمنحك قبل هذا الشيب فودين حالكا السواد، وغرةٌ معطرة!

تصعد فوق مقعد لتلمس النجوم فيتساءل الناس من هذا الذي أوتي هذا الطول ليطال السماء، تصعد لتثبت أن لا شيء يعجزك، وأن الإنسان ما خُلق إلا ليقول: لا.. للمصائر المرسومة، والأقدار المقدرة ... تقول أمي أنك تُجدف. ويقول أبي.. من ينسى سنـّه مخِّرف، لا شئ في تلك السن، سوى المسبحة، والخطو المغسول بماء الوضوء تجاه المسجد القريب..

أقول: هو يذهب للمسجد كل يوم، يذهب لكل صلاة، لكنه لا ينسى أن يهمس:

" قُل لِلمَليحَةِ في الخِمارِ الأَسودِ

ماذا فَعَلتِ بِناسِكٍ مُتَعَبِّدِ؟

قَد كانَ شَمَّرَ لِلصَلاةِ رِداءَهُ

حَتّى وَقَفتِ لَهُ بِبابِ المَسجِدِ"

 تدق أمي صدرك: جُنت ابنتك فأدركها .. سأل أبي: كيف أدركها؟

أشارت إلى سوط حصان قديم!، قال: تريدين أن أسوِّط ابنتي في الألفية الجديدة؟

تقول: اكسر للبنت ضلعا يطلع لها أربعة وعشرون"!

تحمل أمي إرثا من الأضلع المكسورة، أطنانا من الملابس كانت تستنفد طاقتها ليرتديها، ليرتديها عصبة من الأشقاء، تذهب بهم إلى المدرسة. أحدهم كان يلعب مع نيران شمعة، فلم يَعرف كيف تطفئه عندما اشتعلت فيه، لم يكن أمامها سوى أكوام من الفول الحصى تلقيه بها.. كانت حبات الفول تطقطق وهي تصرخ في وحدتها وألمها، جاء من لفه ببطانية صوف واحتضنته بها لتذهب به إلى الطبيب، الآخر كان يهرب من شباك الفصل ليحضر حفل السينما الصباحي، كانت تجذبه أفيشات السينما أكثر من المقررات الدراسية، تقف على باب دار السينما، حتى تنتهي الحفلة الماتينيه، ثم تصحبه من يده إلى البيت، كان عليها أن تجمع أشقاءها جميعا قبل أن يحل الليل. قالت أمها: ليس عندنا بنات للزواج يا عم معوض؟، قال: لا تؤخرينها ياست، نصيبها جاء، حلو إن شاء الله.

قالت زوجة أخي تلد، ومحتاجة خدمة، وأنا مثلها تراني، لا بيدي ولا برجلي، ست كبيرة، والعيال قسموا ظهري، لولاها لتشرد أبنائي.. هي مسمار البيت.. وأنا مجرد صامولة، ضحك معوض، واستمهل الخاطب، قال له: بنت مثل الجنيه الذهب، انتظرها.. وضع الخاطب ما أحضره من «شبكة»، الخاتم والقرط والأسورة في جيبه. هصر منديله الأبيض الحرير في جيبه، وقال بعد طول أناة: أمرك، على عيني وعلى رأسي.. تزوجها بأعجوبة، قاومت أمها كثيرا فكرة زواجها، كانت تريد أن يتخرج أشقاؤها أولا من المدارس، ثم من الجامعات، ثم يتزوجون. يخبط معوض رأسه وهو يقول:

  • أتنتظر ابنتك كل هؤلاء لترى حظها ونصيبها في الدنيا، حرام عليك يا خالة. فتقول: هذا ما عندي، وأعلى ما في خيلك اركبه يا معوض!

فيعود (الرجل خائبا) صفر اليدين من أي اتفاق، بيد أنها بعد أسابيع قالت: إن زوجة أخي الوالدة، كانت تمد بخطى واسعة في المنزل، فانكفأت على وجهها وانكسرت ذراعها، وإنه ليس من المناسب أن تتزوج البنت وزوجة خالها مكسورة الذراع!، يفهم معوض: انكسرت ذراعها أم انكسرت رقبتها على صدرها؟ المهم لا تحتجزي ابنتك، لا تعضليها تهش الأم شيئا من ضبّة فمها ثم تبتسم، تسبح في تفكير عميق.. أختها دلوعة (فافي) لا تحتمل نسيم الهواء الطائر، وجاءها العَدَل، فكيف ستميل حظها! أجهزها واستقر أما تلك فلا لا قدرة لي على الصبيان هي تحملهم إلى المدارس، وتسد المصاريف، وتقوم بالبيت لها فيه هندسة ونظام، لطعم طهيها نكهة ورائحة، أما أختها فلا شأن لها بأعمال الطهي، أظافرها باديكير ومانيكير، ووقفتها المفضلة أمام المرآة، طول النهار أمام المرآة.

