يسعى الباحث والناقد المغربي المرموق هنا إلى موضعة تحول الربيع العربي المترع بالأمل إلى صيف إسلامي محبِط في سياق أوسع، من العلاقة الإشكالية بالغرب، وتجييش الإسلاميين لتحقيق مصالحه إبان الحرب الباردة، ثم انقلابه عليهم بعد 11أحداث سبتمبر، إلى إشكاليات الهوية ببعدها العربي لا الإسلامي وحده.

الربيع العربي وصيفه الإسلامي

أية علاقة؟ وأية آفاق؟

سعيد يقطين

(1) الانتخابات الربيعية وفوز الإسلاميين:
بعد نجاح الثورة الليبية، وعقب انتخابات تونس والمغرب ومصر، ظهر بشكل لافت رجحان الكفة لفائدة التيار الإسلامي. كثرت التحليلات والتأويلات والتشكيكات، عربيا ودوليا، وتباينت التقييمات والتفسيرات. فمن معتبر ذلك عقابا للأحزاب التقليدية، وفيهم من رأى في ذلك تجريبا لهم، أو تعويضا لهم على عقود عانوا فيها من التهميش والإقصاء. كما أن فيهم من رحب بذلك معتبرا إياه وليد صيرورة تقوم على التناوب. ومنهم من ذهب إلى اعتبار هذا الربيع لم يجر علينا غير الويلات ولم يستفد منه غير الظلاميين وأعداء الحداثة.

ليس غريبا ولا عجيبا أن تكثر التأويلات وتتعدد المقاربات إثر فوز الإسلاميين في الانتخابات التي جاءت عقب حراك الربيع العربي. لكن اختلاف القراءات والتأويلات لا يدل إلا على تباين المواقف التي ينظر كل منها إلى مصلحته ومدى تلاؤمها مع ما يجري. لكن قراءة ترمي إلى النظر في مختلف سياقات هذه التحولات وتسعى إلى الإمساك بأهم المقومات التي ساهمت في جعلها تنتهي إلى هذا المسار، تبدو ضرورية لتجاوز التأويلات الانطباعية والذاتية والمصلحية. ولعل هذا من بين الخيارات الممكنة التي تجعلنا ننظر إلى واقع هذه التحولات من منظور مخالف، نسبيا، لما هو سائد، ويفتح منافذ معقولة لتحولات أخرى في الآفاق، أو على الأقل يدفع بنا إلى طرح أسئلة جوهرية تتجاوز الجاهز والمؤمل.

(2) الحرب الباردة، الحرب الساخنة:
لا يمكن للرأسمالية العالمية أن تستمر وتنتعش وتتطور إلا باعتماد ركيزتين متكاملتين: خلق عدو واقعي أو محتمل يهدد مصالحها، وخوض الحروب ضده خارج فضائها. هذه هي السياسة التي انتهجتها أمريكا منذ الحرب الثانية إلى الآن. ابتدأت باتخاذ الشيوعية عدوا لها، وكانت الحرب باردة مع الاتحاد السوفياتي، لكنها كانت تستعر في مختلف المناطق التي كانت تابعة للمنظومة الاشتراكية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا والشرق الأوسط وآسيا. لكن هذه الحروب الطويلة والمتفرقة ستجد لها في النهاية موقعا محددا هو أفغانستان التي جيشت أمريكا فيها المسلمين ضد النظام الاشتراكي.

بانهيار المنظومة الاشتراكية واندحار حركات التحرر الوطني التي كانت محسوبة عليها، ستتخذ الرأسمالية العالمية بزعامة أمريكا، من الإسلام ومن المد الإسلامي عدوا لها. ذلك لأن القوة التي كانت لليسار قد انتهت، والأنظمة العربية المتحكمة، مهما كانت شعاراتها 'ثورية' فهي لا تهتم إلا بما يضمن استمرارها، أو على الأقل استنفذت مهامها، وبدل أن تتجدد أو تسهم في تحديث البنيات السياسية، ظلت متشبثة برؤية دون كيخوطية للعالم، فالتقت مصالجها مع مصالح النظام الرأسمالي العالمي.

