خص الروائي الأردني (الكلمة) بهذه الرواية التي رسم فيها العالم السفلي لمنطقة «جبل النظيف» وتتبع فيها شخصياته المختلفة في علاقاتها مع بعضها، ومع فضاء آخر حيث تمددت بعض الشخصيات إلى عالم الأغنياء، راصدا تناقضات الحياة والعلاقات الملتبسة بلغة سرد تزاوج بين المجاز الشعري والسرد الدقيق.

جبل النظيف (رواية)

إبراهيم أبو عواد

(1)

إنه الصراخ يقتلع حيطانَ الغرفةِ الكالحةَ. في تلك الزاوية من الحلم يبدأ المنفى بكاءه حنيناً إلى ذاكرة صارت مَنفى. كل أجزاء صوتها يتداخل في جليد المنافي، والنسوة حولها يحاولن التخفيف من ألمها.

- استعيني بالله يا أم بسام، لستِ أول واحدة تلد في هذا العالَم، وهذه ليست أول مرة، فقد صرتِ خبيرة في الولادة.. لقد صارت نسوان هذا الجبل مثل الأرانب، الواحدة لا تعرف إلا الحمل والولادة.

قالت الحاجة سعدية وهي تتأفف بصوت عالٍ ممزوج بمشاعر متضاربة، فهي تنام في الجلسة ثم تستيقظ على صراخ أم بسام.

وتدخلت إحدى النسوة في هذه المعركة لتثبت أن لها وزناً في جلسة الولادة هذه، فقالت وقد أخفت العلكةَ في قلعة حصينة في فمها الواسع:

- لا وقت لهذا الكلام، المرأة تموت أمام عيوننا، وتضيع من بين أيدينا. وحتى الآن لم يأت ابنها، أرسلناه لإحضار الداية عواطف لكي تُوَلِّد هذه المسكينة، فلم يأت بسام ولا عواطف.

لم تقدر أم بسام على الرد، ودخلتْ في صراخ أشد من ذي قبل، فجسدها شعلة نار في الصحاري الجليدية. جِلْدها يتمزق كمداخن أكواخ الخنجر الدائم. بطنها أضحت معقلاً لكل الانقلابات العسكرية في العالَم. إن ناراً تريد الخروج من رحمها. اشتدت عليها الآلام بصورة دَفَعَتْهَا إلى الدخول في غيبوبة سريعة، ثم أفاقت وهي لا تكاد تميِّز وجوه النسوة المحيطات بها. إن أحشاءها في تلك اللحظات كرة نارٍ في ذاكرة منجنيق وُلِدَ في المعركة، وعاش في المعركة، ومات في المعركة.

وحينما تمالكت أم بسام نفسَها، ركَّزت في وجوه النسوة الجالسات حولها.

بدت وكأنها تريد افتراس الملامح النسائية لكي تميِّزها بشكل دقيق. مدَّت يدها تحت الوسادة بتثاقل رهيب، وبدا أنها تسحب شيئاً ما كأنها تنزع جثةً ثقيلة من بئر سحيقة.

وبعد أن فرغت من رحلة الاستكشاف تلك، ارتسمت على محياها ابتسامة عريضة وهي تمسك علبة دُخان مع القداحة.

نظرت النسوة إلى بعضهن البعض في استغراب، وقالت إحداهن - وأظنها الحاجة سعدية-:

-       ليس وقت الدخان الآن يا أم بسام. أنتِ بين الحياة والموت. لا تُدمِّري صحتك، وتضيِّعي نَفْسَكِ يا حُرْمة.

تدخلت زليخة الأرملة بعد أن قَطعت أفكارها الشاردة مع ابنها يونس الذي يعمل ميكانيكي دبابات في الجيش، ولم يأخذ إجازة منذ مدة طويلة:

 - اتركيها تُدخِّن يا سعدية. سيجارة واحدة لن تقضيَ عليها، اتركي كلام الأطباء، هؤلاء دجالون يبيعون الكلام في الهواء من أجل الفلوس، ولا يفهمون شيئاً.. اذهبي إلى أية مستشفى، ستجدين الأطباء يغازلون الممرضات في غرف العمليات، والناس يموتون مثل الفئران.

 انقطع نَفَسُها من كثرة الكلام. وبعد أن تنفَّست بعمق، قالت:

- أنا زليخة على سِن ورُمح، أفهم أكثر من كل الأطباء الذين درسوا في بلاد الأجانب. لي عشرون سنة أُربِّي الأرانبَ على سطح الدار، وأُجري لها عمليات ولادة وعمليات جراحية. ولم يمت أيُّ أرنب في أي عملية. هذا هو الشغلُ على أصوله.

 كانت زليخة امرأة أُمِّية تلقي الكلام ثم تفكر فيه. وهي تعيش حياتها ببساطة ساذجة. وقد كرهت الأطباء وعلم الطب وكل ما يتعلق به منذ أن طردها أحد الأطباء من باب المستشفى لأنها لا تملك ثمن العلاج.

 ربما كانت هذه الحادثة قبل أربع سنوات أو أكثر. لستُ متأكداً بالضبط. فقد كُسِرت رِجْلها على سطح بيتها عندما حاولت وضع الذُّرة للحمَام فسقطت على الأرض. وذهبت إلى المستشفى بالعكازة، وبمساعدة الحاجة سعدية، ولم تكونا تملكان أجرة سيارة التاكسي، فكان الطريقُ قطعةً من الجحيم، وحينما وصلت إلى باب المستشفى طردوها، فوقعت على الأرض، ووقعت عليها العكازة. ومنذ تلك اللحظة أعلنت الحرب على الأطباء كلهم، وكرهت المستشفيات.

 كان بسام يتبختر في مشيته كأن شيئاً لم يكن. اشترى قطعة شوكولاتة من النوعية الرخيصة من بقالة الخيَّامي، ومضى إلى بيت الداية عواطف، والأزقةُ القذرة تقتل رائحةَ ظلالها مثلما تخرج جثامين أسماك القِرش من كتابات الأولاد على الحيطان البائسة. صارت الأزقة تضيق وتضيق، وكلما ضاقت أكثر عَرف أن البيت المقصود صار أقرب.

 ففي جبل النظيف، ذلك المكان المنسي في حِبر الخرائط، والبُقعة المنبوذة في تاريخ أحزان الشوارع غير المعبَّدة. ذلك المستودع من أسرار النساء المسحوقات والرجال العائشين على الهامش بلا مستقبل أو أحلام، حيث وجوه الناس مُصادَرة، وأحلامهم موؤدة قبل أن تُولَد. كلُّ عجوزٍ تَجلس على درج بيتها تنتظر ما لا يأتي، وكلُّ أرملةٍ تخيط أحزانَها في ليالي الشتاء.

 في هذا المكان الموحل، لا يصل ضوء الشمس إلى نخاع الأزقة الضيقة، فالمنازل العشوائية مبنية بصورة متلاصقة إلى حد التزاوج مع جنون الأسمنت المغشوش، فلا الشمسُ تدخل في شرايين جغرافيا الحلم الواقعي، ولا البشر ينتظرون قدومَ ضوء الشمس.

