بعد ثماني سنوات من الخدمة العسكرية الإلزامية، قضيتها في خطوط الجبهة الخلفية، خرجتُ حيًا سالمًا إلى حد ما، مع بعض آلام أسفل الظهر، وانزلاق فقرات الرقبة، ورزمة أوراق انطوت على يومياتي في مكتب "القلم" حيث تم تنسيبي.
كنا نتندر، نحن جنود الخدمة "المؤبدة"، على مفهوم "الخطوط الخلفية" فيما كانت تنهمر الصواريخ فوقنا قبل غيرنا؛ ويبدو لهذا السبب وحده، كنا نكثر من أحلام اليقظة بأوسع مما يسمح به الليل والنهار وما بينهما، فقنبلة واحدة كفيلة بتكذيب وجودنا وتسقط عن الحياة صلاحيتها. تعلمنا الكذب مما حولنا، فكنا نكذب على بعضنا ونحكي أحلاماً مختلقة، أجمل من أحلام الشعراء، وبوقت قصير قيّضته الحرب وقوتها التدميرية، أصبحنا أجمل الشعراء الأموات مع سبق الإصرار والترصد.
لم يكن في نيتي استثمار ما كنت أكتبه في مشروع كتاب أو رواية، فلم أكن واثقًا من الحياة ومن سلامة وصدق ما أسمعه، غير القنابل التي لا تعرف الكذب، فكنت أتسلى بالكتابة ما بين واحدة وأخرى، تسلية لا بديل لها هناك! ولم أجد وسيلة متيسرة مثلها لفهم فكرة البقاء، حتى غدت الكتابة هي الشكل المتاح والمؤجل للعدم، حيث وجدت ذاتي الحقيقية متطامنة مع فنائها... وهنا أتساءل؛ هل الذات تخلق ذاتها ساعة الموت؟ قبلها ام بعدها؟ فكرة ولدتها الحرب.
إنها مدونات متفرقة تشبه الوثائق وتشبهنا، شهادات عفوية لرجال آمنوا بحياتهم إيمانًا مطلقًا. حين كنت أستمع لهم وأدوّن ما أمكنني كانت عيونهم تضيء الليل البهيم، فهم كما خُلقوا مثل المياه التي ولدوا على ضفافها، ومشوا على وجهها كالأنبياء، يسردون بلا عائق ويتذكرون كل العصافير التي حطت على ذرى القصب ويقلدون أصواتها، يعرفون أماكن أعشاش طيور الماء في الأكمات، ويسردون خرافات جداتهم... وما كان يقف حائلاً دون ذاكرتهم الرعوية غير موت مفاجئ يأتي من جهات غامضة، وكانوا ينتظرونه بصبر أيوبيّ عريق.
الآن وأنا أنشر الكتاب بعنوان يليق بأحداثه "الزريبة"، كتاب لا علاقة له بالحرب، التي أتمنى لو دامت فترة أطول! كي أقبض بقوة على الثواني التي هربت مني، التي نسفتها القنابل، وتلك الإضاءات في العيون التي أغمضها تراب الخنادق. أتمنى لو واصل "السيد مهيدي" شخصية الرواية المحورية، الذي لازمني طيلة سنوات الحرب القاسية وما بعدها، لو واصل ثرثرته بلا توقف وهو يضحك بين فاصلة وأخرى، ساخراً من نفسه ومن الآخرين.
كل المفارقات التي عشتها هناك جعلت كتابتي تبدو رواية بلا دستور، رواية خام تشبه عنوانها، وجعلت مني جندياً منزوع السلاح. بحكم العلاقة المصيرية التي ربطتنا بها الحرب، واصلتُ العلاقة بالسيد مهيدي، مع أن الخنادق التي جمعتنا سوية، وقصعة الطعام المشتركة، والموت الواحد، انتفى وجودها في حياتنا بعد الحرب؛ غير أني واصلت العلاقة البراغماتية به، فهو جوهر فكرتي عن البلاد خلال الحرب وما بعدها، وعن نفسي أيضاً، إنه بطل روايتي "الزريبة".
أبقيت ما كتبته هناك على حاله: مادة خام بلا صياغات روائية وما إليها من خصائص جمالية؛ فلا تصورات ولا توصيف للمكان ولا تحديد للزمان ولا وصف للشخصيات. كنا جميعاً بملامح واقعية مفرطة بواقعيتها، نبرهن على حضورنا بما مضى وليس بما هو قائم وبما سيأتي بعد حين، في حرب طاحنة غامضة، مع أن قنابلها كانت واضحة وصريحة وذات أهداف محددة دقيقة... في مرآتها كانت أوصافنا هشة مشوشة وملطخة بالدخان والبارود والرعب، لا نعرف أنفسنا إلا حين نمسح الدماء عن أعيننا، نفتحها وننظر للسماء من كوة خلفتها قنبلة.
انفجار القنابل وتناثر الأشلاء والدم واختلاطها بالحديد والطين، كشف حقيقة وجودنا المؤقت، أما حقيقة بقاء بعضنا أحياءً حتى اليوم، فجاء بفعل صيغة الحرب القدرية ذاتها، وجهها العبثي الآخر وسخريتها؛ فالقنبلة تسقط على مكان محدد واحد فقط، وليس على كل مكان... فكنا نعيش الحقيقتين معاً.
" الزريبة" ليست قصة عن الحرب، كما توحي المقدمة، إنما كُتبتْ أوراقها الأولى هناك، عن زريبة بنيت أركانها من قصب الأهوار وسيقان البردي بعيداً عن الجبهة، إنما في زمانها حيث وقعت الأحداث. أبطالها فخرت الحرب طينتهم وعاشوا شباب حياتهم في خنادقها، وكانوا أبطالاً بلا أوسمة ولا ألقاب... كانوا حطباً.
1
تم تنسيبي لشعبة "القلم" بحكم تخصصي في الصحافة لقضاء الخدمة العسكرية الإلزامية، وكان العمل مرهقاً ومملاً تحت طائلة شعور بالتفاهة، حين أضع ما كنت أقوم به من قبل في الصحافة المحلية في الميزان مع ما أنا عليه في جبهة الحرب، وتحت طائلة فزع كوابيس الليل، ومن مصادر واقعية ذات حضور "بركاني"، كما كنا نسمي القذائف العابرة للحدود، التي كانت تسقط على رؤوسنا بلا إنذار مسبق. كل شيء يسقط في الحرب على حين غرة! مع كل هذا وغيره، وجدت متعة فائقة أعانتني على تحمل الحال ونسيانه لساعات في كتابة رسائل الجنود إلى ذويهم بطلب شخصي، وكنت أستجيب لهم عن طيب خاطر وطمعاً في جمع وثائق حية عن كيانات مفعمة بحياة قابلة للاختفاء في أية لحظة، متغافلاً عن حياتي التي لا تختلف عن حياتهم! كُلفتُ بكتابة تقرير إعفاء من الخدمة لجندي مكلف أصيب بعجز يحول دون الخدمة العسكرية مما تطلب مني جمع الوثائق والتقارير الطبية، وتدوين إفادته الشخصية، قال:
— ظل المزارع عباس يعاني من التهاب ساقه اليمنى فترة طويلة، حتى تقرحت وما عاد فيها أمل في النجاة وقد التهمتها الغرغرينا؛ فأما بترها أو الموت! فسلم أمره لله والطبيب الجراح، فقطعها واعتكف في البيت يعاني من الكآبة الحادة والشعور بالنقص، يناكد الذباب من حوله.