في هذه الشروط التي تتحكم فيها الرأسمالية والأنظمة المتحكمة، تحول الإسلام السياسي إلى قوة بديل تملأ الساحة العربية. وتعددت التيارات الإسلامية في كل البلاد العربية، وتباينت مواقفها من التغيير، تماما كما حصل مع اليسار العربي: فإذا كان هناك الجذريون الذين ينادون بالكفاح المسلح باسم الجهاد، كان هناك المعتدلون. وأدى بروز القاعدة إلى ميلاد مقولة الإرهاب الذي لم تسلم من آثاره ديار الإسلام وديار الكفر على السواء. فكانت الحرب الساخنة على الإرهاب. وكان من تداعياتها احتلال العراق وأفغانستان، وتهديد إيران، ودعوة البلاد الإسلامية الأخرى إلى تغيير مواقفها الدينية، وتليين خطاباتها ليحل الحوار لديها بين الحضارات محل الصراع؟ أما أمريكا والغرب الرأسمالي فلا يمكن أن يستمرا بدون عدو. أليست مقولة 'صراع الحضارات' صناعة أمريكية خالصة؟ وليس من عدو للغرب الرأسمالي بعد الشيوعية غير الإسلام.

فالإسلام دينا استهدف بشكل كبير عشية أحداث الحادي عشر من شتنبر (سبتمبر)، محليا وعالميا. والمسلمون ظلوا إرهابيين مفترضين ينظر اليهم بعين الريبة والحذر والتوجس. أما المتطرفون فقد وضعوا في اللوائح السوداء، فكانت المتابعات والمحاكمات والاغتيالات. خلطت الحرب الأمريكية والغربية الأوراق ولم يتم التمييز بين الاسلام والمسلمين والتطرف الاسلامي. وكان هذا هو شعار أمريكا ومن يسير في ركابها منذ أكثر من عشر سنوات خلت. وكان هذا الخلط مقصودا للتبرير والتزوير والتهديد. غير أن هذا الشعار لم يبق عند حدود السياسة الأمريكية الخارجية التي غزت العراق وألحقت به الدمار وعرضته لتمزيق الأوصال وأرجعته عقودا إلى الوراء، محيية نعرات الطائفة والعقيدة والعرق تحت ذريعة أسلحة الدمار الشامل، ونشر الديموقراطية. ونفس الشيء ألحقته بأفغانستان وجعلت تداعيات الحرب تمس باكستان وتعرضها لعدم الأمن والاستقرار. ويمكن قول الشيء نفسه عن فلسطين التي لم يتم الاكتفاء بتقسيمها إلى ضفة وقطاع بل تم العمل على تغذية الصراع بينهما أيضاً بدريئة محاربة التطرف الإسلامي والإرهاب.

إذا كان هذا حال الدول العربية والإسلامية من منظور أمريكا، فالأمر عينه في المَهاجِر حيث يعيش المسلمون، فافتعال استفزازهم ومحاصرتهم هو العنوان الأبرز لتلك الحرب. فمن رسوم وأفلام ضد الإسلام باسم الحرية الفنية، ومنع للحجاب باسم الجمهورية، وتلويث مقابر المسلمين تعبيرا للكراهية. كل ذلك تعبير صارخ عن موقف واضح، ليس فقط من الإرهاب أو التطرف الديني، بل هو أيضاً موقف من الاسلام والمسلمين.

لم يقف هذا الموقف على حدود أمريكا والغرب بل امتد الى داخل العالم العربي. فالحكومات وجدتها فرصة مواتية لتصفية أي معارضة سياسية، بعد أن خلا الجو للتيارات الدينية، كيفما كان نوعها تحت ذريعة مقاومة الإرهاب والتطرف. ولا عجب أن نجد مختلف الأنظمة المتداعية والتي في طريقها إليه، واجهت الربيع العربي بدعوى حربها ضد الارهاب. كما أن التيارات السياسية المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني، تحت شعار 'الحداثة' ومقاومة الإرهاب، انخرطت بدورها في مقاومة 'المد' الاسلامي غير مميزة بين الاسلام ( الدين) والمسلمين (الشعب) والإسلام السياسي أو التيارات الدينية المختلفة.