 في هذا المكان كلما اقتربتَ من الأشياء ابتعدتَ عن نَفْسك، وكلما ابتعدتَ عن الأشياء اقتربتَ من حزنكَ. لن تقع عيناك في هذا المحيط الشاسع من أكواخ الصفيح والأوحال والروائحِ الكريهة وأكياسِ القمامة المبعثرة على طول المدى والتي مزَّقتها القططُ العمياء، إلا على عيون مكسورة للبشر والحيوانات التي انتخبت المنفى الاختياري في هذا الجبل الذي ليس له من اسمه نصيب.

 ولن تجد سلال قمامة أمام أبواب البيوت لأن السكان يُوفِّرون بقايا النقود لشراء ما هو أهم من سلال القمامة، لكي يظلوا على قيد الحياة لا أكثر. الحياة من أجل الحياة، حيث التاريخ متروكٌ للقادرين على الدفع، وحيث المستقبل لم يعرف طريقَ هذا الجبل المنسي في انكسار الروح. هنا يصير الهدفُ من الحياة أن تظل على قيد الحياة أطول فترة ممكنة هارباً من تاريخ الصراصير المقتولة تحت الأحذية الممزَّقة.

 وبعد أن تعب بسام من اللعب في الشارع، ورمي الحجارة على القطط المغضوب عليها في هذه القذارة الشاسعة، وأنهى امتصاص قطعة الشوكولاتة حتى الرمق الأخير، فقد لا يقدر على شراء قطعة ثانية في المدى المنظور، ذهب إلى بيت الداية، وقرع الجرس بشكل هستيري متواصل.

 كانت الداية في قميص النوم برفقة زوجها محمود بائع الخضار، وقد كانا شبه عاريَيْن على السرير المكسور، وهما يخترعان نظرياتٍ جديدة في الغزل على ألحان رائحة المجاري الفائضة في الأزقة المحيطة، وحينما سمعا قرع الجرس بهذا الشكل المرعب، وقعا على الأرض، وهبَّ الرجل واقفاً، وهو لا يعرف ماذا يفعل، وأين يذهب، لكنه قال بصوت متذبذب نتيجة القلق البالغ:

 - استري على حالك يا امرأة، ضَعِي اللحاف عليك. يا فرحة ما تمَّت، كل يوم يصير نفس القصة، لا أعرف متى سننجب الأطفال إن بقينا على هذه الحال.

 قالت عواطف وهي في غاية الارتباك، ولا تعرف كيف تستر نفسها:

 - اترك هذا الكلام.. اذهب وافتح الباب.

 وطيلة هذه المدة لم يتوقف الرنين المجنون، فقد غرس بسام أصابعه كلها في الجرس كأن لديه ثأراً شخصياً معه.

 ارتدى ثيابه على عَجَل، وانطلق كالملسوع لكي يفتح الباب. وعلى الرغم من أن بيتهم عبارة عن غرفة واحدة ضيقة وحَمَّام ومطبخ صغيرين، إلا أنه أحس المسافة بين السرير وباب البيت كأنها مسافة بين كوكبَيْن.

 فَتح البابَ، والعرقُ يكتسح وجهَه، وبسبب ارتباكه لم ينتبه إلى الصغير بسام بسبب قصر قامته. فصار بسام يرفع نفسه ليجذب الانتباه.

 فلما انتبه محمود إلى هذا المشهد الذي بدا فصلاً من مسرحية كوميدية، قال بصوت مستسلم، وعلامات الخيبة تقتلع ملامحَه، والكلام يخرج من جوفه بصعوبة:

 - ماذا تريد يا بسام ؟.

 - أريد خالتي عواطف لأني أمي سوف تلد.

 - حاضر يا سيدي.

 وقد استمعت عواطف إلى الحوار كاملاً، فارتدت كامل ثيابها، وهي تقول في نفسها:

 - أنا أُوَلِّد النسوان، وأظل بلا ولادة. صدق من قال: باب النجار مخلَّع.

 ثم قالت لزوجها وهي تهم بمغادرة بيتها:

 - ضع الماء على النار، وانتظرني في السرير، ولا تلمس قميص النوم لأني استأجرته من جارتنا.

 وانطلقت الداية برفقة الصغير بسام بسرعة كبيرة، يقتحمان الرائحةَ الكريهة في أزقة الوباء. وفي أثناء سيرهما المتماهي مع الركض، كُسر كعب حذائها، فوقعت على الأرض، وقد التوى كاحلها بصورة طفيفة، لكنها واصلت السير ببطء شديد وهي تعرج، والألم ينهش رِجلها، ويسري كالرماد الحارق في شرايينها.

 وما إن وصلت إلى بيت أم بسام حتى سمعت صراخ طفل يُفجِّر المكانَ، لكنها لم تقدر على تمييزه هل هو ذَكر أم أنثى. وحينما دخلت إلى جلسة الولادة تلك، نسيت النسوةُ الجالسات موضوع الولادة، وصِرْنَ يحدقن في هذه المرأة التي وصلت بعد فوات الأوان، وكان العَرقُ يأكل وجهَها، والقاذورات عالقة بثيابها.

 شعرت عواطف في تلك اللحظة بأنها وحيدة في هذا العالَم، وأنها غريبة عن هذا المكان. أحست برغبة شديدة في البكاء، لكنها قاومت الدموعَ بشراسة جندي محشور في الزاوية، ولم تعرف ماذا تقول في ساعة الولادة تلك المصبوغة بالصراخ الذي يدهن حيطانَ الغرفة البائسة. لكنها ألقتْ نظرها إلى الأرض، وقالت:

-       مبروك يا أم بسام.

 وغادرت تلك البقعة المشتعلة بالأحاسيس المتضاربة. وبدأت الدموع تسيل من عينيها بحرقة في الطريق، لدرجة أن سخونة الدمع أنستها وجع قدمها.

 وحينما وصلت إلى بيتها ذُهِل زوجها حينما رآها في هذه الهيئة التعيسة، فقد بدت كالمتسولة. ولم تقدر على النظر في عيون زوجها، وإنما دخلت إلى الاستحمام بالماء الذي تم تسخينه لأمرٍ آخَر.

 وزَّع الرجلُ نظراته في أنحاء الغرفة، ورمى مشاعره في سقفها المصنوع من الصفيح المتهالك، وراح يتحسس نعومةَ قميص النوم الملقى على السرير، ثم اختبأ تحت اللحاف، والنعاس والبكاء يتصارعان في جسده المنهَك.

 وعلى الضفة الأخرى للحلم المشتعل كان بكاء المولودة الجديدة يملأ المكان، ويزرع الخناجر في حلوق النساء المبتسمات حول هذا الكائن الحي الجديد القادم إلى هذه الأسرة. أما أم بسام فتشعر أن جسدها قد غادر مدارَه، وانفصل عن الحياة برمتها. فالألم ينهش جسدها نقطةً نقطة، وهي تمارس الألم لكي تنسى الألم في بقعة أخرى.