وهو يفكر في ضنك الأحوال وقد بدأت طواحين الحرب تدور بلا هوادة، ويبحث عن حلول تناسبه، حدّث زوجته: "مرض الساق المستعصي تم علاجه بقطعها، أما خدمة المزرعة والعناية بالحيوان وتدبير المعيشة فلا تُعالج بالبتر، بل بالاتفاق مع من يقوم بإدارة الأمور وبما يحلله الشرع". فاقترحت عليه تكليف ابن أختها اليتيم عبد الرضا بكل شيء، وباركا زواجه من ابنتهما البكر. بتلك الحلول الإيجابية كسب عباس يومه وغده، وتم الزواج في ليلة قمرية تمتد من الأفق إلى الأفق، تعالت فيها الزغاريد، ودق الطبول، والأهازيج، وإطلاق الرصاص.
عبد الرضا: شاب جبار، مارد، عملاق، قيل عنه إن الأرض تئن تحت قدميه حين يمشي، أما حين يركض أو يدبك فالبيوت تهتز سقوفها وتكاد تسقط. مخلوق عفريت مثل هذا سوّل للآخرين خيالاً خصباً، فأضافوا له قوة خارقة في حكاية تقول إنه أسقط ثوراً بلكمة واحدة على جبينه، ومن لم يصدق الحكاية كان عليه تجريب الأمر بنفسه! الفتاة الناعمة الرقيقة، التي قيض لها الزواج قبل أن تبلغ الرابعة عشرة ولم ينضج فيها ما يحببه الرجال، لم تبدر منها في ليلة عرسها غير صرخة واحدة ثم أغمي عليها، فوجد عبد الرضا فرصته سانحة ونال منها ما شاء. في الصباح نُقلت العروس إلى مشفى القرية وهي تنزف، وفي المساء فارقت الحياة دون أن تفقه شيئاً منها.
في غضون المأساة والحرمان الممض، تكفل عبد الرضا بخدمة الأرض والعناية بالزريبة، وإطعام أتان واحدة، وبقرتين، وثور حراثة، وسرب دجاج، ناهيك عن خال أبتر سيئ المزاج، وعائلته الكبيرة... إنها مهمة لا يستطيع القيام بها غير رجل جبار مثل عبد الرضا، كما لو أنها فُصّلت على مقاسه تماماً. في أول فرصة سنحت له في الزريبة، اختلى بالأتان ونزل عليها حتى خرّت قواها، وراح بعدها إلى سهرة مع أقرانه يحدثهم عن متعته الفائقة مع أنثى الحمار. استفز حديثه جوعهم الجنسي الموروث وهو يشرح كيف أتاها وهي مستسلمة، فتسابقوا يساومونه على فرصة معها مع وعود برعايتها وتزيينها مثل عروس ليلة الزفاف، اجتهد أحدهم ومنحها لقب "الولية" ليكون رمزاً سرياً بينهم... اختتموا سهرتهم قبل أوانها المعتاد بالاتفاق مع عبد الرضا على درهم لليلة الواحدة، وتناوبوا عليها بلا هوادة حتى الصباح.
أصيب الجماعة بالسعار وأدمنوا على ارتياد الزريبة، وأصبحت ماخوراً لا ينافسه مكان آخر، ونسوا المقاهي وسهرات الليل في البساتين، والتسكع في الشوارع بحثاً عن ضالة عابرة. في الطرف الآخر من المصالح المتبادلة، أصبح عبد الرضا أكثر رفاهية وشبعت جيوبه من ثمن جوع أصحابه، واستشرى الجشع فيه، فأخذ يبتزهم بدفع مبالغ أكبر مما اتفقوا عليه، وتوقف عن منح ساعات إضافية والقبول بالدين المؤجل أو بمواد عينية، فالقمصان والقبعات والنظارات الشمسية ملأت خزانته بما كان يتمنى ولم يعد بحاجة لها. أما الطرف الثالث المأخوذة على أمرها: المطية التي لم تُترك لها ساعة نوم هادئة، وهم ينغزونها بأشيائهم الصغيرة، أصبحت أشد استياءً وتوتراً في واقع مزرٍ يكتنفها، ولم تعد تفهم ما يجري خلف ظهرها، ولا تثق بظلها. في ليلة وداعه إلى الجبهة وفي حضور أصحابه، طلب الجندي المكلف من عبد الرضا:
— اسمع يا قواد ... منذ ثلاثة أشهر وأنا بين يدي الموت في أخطر جبهة للحرب، وهذه آخر ليلة من الإجازة ... أحلف بروح أمي سأدفع لك أضعاف المبلغ في المرة القادمة واتركني أتمتع معها هذه الليلة.
الكل يدرك أن التوسلات لم تأتِ نفعاً في يوم ما بغير المتاعب وتحمل مضايقات الآخرين، وربما أثمان غير متوقعة؛ لكنها تنتهي في نهاية المطاف بالخضوع لواقع الحال، فخضع عبد الرضا لحاجة صديقه الجندي المكلف، وتركه ينعم بليلته مع "الولية" وقد تكون الليلة الأخيرة في حياته كما قال في سره. بلغ الجندي المكلف سكرته الأخيرة ودخل الزريبة يترنح خلف "الولية" وحاول وثوبها وفشل، ثم ركب جردل ماء ولم يطلها، ثم قفز عليها من بعيد وكأنه يقفز الموانع... ثم فقدت "الولية" صبرها وتوجست مما يحدث خلفها، رفسته وأسقطته أرضاً، وهو لا يأتي نفساً... حتى وصلوا مستوصف القرية البعيد، قضاها الجندي على جبهة حرب أخرى أشد رعباً، وخرج في جيبه تقرير طبي عن تلف الخصيتين، وكسر في الحوض، مما يرجح إعفاءه من الخدمة العسكرية.
تقرير الشرطة يؤكد القيام بفعل "البهيمية" مع الإشارة إلى المصطلح العلمي الذي جاء في تقرير الطبيب: "الزوفيليا"، الذي يحتم إخضاع المتهمين للفحص والعلاج، مع ملاحظة توصي بالتحقيق في مكان الحادث وملابساته، وإحالة نسخة منه إلى المؤسسة العسكرية للعلم والمتابعة.
اطلع عباس على ما حدث، وكان آخر من علِم به فاختلى بعبد الرضا وحقق معه بطريقته الخاصة وخمن وارداته طيلة فترة استغلاله خدمات "الولية"، أضاف عليها عدد الدجاجات التي أُكلت في السهرات الماجنة طيلة فترة خدمته؛ وبالتهديد أخذ منه نصف ما كسبه ولم يكن يعرف بأمر المواد العينية التي تسلمها، مع أنه لاحظ أكثر من مرة ارتداءه ملابس وقبعات ونظارات شمسية غريبة، كما عثر بعد أيام على عشرات قناني الخمر الأجنبية الفارغة مدفونة خلف الزريبة.
تحسنت أحوال عباس بما جناه ولم يكن قليلاً، فأخذ "الولية" لعيادة الطب البيطري للكشف والعناية، أصلح الزريبة وأعلن عن براءته من عبد الرضا وطرده من العمل؛ لكنه لم ينجُ من ملامة أمه واتهامه بالعقوق وتكذيب رؤاها، ولم تكتم عنه ما سمعته وشاهدته في ليلة من الليالي وهي تكابد الأرق ولم تستطع النوم بفعل هياج وصراخ جاءها من الزريبة. وقصت عليه الرؤيا: "رأيت أشباحاً عارية على رؤوسهم خوذ حربية يرقصون في الزريبة، خرجوا يحملون الأتان على أكتافهم وطافوا بها، ثم عادوا يرقصون، في الفجر ذبحوا ديكاً ولطخوا أجسادهم بدمه وغابوا". سخر عباس من أمه التي بلغت السادسة بعد المئة وقرضت أعمار أربعة أزواج ولم تتذكر يوماً واحداً من أيامها الماضية.
