تقديم
في العشرينيات من القرن العشرين الماضي، بلغ مارتن هايدغر مكانة "النجم الفلسفي" الذي لا يفوقه أحد، وخاصة بعد ظهور عمله الأهم "الكينونة والزمان" عام 1927. واليوم بعد 100 عام من هذه النجومية الساطعة، يطرح الناقد والكاتب الهولندي كون هاخنز في مقاله التالي السؤال الذي يهرب منه أغلب من كتبوا عن هايدغر: هل كان الفيلسوف الألماني يمتلك بالفعل إدراكًا لـ "الوجود" و"الزمان" و"سيادة التكنولوجيا" أكثر من أي شخص آخر آنذاك، أم كان "رجلًا متطرفًا يشرح الأمور من منظور ذكوري نرجسي بحت"؟.
لا يمكن لأي قارئ متأمّل أن يقف اليوم على عتبة فلسفة مارتن هايدغر (1889 - 1976) من دون أن تصدمه المفارقة المحيّرة التي جعلت من هذا الفيلسوف الألماني حالة فريدة في تاريخ الفكر الغربي بأكمله؛ فهو من جهة كان الرجل الذي صنع زلزالًا في ميتافيزيقا الوجود، وأعاد تعريف العلاقة بين الكينونة والزمان، وأدهش أجيالًا كاملة من الطلّاب والمفكّرين حول العالم بلغته الشعرية المعقّدة. ومن جهة ثانية كان هايدغر ذلك المفكر الذي خان ضميره، وتورّط في مستنقع النازية، وترك خلفه "دفاتر سوداء" فضحت عمق انحيازاته العرقية، لتتحوّل سيرته إلى مرآة تعكس أزمة الفلسفة ذاتها حين تفقد بوصلتها الأخلاقية.
هذا هو ما يخلص إليه كون هاخنز في مقاله التالي، الذي يأخذنا عبره في رحلة نقدية مطوّلة تبدأ من كوخ "الغابة السوداء" في توتناوبرغ حيث اعتزل الفيلسوف العجوز الناس، مرورًا بصعود هايدغر الأسطوري في عشرينيات القرن الماضي، وصولًا إلى السقوط المدوي الذي جعله "ملكًا مخلوعًا" في مملكة الفكر والفلسفة. وفي ثنايا مقالته يطرح هاخنز سؤالًا جوهريًا له حضوره في أيامنا هذه، بسبب من عودة الخطاب الشعبوي إلى الواجهة من جديد في أغلب البلدان الغربية عمومًا: هل يمكن لنا الفصل بين عبقرية الفيلسوف وهفواته البشرية، أم أن فلسفة هايدغر ذاتها كانت محكومة منذ البداية بهذا العمى السياسي الذي انتهت إليه مسيرته؟
يكشف هاخنز في مستهل مقاله عن تلك اللحظة التأسيسية التي تبلورت فيها شخصية هايدغر، حين اختار أن ينأى بنفسه في كوخه المتواضع في أعالي الوديان، هاربًا من "الجمهور" الزائف وصخب المدن، ومتأملًا في بساطة حياة الفلاحين التي ظنّ أنها تحتفظ بجوهر الكينونة الأصيل. لكن هاخنز لا يخفي سخريته من هذه الرومانسية الريفية، فهو يذكّرنا بأن هايدغر، الذي كان يمجّد فضائل الأرض والعمل اليدوي، لم يكن سوى مثقف قروي يعاني من عقدة نقص عميقة تجاه زملائه البرجوازيين، فحوّل هذا الشعور بالنقص إلى فلسفة كاملة قسّمت العالم إلى "أصالة ريفية" و"زيف مديني"، إلى "عمق ميتافيزيقي" و"سطحية يومية".
وإذ يقرأ هاخنز هذه الثنائية في ضوء سيرة هايدغر الحياتية والفلسفية، يشير إلى أن هذه النزعة الانعزالية، التي بدت بريئة في البداية، كانت في الحقيقة البذرة الأولى لتفكير يائس يبحث عن الخلاص في الماضي، ويتعامل مع التاريخ باعتباره مجموعة من حلقات ومراحل التدهور المستمر، بدءًا من العصر الإغريقي الذهبي، وصولًا إلى حداثة وتقنية لم يعد للإنسان مكان فيها.
ينطلق كون هاخنز من هذه النقطة لتحليل المرحلة الذهبية في مسيرة هايدغر، وهي مرحلة كتابة تحفته "الكينونة والزمان" (1927)، والتي تحوّل بعدها إلى نجم فلسفي لا منافس له، يتزاحم المئات على قاعات محاضراته التي تعج بالطلاب، فيشعرون كما لو كانوا يتنفسون "هواءً نقيًّا وجديدًا" في حضور رجلٍ يجرؤ على طرح الأسئلة التي يخافها الجميع: ما معنى الكينونة؟ وما هو الزمان، وكيف لنا أن نستوعب وجودنا في ظل هذا العالم المحكوم بقوانينه التي لا نعرفها؟
لا يقف هاخنز منبهرًا أمام "الحالة السحرية" التي صنعها هايدغر آنذاك في الحياة الفكرية والفلسفية الألمانية، بل يجرؤ أيضًا على نكء الجرح اللغوي الذي عاني منه الفيلسوف طويلًا، فهذه المصطلحات الغريبة والأسلوب الملتوي، والجمل التي تبدو مجلوبة أحيانًا من قصائد غامضة، لم تكن مجرد وسيلة لهايدغر للتعبير عن عمق إدراكه الفلسفي، بل ربما – وفقًا لهاخنز - كانت حجابًا كثيفًا يخفي فراغًا ما. أو وسيلةً من وسائل التسلّط الفكري التي تجعل القارئ العادي يشعر بالدونية إزاء "المعلّم" الأوحد الذي يمتلك مفاتيح الغموض. هنا يطرح المقال السؤال التالي: هل كان هذا الغموض ضروريًا للتعبير عن فكر هايدغر الجديد، أم كان مجرد أداة لإبهار الجمهور وإخضاعه، الأداة ذاتها التي سيعتمد عليها هايدغر لاحقًا في تبرير انحيازه السياسي للنازية؟ المفارقة الأهم في حياة هايدغر، كما يعرضها هاخنز، أن فيلسوف "الأصالة" كان بعيدًا جدًا عن الأصالة في حياته العملية، ذلك لأن هايدغر الذي نادى بضرورة تحرير الإنسان من سطوة "الجمهور" و"الآخر"، هو نفسه هايدغر الذي لم يتردّد لحظة في الانضمام إلى جحافل النازيين الأكثر تنظيمًا وقمعًا، وهايدغر الذي حذّر من زيف الحداثة، كان هو نفسه الذي سارع إلى مباركة الثورة اليمينية المتطرفة التي وعدت بتدمير كل الحداثة باسم العودة إلى الجذور.