 وزَّعت النسوةُ الأعمالَ فيما بينهن. فواحدةٌ تجهز الماءَ الساخن، ورفيقتها تحاول إيقاف سيلان الدم بطرق بدائية مضحكة، وأخرى تحاول تنظيف المولودة. وقد بدت أفعالهن ارتجالية غارقة في الفوضى، لكن هذا هو أسلوب الولادة المتوارث في هذا الجبل المنسي. وكلُّ واحدة تريد إثبات نفسها كقائدة لفريق العمل.

 وفي زحمة هذه الفوضى العارمة المختلطة بطقوس الولادة المتوارثة، والبكاء الصادم، والارتباك، وضوضاء النساء الأميات، جاء بسام كالرصاصة، وهو يلهث، ووقف أمام تلك الجلسة النسائية المخيفة، والتي تبرق في عينيه كرؤوس الرماح، وقال:

-       لقد ماتت جدتي سارة.

 ألقى هذه الكلمة الحارقة، وأصابع الموت تزحف على جِلده، والدموعُ تصعد إلى جفونه، وغادر المكان هارباً كشخص يلقي قنبلة على مجموعة بشر، ويهرب قبل أن يمسكه أحد.

 كان الموتُ ينثر معناه في أرجاء الفضاء. لقد سيطرت النهايةُ على مشاعر النسوة الغارقات في فوضى طقوس الولادة. أما بسام فكان يركض إلى اللامكان. فالموتُ يحمل معنى جديداً في نفسه الطفولية. وهو الطفل المحصور في العاشرة من عمره.

 ظهر المشهد كخليط شرس من الأضداد، حيث المشاعر تقتل المشاعر، ولا يعرف الإنسان أين يذهب. لقد شعر بسام في تلك اللحظة الرهيبة أنه نقل بحوراً من المتفجرات، ولم ينقل خبراً عادياً. لم يفهم بدقة ماهية الموت. لكنه متأكد أن الغياب هو الذي سيفرض شروطَه، وأنه لن يرى جدته سارة بعد اليوم.

 كانت الحاجة سارة كبيرة العائلة. وهي أشبه بشيخ قبيلة، فكلمتها مسموعة، وسارية على الصغير والكبير. وبعض الناس يقولون إنها وُلِدت في عام 1900م، والبعض الآخر يؤكد أنها وُلدت عندما أُلغيت الخلافة العثمانية. وآخرون يقولون إن تاريخ ميلادها نفس تاريخ ميلاد هتلر. وصار تحديد تاريخ ميلادها قضية أمن قومي، وكل واحد يخترع تاريخاً من بنات أفكاره، والجميع مشغولون بهذا، ويحاولون ترك بصماتهم في هذه المسألة التي تمس ثقافة هذه البقعة الجغرافية البائسة.

 والحاجة سارة نفسها لم تعد تعرف كم عمرها من كثرة السنوات التي عاشتها والأمراض التي حاصرتها. لكن الشيء الذي بقي عالقاً في ذهنها طيلة عمرها هو محاولة أبيها أن يُسمِّيَها " رعد " رغم أنها أنثى. وقد قال حينها إنه يرى في عينيها اللامعتين صفات زعماء العشائر، وإن اسم " رعد" يناسب الزعامة. لكن أمها أقامت الدنيا ولم تقعدها، وقالت له إنك ستفضحنا في العائلة، وتسبِّب عقدةً نفسية للبنت. وقد تراجع عن فكرته بعد تدخل عدد من كبار العائلة.

 لكنَّ حكاياتٍ كثيرة مرتبطة بهذه العجوز الأسطورية، لكن الحكاية الأكثر غرابة، والتي يتناقلها الناس بكثافة هي أنها حاولت عقد مصالحة بين الفلسطينيين والأردنيين في حرب أيلول 1970م، وقد رفعتْ عَلَمَي فلسطين والأردن على سطح بيتها، وأقامت بمساعدة طبيب محلي عيادةً لعلاج الجرحى من الجانبين، وقالت إن أهل جبل النظيف لن يرفعوا بنادقهم في نار الفتنة، على الرغم من عدم وجود بنادق مع السكان، ولا يملكون ثمن الرصاصات !. فهم بالكاد يجدون ما يأكلونه، لكن الأمر آنذاك بدا جزءاً من خطبة حماسية.

 والناس شبه متفقين على هذا الأمر، وما زال بعض السكان يضعون صورة ذلك الطبيب في منازلهم احتراماً له. وهم يعتقدون أن الموساد قام باغتياله في باريس التي هاجر إليها فيما بعد، لأنه كان أحد أعضاء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وأحد المقرَّبين من وديع حداد. لكن الجميع يعرف أنه كان يؤدي الصلوات الخمس في المسجد، كما أن زوجته كانت محجَّبة !.

 وبصراحة لا يوجد شيء موثَّق في كلام أهل هذا الجبل الضائع. وكلام الناس خليط من الحق والباطل، فهم يرددون ما يسمعونه بدون تدقيق، ويقولونه بحسن نية، فلم يتخرجوا من الجامعات لكي يعرفوا المنهجَ العلمي، كما أن لهاثهم وراء كسرة الخبز جعل تفكيرهم لا يتعدى حدود الراتب الشهري إلا في حالات نادرة.

 ولا شك أن وفاة مثل هذه المرأة التي تُعتبَر شيخة جبل النظيف سوف يترك أثراً سلبياً. وعلى أية حال سوف تستمر حياكة الأساطير حولها، لأنها ليست مجرد امرأة منسية في هذا الجبل المنسي، بل هي مادة غنية بالتراث والفلكلور والرموز الشعبية، لدرجة أن السائحات كنَّ يلتقطن الصور التذكارية معها. فهي مَعْلم أثري وتاريخي، وقد صارت مثل كليوبترا، إلا أن قَدَرها أحضرها إلى هذا البقعة المنبوذة في تاريخ الحضارات.

 كانت الأحداث تتسارع بصورة مرعبة. يتَّحد الميلادُ والموت في لحظةٍ واحدة. ويمشي الفرحُ إلى جانب الحزن في مدارات النسيان. كلُّ طريقٍ سيخلعُ وجهَه ويلبس قناعه هرباً من الشمس. لكن الشمس الكامنة في داخل الإنسان لا يمكن الهرب منها أبداً.

 أقبل أبو بسام وهو لا يَعلم بولادة ابنته أو وفاة أُمِّه. فمهنته تفرض عليه طَوقاً من العزلة. فهو يعمل في إحدى الكسَّارات المجاورة. غارقٌ في الجبال المعانقة للغيوم يقوم بتكسير الحجارة، وزرع المتفجرات في باطن الأرض، وتحويل هذه الجبالُ العالية الحاملة لذكريات العمَّال إلى حجارة بناء أو رُخام.

 وفي طريق عودته كان الوجومُ يخيِّم على الأزقة، والانطفاء يكشط أحلامَ البيوت. ورغم أنه عاش كل حياته في هذا الجبل إلا أنه أحس بشعور غريب في تلك اللحظات الخشنة. شعر أنه دخيلٌ أو منفيٌّ، وأن الزمان والمكان لم يعودا يتقبلان وجودَه. وقد أدرك أن أمراً كارثياً قد حدث. فالطرقاتُ شبه فارغة، ولا أثر للضجيج الذي كان يملأ الفضاء. وقد واصل المسير بخطى مثقلة متوقعاً أن يسمع خبراً مؤلماً في أية لحظة.

