هذه واحدة من قصص سومرست موم الكاشفة عن أسلوبه الأدبي وتقنيات الكتابة التقليدية عنده، ولكنها تدخل بنا في نفس الوقت في عالم انجليزي قديم، حيث كانت البواخر هي وسيلة المواصلات الأكثر شهرة، وكانت تدور فيها الكثير من الأحداث الملغزة. كتلك التي تتشف عنها هذه القصة الشيقة.

السَّيدُ العَارِفُ كُلَّ شَيْءٍ

وليم سومرست موم

ترجمة: المعز عوض احمدانه

 

لقد كان عندي استعدادٌ مُسْبَقٌ لِأَنْ أَكْرَه ماكس كيلادا حتى قبل أَنْ أَتَعَرَّفَ عليه، وقبل أَنْ أَمْتَحِنُ عِشْرَتَهُ. وها هي ذي الحَرْبُ قد انْطَفَأَتْ نارها لِلْتَوِّ، فكان الاقبالُ على سفن الرُّكابِ التي تَمْخُرُ عُبَابَ المحيطات كَثِيفَاً للغاية، مِمَّا جعل مهمة العُثُورِ على غرفة في إحداها أَمْرَاً بَالِغَ الصُّعُوبَة. ولا ريب أَنَّ الوَضْعَ كان يَحْمِلُكَ على أَنْ تُذْعِنَ وتَرْضَى بأيِّ شَيْءٍ يَعْرِضُهُ عليك وُكَلاءُ السفر مهما كان سيئاً. وحيال ذلك فلا تأمل بتاتاً في العُثُورِ على غرفة تَخْلُو فيها بنفسك بلا شريك يُكَدِّرُ صَفْوَك.

وعليه فلقد كنت مُمْتَنَّاً غاية الامتنان لِمَنْحِي واحدةً صغيرةً تَتَّسِعُ بالكاد لسريرين. وعندما أخبروني باسم رفيقي الذي سيشاركني إيَّاها انْقَبَضَ قلبي بِشِدَّةٍ، فلقد كان مُجَرَّدُ اسمه يُوحِي لي بنوافذ مُغْلَقَةٍ بإحكام، تَحْجُبُ نَسَائِمَ الليل اللَّطِيفة بصرامةٍ طيلة الرحلة. وحَقَّاً إِنَّه لوضع سيء للغاية، أَنْ أَمْكُثَ في غرفة ضَيِّقَةٍ، مع أحد غريب عني، لمدة أربعة عشر يوماً. فلقد كنت في طريقي من سان فرانسيسكو إلى يوكوهاما. لكني بصراحة ربما كنت نظرت إلى الأمر بارتياعٍ أقل، لو كان اسم رفيقي سميث أو بروان. 

وأَذْكُرُ أنني عندما اعتليت سَطْحَ السفينة، ودخلت غرفتي لأَوَّلِ مَرَّةٍ، رأيت أَمْتِعَةَ السَّيد كيلادا مُلْقَاةً في الأسفل على أرضيتها، فهَالَنِي مَنْظَرُهَا، لازدحام حقائبها بِكَمٍّ هَائِلٍ من المُلْصَقَات. ولقد كان صُنْدُوقُ الملابس ضَخْمَاً مُلْفِتَاً للنظر بضخامته. ورأيت كذلك فيما رأيت أدوات نظافته الشخصية، فقد تَمَّ استلالها خارجاً من بين الرُّكَامِ، فأدركت أَنَّه أحد زبائن محلات السَّيد كوتي ذات الصِّيتِ الرائع والجَوْدَةِ الممتازة. وقد لاحظتُ فيما لاحظت أَنَّه قد وضع على المغسلة عِطْرَهُ، وغَسُولَ شَعْرِه، والزيت الذي يُدْهِنُهُ به. ولا ريب أنَّ أَمْشَاطَ السيد كيلادا الأبنوسية المُزْدَانة بِنَقْشٍ ذهبي جميل لحروف اسمه الأولى ستكون مثالية لتمشيط شَعْر رأسه. لكنني رغم ذلك لم أكن أُطِيقُ هذا السَّيد، ولم يَرُقْ لي مُطْلَقَاً، رغم عدم سابق معرفتي له، كما أَسْلَفْتُ في مقدمة حديثي.