هنا يذكر الكاتب تفاصيل صادمة، بدءًا من تولّي هايدغر رئاسة جامعة فرايبورغ عام 1933، مرورًا بخطابه الشهير الذي وصف فيه الجامعة بـ"كتيبة المقاتلين"، وصولًا إلى "دفاتره السوداء" التي كُشف عنها عام 2014، وأظهرت أن معاداته للسامية لم تكن مجرد هفوة عابرة، بل كانت جزءًا أصيلًا من تفكيره وقناعاته الراسخة، إذ تحدث فيها عن "اليهودية العالمية" كـ"قوة خفية لا تشارك في الحروب، لكنها تستنزف أفضل دماء الشعوب".
ينقل هاخنز بذكاء التناقض المذهل بين وعي هايدغر الوجودي العميق وعماه السياسي السطحي، وكأن الفيلسوف الذي كتب عن "القلق" و"الموت" كان يهرب من "قلقه الشخصي" ومن "موته الاجتماعي" عبر الانغماس في وهم قومي دموي. ونترجم من مقال الناقد الهولندي كون هاخنز حول مارتن هايدغر،
مارتن هايدغر... "الملك" مخلوعًا عن عرشه
يظهر في الصورة كوخ خشبي بسيط، يطلّ من أعلى التل على منحدرات التزلج الخضراء لمنطقة توتناوبرغ. هذا الكوخ يحتلّ مكانة حاسمة في تاريخ الفلسفة الغربية. أمرت إلفريده هايدغر ببنائه في صيف 1926، أي قبل قرن بالضبط من الآن. كانت قد اشترت قطعة أرض من مزارع بآخر ما تبقّى لديها من مدّخرات، واستأجرت نجارًا محليًّا لصنع الكوخ. كانت هذه هديتها لزوجها مارتن هايدغر: "مكان هادئ للعمل والتفكير"، كما قالت له. وهذا ما فعله زوجها بالضبط؛ في هذا الكوخ تبلورت تحفته الفلسفية الكبرى "الكينونة والزمان" التي نشرت عام 1927، وهنا طوّر أفكاره حول "الخوف" و"الملل" و"الموت" و"الطبيعة المهيمنة للتكنولوجيا"، والتي لا تزال تحظى بشعبية كبيرة في أروقة الفلسفة الغربية حتى اليوم. "أتطلع بشدّة إلى هواء الجبال النقي؛ فهواء الوادي العليل هذا يخنقني على المدى الطويل"، كتب هايدغر في رسالة إلى صديقه الفيلسوف كارل ياسبرز. وأضاف: "لا أحتاج إلى صحبة الأساتذة، أفضّل عليهم المزارعين، فهم أكثر إثارة للاهتمام".
عشتُ تجربة مختلفة في الغابة السوداء في صيف 2010، العام نفسه الذي التقطتُ فيه تلك الصورة لما تبقّى من كوخ هايدغر. كانت الغابة السوداء جميلة بلا شك بشلالاتها وصخورها، لكنها كانت أيضًا خانقة. كما هي الحال في البلدة التي تم تنظيفها بعناية فائقة، والتي تضم أكبر ساحة سوق في ألمانيا. كان هناك ما لا يقل عن ثلاثة نصب تذكارية تخلّد ذكرى ضحايا الحرب؛ لم تكن تلك النصب لليهود أو الاشتراكيين أو المعارضين للنازية، لا... بل كانت للجنود الألمان الذين كانوا مستعدين للموت من أجل النظام النازي حتى النهاية المريرة، رجال مثل هايدغر تمامًا.
تصف خرائط غوغل اليوم كوخ مارتن هايدغر الشهير بأنه "مكان للحج في توتناوبرغ". لكن المكان لم يبدُ مقدسًا أو سحريًا، على الرغم من أنني كنت أصادف أفكار هايدغر في كل لحظة، سواء عند مفكّرين آخرين: حنّه آرندت (1906 - 1975)، سيمون دي بوفوار (1908 - 1986)، ماكس هوركهايمر (1895 - 1973). أو في الثقافة الشعبية مثلًا، كما في رواية بنيامين كونكل الأولى "التردد" (2005)، أو في أغاني فرق موسيقى الديث ميتال، وربما أيضًا في كتب "الزن" و"فن صيانة الدراجات النارية". كان الكوخ المتواضع، الذي لا يزال مملوكًا لورثة هايدغر، قد خضع لتجديد واضح. مصاريعه الخضراء كانت مغلقة بعناية. ووفقًا للوحة التذكارية الموجودة في الموقع، فإن الشيء الوحيد الحديث في الكوخ كان جهاز الراديو الذي استخدمه هايدغر عام 1962 لمتابعة أخبار أزمة كوبا. وقفت لالتقاط صورة وأرسلتها إلى عمي، وهو معجب حقيقي بهايدغر. ولم يخطر ببالي أبدًا أن أغوص بنفسي في أعمال ذلك النازي العجوز، إلى أن بدأتُ أشعر بالخوف بعد سنوات.
فيلسوف القرن
"مارتن هايدغر هو القرن العشرين"- هكذا يلخّص الفيلسوف الهولندي ألفريد دينكر انبهاره بالفيلسوف الألماني، يدير دينكر متحف هايدغر وأرشيفه في القلعة الواقعة في ماسكيرش، مسقط رأس هايدغر. وقد صدر عن دينكر سابقًا كتاب السيرة الفكرية "مارتن هايدغر... في الطريق إلى نفسه وزمانه" (2017). يضيف دينكر موضحًا: "وُلد هايدغر في الإمبراطورية الألمانية، وشارك في الحرب العالمية الأولى، وعاش في عهد جمهورية فايمار خلال الحرب العالمية الثانية بالطبع، وشهد ظهور التكنولوجيا الحديثة. وعندما توفي عام 1976، كنّا قد وصلنا بالفعل إلى القمر، لذلك أعتبر هايدغر هو القرن العشرين". كان هايدغر في بداياته كاثوليكيًا ملتزمًا. وكان والده صانع براميل بسيطًا ومسؤولًا عن الكنيسة. وبفضل دعم الكنيسة، التي لطالما كانت تراقب عن كثب الحملان الموهوبة في قطيعها، تمكّن الشاب المولود عام 1889 من الالتحاق بالمدرسة الثانوية. وكان زملاؤه ينتمون إلى عائلات ميسورة من الموظّفين الحكوميين والتجّار والأطبّاء والمحامين. تلك كانت بداية "عقدة النّقص" التي ظلّ هايدغر يحملها داخله طوال بقية حياته. حتى في ذروة شهرته، كان بعض الزملاء الذين يصادفونه يظنون أنه فنّي التدفئة أو حارس المبنى.