 لمح يوسفُ صاحب بقالة الخيَّامي خطواتِ أبي بسام المتعَبة، فقفز إليه كالمجنون قائلاً:

 - عَظَّمَ اللهُ أجركم، واللهُ يغفر لها. لقد كانت امرأة تساوي ألف رَجُل. كلنا على هذا الطريق. صَدِّقْني كنتُ سأغلق الدكانَ قبل قليل، لكنَّ هؤلاء القرود [ وأشار إلى بعض الأطفال ] أصروا على شراء عصير وشوكولاتة.

 أدرك أبو بسام أن أُمَّه قد ماتت. وأن الدائرة قد اكتملت. والذاكرةُ أُغلقت فلم تعد تتسع للذكريات. سيتحول البشرُ إلى براويز خرساء على الحيطان. والنهايةُ التي كانت تبدو بعيدةً صارت واقعاً ملموساً. تجمَّد الدمعُ في عينيه، وأسرع إلى بيته بخطى ميكانيكية لا شعور فيها، كأنه رَجل آلي يمشي ولا يعرف لماذا يمشي. وكلما رآه أحد المارَّة صافحه وعَزَّاه، وأثنى على الحاجة سارة خيراً. وكلهم مُجْمِعون على عبارة " تساوي ألف رَجل "، وكأنهم اتفقوا على قولها، وجعلها شعاراً للمرحلة.

 وصل أبو بسام إلى بيته. والصورُ تتشابك في ذهنه، بحيث شَكَّ في بداية الأمر

هل هذا بيته أم لا. لكنه تأكد حينما سمع ضجيجَ الرجال وبكاءَ النساء. وما إن دخل إلى البيت حتى هُرع الجميعُ إليه كأنه كان مسافراً منذ سنوات. لكنه واصل المشي إلى غرفة أُمِّه لذا ابتعد الجميعُ عنه وخلُّوا طريقه. ولَمَّا دخل إلى الغرفة خرج منها كلُّ مَن كان فيها. لقد أراد أن يختليَ بأُمِّه، تلك المرأة التي سَيْطرت على جبل النظيف بحكمتها، وكان الرجال لا يجرؤون على كسر كلمتها. وها هي الآن جثة هامدة لا تتكلم ولا تتحرك، مُسجَّاة على حصيرٍ خشن، ومغطاة بقطعة قماش بيضاء.

 تقدَّم أبو بسام من أُمِّه، ورفع الغطاء عن وجهها، وقَبَّلها على جبينها، ثم غطَّى وجهها. غروبٌ أبدي لا شروق بعده، ووداعٌ نهائي لا يمكن التراجع عنه. وراح يُكلِّم أُمَّه كما لو كانت على قيد الحياة.

 وخارج الغرفة كان يقف عمران وزهدي وسليم أبناء الحاجة سارة. وهُم يحترقون بنار الانتظار. ماذا يفعل خميس في الداخل طيلة هذه المدة ؟!. المرأةُ ماتت وارتاحت من هذا القرف. والحيُّ أبقى من الميت. كانت هذه الأفكار تجول في ضمائرهم.

 اقترب عمران (الأخ الأكبر) من زهدي، وقال له بصوت منخفض يُشبِه صوتَ النوارس المذبوحة:

 - أخوك خميس ليس سهلاً. أنا متأكد أنه يبحث عن الذهب تحت البلاط، أو يفتِّش في ثياب أُمِّنا بحثاً عن المال.

 تفاجأ زهدي من هذا الكلام، وارتبك في البداية، لكنه قال:

 - يا رَجُل، حرام عليك. بلا ذهب بلا بطيخ. المرأة ماتت، وأنتَ تحلم بالذهب والمال.

 بدت علاماتُ الخيبة والاستياء على وجه عمران، وقال لأخيه:

 - ستظل طيلة عمرك أهبل. أخوك آخر العنقود سيأخذ كلَّ شيء، وستظل شحاذاً مثل أخيك سليم.

 ولم يكد عمران ينهي كلامَه حتى خرج خميس من غرفة أمِّه، ووجهه كتلة من الأسمنت، وشَعره رصاصةٌ مطاطية، وعيناه وردتان ذابلتان.

 تقدَّم عمران من أخيه خميس، ورَبَت على كتفه، وقال له:

 - ارحم نَفْسَكَ يا خميس. الحاجَّةُ ذهبت إلى رحمة ربِّها. وعلينا أن نحافظ على ذِكرى أُمِّنا.

 وأردف قائلاً:

 - كنتُ قبل قليل أقول لزهدي إن خميس أفضل واحد بين إخوته، فهو أكثرهم حناناً وأقربهم إلى المرحومة. ولم يفارقها في حياتها ولا موتها. وأكيد هُوَ في الغرفة يتذكر أيامه مع المرحومة ويُوَدِّعها بكل محبة.

 ونظر عمران إلى وجه أخيه زهدي، وحدَّق فيه بقسوة قائلاً:

 - ألم يَحدث هذا يا زهدي ؟.

 اكتفى زهدي بهز رأسه تصديقاً لكل ما قاله عمران.

 قال خميس مخاطباً إخوته:

 - سندفن المرحومة اليوم بعد صلاة العِشاء. سيكون الناسُ قد عادوا من أعمالهم، وسوف يصلِّي عليها جميع سكان الجبل.

 استغرب باقي إخوته هذا الكلام. وقال عمران:

 - لماذا لا ننتظر إلى غدٍ وندفنها في النهار ؟.

 - إكرامُ الميت دفنه، ولن أُؤخِّر دفن أمِّي. سندفنُ جثمانها الطاهر وهو ساخن. أم هل تنتظرون خروج رائحة من جثمانها وتصبح فضيحة في كُلِّ الجبل ؟!.

 ألقى خميس هذه الكلمات وغادر المكان بسرعة من أجل تجهيز أمور الجنازة والدفن. ومع أنه أصغر إخوته إلا أن كلماته في تلك الساعة كانت حاسمة، ولا تقبل النقاش.

 وبعد أن ذهب، قال عمران لأخوَيْه:

 - سأقطعُ يَدِي إن لم تكن هناك وصيَّة للمرحومة. لا يمكن أن يقرر خميس دفنها ليلاً إلا تنفيذاً لوصية. ولا أحد يَعرف ماذا في الوصية من الذهب والأموال التي كانت تخزِّنها المرحومة. على أية حالٍ لا نقدر إلا أن نقول: اللهُ يرحمها.

 وهنا تدخَّل سليم قائلاً:

 - يا جَماعة، المرحومة كانت أُمِّيةً لا تقرأ ولا تكتب، لا يوجد مالٌ ولا وصية.

 ردَّ عليه عمران قائلاً:

 - أنتَ وأخوك زهدي نَفْس النُّسخة. مسكينان، القط يأكل عَشاءكما. فِعلاً، هذه عائلة فاشلة تتوارث الفقرَ والغباء. اللهُ يُخلِّصني منها بأسرع وقتٍ.

