على الرغم من صغر المساحة الكتابية فى قصة "الصلصال"، إلا انها تكتنز الكثير فى باطنها. حيث على القارئ أن يتأمل ماذا يحمل فى جوانيته، من الماضى، فالكثير منه قد يُنغص عليه عيشه. ثم استدعاء "غادة الكاميليا" بما فيها من رومانسة، يعيد إلينا ذلك الحب الذى تمكن فى قلب بطل الرواية – الشاب أرمان دوفال التى أبدعها ألكسندر دوماس الإبن منذ 1848. تجاه مارجريت، والتى تعيش كرمز للحب الرومانسى حتى الآن، كما أن الكاتب استعان بأحدث ما تم إدخاله على العمل الإدبى، وهو المعلوماتية، فساق لنا فكرة عن الصلصال. وكأنه يجسد الرؤية والتمكن وتأثيره على الإنسان. فكانت المتعة، وكانت المنفعة.

الصلصال

مصطفى الضبع

 

ربما كانت الخطأ الذي ظهر في وقت مناسب، لكن الأشياء الخاطئة لا تكتسب صحتها بمرور الزمن ، تماما كالكلمة البذيئة لا تكتسب خلقا حسنا بكثرة تداولها.

قطعة صلصال تركها مستخدموها السابقون، ربما كانت فائضة عن حاجتهم أو تخلصوا منها لصعوبة تشكيلها وقسوة عجينتها (يتصف الصلصال بقوامه العجيني اللدن عند تعرضه للماء، ويتحول إلى مادة قاسية عند تعرضه لحرارة عالية والبشر الصلصاليون الذين يخافون من الماء تزداد قلوبهم قسوة فوق قسوتها. (

حملتها معي عازما على تشكيلها آملا أن تكون صالحة لما هو أجمل مما هي عليه ، صنعت منها تمثالا أنيقا زينت به غرفة نومي ، ورحت أمنحه كثيرا من الاهتمام ، والعطاء والحب، حتى صار عالمي الأثير ، أعطيته كل مقومات الحياة ، حتى رأيتها تدب فيه ، راح يتحرك حولي ، آمنت به وبحركته، و بكل  تفاصيله.

انشغلت به زمنا، لم أكن أتركه إلا لممارسة هوايتي الأثيرة ، القراءة ، كنت قد انتهيت من قراءة " غادة الكاميليا " ، شعرت بحاجتي لإعادة القراءة ، ربما محاولة لفهم عالم مارجريت ، وربما لأسباب لست متيقنا منها ، وربما لعلاقة بين حدثين راودني كثيرا هذه الأيام .

بمرور الوقت بدأ يتعملق ، لم أستشعر خطرا من أي نوع ، استأمنته على عالمي الذي دشنته بعناية ، رويدا بدأت أكتشف غياب الأشياء ، واختفاء التفاصيل من حولي ، تأكدت من أنه في غيابي يتخلص من أوراقي وكتبي وملفاتي الأثيرة ، ولم يكتف بذلك بل راح يسطو على طعامي وأدويتي و أشيائي الخاصة.

لاحقا اكتشفت ظلاما ينسال من داخله فعملت على وضع لمبات زيادة تخلصا من ظلامه ، كلما ازداد تعملقا تكشف الفراغ داخله و اتضحت مساحات الخواء في تفاصيله ، بدا هيكلا لامعا من الخارج متعفنا من الداخل حتى عمت رائحة عفنه المكان فلم أعد أتحمل أكثر من ذلك.

اتخذت قراري بالتخلص منه ، ولما كنت أعرف أن الظلام يجعله يتآكل وضعته في الغرفة البعيدة ، أغلقت عليه الباب تاركه لظلامه.

بدافع من حب الاستطلاع كنت أحملق في شراعة الباب ، بالكاد أراه يتضاءل متماهيا مع ظلام الغرفة ، فيما كنت أزداد انتعاشا وإقبالا على الحياة حتى نسيته ونسيت الغرفة التي يتحلل في ظلامها