في كتابه "هايدغر وعصره" (1996)، يعبّر الكاتب والفيلسوف الألماني روديجر سافرانسكي عن افتراضه بأن هنا تحديدًا تكمن بذرة تقسيم هايدغر للعالم إلى "قرية" و"مدينة"، وإلى "أصيل" و"مزيف". التقسيم الذي يعتبره سافرانسكي: "فقيرًا ومحدودًا من الناحية الاجتماعية البحتة". يكتب سافرانسكي: "ابتعد هايدغر عن المدن وهرب إلى ألمانيا البسيطة الصادقة المحيطة بكوخه الفقير في الغابة السوداء، في هذه العزلة بدأت كراهية هايدغر لما أسماه ’الزيف المديني’. وبالتالي قام بتقسيم العالم بشكل ساذج إلى عالمين؛ أحدهما صارم، ثقيل، ثابت، بطيء، ويمثل عالم القرية أو الريف. وآخر متسرع، سطحي، خاضع لأهواء اللحظة، وتجسده المدينة وقوانينها".
أراد هايدغر أن يصبح راهبًا يسوعيًا، لكنه توقف عن دراسة اللاهوت حين اكتشف الفلسفة. كان قد بلغ أوائل العشرينات من عمره آنذاك وأصبح ملزمًا بالانضمام إلى الجيش. وفي أثناء الفحوص الطبية العسكرية يكتشف إصابته بمرض في القلب، فيمنعه المرض من الزحف على بطنه الضامرة في خنادق الحرب العالمية الأولى كجندي. وبدلًا من ذلك، يلحق بالعمل في الرقابة البريدية على الرسائل المتجهة أو الواردة من الجبهة. كما عمل في تلك الفترة أيضًا في دائرة الأرصاد الجوية. وفي نفس الفترة تقريبًا، تعرّف على زوجته إلفريده، ابنة ضابط بروتستانتي كانت تدرس الاقتصاد في فرايبورغ. أنجب الزوجان ابنًا أول منحاه اسم يورغ. ثم أنجبا ابنًا ثانيًا بعد عدة سنوات، ليظهر لاحقًا أنه كان من أب بيولوجي آخر.
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، ينغمس هايدغر في أحدث اتجاه فلسفي: المنهج الظاهرياتي (الفينومينولوجي). إنها طريقة مختلفة تمامًا للنظر إلى العالم. خذ على سبيل المثال المكتب الذي يُكتب خلفه هذا المقال؛ لقد اعتدنا على اعتباره قطعة أثاث. اشتريته من "إيكيا"، أبعاده 120 × 70 سنتيمترًا، قابل لتعديل الارتفاع، مصنوع من خشب فاتح. ماذا لو نسينا كل تلك التصنيفات القائمة على ما نعتقد أننا نعرفه بالفعل؟ ماذا لو تعاملنا مع المكتب بذهن متفتح، كما يظهر لي هنا والآن؟ أشعر بشيء صلب يضغط على الجزء السفلي من معصمي. إن بياض سطح المكتب هو في الواقع مجموعة من الظلال. فجأة، تلفت انتباهي الجسيمات الدقيقة التي تملأ المساحة حولي.
نجم البوب الفلسفي
سيأخذ الفيلسوف الألماني المنهج الظاهرياتي إلى خطوات أبعد في محاضراته، لم يكن المنهج ذاته بالنسبة لهايدغر مجرد طريقة لفهم الأشياء المحيطة به فقط. بل استخدمه في الأساس لاكتشاف "الكينونة" نفسها، من خلال ما أسماه "المزاجات الأساسية": "الخوف"، و"الملل العميق". وبذلك قاد مستمعيه في رحلة استكشافية إلى منطقة مجهولة: "التفكير بجرأة حيث لم يفكر أحد من قبل"، على حد تعبير شعار سلسلة "ستار تريك" التلفزيونية الشهيرة. سيكتب هايدغر في هذه الفترة قائلًا: "يجب استئصال الكثير من الوثنية الفلسفية، وهذا يعني أن على مختلف ’رجال الطب’ في الفلسفة الحالية أن يكشفوا عن حقيقتهم، يجب الكشف عن الجانب المروع والمثير للشفقة في حرفتهم".
انتشر خبر انطلاق حملة هايدغر الفلسفية انتشار النار في الحطب، وتوافد مئات الطلاب الشباب من كل حدب للاستماع إليه في محاضراته التي كانت مكتظة أصلًا بالرغم من موعدها المبكر المتعمد. في هذه المحاضرات كان يجلس عمالقة في طور التكوين مثل ماكس هوركهايمر (1895 - 1973)، وهانز جورج غادامر (1900 - 2002)، وهربرت ماركوز (1898 - 1979)، وكارل ياسبرز (1883 - 1969) الذي كتب لهايدغر ذات مرة بإعجاب شديد بعد واحدة من محاضراته الشيقة: "لم أسمع أحدًا يتحدث منذ زمن بعيد كما تحدثتَ اليوم. كأنني كنت أتنفس هواءً نقيًّا، هكذا كان شعوري في ذلك التجاوز المستمر الذي تجرؤ عليه". أصبح مارتن هايدغر معروفًا بلقب "ساحر ماسكيرش"، وقد عزز هذه الصورة الصوفية من خلال سلوكه غير المعتاد داخل الأوساط الأكاديمية، فقد كان يظهر في أروقة الجامعة مرتديًا ثيابًا ريفية غريبة، ويتجول في الشتاء على أصدقائه حاملًا زلاجات الجليد على كتفه. أما في الصيف، فقد كان يدعو أتباعه ومريديه للاحتفال بالأعياد والعطلات في كوخه بالغابة السوداء، مع ما كانت تتضمنه هذه الإقامات من رحلات طويلة للمشي وأيام للتخييم في العراء حول النار المشتعلة وموسيقى الجيتار.
لم تكتمل صورة مارتن هايدغر في أذهان مريديه وأعدائه باعتباره "نجم البوب الفلسفي" الجديد، إلى أن دخلت علاقاته الغرامية بقوة إلى المشهد، حدث هذا بعدما انتشرت شائعات علاقته الغرامية مع طالبته حنّه آرندت، التي كانت تصغره بسبعة عشر عامًا، والتي تعودت استقباله سرًا في غرفتها العلوية. في رسائله الغرامية إليها، كان هايدغر يدّعي أنها تفهمه أفضل مما يفهم هو نفسه، لكنه لن يأخذ أعمالها الفلسفية بجدية أبدًا. ستكتب آرندت في يومياتها عن "السحر" الذي جعلها هايدغر تشعر به في هذه الفترة: "لقد عاد التفكير إلى الحياة، ونطقت كنوز الماضي الثقافية التي كان يُعتقد أنها ماتت منذ زمن سحيق، لأكتشف أنها تحتوي على أشياء مختلفة تمامًا عما كنت أشك فيه بريبة. هناك الآن معلّم؛ وربما يمكنني تعلّم التفكير على يديه".