 كان الصغير بسام يركض باتجاه المقبرة المقابلة لمسجد طارق بن زياد. تسلَّق سورَها مثل الأفعى، وقفز إلى داخلها باحثاً عن شيءٍ ما. وفي إحدى الزوايا وَجد فايز ابنَ عمِّه، فأسرع إليه وهو يَلهث، وعندما وصل عنده وقف هُنيهة يلتقط أنفاسه. نظر إليه فايز باستغراب شديد، وخبَّأ زجاجةَ الويسكي خلف ظَهره. ماذا يَفعل هذا الطفل هنا ؟.

 قال بسام ونبضات قلبه تكاد تخلع ألواحَ صدره:

 - جَدَّتي سارة ماتت.

 ألقى هذه القنبلة، وعاد أدراجه مثل جنيٍّ لا يمكن الإمساك به.

 وقف فايز كالأبله، والذهول يحتل قسماتِ وجهه. وراح يضحك بشكل هستيري، ثم أمسك بزجاجة الويسكي المغلقة وأطلقها على الحائط كالرصاصة، فانكسرت، وانتشر الخمرُ على حشائش المقبرة. كان المشهدُ أشبه بسدٍّ ضربته صاعقة فانهار وأغرقت المياهُ كل القرى المحيطة به. لقد غابت الذكرياتُ من ذهنه كأن إعصاراً ابتلعها، ولكنْ ذكرى واحدة برزت في تلك اللحظة القاسية، وهي كيف كانت جَدَّته توقظه من النوم بعُكَّازها بعد أن يفشل أهل الدار في إيقاظه !. كان توقظه رغمَ أنفه لئلا تفوته مواعيد الامتحانات في المدرسة.

 كان فايز عمران شاباً في نهاية المرحلة الثانوية، وقد كان معروفاً بأنه سِكِّير من الدرجة الأولى. ومن هنا جاء لقبه " خمراوي " نسبةً إلى الخمر التي كان يعبُّها بصورة جنونية. وكثيرٌ من الناس لا يعرفون أن اسمه " فايز "، فقد تفوَّق لقبُه على اسمه. وقد ذاع صيته بعد حادثة شهيرة. فقد زار مدرستَه مديرُ التعليم في المنطقة برفقة وفد من المعلِّمين القُدامى. وأثناء تجواله في المدرسة للاطمئنان على سير العملية التعليمية، سأل بعض الطلاب عن مشكلاتهم وأحلامهم. وقد سأل المديرُ فايز بدون معرفة مسبقة:

 - ما الذي تغيَّر في حياتك عندما انتقلتَ من المرحلة الإعدادية إلى الثانوية ؟.

 ابتسم فايز كالأحمق، وسأل:

 - هل تريد الصراحة ؟.

 - يا ابني، المدرسة بيتك الثاني، وهي تُعلِّمنا الصدق والتعبير عن الرأي.

 - بصراحة، لقد تغيَّر مزاجي، فصرت أشرب الويسكي بدلاً من البِيرة !.

 وقعت هذه الكلمات على رأس المدير كالمطرقة، واحمرَّ وجهُه، وارتفع الزبدُ فوق شفتَيْه، ونظر إلى مَن حَوْله كالطفل الخائف الذي يبحث عن أُمِّه. وقال بأعلى صوتٍ:

 - هل أنا في خَمَّارة أم مدرسة محترمة ؟!. هذا الولدُ مكانه في الشارع وليس في المدرسة. سوف أُرَبِّيه مثل كل الزعران الذين رَبَّيْتُهم في المنطقة.

 وغادر مسرعاً، وخلفه الوفد التعليمي يحاول اللحاق به.

 وحصلت ضجة هائلة، ليس في جبل النظيف وحده، بل في البلد كلِّه. فقد فُصل فايز من المدرسة فصلاً تأديبياً، ومُنع من إكمال دراسته. وكاد والده يُطلِّق أُمَّه لأنه اتهمها بأنها أفسدت الولدَ بالدلع والمال. وتبرَّأ منه أبوه، وقال إنه سيقتله ويعتبره كلباً ميتاً. وتدخَّل بعضُ الوجهاء للإصلاح بين الأب وابنه. واستغرب الناسُ حين علموا أن فايز السِّكير هو شقيق الشيخ عبد الرحيم عمران. فالشيخ عبد الرحيم يحفظ القرآنَ الكريم، وهو من الدُّعاة الذين لهم وزن، كما أنه يُلقي درساً أسبوعياً في المسجد. ولكنْ هذه حال الدنيا !.

 وتناقلت قصةَ فايز وسائلُ الإعلام المحلية والعالمية. وقال البعض إنه فاسق يجب جَلْده، وتطبيق حَد شرب الخمر عليه. والبعض الآخر اعتبر الأمر حرية شخصية. وتدخَّلت منظمات حقوق الإنسان في القضية. واختلط الحابلُ بالنابل. حتى إن إحدى المجلات الأمريكية أجرت مقابلةً مع فايز باعتباره مثالاً للشباب المتمرد في دول العالم الثالث، وسألوه أسئلة عديدة لكشف شخصيته أمام الرأي العام، لكن أكثر الأسئلة إحراجاً: هل أقام علاقاتٍ جنسية مع النساء ؟. وعندما يتذكر فايز هذا السؤال يضحك من كُلِّ قلبه، فهؤلاء جاؤوا من آخر الدنيا ليعرفوا هل له علاقات جنسية أم لا.

 وقد أجاب بأنه لم يمارس الجنسَ مع أية امرأة، لكنه حاولَ الاختباء في حفر المجاري ليرى النساءَ اللواتي يَمشين على الشارع، خصوصاً اللواتي يَرتدين تنانير !. لكن محاولته باءت بالفشل. وقد كان يَذهب إلى وسط البلد ليلةَ العيد للتحرش جنسياً بالنساء بسبب الازدحام الهائل. فالجميعُ يريدون شراءَ ملابس العيد، وهو كان يستغل هذه الفرصة التي لا تأتي كل يوم !.

 ومنذ ذلك الحين صار فايز شخصيةً معروفة. وقد تلقى العُروض من الملاهي الليلية للاستفادة من خبرته وشهرته. لكنه أخبر أصحابَها أنه يُفكِّر حالياً في دراسته، وكيفية العودة إلى المدرسة، والملاهي الليلية لن تطير !. وقد عاد إلى مدرسته بسبب ضغط منظمات حقوق الإنسان.

 انتشر خبرُ وفاة الحاجَّة سارة في أنحاء جبل النظيف والمناطقِ المحيطة كانتشار النار في الهشيم، كما انتشر موعدُ صلاة الجنازة، وصار الناسُ يتوافدون على الجبل بكثافة من كل ناحيةٍ. ومن المضحك المبكي أن نقول إن موتها قد ساهم في دعم الاقتصاد، فقد ازدادت حركة سيارات الأجرة، وازداد الإقبال على المحلات التجارية، وقامت محلات الأقمشة بعَرْض أنواع أجنبية من ثياب الحِداد، حتى إن الصيدليات باعت كمياتٍ هائلة من المهدِّئات النفسية. ويقال إن بعض السُّياح الذين كانوا يتجولون في وسط البلد قد جاؤوا إلى جبل النظيف للاطلاع على هذا الحدث الكبير، ومعرفة الفلكلور الشعبي، ورؤية ماذا يحدث في الجنازات في هذه الأماكن البدائية. لقد كانت بالنسبة إليهم فرصةً لا يمكن تعويضها. وبالطبع سيعودون إلى بلادهم حاملين الكثير من الحكايات والصور التذكارية. وربما يقومون بكتابة خواطر فلسفية أو اجتماعية عن حياة الناس في هذه البُقعة الضائعة. وقد يلتقطُ بعض العلماء هذه الأفكار، ويصوغون منها نظرياتٍ في العلوم الإنسانية.