ثم لم يَمْضِ وقتٌ حتى تَوَجَّهْتُ إلى غرفة التدخين في السفينة، وطلبت وَرَقَ اللَّعِب. ولكنني ما كِدْتُ أبدأ أَلْعَبُ به حتى اقترب مني رجل، وسألني ما إذا كان هو مُحِقَّاً في ظنه أنَّ اسمي فلان. وقال لي: "أنا السيد كيلادا"، وابتسامة عريضة تُزَيِّنُ وجهه، قد كشفت عن صَفٍّ من أَسنانٍ لامعة. ثم أخذ مَقْعَدَهُ وجلس. فأردف قائلاً: "أعتقد أننا سنتشارك غرفة واحدة، وكم أنت محظوظ لأَنَّك لا تعرف مع مَنْ ستسكن. ولقد سُعِدْتُ أَيَّمَا سعادة عندما علمت أَنَّك انجليزي، فأنا من أَشَدِّ المؤيدين لأنْ نبقى نحن الانجليز معاً عندما نكون خارج البلاد، لو كنت تفهم ما أَقْصِدُهُ". فأومأتُ له بِعَيْنَيَّ رَامِشَاً، وسألتُهُ رُبَّمَا بغير لَبَاقَةٍ: "هل أنت انجليزي؟". فأجاب: "يبدو أَنَّك تَحْسَبُنِي أمريكياً. على العكس أنا بريطاني حتى النُّخَاع". ولإثبات ذلك قام بإخراج جواز سفره من جيبه، وجعل يُلَوِّحُ به في وجهي بمَرَحٍ وابتهاج.

ولك أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ قد كان للملك جورج رَعَايَا كثيرون غَرِيبُو الأطوار. وكان السَّيد كيلادا رجلاً قَصِيرَ القَامَةِ، قَوِيَّ البِنْيَةِ، حَلِيقَ اللِّحْيَة، أَسْمَرَ البَشَرَةِ، وذَا أَنْفٍ مُمْتَلِيْءٍ مَعْقُوف، وتَشِعُّ من وجهه عينان واسعتان تَلْمَعَانِ بصفاء. وكان شعره الأسود الطويل ناعماً ومُجَعَّدَاً. وكان يَتَحَدَّثُ بِطَلَاقَةٍ، لكن قَلَّمَا تَجِدُ في حديثه جملة واحدة مفيدة. أَمَّا حركته فكانت تَفِيضُ نشاطاً وحيوية. ولقد كنتُ أقرب إلى اليقين في أنَّ التَّدْقِيقَ في جواز سفره البريطاني لو كان قد حدث كان سيكشف لنا أنَّ هذا السَّيد قد وُلِدَ تحت سماءٍ أشد زُرْقَة من تلك التي تُرَى عادة في انجلترا.

سألني: "ماذا تُحِبُّ أَنْ تَشْرَبَ؟"

حَدَّجْتُ فيه بارتيابٍ، فقد كان حظر الكحول مفروضاً على مَتْنِ السفينة. وعلى ما يبدو فقد كانت خالية تماماً من أي مشروبات من هذا النوع. وعندما كنت أجد نفسي في راحة من إِلْحَاحِ الظَّمَأ المُمِض، كنت لا أستطيع أَنْ أعرف ما إذا كنت أكره بيرة الزنجبيل أكثر أم مشروب اللَّيْمُون الغازي. لكنه أَلْمَعَ لي بابتسامةٍ ذات مغزى وقال: "ماذا تحب؟ ويسكي أم صودا أم مارتيني مُخَفَّف؟، فكل ما عليك هو أَنْ تَلْفِظَ فقط بالكلمة"، وأخرج من جيوبه زجاجاتٍ صغيرةً وضعها على الطَّاوِلَة أمامي، فجعلت أَتَأَمَّلُهَا. وأخيراً وقع اختياري على مشروب المارتيني .. ثم سمعته ينادى على النادل، ويطلب منه كوباً من الثلج وكأسين. وبدوري بعد أَنْ أخذت رَشْفَةً من المشروب قلتُ له: "لا ريب إِنَّهُ مزيج رائع جداً". فأطربه اطرائي وقال لي: "حسناً، اعلم أَنَّ هناك المزيد منه. وإذا كان لديك أصدقاء على مَتْنِ هذه السفينة، فأخبرهم أَنَّ لديك صديقاً يملك كل أنواع المشروبات الكحولية في العالم، وعلى الرَّحْبِ والسَّعَة".