تخطط حاجبها، وتصفف شعرها، وتصبغ شفتيها القرمزيتين بألوان أكثر قرمزية مما قد اعتادت عليه، حبيبة قلبى، آخر العنقود، رهيفة، بسكوتة، أما الكبيرة فهى شجرة سنديان، عفِّية ، أقوامها ثابتة في الأرض. وفرعها في السماء.. من يأخذها فقد أخذ اللآلئ.

وكانت أمي شجرة السنديان لكنها لا تزال تؤمن أنني من ضلع أعوج!

... أعود إلى كفيك في الليل، أصنع ملعبى.. ومخبأي، وزهرة صباىّ، تغلق يديك على يدي وعدة خرزات الملون، كأن بداخلها الماء، بينما تسبح في الماء وردات صغيرة، أقول لكفيك.. هذه المسابح التي تلضمها لي من أين تأتي بحباتها

تقول: من مناقير الطير، ومن أصداف البحر، ومن حبات اللآليء، أثقِّب حبات الرمل ، الواحدة تلو الواحدة، وأقول تجلىّ علىّ.. فيستدير الصدف ممتلئا تبرا

ابتسم .. يطمئن قلبى .. لكني في الليل أتطلع إلى "فريحة".. إلى أي مدى تقتربين من القمر؟، إلى أي مدى تصبح المسافة بينكما مثل علاقة حبات القهوة بفنجان، وعلاقة دمعة بعين وطفاء!

إلى متى ستظل السماء راعية لقصة ذلك الحب التي لا يطلع عليها صباح، حتى تتبدد على وعد بلقاء في ليل جديد؟

لماذا تكون قصص الحب الفريدة وليدة ليل فإذا طلع عليها الصباح صارت مثل قطعة من الزبد تحت وطأة ضوء المس تسيل ؟

يقترب .. يهمس تسمع صوته جيدا كما لو كان القمر يوشوش "فريحة"

" لو كنتي ست الحسن و الجمال

يكون أمير أحلام غرامك أنا

ليكي أول الحدوتة في الدلال

و انا آخر الحدوتة ليا الهنا"*

... أهمس في وله: الهنا .. الهنا؟! وهل لهذه الحدوتة من آخر!

فيغني (صبرت لما الود بان

عملت أنا تختروان

و حملت قلبي شمعدان

دوِّبت لك بحر الهوى)

كأنه يسلم أمره ببراعة للحب، يذهب به كما يريد، ينبض صوته وبالأغاني، وفي قلبه طيات من أثواب "البفتة" البيضاء ، يقول هي مثل أجنحتك، أبادلها بياضا ببياض، وحُبا بحب

 فأقول: أجنحتي المكسورة

- إذا انكسر للبنت جناح، صار أكثر قوة، صار يجدف في الهواء كما يجدف المجداف في الماء

ليست البنت من ضلع أعوج! البنت من ضلع شجرة سنديان ، بهية، عفية قوية، تأكدي من هذا.أمد يدي إليه في شغف، يقودني إلى البياض الواسع.. هناك حيث تغيب أصوات الضلوع المكسورة، ويزهزه القلب بالأغنيات

كان منطقه اسرا... في خلوتي أغني مثله وأنا أرقص بعود قصب

أضعه خلف رأسي.. ثم أهوى به على كل مرآة مكسورة، تحيل ملامحي إلى ملامح ناقصة أو مبتورة! أهوى به على كل زجاج لا يحمل صورتي مكتملة

أصنع بنفسى ماء مرآتي، وهو في قلبه ، في المنتصف يرتدي لاسته الحرير، تطل أكداس شعره الأبيض المفضض، أتمسح فيها كزهرات قطن ندية تتفتح في عبِّي، أنحنى مثل غيرى من الفتيات، أقبِّلها، وأحتضن واحدة منها، أقرِّبها من قلبي: أهمس لها يا حُبي!

بينما نظراته تحتويني من بعيد. المسافة بيننا تماما كتلك بين القمر وفريحة، يغني لهما البنات في الحقول:

"و ان ما لقيت عندك لقلبي دواه

لاعشق عيون الشمس و اهوى الهوا"

 

*  من أغنية حدوته للشاعر صلاح جاهين