اللغو الجميل:
لم تخطئ آرندت فيما كتبته؛ إذ لا يزال من الممكن الشعور بشيء من "هذا السحر" عند قراءة تحفة هايدغر "الكينونة والزمان" التي صدرت عام 1927. تلخص سارة بيكويل نقطة انطلاقها في كتابها "الوجوديون: فلسفة الحرية والوجود والكوكتيلات" (2016) بقولها: "أكثر ما يثير الحيرة في مسألة الكينونة هذه هو أننا لا نشعر بالحيرة الكافية تجاهها. فنحن نقول ’السماء زرقاء’ أو ’أنا سعيد’، ونتظاهر بأن وجود فعل ’يكون’ هذا هو أمر بديهي تمامًا". انكبّ هايدغر على ما اعتبره "أمّ الأسئلة الفلسفية" التي طواها النسيان: ما معنى الكينونة؟ كان هذا الطرح بداية رحلة بحث عن أعمق جذور للوجود البشري. وهي رحلة تقودنا، عبر المشاعر الأساسية المتمثّلة في "الخوف" و"الملل"، إلى "الوجود حتى الموت". أي مواجهة فنائنا الخاص.
وكما يشرح الفيلسوف الفلمنكي والأستاذ الفخري ديرك ده سخوتر في كتابه الشيق عن هايدغر (2020): "الموت ليس فقط الحدث الذي يُنهي كينونة كل إنسان، بل هو ’بنْية مكتملة’ تحدّد الوجود اليومي منذ البداية وحتى النهاية. فأنا من خلال تعاملي مع فنائي، أُظهر من أكون. وفي مواجهة النقص الوجودي، أصبح ما أنا عليه، وأكتسب فرديتي. ومن ينكر هذا، أو لا يريد رؤيته، يقع، وفقًا لهايدغر، في ’الزيف’ و’اللاأصالة’. لذلك يبحث هؤلاء المنكرين باستمرار عن الإلهاء. فكر مثلًا في الثرثرة التي لا نهاية لها في المحادثات الهاتفية، والإدمان على التصفح المستمر لمقاطع الفيديو على تيك توك وانستغرام، وغيرها من وسائل قضاء الوقت اليوم".
لا يمل هايدغر في "الكينونة والزمان" من التأكيد على ضرورة إعادة النظر والتفكير في كل شيء، ولكن ضمن إطار المنهج الظاهرياتي، محاولًا إثارة دهشة القارئ إزاء الأمور التي تبدو بديهية. وهو يفعل ذلك من خلال تطوير لغة خاصة به، ما يثمر عن تراكيب لغوية وجمل تبدو شعرية أو شديدة الغموض، ما كان يثير ارتباك المستمعين لمحاضراته أو قراء أعماله. ولكن إلى جانب إثارة الارتباك هذه، إلا أن هذا النهج الجذري تمامًا أثار أيضًا الإعجاب، لا سيما في اللحظات التي ينجح فيها القارئ أو المستمع في فهم لغة هايدغر الجديدة والغريبة.
يصف ديرك ده سخوتر في مقابلة صحافية تعرّفه على الفيلسوف الألماني بأنه كان "نوعًا من الوحي، أو تحولًا غير ديني". فقد حصل في المدرسة الثانوية من شقيقه على كتيب للفيلسوف الهايدغري الهولندي كورنيليس فيرهوفن (1928 - 2001) بعنوان "مقدمة إلى الدهشة"، يقول: "حدث لي شيء ما بعد قراءة الكتاب، وسألت أخي: ’ما هذا؟’ فأجاب: ’فلسفة’. فكان ردي: ’أريد أن أدرسها!’ غالبًا ما يقول الناس إن هايدغر غامض للغاية. أما أنا فأرى أنه يكتب نوعًا غريبًا من الشِّعر. إذا كنت حساسًا تجاه الكتابة الشعرية، فسوف تجد أعمال هايدغر سهلة الفهم، بل وممتعة".
يؤكد ده سخوتر على طابع هايدغر المعاصر: "مثل تركيزه على النهاية، الثقافة الغربية تواجه صعوبة كبيرة في التعامل مع هذا الموضوع، يتعلق الأمر هنا بنهاية ’الوجود’ ذاته، لأن البشر يستنزفون الكوكب. لكن هناك أيضًا الصراع الفردي مع ’الوجود حتى الموت’، ومع فكرة ’عدم كمال الوجود البشري’". يقول ده سخوتر في مقدمته: "الإنسان في القرن الحادي والعشرين بارع جدًّا في كل ما يتيح التحكم السريع، لكنه يواجه صعوبة كبيرة في التعامل مع الأمور البطيئة، تلك التي لا يمكن التحكم فيها؛ الصبر، التسامح، الانتباه، التعلم، والحزن". يتنهد ده سخوتر قبل أن يضيف: "أستطيع اليوم، وبعد كل هذه السنوات من التخصص في أعمال هايدغر، أن أقولها صراحة، وبأثر رجعي: هايدغر فيلسوف مقنع، غامض، لكنه رغم ذلك يتركك بعد كل هذا اللغو الجميل فارغًا".
مع سقوط النازية وانتهاء الحرب العالمية الثانية، تحوّل مارتن هايدغر إلى ضحية من نوع خاص، بعدما عاقبته السلطات الجديدة ومنعته من التدريس. لكنه بالرغم من ذلك لم يعترف يومًا بخطئه، وظلّ يشكو من "تمييز" السلطات ضده. وقد جعل هذا الموقف الاستعلائي - كما يلاحظ كون هاخنز في الجزء الثاني من مقالته عن هايدغر - دفاعات الفيلسوف الألماني تبدو في مرحلة ما بعد الحرب كما لو كانت محاولةً للتغطية على ماضيه النازي المشين بخطاب فلسفي أكثر غموضًا، محمّلًا برومانسية الماضي وحنينه إلى قدامى الإغريق وأسطورة الأرض. لكن هايدغر قدّم في الوقت نفسه تحليلًا ثاقبًا حول التقنية التي اعتبرها إطارًا عامًا سيحوّل كل شيء على هذه الأرض، بما في ذلك الإنسان أيضًا، إلى مجرد مخزون قابل للاستغلال. هذا الرأي، الذي يبدو راهنًا ويتّفق مع المخاوف البيئيّة الحالية، أغرى البعض بتبرئة هايدغر بأثر رجعي، لكن هاخنز يذكّرنا بأن هايدغر: "الذي انتقد تحويل النهر إلى محطّة للطاقة، لم يرَ أن التقنية نفسها حوّلت اليهود إلى رماد في المحارق"!