كان السَّيد كيلادا كَثِيرَ الكلام ثَرْثَارَاً، فقد تَحَدَّثَ في أثناء جُلُوسِنا مَعَاً عن نيويورك وسان فرانسيسكو، وناقش مسرحياتٍ وأَفْلَامَاً وأموراً سياسة عديدة، فقد كان وطنياً قُحَّاً. وقال فيما قال: "إِنَّ عَلَمَ الاتحاد البريطاني ما هو إلا قطعة قماش رائعة، لكن عندما يُلَوِّحُ به رجل من الإسكندرية أو بيروت، لا يَسَعُنِي إلا أَنْ أشعر بأَنَّه يَفْقِدُ بعضاً من هيبته وجلاله".

وفي الحقيقة لقد كان السَّيد كيلادا شخصاً عَادِيَّاً جداً، ومن ناحيتي لا أرغب في أَنْ أَبْدُو مُتَكَبِّرَاً، لكن يَحُزُّ في نفسي كثيراً ألا يَضَعَ شَخْصٌ غَرِيبٌ عني لَقَبَ «السَّيد» قبل اسمي عندما يُخَاطِبُني. أَمَّا كونه لم يستخدم معي هذه الرَّسْمِيَّات فهذا بصراحة شَيْءٌ يجعلني أَطْمَئِنُّ إليه، وهو أَدْعَى إلى زَوَالِ قلقي من ناحيته، إلا أَنَّه مهما يكن فهو لم يَرُقْ لي ولم أهضمه. وكنت قد وضعت أوراق اللَّعب جانباً عندما جلس. لكني قد رأيت أَنَّ حديثنا قد طال أكثر مما ينبغي، وخُصُوصَاً أَنَّ هذا هو لقاؤنا الأَوَّل، فرجعت إلى لُعْبَتِي وشَرَعْتُ فيها من جديد. فقال لي السيد كيلادا: "الثلاثة على الأربعة".

ومِمَّا لا مِرَاء فيه أَنَّهُ لا شيء أكثر استفزازاً واثارة لِسُخْطِ مَنْ يلعب هذه اللُّعْبَة من ألعاب الوَرَقِ من أن يُمْلِيَ عليه أَحَدٌ ماذا يصنع وأين يضع ورقته؟، لكنه بلا مبالاة واصل في توجيهاته لي صارخاً: "ها هي ذي تخرج، إِنَّها تخرج، ضع العشرة على الولد". فلم أَتَمَالَكُ نفسي من شِدَّةِ الغَضَبِ والغَيْظِ والكَرَاهِيَّةِ لهذه التَدَخُّلات المُسْتَفِزَّة، فأَنْهَيْتُ اللُّعْبَةَ فوراً، فإذا به يُمْسِكُ بِحُزْمَةِ أوراق اللَّعِب ويسألني:

"هل تُحِبُّ ألْعَابَ الخُدَعِ بِوَرَقِ اللَّعِب"

أجبته: "لا بل أَمْقُتُهَا"

لكنه أجابني: "حسناً سَأُرِيكَ هذه الخُدْعَة"

فأراني ثلاثاً فقلت له: "من الضروري أَنْ أَنْزِلَ إلى غرفة الطعام لِأَحْجِزَ مَقْعَدِي على مائدة"

فجاءني رَدُّهُ: "لا تقلق لقد حجزت لك مَقْعَدَاً بالفعل. فقد فَكَّرْتُ مُسْبَقَاً أَنَّهُ بما أَنَّنَا نتشارك نفس الغرفة، فلماذا لا نجلس معاً على نفس مائدة الطعام؟". قَسَمَاً لم أَعُدْ أُطِيقُ هذا الرجل.

وعليه فإنني لم أَعُد أشاركه الغرفة فقط، فقد صِرْتُ كذلك أتناول معه الوجبات اليومية الثلاث، على نفس المائدة. وفوق ذلك كله ما من مَرَّةٍ تَجَوَّلْتُ فيها على سطح السفينة إلا كان هو رفيقي. لقد كان من المستحيل صَدَّهُ وزَجْرَهُ. ورغم كل ذلك لم يَخْطُر على باله قط أَنَّه رُبَّمَا يكون غير مَرْغُوبٍ فيه. فهو كان دائماً على يَقينٍ أَنَّك حتماً ستكون سعيداً حين تراه بمثل ما يَسَعَدُ هو حين يراك.

