ذات فجرية من شهر يناير، حيث كان الشتاء قارسا، يلفح الوجوه، ويلسع الآذان، لتسيل الأنوف بمخاط شفاف.. خرج موكبهم الملكي، والحق أن هذا الموكب يليق بهم، معروفون به بين كل النجوع، فلا أحد غيرهم يمكنه صناعة هذا الموكب المهيب.
تتقدم خطوات الموكب بانتظام فوق الترعة الفرعية لنجع "السَّعادة"، ويزيد عدد أفراد الموكب على مائة رجل وامرأة وطفل، جميعهم بلا استثناء يركبون الحمير، البنية والبيضاء والسّوداء، خطوات الحمير متساوية تماما، لا يدفع بعضها البعض، منضبطة حركة أرجلهم.
وما بين رغبة الليل بسواده في الرحيل ورغبة النهار في الظهور، لتنشر الشمس أشعتها فوق أرض النجع من شرقه لغربه، كانت هناك أدخنة تتصاعد خلف الموكب، لتعلو فوق سماء النجع كله، والقادم من بعيد يراها صورة مكتملة الأركان، أرضا يقف عليها موكب من عشرات الحمير وتعلوها في الخلفية أضواء خافتة وأدخنة تتصاعد على استحياء.
لا فرق في هذا الموكب الفجري بين رجل وامرأة وطفل، إلا أدخنة السّجائر التي تخرج من صدور الرجال، بينما كانت النسوة يتخذن من وسط الموكب موقعا لهن، ويفضلن الصّمت، والأطفال يتذيلون الموكب بأصواتهم الضاحكة، وفي نهاية الموكب رجل ومن بعده امرأة يسرعان الخطى للحاق بالمقدمة.
وبجوار النسوة وسط هذا الموكب شاب يبدو لمن يراه أن سنه لم يتجاوز العشرين خريفا، وبالتدقيق في هيئته تتأكد أنه فقد ساقه للتو، وتتدلى ساقه الباقية بجانب بطن حمارته السّوداء التي كان يستقلها، وهي نحيفة بعض الشيء.
أطلق أهل النجوع المحيطة اسم "السَّعادة" على هذا النجع الصّغير الذي لا يزيد عدد سكانه عن ثلاثمائة رجل وامرأة وطفل، ولم يكن قبل هذه التسمية السّعيدة يحمل اسما آخر يتباهى به أهله.
كانوا ذاهبين بموكبهم نحو الأراضي المنزرعة بعيدان قصب السّكر، بعدما اكتمل نضجها تماما ووجب حصادها، من أجل أجرة يومية يكسرون فيها هذه العيدان، استعدادا لنقل هذا القصب إلى مصانع السّكر بقطار "الديكوفيل" أو بالجرارات نحو عصارات قديمة تصنع العسل الأسود.
والحريم مثل الرجال يأخذن نفس أجرة اليومية دون أي انتقاص منها، بينما بعض الأطفال لا يتقاضون شيئا، حيث كان دورهم هو مساندة أمهاتهم في بيع قش القصب "القلوح" للراغبين في إطعام بهائمهم.
أثناء سير الموكب فوق الترعة الفرعية كان أحد هؤلاء الأطفال يتفاخر مع آخر حول ما جناه بحمارته من بيع هذا "القلوح"، لكن الغالبية من أهل هذا النجع لا يتحدثون عن مكاسبهم خوفا من الحسد.
وعندما تزداد حالة الصّمت أثناء تقدم الموكب تعلو همسات بعض النسوة وهن يرددن الأغنية التراثية التي تقول:
"ياللى ع الترعة حوِّد ع المالح
وسطى بيوجعنى من رقص امبارح
ياللى ع الترعة حود ع المالح
عينى بتوجعنى من سهر امبارح
رجلى بتوجعنى من مشى امبارح
بطنى بتوجعنى من مر امبارح".
.. حمل النجع اسم السّيدة "سعادة"، والتي ربما لم تكن تحمل قدرا من اسمها، لكن هو قدرها بأن أطلق عليها أبوها وأمها هذا الاسم منذ أكثر من ستين عاما.
وفي منتصف عمر السّيدة "سعادة" خرجت مثل كل نسوة النجع نحو زراعات قصب السّكر في موسم حصاده، رغم إلحاح زوجها وأختها بألا تذهب للقصب في تلك الأيام، إلا أنها أصرت، فحدث لها ما لم تكن تتوقعه أو تحسب له حسابا.
أثناء قيامها بتكسير عيدان القصب وفصله عن القش شعرت بآلام شديدة، وما هي إلا لحظات قليلة ونزل الولد من رحمها، وسال الدم منها فوق هذه العيدان، فأنقذتها النسوة المحيطات بها، وقطعن الحبل السري.