يفرد المقال مساحة كافية لاستعراض المواجهة الأخلاقية التي تطرحها سيرة هايدغر على كل من يتعامل مع إرثه الفلسفي، وهي إشكالية الفصل بين الفكر وصاحبه؛ هل يمكننا اليوم أن نقرأ مؤلفات هايدغر أو نستفيد من تحليلاته التقنية والفلسفية، ونحن ندرك تاريخه المناصر للنازية؟ لا يقدّم هاخنز إجابة واحدة، بل يعرض الآراء المختلفة، بدءًا من أولئك الذين يرون في هايدغر مفكرًا عظيمًا ارتكب "حماقة" سياسية كبرى، لكنهم لا ينكرون عبقرية نصوصه. وصولًا إلى الذين يعتبرون أن هذه النصوص لم تكن يومًا بريئة، وأن مفاهيم مثل "الأصالة" و"الجمهور" و"الشعب" كانت تحمل في طياتها استعدادًا للاستيلاء الأيديولوجي من قبل اليمين المتطرّف.
ربّما لا تبتعد الرؤية النقدية التي يقدّمها هاخنز هنا عن الحقيقة، خاصة حين يستشهد بكتابات حنّه آرندت التي وصفت كوخ هايدغر الريفي بأنه: "جحر فأر يستقبل فيه زوّاره ومريديه المقدّسين"، وحين يستعيد شهادة الفيلسوف كارل ياسبرز الذي وصف هايدغر بأنه: "مفكر مثير ومبهر بالطبع، لكنه عادة ما يتركك خالي الوفاض بعد أن يشحذ تفكيرك". وهي شهادات تأتي من أقرب الأشخاص إلى هايدغر، وتشير إلى فراغ روحي وإلى نرجسية فكرية لا يمكن تجاهلهما عند تقييم فلسفته اليوم. وبالرغم من هذه الآراء، يختتم هاخنز مقاله متسائلًا: هل من العدل أن نُحرِّم أعمال هايدغر فيما نحتفي بأعمال تلاميذه وأتباعه؟ كيف يمكننا مثلًا أن نبني نقدًا حداثيًا يستفيد من أعمال حنّه آرندت وهربرت ماركوز وجان بول سارتر، في حين أن هؤلاء جميعًا يدينون لهايدغر بجزء كبير من أدواتهم الفكرية؟ بل كيف يمكننا أن نتفهّم فلسفة جاك دريدا وميشيل فوكو بدون أن نمرّ على المعلّم المؤسّس، الذي فتح لهما طريق نقض الميتافيزيقا؟
لا تكمن إشكالية موقف هايدغر الحقيقي من النازية - وفقًا لهاخنز - في كونها مسألة أخلاقية فردية، بل موقفًا فكريًا ينير لنا "الجانب المظلم" من الفكر الغربي نفسه، إذ لم تأت الأفكار النازية من العدم، بل استندت إلى تيّارات فلسفية قديمة بدأت منذ أفلاطون ومرّت بكانط وفيشته ونيتشه، حملت في طيّاتها بذور التعالي العرقي والاستعلاء الحضاري. وبالرغم من ذلك، يمكننا اليوم القول إن أهم دروس هايدغر ليست في أعماله عن "الكينونة" و"الزمان"، بل في جملته التي تقول: "السؤال هو تقوى التفكير".
هاخنز لا يسقط في فخ التبرير، كما يفعل غيره ممن تناولوا حياة هايدغر وانحيازاته النازية، لكنه يذكّرنا بأن هذه الحقيقة الوجودية لا تمنح هايدغر صكّ غفران، بل تضعنا نحن القرّاء أمام مسؤوليتنا في استخلاص الحكمة من أعماله، مع الاحتفاظ بجرح نقدي مفتوح يمنعنا من تقديس المؤلّف. لذا، يظل هايدغر بالنسبة لكثيرين: "ملكًا" في عالم الفلسفة، بفضل الزلزال الفكري الذي أحدثته أفكاره، و"مخلوعًا" لدى آخرين بسقوطه الأخلاقي المدوي.
نترجم هنا الجزء الثاني والأخير من مقال الناقد الهولندي كون هاخنز حول مارتن هايدغر، في مناسبة مرور 100 عام على إصداره الأهم "الكينونة والزمان" (1927).
مارتن هايدغر: "الملك" مخلوعًا عن عرشه
قفزة زمنية مدّتها 20 عامًا... "الملك الخفي لمملكة الفكر" أصبح في الحضيض؛ مُنع مارتن هايدغر من التدريس في عام 1946، فيشكو متأسيًا على نفسه من "التمييز ضدّ شخصي وعملي من قبل السلطات الجديدة". وقد تمّ التراجع عن القرار بعد خمس سنوات، عاشها هايدغر مكتفيًا بالقليل مما كان يكسبه جراء إلقاء محاضرات أمام مجموعات من رجال الأعمال وغيرهم من المتطفّلين على موائد الفلسفة. جمهور ليس لديه ما يميّزه فكريًا، ولكن من السهل إقناعه. هل كانت عبارات هايدغر الفلسفية في هذه المحاضرات تبدو جوفاء بعد أن تلاشت شهرته كنجم فلسفي صاعد؟ إن "الكينونة" التي عكف على "فلسفتها" و"التبشير" بها بشكل رومانسي، وقدّمها باعتبارها "روح العالم" على غرار هيغل طوال النصف الثاني من حياته، صارت تقدّم الآن - وهو مفلس - بشكل أكثر تعصّبًا وانغلاقًا.
تزخر كتابات هايدغر بالكثير من الشخصيات التي تنمّ عن تقديس وحنين مستمر إلى الماضي، مثل الحطّاب البسيط الذي "يسير بالطريقة ذاتها على دروب الغابة نفسها، تمامًا مثل جدِّه". لم يتطرّق الفيلسوف الألماني في أعماله أبدًا إلى عمّال المصانع المستغلّين في مراحل تاريخية سابقة، وكان يبرّر ذلك بقوله: "لقد ولدنا في أوقات متأخّرة جدًا"، ثم يغرق في تأمّلاته عن الإغريق القدماء: "أولئك كانوا رجالًا حقيقيّين، أمّا بقيّة فصول التاريخ فتبدو لي مجرد خاتمة طويلة".