ولا رَيْبَ أَنَّك لو كُنتَ في بيتك رُبَّمَا كنت سَتَرْكُلُهُ بعنف، وستجعله يَتَدَحْرَجُ من على سُلَّمِ المَدْخَل، وسَتَصْفَعُ في وجهه الباب بِشِدَّةٍ. لكن رغم ذلك صَدِّقْنِي لن تَعْتَرِيَهُ ذَرَّةُ شَكٍّ واحدة في أَنَّهُ لم يكن زائراً غير مُرَحَّبٍ به. ومِمَّا يُثِيرُ الدَّهْشَة حقاً أَنَّه كان شخصاً اجتماعياً إلى حَدٍّ بعيد، فقد استطاع في غُضُون ثلاثة أيام فقط أَنْ يَتَعَرَّفَ على كل رُكَّابِ السفينة بكامل طاقمها. وكان يقوم بكل شيء. كان يُدِيرُ أعمال المَسْحِ والنَّظَافَة، وكان يُجْرِي المزادات، ويقوم بجمع الأموال المُخَصَّصَةِ لجوائز الألعاب الرياضية، وكان يُنَظِّمُ مباريات رَمْي الحَلْقَة المعدنية ومباريات الجولف، وقام بعمل حفل موسيقي وحفلة أزياء تَنَكُّرِية، وعموماً لقد كان حَاضَرِاً في كل مكان ورَأْسَاً في كل نشاط.

والحَقُّ يُقَال أَنَّهُ كان رغم ذلك مَبْغُوضَ الجَمَاهِيرِ بلا مُنَازِعٍ على سطح السفينة أَجْمَع. وكُنَّا نُطْلِقُ عليه لَقَبَ "السَّيد العارف كل شيء" حتى في وجهه وفي أثناء حضوره. لكنه كان يعتبر ذلك نَوْعَاً من المَدِيح والإطراء. وكانت أَشَدُّ أوقاته ثِقَلَاً على قلوبنا أوقات الوَجَبَاتَ، فقد كان فيها فَظِيعَاً لا يُطَاق. كُنَّا نَقَعُ تحت رحمته، ونَئِنُّ ونَتَمَلْمَلُ تحت نِيرِهِ لمدة تقارب الساعة.

كان قَوِيَّ الدَّافِعِ، مُمْتَلِئَاً نشاطاً وطاقة، ومُنْشَرِحَ الصَّدْرِ صَخَّابَاً مِهْذَارَاً مُولَعَاً بالجِدَالِ جدَّاً. ولا تنسى أَنَّه كان دَائِمَاً يَعْرِفُ أَيَّ شَيْءٍ، أيَّاً كان، أفضل من أَيِّ انسانٍ كَائِنَاً مَنْ كان. ومُؤَكَّد أَنَّها ستكون إِهَانةً كُبْرَى لِزَهْوِهِ وتِيهِهِ المُفْرِط إذا حدث لك أَنْ اختلفتَ معه في أَمْرٍ من الأمور دون أن تستسلم لما يُبْدِيه. لقد كانت من عادته في الجِدَال ألا يُنَحِّي موضوعاً جانباً أَبَدَاً، ولا يُهْمِلُهُ مهما كان تَافِهَاً حقيراً. ثم لا يَهْدَأُ له بَالٌ أو يَقِرُّ له قَرَارٌ حتى يَجْلِبُكَ في النهاية إلى رأيه، وإلى أَنْ تُظْهِرَ خُضُوعَك له. وأَمَّا احتمال أَنْ يكون هو مُخْطِئَاً في مَرَّةٍ من المرَّات، فهذا ما لا يَخْطُرُ له قط على بَالٍ، ومن المستحيل أَنْ يَعْتَرِيَهُ مُجَرَّدُ شَكٍّ. كيف ولقد كان الرجل الذي يَعْلَمُ وكفى.

واتفق لنا في مَرَّةٍ أَنْ جَلَسْنَا على مائدة طبيب السفينة. ومُؤَكَّد أَنَّ السَّيد كيلادا كان سَيُسَيْطِرُ على الجَوِّ كما العادة، ويَفْرِضُ علينا رأيه، فلقد كان الطَبِيبُ مُتَثَاقِلَاً في حَالَةِ تَرَاخِي، وكنت أنا لا مُبَالٍ تماماً، لكن الذي حال دون ذلك، وُجُودُ رجل يُدْعَى رامزي كان يجلس معنا، وكان مُتَصَلِّبَاً مُسْتَبِدَّاً برأيه كحال السَّيد كيلادا، غير أَنَّه كان يَمْقُتُ الغُرُورَ، فلا تَسَلْ عن المناقشات التي دارت، فقد كانت قَاسيةً حَادَّةً تَهَكُّمِيَّةً مُتَطَاوِلَةً لا حَدَّ لها.