2
سُرح الجندي المكلف بعد الحادثة لأسباب صحية وعاهات جسدية تعفيه من الخدمة العسكرية، وقد تم الاستفاضة في شرحها في تقرير طبي صدر عن المستشفى العسكري، الذي تغاضى عن أعظم عاهات الجندي شأناً، والتي بفعلها حمل لقب "المخصي". تعايش الرجل مع اللقب على مضضٍ كما تعايش مع العرج وانحناء الظهر، وأصبح يتندر به مع أصحابه وينبش معهم الذكريات، ويثير فيهم الحنين إلى تلك الليالي الصاخبة مع "الولية".
بعد طرد عبد الرضا من المزرعة لم يتمكن عباس الأبتر من القيام بأعمال الأرض واكتفى بالعناية بالزريبة والحيوان؛ لكنه في واقع الحال كان بأمس الحاجة للمعونة في زراعة الأرض وكسب ما يسد الرمق؛ فأرسل دعوة للمخصي وأصحابه، على وليمة احتفالاً بتسريحه من الخدمة وسلامته، وهي أيضاً مراضاة له لما فعلته أنثى الحمار به، وفكر أيضاً بهدية مناسبة تطيّب خاطره على الأقل. على سفرة الطعام تبادلوا الحديث عن شؤون الفلاحة والسوق، وقص عليهم "المخصي" قصصاً خيالية عن الحرب، وطالت تجاذبات الحديث واسترخت أطرافه وغطى ما وسعت حياتهم، غير أن أحدهم ظل يتململ في فمه سؤال لاذع، وخفض رأسه يقلب الجمر في الموقد، وسأل عباس:
— خالي، كيف الحيوان ... بعده عايش؟
— أي خالي، بخير والحمد لله، و"الولية" رجعت أقوى من الأول.
وغطى ابتسامته بكفه العريضة مثل رفش حراثة، بحجة تمسيده شاربيه المعقوفين، ونظر في وجوههم التي كانت تبحث عن قناع يغطيها، لكنهم قرأوا في وجهه علامات تشبه بشرى تسامح مشوب بالرضى، وأضاف بعد أن عدّل جلسته:
— الأرض وحراثتها والزرع والحصاد بحاجة لرجال مثلكم، وأنا كما ترى عيونكم لا حول ولا قوة.
نظر في عيونهم واحداً فواحداً يزرع فيها الصدق والثقة ويبحث عن قناعة وقبول، ثم بادر في طرح سؤاله الصريح والمفاجئ:
— ما رأيكم يا جماعة بالعمل معي، تحرثون وتزرعون وتحصدون وتبيعون، وأبني لكم بيت معيشة ومضافة بجوار الزريبة؟ ... (حمحم وقال بخباثة) وتصيرون جيران "الولية"... وأنتم أحرار في أرضكم، وما عندي أي شرط عليكم، ليس مثلما كان يبتزكم القواد عبد الرضا، ونتقاسم المحصول بما يسنه العرف السائد، وما بيننا غير الحق.
خلال أيام قليلة شُيد بيت ريفي من القصب يسعهم الخمسة، ومضافة إلى جانبه تليق بليالي الشباب، وتم تسوير المساحة بسور يستر خصوصيتهم بطلب من عباس نفسه... وانتقلوا للعمل والعيش بلا منغصات ولا مساومات "القواد الأول" كما أطلقوا على عبد الرضا، وكانوا يشتمونه بما يأتي على لسانهم كلما خطر على بالهم. في الحياة الرعوية كل شيء يصبح رعوياً، التفكير واللغة والطعام والأحلام والزمن أيضاً، ومرت أيام حسابها ليس بالساعات ولا بالأسابيع، بل بالمواسم: موسم حرث وموسم زرع وموسم حصاد، وهكذا أصبح الجماعة من لحمة هذا النسيج الخام الذي يشبههم تماماً ويشبهونه.
كُلف "المخصي" بحمل الخضار وبيعها في السوق وشراء ما يعوزهم، وكانت هذه مهمته المتفق عليها، فبيع الخضار في السوق ليس من مقام الرجال في القرية. ولم يعترض "المخصي" على حصته هذه من العمل، لأنه ليس رجلاً في عرفهم وفي يقينه الباطني أيضاً... وضع الحمولة على ظهر "الولية" وحادها إلى السوق... قضى الطريق يؤنبها على ما فعلت به:
— سأظل أحمّلك أثقل الأحمال حتى أكسر ظهرك يا أم جحش، كما كسرت بخاطري.
وصل السوق وباع ما عنده في أول فرصة وفرت له المال والوقت للتبضع من الدكاكين القريبة، وراح يربط الأتان بجذع سدرة وارفة تجلس تحتها فلاحات يبعن ما جئن به، نهرته واحدة:
— الفيء للناس وليس للحمير ... الحمير مكانها هناك.
وأشارت له للمكان.
— لا فرق كلها خلقة ربي.
— يا ويلك! يا حمار، رح اربطها مع الحمير وإلا أقوم أربطك معها.
ردّ مدعياً الحياء الشديد وهو يغمز لها:
— عيوني، أخاف عليها ... بعدها باكر.
نهضت هذه وبيدها عصا غليظة وطردته، هرب منها وربط "الولية" مع الحمير وأسرع للدكاكين يشتري ويساوم ويسلم على هذا ويشرب الشاي مع ذاك ويودعه، وعاد ليأخذ مطيته... وجدها تئن تحت حمار ثقيل ضخم وهو غارق بها يعضها بحرقة ويلهث فوقها. راح تحت السدرة يحتمي بالظل وينتظر نهاية العرس. قالت له الفلاحة التي غمزها:
— إن شاء الله ولد، يوم لك.
بلع "المخصي" لسانه وسكت محرجاً وقد عرّته كلماتها بلا رحمة.
وصل البيت وحكى لأصحابه ما حدث له وما حدث مع "الولية"... قال أحدهم:
— لن تأخذها مرة ثانية، احمل الخضار بالعربة.
قال آخر:
— من يرضيها منا بعد أن جربته؟
— يا ليتها تأتي لنا بأنثى مثلها ...
قال المخصي:
— عليك أن تنتظر سنة بكاملها.
— وأنت ما يضيرك، سنة وحتى عشرة؟
لملم المخصي عباءته ونهض ليخرج، والتفت لهم:
— أنتم تغارون عليها يا حمير.
3
طالت أيام الحرب وترامت جبهاتها وتعقدت، وأُلغي قرار التسريح من الخدمة العسكرية بقرار رئاسي، وبقيتُ في مكاني وبيدي القلم. طُلب مني تحرير إجازة اعتيادية لجندي مكلف. بتلقائية العمل كتبتُ ترويسة عريضة تقليدية "إلى من يهمه الأمر"، وسألته عن اسمه:
— مهيدي.. لا سيدي، اسمي حردان... حردان عباس.
فاجأني الأمر وتوقفت عن الكتابة، فليس من المعقول أن يخطئ المرء بذكر اسمه وتلتبس عليه الأسماء، ناهيك أن الاسمين لا يشتركان لا بالمعنى ولا باللفظ، فساورني الشك وسألته مرة أخرى:
— اسمك الكامل؟
— حردان عباس حمزة.
— حردان وليس مهيدي؟
سألته وأنا أتحرى عن الصدق في ملامحه وفي عينيه القلقتين، قال:
— سيدي أحكي لك قصتي إذا تسمح حتى تصدقني؟
أذنت له بالجلوس وكان محرجاً جداً ومتردداً؛ لكنه رضخ لإشارتي، فجلس وقال:
— انتظر أبي سنوات طويلة بعد زواجه الثاني، فالأولى لم تخلف له غير البنات والشعور بالنقص، إضافة إلى نقصه الجسدي، فهو أبتر، بترت ساقه لمرض خطير ... انتظر بصبر علّ أمنيته تتحقق في ولد يخلفه في الدنيا، وقد قلب المثل الشعبي على رأسه، وهيأ المهد قبل الولد، وأخذ بمشورة أخيه الأكبر باختيار اسم جده، مهيدي، ودأب الناس يلقبونه بـ"أبو مهيدي" قبل أن أولد. استجاب الله لدعائه وتحققت أمنيته، وجئتُ على رأس خمس بنات... أقام الولائم وتكرم على الأولياء بالنذور وبكل ما يعمي عين الحسود ويطرد الأرواح السود.