استمرّ هايدغر في جذب الآذان إلى محاضراته في فترة ما بعد الحرب، وبقي ذكره لدى الكثيرين بوصفه الرجل الذي يصوغ أفكارًا مثيرة للاهتمام حول جوهر التكنولوجيا الحديثة. ألقى محاضرته الشهيرة في بافاريا في عام 1953، وجادل أمام جمهور يتألّف في الغالب من الفنانين قائلًا إن التكنولوجيا: "ليست شيئًا محايدًا يمكننا استخدامه لتحقيق أهدافنا بدون عواقب، إنها تؤثر فينا وعلينا، لقد صارت الناس أقل قدرةً على النظر باندهاش إلى الأنهار والجبال والغابات من حولها، أصبحت نظرتهم أداةً، فيما تحوّلت الطبيعة إلى مخزون – من الحديد والحطب والفحم والذهب – في انتظار من يقوم باستخراجه". يطلق هايدغر على هذه المنطقية اسم "الهيكل"، يقول: "لم تُبن محطّة الطّاقة الكهرومائيّة في نهر الراين بنفس المنطق الذي بُني فيه الجسر الخشبي القديم بين ضفّتيه منذ قرون. بل الأمر أقرب إلى تحويل النهر ليصبح محطّة للطاقة". هايدغر الذي ينتقد تحويل النهر إلى محطّة للطاقة، لم يرَ أن التقنية نفسها حوّلت اليهود إلى رماد في المحارق!
الدّفاتر السّوداء
"دروس حكيمة" كما يقول الفيلسوف الفلمنكي ديرك ده سخوتر: "ليس الأمر أن هايدغر يريد التخلّي عن التكنولوجيا تمامًا، فهذا استخلاص سخيف، بل يجب علينا وفقًا له، أن نتوقّف عن الاعتقاد بأن التكنولوجيا توفّر لنا جميع الحلول، لأن هذا وهم كبير. خذوا تغيّر المناخ على سبيل المثال، لا يمكننا مكافحته اليوم فقط من خلال الاختراعات الذكية الجديدة المتتالية، مثل تخزين ثاني أكسيد الكربون. بل يتطلّب الأمر أيضًا تغييرًا في العقلية التي نتعامل بها مع الطبيعة، سيتعيّن على الإنسان أن يغيّر من الطريقة التي يتعامل فيها مع العالم". يوافق الفيلسوف الهولندي ألفريد دينكر على ما خلص إليه ده سخوتر: "لم يكن هايدغر معاديًا للتكنولوجيا أو العلم، بل كان معارضًا للنزعة الفكرية السائدة التي تدفع الناس إلى محاولة قياس كل شيء كميًا؛ يولد المرء اليوم فتمنحه الدولة رقمًا على الفور، وتنشغل مؤسسات الرعاية الطبية بحساب تكلّفه حياة الإنسان منذ لحظة ولادته حتى مماته. الأمر الذي ينسحب على جميع تفاصيل حياتنا اليوم حين نعبّر عن قيمة الأشياء بالدولار أو باليورو، سواء كان الأمر يتعلّق بطريق جديدة يجب إنشائها، أو بغابة يجب إزالتها لشقّ هذه الطريق".
ومع ذلك، فإن هذه "الحياة في توتناوبرغ"، كما تلاحظ عشيقة هايدغر السابقة حنّه آرندت بسخرية، مستهزئةً بالطريقة التي كان هايدغر يكتب بها اسم البلدة في رسائله إليها: "لم تكن سوى "جُحْر فأر" انعزل فيه، هناك آمن هايدغر أنه لن يضّطرّ إلّا لمواجهة أشخاص يقومون برحلة حجّّّ إليه مليئة بالإعجاب؛ فلا أحد سيصعد 1200 متر فوق التلال ليثير معه عراكًا". أما عن مشاعرها تجاه إلفريده زوجة هايدغر، فلا تخفي آرندت عداءها: "أخشى أن تلك المرأة، طالما بقيتُ أنا على قيد الحياة، فسوف تكون على استعداد لإغراق جميع اليهود. إنها، للأسف، غبية للغاية".
يمكننا تخمين سبب التغيّر في النبرة التي تتحدّث بها آرندت عن عشيقها ومعلّمها الأول: النازية. كان الكثيرون ينظرون إلى تعاون مارتن هايدغر مع النازيين بوصفه خطأ سيعتذر عنه لاحقًا بشكل ما. أو أن هذا التعاون كان مقتصرًا فقط على السنوات الأولى لصعود هتلر إلى الحكم، ولكن مع الاكتشافات المثيرة التي عثر عليها في أرشيف هايدغر خلال السنوات الماضية، أصبح من الصعب التمسك بتلك الصورة المعتدلة عن فلسفته، كما عن شخصه.
ولنبدأ بالحقائق؛ لم يخفِ هايدغر أبدًا أنه معادٍ شرس للشيوعية، بل كان يفضّل هتلر، الرجل الذي وعد بوقف "الخطر الأحمر". أرسل هايدغر إلى شقيقه نسخة من كتاب "كفاحي"، معترفًا أنه وقع تحت "سحر الثورة اليمينية" المتطرّفة. وحين عُيّن عميدًا في جامعة فرايبورغ، اعتبرها هايدغر مناسبة جيّدة وألقى خطابه الشهير الذي دعا فيه إلى جعل الجامعة الألمانية "كتيبة قتالية من الأساتذة والطلّاب". ثم انضم إلى الحزب النازي، واصطحب طلّابه وأتباعه مرة بعد أخرى إلى كوخه في توتناوبرغ، لحضور معسكرات علمية/ قومية/ اشتراكية، كان هايدغر يقوم فيها بالخطابة على طريقة هتلر، بل يقال إنه وقف يخاطب 600 عامل من العاطلين عن العمل حول المهمة التاريخية للشعب الألماني. وقتها كان أبًا لشابين على مشارف الرجولة، شاركا لاحقًا في القتال على الجبهة الشرقية، وأسرا هناك على يد الروس.
الدفاتر السوداء:
بعد أن استقال هايدغر من منصب رئيس الجامعة، انسحب إلى عزلة تامة في كوخه الريفي فوق تلال توتناوبرغ، غاضبًا من عدم استعداد النازيين الكافي للإنصات إليه. ففي نظرته الساذجة للعالم: "لا تنبع السلطة من فوهة البندقية، بل من فم الفيلسوف". ولكن حتى في تلك المرحلة، كان هايدغر لا يزال يدوّن ملاحظات من قبيل: "إن اليهودية العالمية التي يحرّض عليها المهاجرون الذين طُردوا من ألمانيا، كيان غير ملموس في كل مكان، ولا يتعيّن عليها، في ظل أي استعراض للقوة، أن تشارك في أي أعمال حربية، مما لا يترك لنا خيارًا سوى التضحية بدماء أفضل أبناء شعبنا".
هذا الاقتباس مأخوذ من "الدّفاتر السّوداء"، وهي 34 دفترًا دوّن فيها هايدغر ملاحظاته الشخصية على مدى عقود. تم الكشف عنها عام 2014، ونُشرت المقاطع الأكثر حساسية منها على الملأ في العام نفسه. وكان معروفًا على نطاق واسع منذ زمن طويل أن هايدغر، على الرغم من صداقاته مع الكثير من اليهود، كان متعاطفًا مع النازيين. ولكن بعد الاطلاع على ما جاء في دفاتره السوداء، صار الأمر أوضح من أي وقت مضى: هايدغر يكره اليهود كراهية هتلر لهم، ليس فقط في تصريحاته الخاصة أو المتفرّقة، بل أيضًا في بعض المقاطع التي تبدو فلسفية في ظاهرها، لا سيما تلك التي تعود إلى الفترة من 1938 إلى 1941.