أمام هذه الحرب، بغض النظر عن الشعارات والفروقات البسيطة بينها، وبصرف الطرف عن مشروعيتها أو لا، كان الشعب العربي الذي لا تهمه هذه الصراعات بين أمريكا والقاعدة، ومن لف لفهما، على المستوى الدولي، أو بين 'الحداثيين' و'الظلاميين'، على المستوى القطري، يرى أن الوطن العربي والاسلامي ظل مستهدفا وهو بؤرة الصراع على المستوى الدولي: فلسطين، لبنان، العراق، أفغانستان، باكستان، إيران. ومن جهة أخرى يرى أن أوضاعه الاجتماعية والاقتصادية لا تزداد إلا ترديا، ولا أفق لأي تغيير يحول مجرى حياته. فالنظام الرأسمالي العالمي بقيادة أمريكا يمارس غطرسته في البلاد، ويتبجح بدعمه لإسرائيل اللامشروط، والأنظمة الدكتاتوية تمسك السلطة بيد من حديد. والأنظمة التي تمارس فيها لعبة الديموقراطية لا تستفيد فيها سوى حفنة من الانتهازيين والوصوليين، والأحزاب عرضة للمزيد من الانقسام والضعف، ولا شيء يمكن أن يفتح باب الأمل .

جاء الربيع العربي تعبيرا عن رفض كل هذا الوضع وكل تداعياته البعيدة في الزمان، والممتدة إلى فترة المطالبة بالاستقلال، والقريبة منذ الحادي من شتنبر/ سبتمبر (الحرب على الإرهاب). لم يكن الشعار المركزي الذي رفعه المتظاهرون في كل الوطن العربي سوى اختصار لكل المعاناة التاريخية والتي تم تجسيدها في ' الفساد' باعتباره جوهر كل المعاناة. وكان تصويتهم لفائدة أحزاب اسلامية 'معتدلة' رفضا، لتلك الحرب التي خيضت في الجوهر ليس ضد الاسلام والمسلمين فقط، ولكن ضد الشعب الذي ظل يكتوي بنار هذا الصراع وتداعياته على الواقع الاجتماعي والسياسي العربي الذي أدى إلى الفوضى ليس الخلاقة، ولكن المدمرة للكرامة والوجود والحياة.

لذلك نخلص إلى أن هذا التصويت في آن واحد: موقف من أمريكا وإسرائيل والغرب والأنظمة جميعا كل المؤسسات الرسمية والمدنية، ( وظهر ذلك بجلاء من موقفهم من الربيع العربي المتذبذبة)، وهو كذلك موقف من التطرف والإرهاب الديني. إنه بتعبير آخر ضد ' الغرب الرأسمالي' وضد 'الإسلام' المتطرف.

لقد عانى الشعب العربي من الاستعمار القديم، والجديد الذي يريد أن يفرض عليه ديموقراطيته، ومن الأنظمة والأحزاب الليبيرالية والاشتراكية والعلمانية، ومن التبعية في مختلف صورها. جاء هذا التصويت من لدن الشعب العربي، بُعيْد الربيع العربي، لفائدة الإسلاميين مزدوج الدلالة: فهو من جهة تأكيد لهويته الدينية المستهدفة (اللاشعور الجماعي)، وهو من جهة أخرى تعبير عن الرغبة في تحسين شروطه الحياتية وعلى رغبته في الديموقراطية والأمن والعيش الكريم (الشعور الجماعي). إن الدلالتين مترابطان، ترابط الدال بالمدلول.