كبرتُ مدللاً لا يرد لي طلب وقد أبيح لي ما لا يباح لغيري، ففسدت، وعصيت، وتمردت، وساءت أخلاقي تماماً، فما كان لدى أبي غير العقوبات والضرب بما ملكت يداه، حتى تطور الأمر إلى ربطي على عمود البيت وجلدي بالنعال حتى يدمى جسدي. ذهبت إلى بيت عمي الأكبر الذي سمّاني، وشكوت له أمري وقصصت عليه ما كان يحصل معي كل يوم وما حصل معي أخيراً، وطلبت حمايته..
— ويا ويل، اسمك مهيدي ويضربك؟
— نعم عمي، وبالنعال.
وكشفت له ظهري الأزرق المكدوم وأنا أبكي. اعتنى بي وأطعمني وبشرني بالخير، وأخذني إلى البيت. في الطريق ظل يسألني عما أحبه من الأسماء غير اسمي، وطرح عليّ قائمة طويلة، وهو يلح على اختيار واحد منها؛ لكني تمسكت باسمي فأنا فخور به، على اسم جدي، ولا أرى نفسي غير مهيدي... عجز عمي عن إقناعي حتى وصلنا البيت وجلس مع أبي وعاتبه على فعلته، رد عليه أبي:
— بروح أمي عجزت من تربيته، ولم أجد وسيلة غير هذه.
— اسمع، أنا لم آتِ لأمنعك من تربية ابنك، عندك الحق فيما تفعله وبكل الطرق؛ ولكن حرام عليك ما دام اسمه مهيدي أن تمد يدك عليه. هذا حدك! إنها فعلة نكراء.
لأول مرة أسمع عمي ينطق بكلمات فصحى من هذا القبيل: "إنها فعلة نكراء"، لابد أنه تعلمها لكثرة تردده على المجالس، رسخت في ذاكرتي أعمق من نعال أبي. بعد جدال طويل رضخ أبي لإرادة أخيه، وطلب منه:
— مشورتك أخي، ماذا أفعل؟
— من الغد تذهب إلى مديرية النفوس وتغير اسم الولد، حتى لو تسميه حماراً، ساعتها اجلده بما تشاء.
والحال، تم تغيير اسمي إلى حردان، لكني كلما كان أبي يعاقبني بالضرب، أصرخ باسمي الأول: أنا مهيدي... أنا مهيدي؛ فيكف عني، ولهذا أنطق بالاسم حين أُسأل دون إرادتي. أكدت لي قصته وما أضافه عليها من معلومات سألته عنها عرضاً، بأنه الابن البكر للأبتر عباس صاحب الزريبة من زوجته الثانية.
4
توقفت الحرب وتفاهم المتحاربون، ولم يبق في الأرض ما يحتم النزاع عليه وقد احترق كل شيء حيث تصلح المساومات، وتم تسريح حردان بعد خدمة عسكرية إجبارية لخمس سنوات. خلالها شبع أبوه من واردات المزرعة واستغلال محاصيلها في زمن الحرب، فقرر فسخ عقده الشفوي مع المخصي وجماعته وطردهم وتكليف ابنه بإدارتها.
لأول مرة يواجه الابن الفاسد فائض النعمة ويسيل بين أصابعه المال، وأصبح نموذجاً فعالاً للانحطاط، وشديد الإخلاص لفروضه. بعد سهرة في فندق ظل طيلة حياته يخطئ بنطق اسمه الأجنبي الطويل "كونتيننتال" فنطقه كما جاء على لسانه أول مرة ولم يحاول تصحيح اللفظ مرة ثانية: "كوتال"، ولم يصحح له الآخرون أيضاً واعتبروا هذه من بلاغاته الأصيلة، فقد كانوا معنيين بأمر رجل دخل الفندق بحال وخرج منه بحال مغايرة أخرى، سواء نطق بهذه الصيغة أو لم ينطق، وكانوا حريصين على إبقائه صامتاً ما أمكنوا... بعد تلك السهرة تعرف حردان على شخصيات لها دورها في الحياة الجديدة، استثمرها بكل ما أوتي من جشع لاستعادة اسمه الأول: "مهيدي". وكان له ذلك وقد سبقه لقب "أستاذ" الذي بعث فيه شعوراً غير مريح، فالأستاذ لقب مهنة ليست ذات قيمة وفكر بلقب آخر؛ لكنه لم يحدده...
من أحد المصارف المحلية، حصل على ضمانات وقروض مالية لفتح شركة زراعية لتربية الدواجن وإنتاج البيض والتخلص من مهنة الزراعة التي لم تعد مجدية بعد جفاف الأنهار. تسلم الملفات من موظف لاحق المعاملات وأنجزها له بإتقان وحرص شديد، وكان يناديه طيلة الوقت: "سيدنا". ارتاح مهيدي للقب واعتقد به وملأه بالفخر، وأخذ يكرره مع نفسه، حتى غسل ذاكرته من كل الألقاب عداه: السيد مهيدي، قالها جذلاً، سراً وعلانية. توفرت له فرصة لقاء رجل أعمال كبير لعقد صفقة بيع منتجات المزرعة والدخول إلى السوق بضمانات مناسبة وموثوقة... استقبله الرجل مستبشراً:
— حين سمعت باسمك اعتقدتك أكبر من هذا العمر وعلى رأسك عمامة كبيرة ...
— سيدنا بعدنا صغار على العمامة.
ضحك الرجل وصافحه بحرارة ودعاه للجلوس، وقال:
— العمامة شرف يطمح به الصغير والكبير ... أنا وضعتها على رأسي حالما بلغت الثامنة عشرة.
أتم السيد مهيدي الصفقة بارتياح كبير وبضمانات مالية موثقة ورسمية، إنما ظل الاسم موضع حوار بينهما، انتهى ليكتب بالحرف الكبير: السيد مهيدي السيد عباس السيد حمزة. وجد السيد مهيدي نفسه مكللاً بالألقاب، إنما حاسر الرأس نحيفًا بملابس لا تستر عظمه تنم عن فقر وضآلة؛ فقرر لبس العمامة والعباءة السوداء، وتحميل الآخرين مسؤولية تصديق هيئته أو تكذيبها، فهو اعتمر العمامة ولن ينزعها، حتى لو قطع رأسه، وقد امتلأ بالقوة والشجاعة والاعتزاز بالنفس بعد استعادة اسمه واسم جده. أخذ يمشي رافع الرأس، يدفع عمامته إلى الخلف قليلاً ويكشف جبينه الواسع الموشوم بطرة غامقة اللون.
في السوق التقى وجهًا لوجه مع المخصي وجماعته، يتسكعون. حياهم ودعاهم إلى المقهى، وعرف منهم حاجتهم للعمل فهم لا يجيدون غيره في الأرض وقد طُردوا منها، وعاتبوه على ما فعل بهم أبوه... ورداً للعتب اتفق معهم على العمل وطبيعته والأجور. كان السيد بحاجة لأيدٍ عاملة رخيصة، وأتباع مبتذلين يسوقهم كيفما شاء.
— سيدنا نرجع نعيش بالزريبة؟
— لا، الزريبة تحولت إلى مزرعة دواجن وتحولت المضافة إلى مكان لتفريخ البيض.
بادر المخصي:
— والحيوان، ماذا حل به؟
— بعتها كلها.
ظل الجماعة ينظرون إلى بعضهم بأسى وحيرة، فقد أسرعوا بالموافقة على شروط العمل طمعاً بالسكن هناك والتمتع بخلوة الزريبة.