كان السَّيدُ رامزي يَعْمَلُ في السلك القُنْصُلِي الأمريكي في مدينة كوبي باليابان. وكان رجلاً ضَخْمَ البِنْيَةِ من الغرب الأوسط، مُتَرَهِّلَاً يكاد جِلْدُهُ يَنْشَقُّ عن دُهُونِهِ. ويكاد جسمه يَنْتَأ عن ملابسه التي لم تكن تُنَاسِبُ حَجْمَهُ. ولقد كان في طريق عودته لاستئناف عمله بعد أَنْ قام بزيارة خاطفة إلى نيويورك لِجَلْبِ زوجته التي قَضَتْ عاماً في مَسْقَطِ رأسها.

ولقد كانت زوجته هذه امرأةً صغيرة الحجم خَلَّابَةً تَأْسِرُكَ بأخلاقها اللَّطِيفة، وتَسْحَرُكَ بروحها الحُلْوَةِ المَرِحَة. ولأنَّ أُجُورَ السلك القُنْصُلِي كانت متواضعة فقد رأينا أَثَرَ ذلك في بساطة ملابسها، إلا أَنَّها كانت تُجِيدُ الاختيار. وكان ذَوْقُها في اللِّبْسِ بديعاً فناناً يُغَطِّي كل خَلَّةٍ أو نَقْصٍ، فأضفى عليها ذلك مَظْهَرَاً من الامتياز الهادئ الرائق. ورغم كل هذه الخِصَالِ التي كانت تتحَلَّى بها، ما كنتُ أبداً لِأُولِيها اهتماماً خَاصَّاً لولا أنني وجدتُ فيها صِفةً كان ينبغي لها أَنْ تكون شائعة بين النساء، لكنها اختفت في سُلُوكِهِنَّ هذه الأيام. وهذه الصفة هي أَنَّك لن تستطيع أَنْ تنظر إلى هذه السَّيدة الفُضْلَى دون أَنْ يَلْفِتَ انتباهك تَوَاضُعُهَا الجَمُّ، فقد كان يَتَأَلَّقُ فيها كما تَتَأَلَّقُ زهرة تُزَيُِّن مِعْطَفَاً.

وفي ذَاتِ مساء، وفي أثناء تناولنا لوجبة العشاء اتفق أَنْ حَادَ حديثنا وبالصُّدْفَةِ المَحْضَةِ إلى موضوع اللؤلؤ. فقد جرت أنهار الصحف اليومية بالكثير عن استزراعه الذي كان يَفْعَلُهُ المَهَرَةُ من اليابانيين. وعلَّق الطبيب قائلاً إنَّ ذلك سَيُقَلِّلُ حتماً من قيمة اللؤلؤ الطبيعي. أَمَّا أنا فكان رأيي أَنَّ اللؤلؤ المُسْتَزْرَعِ شيءٌ جَيِّدٌ ما في ذلك شَكٌّ، وأَنَّه قريباً سيبلغ الكمال.

لكن السَّيد كيلادا سَطَتْ عليه عادته، وتَمَلَّكَتْهُ طَبِيعَتُهُ، فاندفع إلى الموضوع الجديد بِشَغَفٍ وحماس. فأخبرنا بكل ما يُفْتَرَضُ أَنْ يكون معلوماً عن اللؤلؤ. ولست أعتقد أَنَّ السَّيد رامزي كان مُلِمَّاً بشيء من الموضوع، لكنه لم يكن لِيُفَوِّتَ أبداً فرصة توجيه انتقاد إلى الرجل الشرقي. وعليه ففي غُضُون خمس دقائق كنا في خِضَمِّ نقاش حاد. ولقد حدث لي مِرَارَاً أَنْ رأيت السَّيد كيلادا مُحْتَدِمَاً يَهْذِرُ باندفاعٍ وحِدَّةٍ، لكنه لم يَسْبِق له أَنْ كان شَدِيدَ اللَّهْجَةِ، مُنْطَلِقَ اللسان، مُلْتَهِباً يَتَأَجَّجُ كما هو وقتذاك.