احتقار الديمقراطية
كان بيتر تراوني، أستاذ الفلسفة في جامعة فوبرتال الألمانية، ومدير معهد مارتن هايدغر الذي أسسه بنفسه، وناشر أعماله الكاملة، هو الذي كشف عن "الدّفاتر السّوداء" عام 2014. أحدث الاكتشاف ضجة كبيرة، لا سيما لدى تراوني نفسه، الذي يقول في إحدى المقابلات: "لا بدّ أنني كنت في العشرين من عمري تقريبًا عندما قرأت كتاب ’الكينونة والزمان’ لأوّل مرة. وبالطبع لم أفهم منه شيئًا في ذلك الوقت. وكان منبع سحري به بالذات هو عدم الفهم هذا، وهكذا ستكون الحال مع معظم الناس اليوم أيضًا. يستغرق الأمر بعض الوقت قبل أن تفهم كيف يفكر عقل هايدغر، وذلك لأنه ببساطة لم يكن فيلسوفًا سهلًا". وعلى الرغم من نزعة هايدغر النازية، إلّا أنها لم تثن من عزم بيتر تراوني على نشر الأعمال الكاملة للفيلسوف الألماني، يقول: "هايدغر ليس فكرة أو انحيازًا، إنه فيلسوف، تضم أعماله المنشورة 102 مجلد. وأعتقد أن بإمكان كل شخص أن يجد ما يبحث عنه في عمق هذا التفكير الشامل والواسع، وسواء تعلّق الأمر بتحليل هايدغر لـ’الكينونة’ أو ’الزمان’ أو ’التكنولوجيا الحديثة’، أو حتى العلاقة بين الفلسفة والفن، فيمكن لكل باحث أن يعثر لديه على ما يبحث عنه بسهولة".
أمّا ألفريد دينكر، الذي يعمل حاليًا على وضع اللمسات الأخيرة على مختارات من كتابات هايدغر السياسية/ الفلسفية المثيرة للجدل، فيلاحظ أمرًا آخر: "كانت ألمانيا أكثر الدول تقدّمًا في العالم، وتضم أفضل الجامعات. فلماذا إذًا انجذب هايدغر إلى تلك الأيديولوجيا النازية؟ أحد الدروس المستفادة من هايدغر وحياته أن من الخطورة التركيز بشكل مفرط على الجوهر الأعمق للأشياء، وإغفال الواقع السياسي المحيط بها. فقد انطلق هايدغر دائمًا من أفكاره الخاصة حول "كيف يمكن أن يكون النازيون". بدلًا من أن يواجه "حقيقة ما كانوا عليه". ويمكن ملاحظة ذلك أيضًا في الرسائل التي تبادلها مع شقيقه، والذي كان بالمناسبة أكثر واقعية منه في هذا الشأن".
يُضاف إلى ذلك، حسب رأي ألفريد دينكر، أنه من المستحيل تحديد شخصية واحدة محدّدة لهايدغر خلال تلك الحياة الطويلة باعتبارها "الشخصية الحقيقية"، فهناك العديد من الصور المختلفة للرجل. يقول: "كان هايدغر قاسيًا وباردًا بشكل لا يُصدّق، لكنه كان أيضًا دمثًا وهادئًا، وكان من عادته تقسيم الأشخاص الذين يتعامل معهم إلى مجموعات، وبالتالي كانت لديه صداقات في كل مكان؛ في ماربورغ وفرايبورغ وميونيخ وزيورخ. وجميعهم كانوا يعتقدون أنهم يعرفون هايدغر حقّ المعرفة، لكنهم كانوا يرون دائمًا جزءًا آخر من شخصيته، وهو ما ينطبق أيضًا على النساء اللاتي أقام معهنّ علاقات". ما يبقى عالقًا في الأذهان بعد عقود من الجدل المحتدم حول شخصية هايدغر، هو هذا السؤال الوحيد: هل يمكن الفصل بين أفعال الإنسان وأفكاره؟ وإن لم يكن الأمر على هذا النحو، فما هو تأثير هذه المواقف على كل ما كتبه هايدغر قبل صعود هتلر؟ هل كان هذا العمى كامنًا فيه منذ البداية، منذ اللحظة التي اختلط فيها الفتى الكاثوليكي من قرية ماسكيرش بين طلّاب الثانوية البرجوازيين البارعين في الكلام؟
يقول ده سخوتر: "بالطبع ارتكب هايدغر خطًأ فادحًا، أكبر ’حماقات’ حياته، كما وصفها هو نفسه. لكن هناك فرق كبير بين القول إنه كان ’أعمى سياسيًا’، والقول إنه كان ’مُنظّرًا نازيًا مقتنعًا بضرورة إبادة اليهود’". أو على حدّ تعبير الفيلسوف الهولندي أوي برينس المتخصّص في أعمال هايدغر الفلسفية، في حوار مع صحيفة "تراو" عام 2014 : "لم يكن هايدغر، بكل بساطة، شخصية محبوبة، كان يكره كل شيء وكل شخص؛ المدن الكبرى والليبراليين والاشتراكيين والإنكليز والأميركيين. لقد هرب بدون أي وازع من ضمير مع زوجة صديقه المقرّب! صحيح كلّها نقاط ضعف في شخصيته، لكنها لا تقلّل في نظري من مكانته كمفكّر وفيلسوف لا يمكن غضّ الطّرف عما قدّمه للفلسفة بشكل عام".
من ناحية أخرى، هناك من يعتبر موقف هايدغر الشخصي تجاه النازية بمثابة اختبار حقيقي لأفكاره، فكل تلك الصفحات عن "الخصوصية" وضدّ "الجمهور المطيع الذي يكون فيه كل فرد هو الآخر ولا أحد هو نفسه"، لم يعد لها معنى في النهاية بعد أن انغمس هايدغر في نشوة هتلر. وبالمناسبة، وكي لا ننسى؛ لم يكن هايدغر وحده المنبهر بأفكار النازيين، كان هناك عدد كبير من زملائه ومجايليه الأكاديميين الذين يكنّون – مثله – احتقارًا غير محدود للديمقراطية والمجتمع المتعدّد الآراء أو الثقافات.