— ولكن سيدنا المزرعة تحتاج إلى من يقيم فيها ويرعاها، وتحتاج الحيوان للنقل والطعام وما إليه.
— بقرض مناسب سأحصل على عربة دفع رباعي، بلا حيوان ولا سيان.
بلع الجماعة ريقهم وغادروا محبطين على موعد لمباشرة العمل من الصباح الباكر. في المساء التقى مهيدي بأبيه وأبلغه اتفاقه مع جماعة المخصي على العمل، وأعرب له عن عدم ارتياحه لقراره وخشيته منهم، وشكوكه بقدرتهم على مواصلة العمل... نصحه الأب:
— ما عندك غير حل واحد؛ ابنِ لهم بيتًا في المزرعة كما فعلت أنا، واشترِ بقرة يحلبونها وأتانًا يركبونها ساعة الحاجة، ستملكهم كما تمتلك الحيوان ... الإنسان عبد بطنه وأهوائه، يقاتل لإشباع حاجته مدى حياته حتى يأكله الدود.
قبل التحاقهم بالعمل اجتمع السيد مهيدي بالمجموعة وأبلغهم نيته لبناء بيت زراعي لهم وزريبة لخدمتهم، وهذا يلزم أموالاً وإجراءات أمنية وموافقات وما يعرفونه وما لا يعرفونه، والحال، فهم ليسوا عمالاً وحسب، بل مقيمون وحراس، ويمكنهم حمل السلاح المرخص حسب القانون. لم يصدق المخصي ما سمعه، أما جماعته فقد لاذوا تحت جناحه ينتظرون منه بادرة، أو كلمة تشجعهم على موقف ما. تنهد المخصي وقال:
— سيدنا، تقصد نصير حماية مثل باقي الجماعات؟
— نعم، وأنت وابن عمك حمايتي الخاصة.
دخلت البلاد دوامة العنف والانفلات الأمني، وشكلت العشائر والطوائف والمجموعات الإثنية فرقها المسلحة، واستشرى الفساد في مفاصل الدولة من قمتها وحتى قاعدتها الواسعة، فوجد السيد مهيدي فرصة ذهبية في ترتيب حياته وضمان اقتصاده وأمنه الخاص... في مساء عمل التقى رجل أعمال وتاجر حديث النعمة في مقر عمله، سأله الرجل باستغراب:
— لديك عنصرين حماية فقط، ومسدسان؟ احذر سيدنا، القتل أصبح على الهوية وهواية مجانية.
حالما خرج السيد مهيدي من المكتب، كلف جماعته بالبحث عن سلاح يفي بالغرض، ولم يمضِ الليل كله، حتى حملوا له أربع رشاشات أوتوماتيكية مع عتاد يكفي لحرب ضروس، وعرضًا مغريًا لشراء مدفع رشاش منصوب على عربة مجنزرة من بقايا أسلحة الجيش الوطني المنحل. وضع من هذا القبيل استدعى علاقات وترتيبات وضمانات أمنية عالية المستوى، كافح السيد مهيدي للنيل بها عبر شبكة معقدة من العلاقات والمساومات خلال ليالٍ في أماكن لا يعرف الجن الأزرق طريقها... بعد زمن قصير تحولت المزرعة إلى ثكنة مموهة بريش الدجاج وطبقات البيض الكرتونية، فكانت الحاويات تدخل وتخرج بسلام حتى مطلع الفجر.
5
_ سيدنا، عندي كلمتين
اقترب المخصي من السيد مهيدي وكأن في الأمر سرًا خطيرًا، وهمس في اذنه:
— الاظفر ما يطلع من اللحم، وابن عمتك عبد الرضا عاطل وحالته تفطر الكبد ... والحق أرى فيه أحسن حارس شخصي، قوي وجثيث ويعادل أربعة رجال ... وأشهد بالله بأنه يحبكم، والمسامح كريم.
— والله طلعت منك ... يا المخصي! بيك كل الخير، أبشر، من الصبح يكون عندي.
بحضور عباس والسيد مهيدي والمخصي وجماعته دخل عبد الرضا مجلس العائلة ووقف أمامهم يسربله الخذلان، تنتصب بينه وبينهم راية خضراء مذهبة الأطراف جاء بها عباس وثبتها في وسط المجلس. أمسك عبد الرضا بالراية كما أمره عباس، ارتجف وبكى، وحلف اليمين على ألا يغدر أو يسرق ويظل أميناً للقسم مدى حياته، غير هذا يحل عليه غضب الأولياء ويُسفك دمه ويفرّق على الرؤوس. منذ تلك الساعة المهيبة وقف عبد الرضا خلف السيد مهيدي كالطود، ماردٌ يحمل غدارة أمريكية ويتمنطق بمخازن رصاص ملقمة ويلبس نظارة سوداء وسترة واقية... كان درعاً حديدياً بهيئة رجل.
المصاهرة بين أصحاب المصالح عقد اجتماعي تباركه المصالح ولا يبطله باطل، يصبح مع السنين دستورًا تاريخيًا موثقًا بالدم. والحال سوغ للسيد مهيدي الزواج من ابنة التاجر الكبير الذي نصحه بالعمامة ودخل معه بتجارة واسعة، وبلا حذر سلّم مهيدي أشرعته لاندفاع الموجة العاتية، ركبها ووجهه صوب أفق بعيد لا أحد يحزر ما كان يرى خلفه، وأشك بأنه كان يرى شيئاً أبعد من أنفه، وهو سعيد بما وصل إليه ومازال يتذكر أمسه البائس.
لدي قناعة، منذ أن تعرفت عليه أول مرة، بأن (حردان عباس) الذي سمّى نفسه فيما بعد بالسيد مهيدي؛ كان لا شيء، حثالة، أصبح شيئًا يخشاه المرء ويتحاشاه. قدرتُ، ولا أعرف مدى صواب تقديري، بأنه عينة اختبار لكائن طفيلي في طور النمو، صالحة لمختبر بحث سايكو- سوسيولوجي. من أجل هذا الهدف واصلت العلاقة به وتدوين تفاصيل حياته الخاصة وتطورها، ولم أدقق خلال البحث بتفاصيل الآخرين حوله؛ ولكني تقاطعت معهم بالضرورة في طريقي الشائك لتأكيد أطروحتي.
دعاني لحضور حفلة عرسه، وكان قد أعدّ حفلتين كبيرتين، واحدة في فندق فاخر في العاصمة، تلبية لرغبة الزوجة ذات الأصول المدنية التجارية، وحفلة في القرية استجابة لرغبة أبيه إرضاءً لعشيرته المترامية الأطراف... لم يصدف لي حضور حفل مثل ذاك الحفل! كانت بوابة القاعة مغلقة بالحراسة المسلحة المشددة، وكل واحد من الحرس يحاول أخذ صدارة التحكم في الدخول ومنع الخروج بدون استفسار وإذن. وقفت أنتظر انتهاء النزاع بينهم والسماح لي بالدخول، فيما كانوا يتجادلون حول من هو الأجدر في حماية البوابة، فسادتهم في الداخل لهم مقامات وأهميات متباينة، فكان من العسير بناء الثقة والتفاهم بينهم والسلاح مشهور في اليد، والغلواء في أعلى درجات هياجها.
في عمق قاعة غارقة بالدخان والضجيج، كان السيد مهيدي وعروسته على منصة عالية تحيطهما ستائر مزخرفة، وباقات ورد بسلال كبيرة، ومنظومة على أطواق من أغصان معقودة بشرائط ساتان ملونة براقة تتدلى أطرافها، تشبه أطواق النصر المكللة بالغار... كان العروسان بمثابة دميتين في واجهة محل لعرض الأزياء، تضيئهما إنارة حادة تعشي البصر، أمامهما مروحة عمودية تلف رأسها برتابة وملل تطارد سحابة دخان أينما توجهت وتحرك شرائط الساتان الملونة مثل رايات ترفرف فوقهما. كانا ضجرين بسعادتهما، تحيطهما طاولات طويلة مغلفة بشراشف مثبتة بدبابيس، يجلس حولها مدعوون بأزياء عرس، تكتظ أمامهم قناني مشروبات وأوانٍ وكؤوس ودوارق وباقات ورد بسلال كبيرة... "من أين جاءوا بكل هذا الورد؟" سألت نفسي، واكتشفت حين اقتربت منه، بأنه صناعي من البلاستيك. كل شيء كان يصرخ بألوان براقة رخيصة تحت أضواء شرسة حادة.