ومِمَّا زاد الطينَ بِلَّةً أَنَّ السَّيد رامزي قد وَخَزَهُ بكلمة تَوَهَّجَ لها واضطرم وطَاشَتْ باتزانِهِ. فضرب الطَّاوِلَة بيده، وصرخ قائلاً: "أنا أعرف جيداً ما أَتَحَدَّثُ عنه. وما ذَهَابي الآن إلى اليابان إلا للاطلاع على تجارة اللؤلؤ اليابانية عن كثب. وأنا سَلَفَاً أَعْمَلُ في هذا المجال. وما من أحد فيه يستطيع أَنَّ ينفي صِحَّةَ ما قلته عن اللؤلؤ. فأنا أعرف أفضل أنواع اللؤلؤ في العالم. وما لا أعرفه أنا عن اللؤلؤ لا يستحق المعرفة أصلاً .

ولا شك أَنَّ ما تَفَضَّلَ به قد كان معلومة طازجةً جديدةً بالنسبة لنا. فالسَّيد كيلادا على كثرة كلامه وثَرْثَرَتِهِ لم يُفْصِحْ لِأَحَدٍ قط عن طبيعة عمله. فقد كُنَّا لا نعرف عنه إلا أَنَّه ذاهب إلى اليابان في مهمة تجارية ما، أَمَّا كُنْهُهَا فقد كان مُبْهَمَاً. وبعد أَنْ قال ما قال أدار بصره حول المائدة ينظر إلينا بازدهاء وتباهي، وقال: "لن يتمكنوا أبداً من انتاج لؤلؤة واحدة مستزرعة لا يستطيع خبير فِطَحْلٌ مثلي تمييزها من أول نظرة". ثم أشار إلى سلسلة كانت ترتديها زوجة السَّيد رامزي على جِيدِهَا، وتَتَدَلَّى على صدرها، وقال لها: "صَدِّقِيني، يا سيدة رامزي، تلك السلسلة التي ترتدينها لن تَقِلَّ قِيمَتُها أبداً عما هي عليه الآن ولو بسنّت واحد". فَتَوَرَّدَ وجهها خَجَلَاً، واحْمَرَّتْ بسبب طَبْعِها المُحْتَشِم، فقامت بإدخال السلسلة ومواراتها داخل فستانها.

وإذا بالسَّيد رامزي زوجها قد انْحَنَي إلى الأمام، وأَلْقَى علينا جميعاً نَظْرَةً تَتَرَقْرَقُ بِوَمِيضِ الابتسام، وقال: "إِنَّ سلسلة السَّيدة رامزي رائعة أليس كذلك؟". فأجابه السَّيد كيلادا: "لقد لاحظت ذلك من أَوَّلِ وَهْلَةٍ ولقد قُلْتُ في نفسي: ما أروعها، هذه لآلئ حقيقية من دون شَكٍّ". فقال له السَّيد رامزي: "بالتأكيد لم أشترها أنا، لكن يَسُرُّنِي جداً أَنْ أعرف كم سَتُقَدِّرُ أنت ثمنها". فَعَاجَلَهُ السَّيد كيلادا بقوله: "بكل سرور، فحسب تقديري إِنَّ ثمنها في السوق حوالي خمسة عشر ألف دولار. لكنك إذا اشتريتها من عند محلات الشارع الخامس في مدينة نيويورك فلن أندهش إذا دفعت في ثمنها الثلاثين ألفاً". فابتسم رامزي ابتسامة تَنُمُّ عن تَهَكُّمٍ وسُخْرِيَةٍ وقال: "لكنك سَتَنْدَهِشُ حَقَّاً إذا عَلِمْتَ أَنَّ زوجتي قد ابتاعت هذه السلسلة من أحد متاجر البيع بالتجزئة في اليوم السابق ليوم مغادرتنا لمدينة نيويورك بثمانية عشر دولار فقط".

فاحْمَرَّ وجه السيد كيلادا من شِدَّةِ الاحراج وأجابه بِنَبْرَةٍ حَادَّةٍ:

"هذا بالتأكيد هُرَاء. هي ليست أصلية وحسب، بل إِنَّها أروع وأجمل سلسلة قد وقع عليها بصري طيلة حياتي من حيث حجم لآلئها"

وإِثْرُ ذلك عَاجَلَهُ السَّيد رامزي بقوله:

"هل تُرَاهِنُ على ذلك؟ فإنني أُرَاهِنُكَ على مائة دولار أَنَّها تَقْلِيدٌ وليست أصلية"

وبكل ثِقَةٍ رَدَّ عليه السَّيد كيلادا: "اتفقنا"

فَتَدَخَّلَتْ السَّيدة زوجة رامزي وقالت لزوجها:

"ما هذا يا إِلْمَرْ؟، كيف لك أَنْ تُرَاهِنَ على شَيْءٍ مُؤَكَّد؟". قالت ذلك وطَيْفُ ابتسامة يُزَيِّنُ وجهها، وبِنَبْرَةِ صوت تَشُوبُهَا مَسْحَةُ استهجان لطيفة.