 تجمَّع الناسُ في صلاةِ العِشاء، وبعد انتهاء الصلاة. قام حفيدها الشيخ عبد الرحيم عمران بالصلاة عليها وخلفه جموع المصلِّين. ثم حُملت على الأكتاف، والناسُ يرددون عِبارة " لا إله إلا الله ". وعندما خرج المصلون من المسجد حدث ما لم يكن بالحسبان، فقد انقطع التيارُ الكهربائي عن الجبل، وصار الناسُ غارقين في الظلام، وعمَّت الفوضى، وارتفعت الأصوات. وهنا تدخَّل عمران (ابنها البِكر)، وقال:

 - يا ناسُ، لِيُحْضر كلُّ واحد مصباحاً أو شمعة. نريد أن تمضيَ هذه الليلة على خيرٍ.

 وانتشرت المصابيحُ والشموعُ. وكان ضوءُ القمر يُظلِّل الناسَ السائرين إلى المقبرة.

 وعلى الرغم من أن المقبرة كانت مغلقة منذ سنواتٍ، ولا مكان فيها لقبرٍ جديد، إلا أن سكان الجبل رَفضوا أن تُدفن الحاجَّة سارة إلا في تلك البُقعة. فهي من وجهة نظرهم تراثٌ قَوْمي يجب أن يظل موجوداً في جبل النظيف بأي ثمن.

 وأظن أن حارس المقبرة قد تدخَّل حينها، فَقُلِعت إحدى شجرات الصنوبر، ليحل مكانها القبرُ الجديد والأخير. وبصراحة لا أدري هل تقاضى حارس المقبرة مبلغاً نظير هذا العمل، أم أنه فعله مجاناً. وفي كلا الحالتين فإن حارس المقبرة قَد تصرَّف فيما لا يَملك. ولكنْ في هذا المكان لا أحد يُحاسِب أحداً.

 وقفَ عمران عند قبر أُمِّه، وراح يُلقي بعض الكلمات التي بدت وكأنها جزء من خُطبة مُعدَّة سابقاً:

 - يا سُكَّان جبل النظيف، إن المرحومة كانت من أولياء الله تعالى. وما انقطاع الكهرباء إلا دليل على أن نور وجهها هو الذي يضيءُ المكان. ولأول مرةٍ في تاريخ جبل النظيف تَسير جنازة على ضوء المصابيح، وهذا يدل على تميُّز المرحومة عن باقي الأموات. كما أنها دُفنت في مكانِ شجرة صنوبر، وهذا لم يحصل مسبقاً، فالمرحومة عاشت مثل الشجرة، وماتت مثل الشجرة. ويوم غَد سَيَظهر نَعْيُها في أكبر جريدة في البلد. صفحةٌ كاملة في صفحة الوفيات باسم الحاجَّة سارة.

 لقد جمعَ عمران مالاً من كل أفراد العائلة لنشر النعي في الجريدة. فهو يعتقد أن هذا الأمر سيُبرِز مكانةَ العائلة، ويَرفع اسمَ العشيرة بين باقي العشائر.

 بدا كلام عمران وكأنه خُطبة حماسية أو إعلان تجاري. وربما أراد استغلال هذه اللحظة من أجل إبراز عائلته، واختراع مكانة خاصة لها. وأدرك الكثيرون أن هذا الكلام لا يتلاءم مع موضوع الموت، وطبيعة المكان. لذلك لَمَّا سمع الشيخُ نايف

رَيَّان إمام مسجد طارق بن زياد هذا الكلام، قال:

 - إن أكرمكم عند الله أتقاكم. وسبحان الذي قَهر عبادَه بالموت. والموتُ قد سَوَّى بين الناس، فقد تساوى الغنيُّ مع الفقير، والعالِمُ مع الجاهل، والذَّكر مع الأنثى.

 دُفنت الحاجة سارة، وأُهيل التراب عليها، ووُضع شاهد القبر. وكان مكتوباً عليه: «الفاتحة على روح الحاجَّة سارة محمد عبد اللطيف أرملة المرحوم لطفي سعيد المخلوسي. إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون».

 تفرَّق الناسُ وعادوا إلى بيوتهم. وفي مساء ذلك اليوم جَمع خميس إخوته عمران وزهدي وسليم وأختهم الوحيدة رسمية. وقال لهم بالحرف الواحد:

 - أُمُّنا تَركت خاتِماً وعِقداً من الذهب، وثلاث أساور فضة، ومبلغ مئة وخمسة وعشرين ديناراً.

 لم تَقدر رسمية أن تسيطر على نفسها حينما سَمعت هذا الكلمات، وراحت تبكي بحُرقة، وقالت بصوتٍ مختلط بالأسى:

 - أُمُّنا دُفنت قبل قليلٍ، ونحن نريد أن نَرِثَها.

 قال خميس:

 - الدنيا فيها حياة وموت. وأنا جمعتُكم لكيلا تقولوا إن خميس ضَحك على أُمِّنا في حياتها، وبَلع كلَّ شيء قبل وفاتها.

 وفي تلك اللحظة قال عمران واللهفة تقتلع عينيه:

 - حاشاكَ يا " أبو بسام ". لكنْ بصراحة أنا أعرف أن أُمَّنا تملك أكثر مما قلتَ.

 - يعني أنا كذَّاب يا " أبو عبد الرحيم " ؟!.

 - يا سيدي، لا أنتَ كذاب ولا أنا كذاب. وحقكَ عليَّ. وبالنسبة إِلَيَّ لا أريد شيئاً منكَ ولا من أُمِّي. سامحتكما في الدنيا والآخرة.

 وخرج عمران غاضباً، وأغلق الباب خلفه بقسوة واضحة، بحيث أزعج صوتُ الباب جميعَ مَن كان في البيت.

 وعندئذٍ قال سليم:

 - باللهِ عليك يا " أبو بسام " غَيِّر الموضوعَ. لا نريد أن نخسر بعضَنا من أجل قِرْشين.

 وانفضَّ المجلسُ، وذهب كل واحد إلى حال سبيله.

 كان عمران يَسرد على زوجته مديحة تفاصيل ما جرى في بيت خميس بشأن الميراث. فما كان منها إلا أن قالت:

 - يا عيب !، أخوك الأصغر ضَحك عليك، وخرجتَ من المولِد بلا حُمَّص. غداً سيبني أكبر فيلا في عَمَّان الغربية بأموالك أنتَ وإخوتك. الحق عليَّ أني رضيتُ بزوجٍ مِثلك. ضيعتُ شبابي من أجلك بلا نتيجة. ولكنْ لا يفيد الندم. بقي أبي - الله يرحمه - يقول لي: ظِلُّ رَجل ولا ظِل حائط. ولم يَعرف أني تزوجتُ رَجلاً مثلَ الحائط.

