على الرغم مما اتسم به نص صفاء عبدالمنعم من واقعية شديدة، فإنه لم يخلُ من لمحات الفانتازيا التي لم تنفصل عن الواقع، وإنما انسجمت معه، لكونها جزءاً أصيلاً من الثقافة الشعبية التي يتعاطى معها كثير من المصريين بوصفها حقيقة لا تقبل الشك، وإن لم تحظَ بحضور مادي.

حينما يروى البسطاء والمهمشون التاريخ

قراءة في رواية «ستي تفاحة» لصفاء عبد المنعم

نـشوة أحـمد

 

مفتتح كل يوم هناك بداية جديدة للهزيمة"، هكذا تمهد الكاتبة صفاء عبد المنعم في روايتها "ستي تفاحة" (دار بدائل، القاهرة) لمجموعة من الهزائم على المستويين الاجتماعي والسياسي؛ مستخدمة شخصية الجدة "تفاحة" التي أعادت بعثها بعد أكثر من 20 عاماً كانت قبلها إحدى بطلات مجموعتها القصصية "بنات في بنات"، الصادرة عام 2000 في قصة حملت العنوان نفسه؛ لترصد من خلالها ومن خلال الشخوص التي مثلت أكثر من جيل عبر بنائها الروائي، تاريخاً أكثر حقيقية وصدقاً يرويه البسطاء والمهمشون.

في صيغة استهلالية كلاسيكية بدأت الكاتبة بناءها السردي "في فجر يوم بعيد"، ما يشي بتأثرها بالموروث الشعبي، ويحمل دلالة عن طبيعة الشخوص والحكايات التي ينطوي عليها النسيج. ويعلن منذ اللحظة الأولى عن إمساك تقنيات التذكر والاسترجاع بزمام السرد في رحلة عكسية تبدأ بالعودة، وتنتهي بالرحيل عبر نسق يمتزج فيه صوت الراوي مع صوت الكاتب، ويتداخلان، بما يوحي أن النص الروائي يشتمل على حقائق ووقائع حدثت بالفعل، وأن الكاتبة قد أطلقت عبره سراح جوانب من سيرتها الذاتية.

تبدأ الأحداث بقرار "حياة" الشخصية المحورية في النص، السفر إلى دولة الكويت في رحلة تبدو في ظاهرها للعمل، بينما هي في حقيقتها محاولة للهرب من هزائم أسرية متوالية واجهتها ببعض المقاومة الممزوجة بحيل التبرير ومحاولات الغفران، لكنها حين نضحت بالصمت والمرارة، مدت إلى الفرار طريقاً.

الهزيمة والوحدة

تستعيد الراوية، أو "حياة"، عبر نسق من السرد الذاتي طفولتها لتوثق هزائمها الكبرى في معارك متكررة وغير متكافئة تروح ضحيتها الطفولة، وتزهق فيها الأنفس في سبيل تقاليد بالية توارثها الكبار. فالطفلة التي لم يتجاوز عمرها بضع سنوات، والتي خرجت في العيد للعب مع الأطفال، تتعرض لبطش الجدة التي توبخها بعباراتها اللاذعة "بتلعبي مع الصبيان يا فاجرة يا قليلة الأدب" (ص 58)، وتلطمها بعنف، فتسقط "حياة" الطفلة على الأرض باكية لتتوقف بعد ذلك عن اللعب، الابتهاج بالعيد وعن البكاء أيضاً، ولا تمارس بعدها سوى الطاعة العمياء، وإن جاءت الأوامر على غير رغبتها! 

لكن الجدة حظيت بصورة أخرى مشرقة، فهي تهدهد، وتدلل وتحتضن وتستمر بالدعاء، ما يحيل إلى فلسفة الكاتبة ورؤيتها لقسوة الكبار كميراث من أفكار بائدة لا تتوافق مع فطرتهم التي تجنح إلى الحنان والاحتواء، وهكذا وجدت "حياة" طريقاً لمسامحة الجدة، ووجدت كذلك طريقاً لمسامحة الأم التي ظلت تمارس حيلاً من الإزاحة على ابنتها لتتخلص من عبء نفسي أوجده قهر"الحماة". وربما كانت الكاتبة تمرر عبر ذلك إنذاراً ضمنياً، وتدق ناقوس خطر بأخطاء التربية الجسيمة التي تئن تحت وطأتها مجتمعاتنا، لا سيما باستحضارها شخصية "حامد"، الجد الذي أضرم النار في نفسه شاباً بعد رسوبه في كلية الطب لما تعرض له من إذلال أبيه الذي استمر في السخرية منه بمناداته مجيئة وذهاباً "روح يا ساقط.. تعالَ يا ساقط" (ص 105)، ولم تستعده من الموت دموع الأب ولا ندمه!