ومنذ هذه اللحظة والناس في كل النجوع يطلقون عليهم "نجع السَّعادة"، صحيح أن السّيدة "سعادة" ماتت منذ بضع سنوات لكن سيبقى اسمها حيا للأبد.
ولا أعلم من السّبب الذي يجعل نسوة النجع الغربي يقللن من عمل نسوة نجع "السَّعادة" في موسم حصاد القصب، كأنهن يستيقظن من نومهن قبل الفجر والعمل في كد طوال اليوم من أجل رحلة سفاري، ولا أعرف لماذا تناست هؤلاء- النسوة- أن الفقر أجبرهن على فعل ذلك، كما أجبرهن على ترك الرضع للجدات اللاتي لم يقدرن على العمل، ويجبرهن أيضا على تشغيل أبنائهن وهم صغار.
كان الشاب صاحب السّاق المبتورة يسير بجانب امرأة، يتحدث معها، ربما تكون أمه التي أنجبته وأبت أن تتركه وحيدا يعمل بعد أن فقد ساقه، ويبدو أنه يحمل لها قدرا كبيرا من التقدير، وإن لم تكن أمه فهي سيدة وضعت نفسها في هذه المرتبة دون أن يمنحها أحد هذا اللقب.
عندما اقترب رجال ونساء الموكب من الأراضي المنزرعة بالعيدان، تفرق جمعهم بين تلك الأراضي، وقاد رجل مجموعة رجال ونساء خلفه نحو اليسار، وآخر أخذ مجموعة ثانية متجهين لليمين، والباقون مازالوا يستكملون طريقهم قبل أن تشرق الشمس بنورها.
في حين كان الشاب الذي فقد ساقه وأمه ضمن المجموعة الأولى، التي بدأت بالفعل في قيد الحمير من الأرجل الأمامية، وراحت النسوة والرجال يكسرون العيدان بفؤوس صغيرة كانوا يحملونها فوق أكتافهم أثناء سير الموكب، والأطفال يرصون "القلوح" فوق حبال بلاستيكية استعدادا لحمله فوق الحمير.
وأثناء كسرهم للعيدان يرددون "القصب القصب حلاوته السّنة ديه ياواد.. القصب كسرناه.. ع المصنع رحلناه.. وعريسنا ودخلناه وعروسته السّنة ديه ياواد".
بينما ذهب ذاك الشاب بحمارته يتجول في القرية المجاورة من أجل بيع "حمل القلوح" والعودة سريعا إلى أمه، التي استطاعت أن تجهز له حملا آخر، ويكرر رص "القلوح" وحمله ثم بيعه إلى أن تقترب الشمس من كبد السّماء، فيتوقف هذا الشاب عن التجول بين النجوع.
ثم تحمل الأم ورجل "حمل القلوح" فوق حمارة ابنها، وتجلس هي فوق حمارتها إلى أن يتجهوا بخطوات متباعدة نحو النجع، عائدين بمفردهم دون انتظار الموكب المهيب الذي خرجوا فيه صباحا.
خطواتهم نحو النجع كان يملؤها قدر كبير من السَّعادة بما جنوه من رزق طوال اليوم، لتجد الأم رضيعها يتلهف قدومها، فتحمله بشوق نحو صدرها، ليشبع من لبنها الذي فقده طوال السّاعات الماضية.
وبعد أن تفرغ الأم من إرضاع صغيرها، تقوم بنظافة بيتها وتحضير طعام لزوجها الذي كان يجلس أسفل حائط البيت من الخارج، بعدما عاد للتو من عمله، وينفس دخان سيجارته في جاره، والأبناء في ساحة النجع وسط البيوت، يتسامرون ويلعبون دون قيود.
وما إن يحل الليل بخيوطه السّوداء حتى يعود الصّمت المهيب إلى النجع، وتتصاعد الأدخنة نحو سماء صافية.. لكن هذه الأدخنة تتوقف سريعا ويزداد السّكون بين جنبات النجع.
كنا نعرف كما تعرف كل النجوع المحيطة بأن موعد نوم نجع "السَّعادة" يحُل عندما تنطفئ النيران، وفي الوقت الذي ترتفع فيه الأدخنة نحو السّماء نعلم أنهم استيقظوا من نومهم.
سنوات طويلة مرت ومازلنا نرى نجع "السَّعادة" هكذا دون أي تغيير، فالأدخنة كما هي تتصاعد وتتوقف، والموكب كما هو يخرج في الفجرية، والنسوة يتركن الرضع، والأطفال يسبحون ويتدافعون في الترع، والرجال يضيقون صدورهم بسجائر مشتعلة أمام أفواههم.