 - يا امرأة، كل يوم أسمع نَفْس الموَّال. لقد مضى العمر. الذي ضَرب ضربته ضربها زمان، ولا يمكن أن يرجع الزمان. الفرصة لا تأتي إلا مرة واحدة، إمَّا أن تستغلها أو راحت عليك.

 - يا عيني على هذه الحِكَم !، لا آخذ منك إلا الكلام. قضيتَ حياتك بيَّاعَ كلام يا فالح !.

 ثم ذهبت إلى تغيير ملابسها، وارتدت قميص نوم أحمر يبرز مفاتنها، وجاءت تتمايل أمام زوجها المرهَق. وعندما رآها زوجُها قال:

 - أستغفر اللهَ العظيم وأتوب إليه. يا حُرمة استري على حالك. نحن في حالة وفاةٍ. خلِّي هذه الليلة تمر على خيرٍ.

 - ومَن أين سيأتي الخير ؟!. تريد مني أن أدفن نفسي في الحياة ؟. الذي يموت مع السلامة.

 تأفَّف زوجُها بصوتٍ عالٍ، وقال بعد أن أتعبه الجِدال:

 - أنا حمار لأني أناقش امرأة جاهلة مِثلك.

 واستلقى على السرير، وغطَّى جسمه المنهَك باللحاف، وراح في سُباتٍ عميق.

 أمَّا زوجته فذهبت لكي تشاهد التلفاز، وهي تكيل الشتائم في سِرِّها، وتندب حظَّها.

 وفي البيت المجاور كان خميس يطمئن على صحة زوجته، ويحدِّق في طفلته الجديدة. فهو لم يجد وقتاً في هذا اليوم لممارسة دوره كأبٍ. حَمل طفلته بين يَدَيْه، وشعر - لأول مرة في حياته - أنه يحب إنجابَ البنات، وقال:

 - هذه سارة الجديدة. لقد ماتت سارة ووُلدت سارة. لا أريد أن يختفيَ هذا الاسم من حياتنا.

 وهكذا صار لخميس ثلاث بنات: سارة وحورية وهند. بالإضافة إلى ابنه الوحيد بسام.

 كان هذا اليوم من أطول الأيام في حياة هذه العائلة. ويبدو أن هذا الليل لا يريد الانتهاءَ. فعند الساعة الرابعة فجراً قُرع باب منزل عمران قرعاً عنيفاً. قام عمران من نومه كالمصروع، وزوجته هبَّت من نومها غير قادرة على تمييز ما يجري.

 فَتح عمران الباب فإذا به أحد المسؤولين عن شبكة الكهرباء في المنطقة. تأفَّف عمران، وراح يلتقط أنفاسه بعد هذا الفيلم المرعِب.

 وقال عمران وهو بين الحياة والموت، وعيناه مزروعتان بالقذى:

 - يخرب بيتك، ألم تقدر على الانتظار حتى الصباح ؟.

 أطلق المسؤول ضحكةً صفراء كَشفت عن أسنانه التالفة، وقال:

 - أنا أنتظر أي شيء إلا المال. يجب أن أذهب إليه بسرعة لأنه يطير مثل الدخان.

 ودخل عمران إلى منزله، وقال لزوجته التي كانت واقفة تسترق السمعَ:

 - أحضري عشرين ديناراً بسرعة.

 - لن أحضر شيئاً حتى تخبرني بقصة هذا الرَّجل.

 - هاتي المال الآن قبل أن يفضحنا. فهو مستعد أن يبيع أباه من أجل رُبع دينارٍ، وسأخبرك بالقصة بعد أن يغور في ستين داهية.

 أخذ المسؤولُ المالَ وعاد أدراجه. وتنفس عمران الصعداء لأن الموضوع انتهى على هذا النحو بدون انتباه الجيران. لكن زوجته حاصرته بالأسئلة ولم تتركه. فما كان منه إلا أن قال:

 - لقد اتفقتُ مع هذا المسؤول أن يقطع الكهرباء أثناء جنازة أُمِّي، وذلك ليبدوَ المشهد غريباً يتناسب مع مكانة عائلتنا، فيتحدث الناسُ عن هذه الحادثة في كل مكان. وهكذا يصبح لنا وزن بين العائلات، وتشتهر قصتنا على كل لسان.

 ومضى إلى النوم كأن شيئاً لم يكن، في حين أن زوجته بقيت واقفة غير مصدِّقة لما سمعتْه، وقد طار النومُ من عينيها، ومضت تقول:

 - أنا متأكدة الآن أنني أعيش مع رَجل مجنون !.

(2)

 حلماً قاسياً كان الصدى الكُحلي. زهرةً مسمومة كان الجرحُ. نادت على ابنتها الصغيرةِ:

 - أسرعي، نريد أن نحجز مكاناً.

 كَوَّمَتْ البنتُ صُرَّةً بعد أن وضعت فيها مجموعةً من الأحذية الملمَّعة بصورة عشوائية. وقد كانت الصرةُ ثقيلةً بعض الشيء فلم تتمكن الصغيرة من حملها. فهبت الأم المصابةُ بالسُّكري إلى مساعدتها. وراحت خطواتُ الطفلةِ تتهادى على رقعة اللهب، وتتقدمُ الأحزانُ كما لو أن نورساً يزحفُ على بطنه.

 أنثى ضئيلة الحجم تمسك بثوبِ والدتها البدينة ليس من كثرة الأكل، وإنما من كثرة الأمراضِ، وتسيران محمَّلتَيْن بآثار الوقتِ القاسية. عليهما اجتيازُ الأزقة المتداخلة في الحارات الضيقة كي تصلا إلى السوق.

 - يا إلهي. الطريقُ طويلٌ.

 قالت الصغيرةُ وعلامات التعب تنهشها. وما تلقَّت أي جوابٍ سوى صمتٍ مغلَّفٍ بالدهشة.

 الدروب تتكرر كل مرةٍ. لا جديد غير أوحالٍ ونفاياتٍ مكدَّسةٍ تناساها عمالُ النظافة ليعودوا إلى جحورهم تحت الأرضِ مُبكرين. لو مشتا في الشارع الرئيسي فهذا يعني إمكانية السقوط ضحية إغراءات سيارات التاكسي، وبالتالي عجزٌ في الميزانية، وعودةٌ بأيدٍ فارغة. إنهما تمشيان نحو اللاهدف تحت شمسِ الاحتضار.

 كان هذا المشهدُ بالضبط ما رأته رسمية في منامها، أو ربما كانت أحلام يقظة. هي نفسها لم تعد تعرف طبيعة الأفكار التي تراودها. لكنها تأكدت أنها شَاهدت حُلماً. العَرَقُ يخنقها ويفيضُ على تضاريس جسمها المتآكل، والقشعريرة تبتلع أعضاءها حجراً حجراً. وقد صار ريقُها مستنقعاً جافاً. وفي تلك اللحظات الرهيبة شَعرت بأنها وحيدة في الفراغ رغم أن زوجها كان نائماً إلى جانبها، لكن شخيره المرعب زاد من وحدتها ووحشتها.