(3) الهوية العربية الإسلامية:
إن الهوية العربية الإسلامية تشكلت على مدى تاريخ طويل في كل الوطن العربي. هذا البعد التاريخي منحها طابعا خاصا ومتميزا، ومقومات وجودية متفردة. ولا يمكن أن نجد هذا في أي هوية أخرى. إنها هوية مركبة، لا دخل فيها للغة ولا للعرق ولا للدين، رغم أن كل هذه العناصر تتداخل فيها وتتمازج. لطالما كنت أتساءل لماذا كانت المظاهرات تخرج في الشارع العربي دائما دعما لفلسطين والعراق، ولم تنظم مظاهرة واحدة لفائدة أفغانستان مثلا، رغم تعرضها لكوارث لا تقل معاناة عما عرفته فلسطين أو العراق، علما أن في هذا القطرين أعراقا أخرى غير عربية وغير إسلامية. ويمكننا تعداد الأمثلة من الواقع الملموس، القريب وخلال فترة الاستعمار. إن الهوية العربية الإسلامية ذات بعد ثقافي وحضاري.

هذه الهوية المركبة محدد أساسي للوجود. ولقد ظلت في كل التاريخ الحديث مستهدفة. وعندما يتواصل تهديد هذا اللاشعور الجماعي، وعلى مدى تاريخ يمتد من محاكم التفتيش والحروب الصليبية إلى الآن، معززا بحرب ضد الشعور الجماعي، من خلال تلك الحرب، ويمس الإنسان في قوته اليومي، لأن هذه من تلك، يخرج المتظاهرون رافعين شعارات ضد الفساد، ويصوتون في انتخابات نزيهة، لأول مرة في تاريخ العرب الحديث، للتيارات الإسلامية التي هي ضد الإرهاب. هذا ما لا ينبغي تجاهله من لدن الجميع سواء كانوا مسلمين أو غيرهم. لقد صوت التونسيون والمغاربة والمصريون لتيارات إسلامية لتأكيد هذه الهوية المركبة والمعقدة في الآن ذاته، ولذلك فهم يعولون على خلاصهم من الفساد، وقد ارتبط بالغرب وأمريكا وإسرائيل وبالأنظمة التي ظلت تسير في فلكهم بصورة ظاهرة أو مضمرة، لأنها هي التي ظلت تستنزف خيرات الوطن العربي، خلال كل التاريخ الحديث، وحتى الذين يعيشون في المهاجر ظلوا عرضة للتمييز والعنصرية ويراد لهم أن ينسلخوا عن هويتهم التاريخية.

في ضوء هذا التحليل، يبدو الربيع العربي ثورة شعبية على كل التاريخ الحديث، من جهة، وعلى الطريق المسدود الذي آل إليه الصراع مع الغرب وأمريكا بعد أحداث شتنبر (سبتمبر)، من جهة ثانية. وضد الأنظمة المتحكمة من جهة ثالثة. ويأتي التصويت للإسلاميين في هذا السياق تأكيدا لتلك الهوية ودفاعا عن الكرامة والعيش الكريم.

إن ما ينتظره الشعب العربي هو محاربة الفساد وبناء الدولة الديموقراطية التي يتعايش فيها الجميع بغض النظر عن انتمائهم العرقي أو الثقافي أو الديني. إنهم وهم يضعون ثقهم في هذه الحكومات الجديدة كان ذلك لهدف واحد : تحقيق ما لم يتحقق في كل التاريخ الحديث، وظل معلقا في الوهم والحلم ( اللاشعور الجماعي)، وتحققات ذلك التي تكمن في ضمان حقوق المواطنة كاملة، وتوفير الأمن الحقيقي والحرية المسؤولة وتكافؤ الفرص والعيش الكريم وعدم الخوف من المستقبل بحيث يصبحون مواطنين مثل مواطني سائر الدول المتقدمة، فلا يحسون بالنقصان لأنهم ينتمون الى عالم متخلف أو خارج العصر.

إنها رهانات كبيرة وآفاق انتظار عليا. لقد جاء الربيع العربي ليضع حدا لشتاء طويل امتد عقودا طويلة جدا من المعاناة والمكابدة، فهل سيكون الصيف الإسلامي بداية جديدة لفصول منتظمة تضمن التحول والتطور والازدهار وتعيد للحياة العربية دورتها الطبيعية؟ تلك هي المسألة. وإن غدا لناظره لقريب

 

ناقد من المغرب