لوّحت له مرارًا، وكنت أتمنى أن يلتفت للباب ويراني، لكنه كان يتابع نزول العروس وصعودها بعد تغيير بدلتها كل وصلة موسيقية... حاولت رفع صوتي ليسمعني؛ ولكن عبثًا ما فعلت، حتى استاء مني الحرس:
— أخي، أنت مدعو؟
— نعم، من قبل السيد مهيدي.
حاولت تلطيف الحال المزري الذي حشرت نفسي فيه وأضفت: "أنا صديقه من أيام الجندية". فضحك الحرس، ويبدو أني زدت الأمر سوءًا وقللت من مقام السيد الذي مُحيَ من ذاكرة الناس ما كان عليه يومًا وباشر تاريخه من لحظة تسنمه اللقب الجديد: السيد مهيدي... سألني الحرس عن اسمي، وعرفت فيما بعد بأنه عبد الرضا قوّاد "الولية"، وراح سريعاً يشق طريقه عبر القاعة صوب السيد مهيدي المتربع على هودج العرس معزولًا مع دميته الملونة، وهمس بأذنه وأشار إلى الباب. فز السيد مهيدي من مكانه ونزل من المنصة وهو يلوّح لي، فسحوا له الطريق وتابعوا لهفته للقائي وفرحته، لقد غمرهم بالدهشة وأخذني من بينهم وذراعه على كتفي يشدني إليه بحميمية وأخوة... وقف في وسط القاعة ودار رأسه فيها، وقال:
— كل هؤلاء الذين تراهم في كفة، وأنت في الكفة الأخرى!
وأجلسني بجوار أبيه وعمه وقدّمني لهم:
— هذا أخي وما ولدته أمي.
عرّفتُ نفسي عليهم باقتضاب سمحت به الموسيقى الصاخبة، وانهالت عليّ الأسئلة: من أية عشيرة، ومن أي فخذ، من أية مدينة، وماذا أعمل. وصّفت لهم طبيعة عملي كمحقق في صحيفة محلية، وليس محققًا بوليسيًا ولا جنائيًا دفعًا للالتباس وسوء الفهم، فبادرني العم:
— يعني كل الفضائح المنشورة من تحت رأسك!
ضحك واختضت بطنه مثل قربة مليئة بالماء وأضحك الآخرين؛ لكني لم أضحك وكنت منشغلاً أسمع صياحاً وشتائم متبادلة أخذت تتصاعد بعنف شديد، نظرت صوب الباب المزدحم بالحرس، شاهدت عبد الرضا يرفع رشاشته ويرشق الهواء بصلية رصاص هزت المكان، فدفن الناس رؤوسهم بين الأكتاف، وسقط أحدهم مضرجًا بدمه بين الأقدام، تعالى الصراخ والتراكض وكأنها ساعة النفير... تدخل السادة الكبار وفضوا النزاع وغطوا على حادثة القتل بحجة الفرح الزائد وإطلاق الرصاص وسقوط حارس شخصي بفعل رصاصة طائشة.. حضرت الشرطة وحُمل القتيل إلى المستشفى وكان ابن رجل ذو مكانة عالية وشيخ قبيلة. أخذت الشرطة دورها وفضت حفلة العرس بعشوائية ذات طنين ولغط. تسللت بهدوء من بين جموع المدعوين وغادرت دون وداع أحد.
6
من عادات عملي اليومية تناول القهوة مع رئيس التحرير في مكتبه قبل المباشرة بالعمل، نقضيها بالتندر وتبادل آخر النكات الفاحشة، ونتراهن على أكثرها جدة وبلاغة، تنتهي المنافسة بسهرة مشتركة مثل كل يوم في نادي الصحفيين المتواضع... مع فنجان القهوة أيضاً، نناقش مشاريع العمل إذا لزم الأمر وأستلمُ ما ينوبني منها. كنت أقص عليه أحداث ليلة العرس الدموية حين رن هاتفي وكان السيد مهيدي على الطرف الآخر، قلت قبل أن أفتح الخط:
— إذا ذكرت الذيب، أمسك عصاتك!
فتحت الهاتف ورحبت به وهنأته بليلة دخلته، ردّ بحزم:
— التهنئة لا تجوز من غير تناول الفطور سوية، سأرسل لك عربة تحملك للفندق، ولا أقبل عذراً.
— يمكنني الحضور لساعة واحدة فقط.
قلت ذلك وأنا أقرأ بوضوح موافقة مدير التحرير من هزة رأسه وهو يتابع حديثي، واستأذنته بالخروج، غمز وقال:
— لا تنسَ المسجل!
اعتدت على تلميحات مرؤوسي وفهمت منه حرصه على متابعة موضوع السيد مهيدي... أقلتني عربة خاصة حديثة الطراز إلى الفندق، مكان حادثة العرس الدموية، واقتادني السائق إلى جناح جانبي من صالة الانتظار حيث السيد مهيدي وبعض الرجال حوله. قام بكل احترام وكأنه يستعيد شخصية الجندي المكلف أمام مرؤوسه وأخذني إلى صالة أخرى تتوسطها طاولة تغص بالأطعمة، حتى إن المرء يشبع من النظر إليها فقط. "متى كان كل ذلك؟" قلت في نفسي وأنا أجلس في الطرف المقابل له، وكنا وحدنا فقط، فبادر بالقول:
— يا هلا بالطيب!
— أشكرك أخي على دعوتك، أرجوك طمني كيف سارت الأمور معكم ليلة أمس فأنا خرجت بعد الحادث مباشرة؟
— إنها شغلة عشائر، يفضونها بالتراضي بينهم؛ لكن الشرطة حريصة على أخذ أقوال الشهود ... الكل شهد بأن الرصاص كان فرحًا بالعرس، وأكدوا أن القتيل سقط برصاصة طائشة، وطلبتك للشهادة وستكون شهادتك مهمة جدًا، لأنك طرف محايد لا علاقة لك بالعشيرتين.
— لكني لم أرَ شيئًا وكان ظهري للباب، وحين التفتُّ كان الرجل مضرجًا بدمه على الأرض.
ابتسم وغمر الفرح محياه، وقال:
— يعني أنك لم ترَ أحدًا يطلق الرصاص!
— لا أبدًا، سمعته فقط وكنت أتحدث مع أبيك وعمك.
وأعدت التأكيد على قولي الأول: "وكان ظهري للباب".
— شهادة في الصميم.
لم أفهم ماذا كان يقصد "في الصميم"، وأي صميم يرى. أما في صميمه هو، فكان اعتقادًا راسخًا بأني أنكر الحقيقة، فقد عرف من أبيه وعمه بأني كنت أواجه الباب مباشرة، وأول من نبّه للحادث، ورأيت عبد الرضا يشهر سلاحه ويرمي وابلًا من الرصاص... ابتسم تغمره الطمأنينة لنكراني ما شاهدته فعلًا، ثم تململ بنعومة الأفعى وسألني:
— أخي، لا أسرار بيننا، كان من شروط الزوجة بقاؤها في العاصمة إلى جانب أهلها، وهذا يعني إقامتي معها، وفكرنا بإنشاء مكتب للشركة هنا، ولا أعرف غيرك أكثر أمانة وقدرة على إدارته، بينما أكون هنا وهناك وعيني على العمل، فأنت تعرف أن المال السائب يعلّم السرقة.