أجابها زوجها: "كيف لا أَفْعَلُ طالما سَنَحَتْ لي فُرْصَةٌ لكسب بعض المال بسهولة؟ بالتأكيد سأكون أَحْمَقَاً حَقَّاً إِنْ لم أَغْتَنِمْهَا"

قالت: "لكن كيف يمكنك اثبات حقك في الأمر"

أجابها: "فقط كلمتي مقابل كلمة السَّيد كيلادا"

فقال السَّيد كيلادا مُعَقِّبَاً: "دعوني أنظر إلى السلسلة وأَتَفَحَّصُهَا عن قُرْبٍ فإذا كانت تقليد وليست أَصْلِيَّةً أخبرتكم في الحال. وفي مَقْدُورِي أَنْ أخسر مائة دولار"

عند ذلك قال السَّيد رامزي مُخَاطِبَاً زوجته: "هيا أَنْزِعِيهَا عنك عزيزتي، ولندع السيد ينظر إليها ويَتَفَحَّصُهَا كيفما شاء"

تَرَدَّدَتْ السَّيدة زوجة رامزي لِبُرْهَةٍ، ثم وضعت يَدَيْهَا على مِشْبَكِ السلسلة. وما هي إلا أَنْ قالت: "لا أستطيع حَلَّهَا، وعلى السَّيد كيلادا أَنْ يُصَدِّقَنِي، فهي كما قُلْتُ".

إِثْرُ ذلك انْتَابَنِي شَكٌّ وشُعُورٌ بأَنَّ شيئاً غَيْرُ محمودٍ على وَشَكِ الوُقُوع. لكنني لم أجد ما أَنْبِسُ به فَلَزِمْتُ الصَّمْتَ.

وبينما أنا في ذلك رَاعَنِي أَنْ رَأَيْتُ السَّيد رامزي قد قَفَزَ من مكانه نحو زوجته قائلاً: "إِذَنْ سَأَحُلُّهَا أنا". وسُرْعَان ما كانت السلسلة في يد السَّيد كيلادا، الذي بِدَوْرِهِ أخرج عدسة مُكَبِّرَةً من جيبه، وجَعَلَ يُقَلِّبُ السلسلة ويَتَفَحَّصُهَا عن كَثَبٍ تحت نَاظِرَيْهِ. فلم يَمْضِ عليه وَقْتٌ حتى التَمَعَتْ على وجهه القَاتِمِ ابتسامة نصر. فأعاد السلسلة، وكان على وشك أَنْ يتكلم. لكن فجأة وقع نَظَرُهُ على وجه السَّيدة زوجة رامزي، فَأَلْفَاهُ أبيض قد هرب الدَّمُ منه، كأنَّها كانت على وَشَكِ الإغْمَاء. وأَلْفَاهَا تُحَدِّقُ فيه بعينين واسعتين مَذْعُورَتَيْن، يَنْطَوِيَان على مُنَاشَدَةٍ يائسة. وكان ذلك من الوُضُوحِ بمكان، الشيء الذي بَعَثَنِي على التساؤل لماذا لم يَلْحَظْ زوجها ذلك؟

تَوَقَّفَ السَّيد كيلادا فَاغِرَاً فاه وقد احْمَرَّ وجهه بِشِدَّةٍ. وكان بإمكانك فيما يبدو إِنْ كنت حاضراً أَنْ تَرَى بنفسك مِقْدَارَ الجُهْدِ الذي يَبْذُلُهُ لكبح ما يَعْتَمِلُ ويَخْتَلِجُ داخله. ثم أخيراً فتح الله عليه فقال: "لقد أخطأتُ ما في ذلك شَكٌّ. فمن خلال تَفَحُّصِي للسلسلة عن قُرْبٍ بواسطة عدستي المُكَبِّرَة أدركت أنَّها تَقْلِيدٌ مُتْقَنٌ لِلْغَايَةِ. ولا يمكن أن تكون حقيقية. وأعتقد أَنَّ مبلغ ثمانية عشر دولار يُعَدُّ ثمناً معقولاً لمثل هذا الشيء المَقِيت"