ولم تتوقف هزائم "حياة" داخل أسرتها، وإنما توالت بمرور السنين، فالأم تعبر عن خوفها على مستقبل ابنتها التي لم تتزوج بمزيد من القسوة، وأحياناً الشفقة المؤلمة التي تدفعها لاتباع المشعوذين والدجالين، والأخ الأصغر صعب المراس "عثمان" يتهم عائلته بالكفر بعد انخراطه في جماعات الإسلام السياسي في بداية ظهورها في ثمانينيات القرن الماضي، ويتطاول على أخته - التي تكبره بأعوام - بالصفع والتكفير. وبين هزيمة وأخرى تنأى "حياة" في عالمها الخاص وتبتلعها العزلة فتصبح الوحدة تيمة رئيسة للنص تطل برأسها مرة بعد مرة كنتيجة منطقية تتسق مع مقدمات ساقتها.

"تنظر حولك فلا تجد سوى مقعد فارغ، فتظل طوال الرحلة بمفردك في ركن واسع وعميق من جهة يمين مدخل باب الطائرة. يا الله، حتى هنا في الأعالي وعلى جناح طائر الرخ الأبيض الكبير بمفردي" (ص 47).

الفلكلور والتراث الشعبي

لم ترغب الكاتبة في توثيق الهزائم والأحداث الكبيرة وحسب، وإنما عمدت إلى توثيق عادات فلكلورية راسخة انتقلت عبر أجيال عدة، ثم أخذت طريقها للخفوت والاندثار، فكان سر ما تحظى به الجدة من تقدير وإجلال جيرانها ومهابتها وخشية غضبها؛ حرفيتها في ممارسة تلك العادات الشعبية كرقية الطفل، ولم الرأس وأخذ الشمس وحرق العروسة بعد ثقبها بالإبر لاتقاء الحسد وحث الصغار على شرب بقايا الشاي الممزوج بالتفل من كوب الضيف خشية أن تصيبهم عينه. ولم تحظَ العادات وحدها بمساحة داخل السرد، وإنما عمدت الكاتبة أيضاً لوصف الأزياء الشعبية التي كانت ترتديها النساء خلال مطلع ومنتصف القرن العشرين، وحرصت على رصد الفروق بين ما كانت ترتديه الريفيات وغيرهن من القاهريات والسكندريات. 

"كانت جدتي ترتدي ثوباً فلاحياً فضفاضاً، يسمى (الجرجار) وطرحة سوداء من الحرير الطبيعي، وأمي ترتدي فستاناً بورود كبيرة حمراء وفي قدمها حذاء بكعب ألمونيا. ستي تفاحة كانت ترتدي جيباً وبلوزة، طقماً يسمى تايير".

النوستالجيا وثنائية الماضي والحاضر

حالة من الحنين إلى الماضي هيمنت على النص؛ أمعنت الكاتبة في إبرازها عبر مقارنات ضمنية بين ما كان وما صار، لا سيما قبل وبعد حقبة السادات. فالأبواب المفتوحة للقاصي والداني حد إطلاق "حياة" على بيتهم "سبيل أم عباس"؛ أغلقت، ووضعت بها عيون سحرية، والتدين العميق استحال إلى تدين قشري، والألفة بين طوائف الشعب تبدلت إلى فرقة وانقسام، والقيم توارت خلف شيوع الرغبة في الثراء السريع، وبين هذا وذاك تعلن الكاتبة انحيازاً ضمنياً لما مضى بإشارتها إلى ضياع السعادة إثر ما حدث من تغيرات اجتماعية كانت أسرع من القدرة على استيعابها. لكنها في الوقت نفسه لم تغفل بعض مساوئ الماضي وأفكاره الظالمة التي فرقت بين أبيها وصديقه الوحيد حين أعلن عن رغبته في الاقتران بعمتها، لكن الأب وأد الحب والحلم، وقتل الصداقة بنصل أفكار بالية عن الأصل والفصل والنسب.