— الحقيقة يا سيد مهيدي، أنا لا أعرف أن المال السائب يعلّم السرقة، فهو لم يكن سائبًا في طريقي يومًا ما، ولم أعاشر لصوصًا لأتعلم منهم ... ثم إنّي موظف في صحيفة ولا يسمح لي العمل في مكانين، ناهيك أني لا أطيق البقاء في المكاتب، لهذا اخترت قسم التحقيقات، التي توفر لي فرصة التجوال والتنقل من مكان إلى آخر، لا يشدني للعمل غير عشقي للحقيقة، وتبديد الوقت.
قلت ذلك بلغة خطابية متعالية متعمدًا تشويش فهمه المحدود، وأقف غامضًا بعيدًا عن مرماه.
— معي سيسيل المال بين يديك ... سأدفع لك المرتب الذي تحدده، مع كامل الحرية في اختيار ساعات العمل.
خلال حديثي معه كنت أجمع لقمة ظلت في يدي ولم أبلعها، أعدتها للإناء حالما شممت رائحة مال زنخة تسيل من فمه، وفي نظراته القلقة ضعيفة النظر والثقة، قرأتُ نية رخيصة في شراء ذمتي. حدّقت في عينيه كما فعلت أول مرة حين سألته عن اسمه وأخطأ في إجابته؛ فلم يبلع لقمته وغرق في غموض الموقف، ولم يرد على جملتي الأخيرة وأنا أستأذنه للمغادرة متحججًا بانتهاء ساعة الإجازة المؤقتة:
— تظل بالنسبة لي "حردان عباس" الذي تعرفت عليه أول مرة.
7
تراكمت الأحداث وتوسعت يومياتي، وأضفتُ عليها تفاصيل أهملتها لضعف تقدير أهميتها، وأعدتُّ صياغتها بما يتناسب وأهدافي، فقد تعلمتُ من المهنة أن التاريخ سلسلة وقائع لا غير، يكتمل فهمه حين تكشف الوقائع حقيقتها كما هي بعيدًا عن تصوراتنا وتأويلنا وأحكامنا الراهنة؛ فنحن قبل أن نصدر أحكامنا الأخلاقية على الآخرين، علينا أن نفهمهم أولاً.
عمليًا بعد لقائي الأخير به ورفضي العمل معه، فقدتُ سلاسة الصلة المباشرة المفتوحة به، وفقدتُ بذلك واحدًا من أهم ينابيع مشروعي البحثي؛ لكني مع هذا تفرغتُ له كما اتفقتُ مع الصحيفة على ألّا يُنشر ما أكتبه، كونه تحقيقًا بوقائع مرتبة بأسماء وتواريخ، بل كتابًا ينطوي على عينات بكتيرية لمجتمع هجين ولد بعملية قيصرية في البلاد بعد الاحتلال الأمريكي... بارك رئيس التحرير خطواتي وتصوراتي للمشروع، وسمعتُ منه وأنا أغادره وأغلق بابه ورائي، آخر سخرياته اللاذعة:
_ ستفرح أجاثا كريستي في قبرها بظهور حفيد لها في بغداد.
راقت لي فكرة "حفيد أجاثا كريستي" واستهوتني تمامًا، فسعيتُ للوصول إلى المخصي الذي أعرفه ويعرفني، وقد علمتُ من مهيدي في وقتها بأنه تكفل بإدارة المزرعة وشؤون الزريبة التي توسعت وأصبحت زرائب حديثة لتربية الأغنام والأبقار وبيع الألبان واللحوم، وأنشأ إلى جانبها مضافة خاصة به يقيم فيها شعائر المناسبات الدينية الشعبية، وله مريدون وأتباع. أصبحت هذه المجالس خنادق حرب طائفية ضد الطوائف الأخرى، وشهادة تزكية وحماية... بفضلها أصبح المخصي واحدًا من وجهائها المرموقين، وتبعًا لهذه المكانة أحاط نفسه بمرتزقة مخلصين.
جمعتُ ما يعينني من معلومات عنه وعما يحيطه، وذهبتُ إلى هناك ونزلتُ في ضيافته؛ فاحتفى بي وبالغ في كرمه. فتحنا أبواب الماضي والحاضر، واستوقفته مرارًا عند زواج مهيدي وتبعات حادثة ليلة عرسه. أبدى عدم ارتياحه للزواج فالعروس من شريحة تتناقض قيمها الاجتماعية مع ما يحمله مهيدي، وليست عراقية ولا عربية الأصل، ثم إن عائلتها تجار كبار، وأن مهيدي لا يعرف عدّ أصابعه دون أن يخطئ، ودخل معهم في شراكة واسعة وهو لا يفقه شيئاً وسلّم أموره وممتلكاته بيدهم... وحكى كل ما يعرفه عن حادثة القتل:
_ ما قيل أمام الشرطة في التحقيق شيء يخالف تمامًا عما قيل في مضيف العشيرة في جلسة خاصة مع عشيرة القتيل لحل النزاع؛ وقد اعترف عبد الرضا بفعلته ردًا على إهانته من قبل القتيل أمام الجميع، وكانوا قد شهدوا بما سمعوا ما قاله: "الرجال يحميها الرجال". واعتبرها عبد الرضا إهانة وعارًا لا يغسله غير الدم، وصوّب سلاحه إلى صدر القتيل وطرحه أرضًا يتخبط بدمه:
_ أفهم منك أنك كنت قريبًا من الحادث؟
_ لا، كنت أهيئ حفلة العرس الثانية في المزرعة؛ لكني سمعتُ هذا في مجلس العشيرة عندما التقى الطرفان، وانتهى بحسم النزاع بفصل عشائري، بواحدة من بنات عباس من زوجته الأولى، وتم التراضي على أساسها... أخذوا الفتاة في ليلتها مغطاة بعباءتها مكللة بالعار، وتم تزويجها للأخ الأكبر للقتيل وكان له زوجة وأربعة أولاد.
في تلك الليلة قُضي الأمر وتحولت الفتاة إلى خادمة للبيت ووصيفة للزوجة الأولى حسب الأعراف السائدة. إلى هنا وصلتُ إلى طريق مسدود وأبواب محكمة الإغلاق بأخلاقيات وتقاليد يتعذر اجتيازها، وقد دُفنت الفتاة خلف جدران صماء...
كثفتُ زياراتي لمضافة المخصي، بحجة حبي للشعائر وإيماني بها، وأخذتُ أقوم بما يقومون به، ولبستُ الأسود في المناسبات، ووقفتُ ساعات أخبط الطبيخ في قدور عملاقة على النار؛ فاطمأن لي وتحول إلى عين في كل مكان أتحرى فيه، يتابع بفضول شديد ويجمع التفاصيل وهو سعيد بتطور علاقتنا، وحريص عليها دون أن يساوره شك بهدفي من الأسئلة والتقصي عن سير أحداث جريمة القتل في ليلة عرس السيد مهيدي.
المخصي وأمثاله يخشون الغوص في الأعماق ويسعون للبقاء على السطح، حيث الأحداث ورائحة الفضائح أكثر تأججًا؛ فلم يسأل، بل ظل ينبش كالدجاجة بفضول شديد عن المزيد من الأحداث والقرائن، ويثرثر، وكنتُ أصغي له باحتراف تقليدي.
قصَّ عليَّ وهو يتعوّذ من الشيطان الرجيم ويستغفر الله، قال:
_ ارتبطت الفتاة (الفصليّة) بعلاقة حميمة بجارتها، وهي عانس في نهاية الأربعينيات، أحبتها وأدمنت على العلاقة بها... حدث ذلك بطريقة مفاجئة مثل حلم؛ حين خلعتا ملابسهما لتجريب ملابس جديدة. وحسب رواية الفتاة لضرتها، التي حرصت على جرجرتها بالكلام وفضح أسرارها، فإن جارتها ارتمت عليها بشغف حالما تعرت، وأخذت تقبلها وتداعبها، فانهارت الفتاة لتعاظم الشهوة فيها واستلقت في حضنها مستسلمة لشبق اشتعل فيها ولم ينطفئ، بل كان يزداد سعيرًا بعد كل لقاء.