وإذا بِهِ يُخْرِجُ مَحْفَظَتَهُ ويَسْتَلُّ منها ورقة نقدية من فئة المائة دولار، ويُسَلِّمُهَا للسَّيد رامزي دون أَنْ يَنْبِسَ بكلمة. وإذا بالأخير يقول له: "ربما هذا دَرْسٌ لك يا صديقي لِئَلَّا تكون مُتَيَقِّنَاً واثقاً من نفسك على هذا النحو المُزْعِجِ المُهِينِ للآخرين في المَرَّةِ القادمة" فلم يُجِبْهُ السَّيد كيلادا، والتزم الصمت، لكنني لاحظت أَنَّ يديه كانتا تَرْتَعِشَان. وكما هو حَالُ القِصَصِ، فقد ذَاعَتْ وانتشرت هذه القِصَّةُ في أَرْجَاءِ السفينة. وكان عليه أَنْ يتحمَّل ويُغْضِي على كثير جداً من المِزَاحِ والتَهَكُّمِ المَرِحِ ذلك المساء. والحَقُّ أَنَّها كانت نُكْتَةً غَايَةً في الطَّرَافَةِ أَوَقَعَتْ بالسَّيد العارف كل شيء في مَهَاوِي الفضيحة. أما السَّيدة زوجة رامزي فقد انْزَوَتْ في حُجْرَتِها تُقَاسِي آلَامَ صُدَاعٍ مُمِضٍّ.

وفي صباح اليوم التالي وبينما كنت مستيقظاً أَحْلِقُ، والسَّيد كيلادا مُسْتَلْقِيَاً على سريره يُدَخِّنُ سيجارة، إذا بي فجأة أسمع صوت حَفِيفٍ، فإذا هو ظَرْفٌ قد دُفِعَ من تحت الباب. فهَرَعْتُ لفتحه، وأَلْقَيْتُ نَظْرَةً في الخارج لكني لم أَجِدْ أَحَدَاً، فقد تلاشى في غَمْضَة عينٍ. فالتقطت الظَّرْفَ من على الأرض فرأيته مُعَنْوَنَاً إلى ماكس كيلادا بِخَطٍّ سَمِيكٍ وحُرُوفٍ كبيرة. فناولته إلى صاحبه.

وإذا به يَسْأَلُنِي: "مِمَّنْ؟". لكنه لم يَنْتَظِرْ جَوَابَاً، فقد قام بِفَضِّهِ واسْتِلَالِ مُحْتَوَاهُ. ولم تكن بداخله رسالة، وإنَّما فقط ورقة نقدية بقيمة مائة دولار. فَأَلْقَى عليَّ نَظْرَةً وقد احْمَرَّ وجهه مُجَدَّدَاً احمراراً شديداً، فصَبَّ جَامَهُ على الظَّرْفِ، حيث قام بتمزيقه إلى مِزَقٍ صغيرة. ثم نَاوَلَنِي إيَّاها قائلاً: "هَلَّا تَفَضَّلْتَ بإلقائها خارجاً من خلال النافذة". ففعلت ما طَلَبَهُ مني. ثم نَظَرْتُ إليه وابتسامةٌ تُزَيِّنُ وجهي.

فقال لي: "لا أحد يُحِبُّ أَنْ يُظْهِرَهُ أحدٌ كأَحْمَقٍ بَغِيضٍ مُكْتَمِلِ الحَمَاقَة. لكن هل كانت اللآلئ حقيقية؟، وأُقْسِمُ أنني لو كانت لي زوجةٌ في مثل ذلك الحُسْنِ والجمال وخِفَّةِ الرُّوحِ، ما كنت لأتركها تَقْضِي عاماً كاملاً في نيويورك، وأنا قَابِعٌ بَعِيدٌ عنها في مدينة كوبي باليابان". ولك أَنْ تَتَخَيَّلَ أَنْ بُغْضِي للسَّيدِ كيلادا قد خَفَتَ هَوْنَاً ما في تلك اللَّحْظَةِ. ولم أَعُدْ أُضْمِرُ له ما كُنْتُ أَسْتَشْعِرُهُ من بُغْضٍ عَارِمٍ. وبينما كنتُ أُهَوِّمُ في تَأَمُّلاتِي تلك حِيَالَهُ، إذا بي أَلْمَحُهُ قد مَدَّ يَدَهُ إلى مَحْفَظَتِهِ، ووَضَعَ فيها وَرَقَةَ المائة دولار بِعِنَايَةٍ وحِرْصٍ.

 

تَمَّتْ