لم تكن الكاتبة مهمومة برصد أحداث تاريخية بعينها، بل كان همها الأكبر رصد تأثير تلك الأحداث على الفئات البسيطة والمهمشة التي عايشتها وتعاطت معها. فعندما استدعت شخصية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وثقت حالة من الحميمية، ومن الإيمان به من قبل عموم الناس على اختلاف طبقاتهم وثقافتهم بحيث أصبح الانشغال به والحديث عنه أمراً عادياً ومألوفاً بين امرأتين مسنتين لم تنل أي منهما قسطاً من التعليم، بل أصبح القلق عليه هاجساً يظهر في أحلام "الست أم حمزة" على الرغم من كونها واحدة من المهجرين من النوبة بسبب مشروع السد العالي. وهذا ما يدل على عمق محبة المصريين للرئيس الراحل وانخراطهم في الشأن العام في ذلك الوقت، والذي استحال في عهود أخرى إلى صمت وعزوف، ولم تغفل الكاتبة رأياً آخر ممثلاً في "تفاحة" الجدة التي ظلت على ولائها للملكية لما حظيت به خلالها من ثراء.

استمرت الكاتبة في رصد آثار أحداث مفصلية أخرى، لا سيما في حقبة السادات مثل أثر زيارته لإسرائيل وسياسة الانفتاح الاقتصادي وتغير منظومة القيم. فجيهان "الأخت الصغرى"، ابنة تلك الحقبة، لم ترغب إلا بالثراء السريع مهما كان حجم ما عليها أن تقدمه من تنازلات، وإن تخلت عن دراساتها. وعثمان ابن الحقبة ذاتها كان صيداً سهلاً لجماعات الإسلام السياسي التي ظهرت مع بداية الثمانينيات وأطلقت سهام التكفير على كل شيء. وكذلك عرجت صفاء عبد المنعم على ظاهرة النزوح إلى بعض دول الخليج وما ترتب عليها من آثار على ملامح الثقافة المصرية. وكلما توغلت الكاتبة في ماضي الشخوص استدعت من الأحداث السياسية ما كان له تأثير مباشر على شخوصها، إلى حد أنها رصدت تأثير الحرب العالمية الثانية على مصر وتلهف المصريين لوصول هتلر للتخلص من الإنجليز، ما دفعهم لتسميته الحاج محمد هتلر، وخوف اليهود من انتصار الألمان وهروبهم خارج الإسكندرية. وهكذا آلت متاجرهم، خصوصاً محال بيع الذهب، إلى المصريين، وكان زوج الجدة تفاحة أحد الذين استفادوا من هرب اليهود.

لمحات من الفانتازيا

على الرغم مما اتسم به النص من واقعية شديدة، فإنه لم يخلُ من لمحات الفانتازيا التي لم تنفصل عن الواقع، وإنما انسجمت معه، لكونها جزءاً أصيلاً من الثقافة الشعبية التي يتعاطى معها كثير من المصريين بوصفها حقيقة لا تقبل الشك، وإن لم تحظَ بحضور مادي، فـ"الست أم حمزة" يتلبسها جني، والجدة تساعد في صرفه عنها، و"حياة" تشعر به لحظة خروجه من جسد المرأة العجوز.

ولعل استدعاء تلك الغرائبية يشي بانحياز الكاتبة للثقافة والموروث الشعبي، وقد أضفى ما أودعته منها نسيجها؛ متعةً وجاذبيةً على السرد، لا سيما أنها أجادت الخروج به من حيز اللامألوف إلى حيز الممكن والقابل للحدوث.

على الرغم مما أنّت به "حياة" من آلام هزائمها المتوالية ظل الأمل يتسلل هنا وهناك، تارة بشكل مباشر عبر تأكيد نجاحها وتحقيقها ما كانت تصبو إليه. وتارة بشكل أقل مباشرة ووضوحاً حين لمحت الكاتبة إلى زواجها وثرائها، ما يحيل إلى فلسفة ورسالة ضمنية تعززان من قيمة العلم والطموح، وتعتبرانهما طريقاً آمناً للفوز. وربما جاء استخدام اسم "حياة" للشخصية المحورية بالنص رمزاً دالاً على ما ستعيشه هذه الشخصية من تقلبات وأحوال تتراوح بين الحزن والسعادة، والهزيمة والانتصار، والحقيقة والخيال، فالحياة أيام تُعاش، والأيام دائماً حبلى بالعجائب!

 

اندبندنت عربية