سحر الوجود
انتقص هذا الموقف على أي حال من مكانة هايدغر كنجم في سماء الفلسفة، وانقطع السحر الذي كان معاصروه يشعرون به تجاهه في عشرينيات القرن الماضي بأثر رجعي. ولنأخذ غموض لغة هايدغر الغريبة التي دفعت بعض نقاده إلى التساؤل: ما مدى حداثة ما يكتبه هايدغر حقًا؟ وبصرف النظر عن جميع المصطلحات اليونانية القديمة والاقتباسات اللاتينية التي لا تنتهي في أعماله، هل نحن أمام "مُفسّر ذكوري مبتذل وسامٍ" كما نقول بلغة اليوم؟ سيكتب تلميذ هايدغر وصديقه كارل ياسبرز لاحقًا: "كان هايدغر من أكثر المفكّرين إثارةً بين معاصريه؛ مهيب، مقنع، غامض، لكنه يتركك بعد ذلك فارغًا". أمّا كاتب سيرته الذاتية الفيلسوف الألماني روديجر سافرانسكي فيصف تأثير كتابات هايدغر عليه قائلًا: "إنه يسلبك من نفسك تمامًا، لكن بعد ذلك تأتي حتمًا اللحظة التي تفرك فيها عينيك بدهشة وتسأل نفسك: ما الذي يريد قوله؟ وفقًا لهايدغر نفسه، لم يكن من الممكن فهم فلسفته بمجرّد حفظ كتبه عن ظهر قلب، بل عليك أن تختبرها وتعيشها بنفسك. والحقيقة أن مسألة ’الاختبار’ و’المعايشة’ هذه لا تزال غامضة بالنسبة لي، وتشبه إلى حد ما ’الشعار الروحي المقدس’ الذي يكتبه كلّ معلّم روحي لمريديه: ’أنا أفعل/ أقول/ أفسر ما أريد؛ فإن لم تشعر بأي شيء تجاه ذلك، فهذه مشكلتك أنت’"! حين دخلتُ المستشفى قبل عامين ونصف عام، وجدت نفسي فجأة، بعد عملية جراحية استمرت 13 ساعة، أكتب في يومياتي عن "الموت"، أو "الوجود نحو الموت" - "Sein zum Tode" كما كان هايدغر يحب أن يسمّيه، وتساءلتُ: أليس نسيان الوجود قليلًا أفضل من أن تكون واعيًا في كل لحظة من أرقك الليلي بالموت الذي يقترب؟
وبدأت أتعرّف على الخوف العميق الذي كتب عنه هايدغر... لأخرج بعد أشهر من الجانب الآخر للحياة، مندهشًا مثل رجل "هيبي"، سعيدًا بالحقيقة البسيطة التي تفيد بأن كل الأشياء في هذا العالم - الأشجار، الماء، الشمس، الظل، الناس – كلها موجودة، أراها... وألمسها، إن مفهوم "الحياة" نفسه يتألّق في ظلّ هذا الإدراك البسيط، هنا فقط "اختبرت" و"عايشت" كيف يمكن للوجود أن يصبح في حدّ ذاته "كائنًا حيًّا" إن جاز التعبير.
مساءلة الإرث
هل كان ساكن كوخ "الغابة السوداء"، بكتابته عن "الكينونة" و"الزمان"، يعلن لنا عن حقيقة أعمق ممّا قرأناه في كتبه؟ يلخّص روديجر سافرانسكي في كتابه "هايدغر وعصره" (1996) هدف الفيلسوف الألماني قائلًا: "كان هايدغر يطمح إلى إعادة اكتشاف ’سر الحياة’ الذي كان مهدّدًا بالضياع في العصر الحديث". ولكن هل كان هايدغر وحده الذي يسعى إلى مثل هذا الهدف الفضفاض؟ لم يكن الأول في ذلك السعي بالتأكيد؛ هناك المئات - من الفلاسفة إلى مدربّي التنمية البشرية إلى نشطاء البيئة – ممّن عبّروا عن أهداف رومانسية مماثلة، لكن لا أحد منهم تورّط في إضافة "نكهة نازية" على "طموحاته" هذه! رغم كل ما سبق، فلا تزال هناك العديد من الأسباب التي تدعونا إلى قراءة هايدغر في العشرينيات من القرن الحادي والعشرين، ربما بسبب من تلك المفارقة نفسها التي تقول إنه كان مخطئًا في انحيازه للنازية، وفي الوقت نفسه لا يزال تلامذته يتمتّعون بشعبية لا تقلّ عن ذي قبل!
كيف يمكننا تجاهل كتابيّ هايدغر المهمّين: "الكينونة والزمان" و"السؤال عن الشيء"، بينما نُثني - في الوقت نفسه - على كتب مثل "الحياة النشطة" لحنّه آرندت، أو "الوجود والعدم" لجان بول سارتر، أو "الإنسان الأحادي البعد" لهربرت ماركوز؟ أو أن ننجذب إلى ما بعد البنيويين مثل جاك دريدا ولوس إريغاراي؟ إن قراءة أعمال مارتن هايدغر المختلفة اليوم تجعلنا ندرك الجانب المظلم من الفكر الغربي، فذلك يُشحذ العقل في مواجهة الإغراءات المعادية للديمقراطية التي تعود للظهور مجددًا، حتى بعد مرور 100 عام على مذابح الحربين العالميتين. ولأن هايدغر نفسه قال بعد الحرب: "التساؤل هو تقوى التفكير"، فعلينا أيضًا مساءلة أعماله نقديًا، ولو - على الأقل - لمعرفة من أين جاءه هذا اليقين بوجود "شعب ألماني أسطوري كان عليه إنقاذ ’العالم الغربي’ من البربرية"!
يقول بيتر تراوني المتخصّص في فلسفة هايدغر: "أرى في هايدغر مثالًا حيًا على الفيلسوف الذي نستطيع تعلّم الكثير من مواقفه وحياته، نستطيع أن نتعلّم كيف نتعامل بنقد بنّاء وإيجابي مع تلك النزعات العدائية العرقية المتوغّلة عميقًا في الفلسفة الأوروبية، والتي بدأت منذ أفلاطون واستمرّت حتى تجسّدت في هتلر والنازية. ولا أريد هنا التقليل من شأن هايدغر، أو مساواته بغيره. لكن انظر إلى أعمال مفكّرين وفلاسفة آخرين مثل نيتشه، أو حتّى إلى كتابات الفلاسفة المثاليّين الألمان، مثل فيشت، هناك سترى مقاطع صريحة في معاداتها للسامية، وهي في كثير من الأحيان أسوأ مما عثرنا عليه في دفاتر هايدغر السوداء. وتمتد آثار تلك الأفكار وصولًا إلى كتاب ’كفاحي’ لهتلر. ذلك لأن النازية لم تسقط من السماء، بل لها جذور متوغّلة في عمق التفكير الغربي والأوروبي تحديدًا، وعلينا أن نأخذ كل تلك الجوانب الإشكالية اليوم في الحسبان، ليس فقط ونحن نعيد قراءة منجز هايدغر، بل لدى أعمال تلامذته أيضًا".
(عن ضفة ثالثة)