كشفت الضرة أمر الفتاة وأبلغت زوجها بطريقة خبيثة، بأن زوجته (الفصليّة) أخذت تكثر من زيارة الجيران المليء بالشباب، وتأتي في كل مرة نشوانة سعيدة، فملأت قلبه بالشك وأججت جنون غيرته... في ليلة وقد أعمته الغيرة تمامًا، ذبحها في الفراش وأعلن عن فعلته، وتم تبرئته قضائيًا باعتبار القتل قضية شرف وغسلًا للعار... ودُفن سر الفتاة معها وفي قلب عشيقتها، وضمير الضرة.
8
بغداد بشواطئها، ولياليها، وجنائنها، لم تُرضِ أهواء السيد مهيدي ولم تشبع نهمه، فأمضّه الحنين للبوادي الحرة ونسيم البساتين، حيث تختفي الجدران والسقوف الواطئة، تختفي المدينة والمدنية معها، وعاد إلى الزريبة ينبش بقايا جمرات روحه التي كادت الأضواء وضجيج الجدران المغلقة وغرور الزوجة المتجبرة أن تطفئها. ترك مهيدي كل شيء وراءه ولم يلتفت إلا مرة واحدة فقط، حين رمت زوجته خاتم الزواج وبصقت بوجهه.
تحت سماء افتقدها منذ سنين وكاد ينسى مكانها، على أنغام انبثقت من أعماق الكون وخطفته من العالم، عاد إلى ينابيعه ونام في أحضان غجريات برائحة المسك، وكانت الزريبة معقلاً لهن أعده المخصي بإتقان وسرية تامة، ووفر للسيد مهيدي ليالٍ أنسته العالم خارج السرير. في النهار سلك مهيدي طريق المحاكم، واعتاد على ارتياد قاعاتها وجلسات المحامين. انتهى به الحال ليتجرد مما يملك، فقد كتب كل ما لديه مهراً لزوجته... حاولوا جميعاً: القضاة والمحامون والناس، إقناعه بأن القانون لا يحمي المغفلين؛ لكنه لم يفهم وضرب رأسه بالحائط، وعاد إلى شخصيته الأولى "حردان عباس" الفاسد، سيئ الخلق.
هرع إلى المزرعة لينقذ ما فيها قبل وضع اليد عليها، وهيأ جماعته وعبأ سلاحه، وقدّر مسار الأوضاع نحو المواجهة المسلحة مع شريكه، الذي لم ينتقم من أجل المال وحسب، بل للثأر من رجل أرعن كسر هيبته وأذل ابنته...
من تراث الحرب التي لم تخمد نيرانها في النفوس، ولم يغب وميض انفجاراتها من الكوابيس، اقترح عليه المخصي إنشاء خط دفاع كما في الجبهات: حفر الخنادق، وإقامة المتاريس، وتكفل بنفسه زرع الكمائن وتفخيخها... الأسباب والدوافع والهواجس ذاتها لأية حرب، سواء كانت حرباً صغيرة كهذه أم كبيرة، وكذلك النتائج أيضاًً
بعد غياب طويل عاد مهيدي إلى بيت أهله بشعور أسير عائد من الأسر، احتضن أمه وأخواته وقبّل يد أبيه، وراح إلى جدته؛ وكانت عبارة عن كومة عظام وجلد يابس متغضن، ولم يبقَ منها ما يشير إلى الحياة غير لسان يلمظ في فم أدرد:
_ يا مهيدي، حلمت بك معرّسًا وزافين عروسك على جمل أسود بسنامين في هودج تغطيه ناموسية حمراء، ولما برك الجمل ورفعوا الناموسية وكشفوا الهودج، ظهرت سحلية مرقطة تفحّ كالأفعى وترعش بلسان مشقوق.
صرخت أم مهيدي من مكانها وتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، صفقت كفيها وغمّت العجوز:
_ فال الله ولا فالك يا العقربة، ما بقي فيك غير السم.
غير أن السم الذي نفثته العجوز كان قد نفذ إلى روح مهيدي الهشة منذ فترة بعيدة، تسمم منذ دخوله دوامة المدينة وما حتمت عليه من علاقات وسلوك غريب، فوجد في رؤيا جدته موطئاً لروحه ويقيناً، فهو لم يبلغ مشارف اليأس والخذلان كما هو اليوم، واستقبل حلمها بمثابة طالع يستدعي التفسير.
أخذ أباه إلى المضيف وقص عليه ما حصل مع زوجته وقصة طلاقه ومشاكله، وأخفى عليه مخاوفه من المواجهة المسلحة مع شريكه، الذي هدد بها ما لم يستسلم مهيدي ويتخلَّ عن كل شيء. لم يبدِ عباس اهتماماً واعتبر طلاق ابنه واحدة من سنن الحياة، فهي لا تأتي بغير هذا، وأمامه عمر طويل ويتزوج ما حلله الشرع؛ لكن حركة ونشاط الجماعة المحموم في المزرعة أثار حفيظته، شاهدهم يقطعون الطريق بجذوع الأشجار وينصبون متاريس بأكياس الرمل ويحفرون الخنادق، فسأل ابنه:
_ ماذا يا مهيدي، الفيضان قادم لا سمح الله؟
_ نعم يا أبي، الفيضان قادم ولا مردَّ له غير إرادة الله.
فرش عباس سجادة الصلاة وصلى ودعا ربه للنجاة، ونادى على عبد الرضا:
_ اسمع يا ولد، اردم طوف الناعور المهدوم قبالة النهر... كل الخطر يأتي منه
_ أبشر خالي، أنا سهران للصبح.
سهر عبد الرضا ونام الآخرون بحمايته. تجول في المزرعة وتأكد من جودة المتاريس والحواجز والكمائن، وراح إلى الناعور القديم المهدوم، وجد في جداره فجوة واسعة يمكن للخيول التسلل منها بلا عائق؛ فكمن هناك.
مع الفجر تناهت من بعيد رشقات رصاص اقتربت صوب المزرعة، فنهض المسلحون وأخذوا أماكنهم... لم يتقدم أحد عبر الطريق ولم يظهر شيء عند البوابة. تحفز المخصي وتوجس خديعة، وخرج من مكمنه وطاف حول الزريبة، جاءته رصاصة من هناك وأخطأته، اختفى وشاهد مجموعة مسلحة بقيادة عبد الرضا، دخلوا من جهة الناعور وأحرقوا حظيرة الدواجن والزرائب، فأضاءت النار المتوهجة كالشمس ساحة المعركة. دافع رجال المجموعة عن أنفسهم وعن المكان، لكن الغلبة كانت للنار وقد استعرت بالقصب والهشيم والأعلاف، وتراكض الدجاج المحترق ونشر النار في كل مكان هرب إليه...
حاصر المخصي، ذو المهارة العسكرية الجيدة، عبد الرضا، وأجبره على الاختباء في الزريبة المهجورة، وما كان أمامه غيرها. رشق المخصي الزريبة بكل ما لديه من رصاص وألقى رمانة وأحرقها، وأصاب عبد الرضا في مقتل وأسقطه أرضًا، ظل يصرخ ويستنجد والرصاص ينهمر عليه من كل صوب، حتى التهمته النار كما التهمت غيره من حيوات في الزرائب الأخرى.
احترق كل شيء وتناثر الريش في كل مكان وحلّق ما نجا منه من النار إلى سماء تسبح فيها سحب دخان، عبثًا حاولت حجب
شمس فتية مسالمة مقبلة على الشروق.