 ومنذ وفاة الحاجَّة سارة لم تذق ابنتها رسمية طَعم النوم. صارت حياتها أقرب إلى الهلوسة. تقتحم ذهنَها أفكارٌ لا منطقية، وأحلامٌ مختلطة بذكريات قديمة. هجم عليها الأرقُ والكوابيس دون إنذار مسبق. كأنها قَد وَضعت قَدَمَها على طريق الجنون الطويل.

 أحياناً تتفقد جسمَها لتتأكد هل هي موجودة في هذا العالَم أم لا. تتحسس أعضاءها لتطمئن أن جسدها كامل لا ينقصه شيء !. وهي تقاتل نفسَها من أجل إخفاء هذه الحالة عن زوجها، فقد يظن أنها مجنونة فيبحث عن زوجة أخرى. وفي هذه الحالة تكون رسمية قد خَسرت أُمَّها وزوجها معاً. وهذا ما لا تريده، ولا تحب أن يخطر في بالها. والحيُّ أبقى من الميت !.

(3)

 في الصباح، بدت الأشياء غريبةً. كُسر الروتين الحياتي. انتهى الملل. مذاقُ الضوضاء جديد هذه المرة. ما الذي حصل؟. باعةُ الخضار في ساحة المسجد تركوا صناديق الخِيار والبندورة مصفوفةً كالتوابيت. والناسُ يتجمهرون كأنهم في عُرس أو في خيمة سيرك.

 كان هناك سيارة مرسيدس تشقُّ أجفانَ الأكسجين. تجمَّع الناسُ حولها كالجوعى الذي اكتشفوا كِسرةَ خبز. وراح الأطفالُ يهتفون ويُصفِّقون كأنهم في عُرس. وفي الواقع إن مرور سيارة مرسيدس في هذا المكان يُعتبر عُرساً يصعب تكراره.

 وَجد قَيْس زهدي صعوبةً بالغة في النزول من السيارة. ولولا مساعدة الناس لبقيَ سجيناً في سيارته الفارهة. أخذ الناسُ يُسلِّمون عليه ويُقبِّلونه بعنف. وهو يحاول جاهداً أن يمسح عن خدوده آثارَ القُبلات الممتلئة برائحة بقايا الطعام والتبغ الرخيص. وبدأ الأطفال يتسلقون إطاراتِ السيارة التي كانت في عيونهم لعبةٌ كبيرة بحاجة إلى تفكيك. وقد تسابق الحضور إلى حمل حقائبه إلى بيت والده الحاج زهدي المخلوسي.

 وقف محمود بائع الخضار على الرصيف مراقِباً هذا المشهد، ومبتسماً بسخرية، وقال لأحد الواقفين بجانبه:

 - سُبحان مُغيِّر الأحوال. هذا الأزعر قَيس قضى حياته مثل الكلب المسعور في شوارع جبل النظيف. صَدِّقْني لم يكن يملك مالاً لِيَحْلِق. والآن صار فوق الريح مثل أولاد الوزراء.

 - يا محمود، الدنيا حظوظ، وكل شيء نصيب. أنا أعرف قيس منذ كان ولداً على أبواب مدارس البنات، ويتعاطى حبوب هلوسة. لكنْ كل شيء تغيَّر بعد ذهابه إلى أمريكا. أكيد أخذ الجَملَ بما حَمَل.

 - هذا الولدُ حظه يفلق الصخرَ. وسأقطع يَدِي إن لم يكن لصاً سَرَق الأمريكان وجاء يُمثِّل دورَ الشريف. الذي ما له حظ لا يتعب ولا يشقى.

 وصل قيس إلى البيت. قرع الجرسَ بعنفٍ يدل على شدة حماسه، وشوقه إلى لقاء أهله. ذهبت أُمُّه لكي تفتح البابَ منزعجةً من صوت الجرس. وكانت تصرخ في طريقها إلى الباب:

 - يَخرب بيتك.. خَرَّبْتَ الجرسَ.. انتظر قليلاً.. لن تطير الدنيا !.

 وعندما فَتحت البابَ، ورأت ابنها الذي كان مسافراً وراء البِحار، ذاب غضبُها في بحر المفاجأة، ووقفت مكانها كالصنم لا تَعرف ماذا تفعل. وواصلت التحديقَ في عيون ابنها. وفي تلك اللحظة الخاطفة تحوَّلت حياتها إلى شريط سينمائي يتحرَّك في ذهنها المشوَّش الغارق في الصدمة. ارتمى ابنها في أحضانها، وأخذ الاثنان يبكيان بحرقة كأنهما يستعيدان تاريخهما المشترك. وتجمَّع أهلُ الدار كالمجانين الذين أُفرج عنهم. وقد أفسد اللقاءَ طلبُ حاملي الحقائب للأجرة. وبعد أن أخذوها صاروا يَدْعون له بالتوفيق والرزق الواسع. ومضوا يتحسسون أموالهم، وفي عيونهم يختلط الفرح بالألم.

 وفي المساء تجمَّعت العائلةُ على العَشاء. تكاثرت الصحونُ على المائدة، وعَلَت أصواتُ الملاعق، وارتفعت الضحكاتُ في الهواء. انطلقت الضحكاتُ من قيعان قلوبهم، كأنهم لم يَضحكوا منذ قرون.

 قال الحاج زهدي:

 - اسمعْ يا قيس. يكفينا غُربة. من الآن فصاعداً أريدك أن تنسى أمريكا. سوف تجلس في بلدك مع أهلك، ونجد لك ابنة حلال تتزوَّجها، وترتاح من السَّفر، وتفتح مشروعاً على قَدْر فُلوسك. وكان اللهُ بالسر عليماً.

 هزَّت والدته رأسَها مؤيِّدة لكلام زوجها على غير عادتها، وقالت:

 - كلام أبيك صحيح يا قيس. الذين في مثل عمرك صار لديهم أولاد وبنات.

ما فائدة المال إذا عمرك راح بدون زوجة وذرية ؟!.

 قال قيس ساخراً:

 - صحيحٌ أنا قيس، ولكنْ يا حسرة، لا توجد ليلى !.

 قالت أمُّه وقد سيطرت عليها الحماسة:

 - فَشرت عين ليلى. اتركْ ليلى.. ابنة عمِّك هند مَلِكة جَمال، ومؤدبة، والقط يأكل عشاءها. والبنتُ منَّا وفِينا، نَعرف أصلَها وفصلَها. وابنُ العَم يُنزل ابنةَ عمِّه عن ظَهر الفَرس.

 - هند ؟!. هذه طفلة تلعب في الشَّارع. ولا أريد أن أُنزل أحداً عن ظَهر الفَرس ولا ظَهر الجَمل.

 - هند التي لا تعجبك صارت أطول منك !. كانت طفلة أيام زمان، والآن امرأة كاملة، الله يَحرسها. واشكر ربَّكَ إذا وافقتْ عليك. معذور يا مسكين، ضائع في بلاد الغُربة ولا تدري عن العالَم.

 وأردفت قائلةً:

 - اسمعْ يا وَلد، إيَّاك أن تكون قد وَضعتَ عَينك على امرأة أمريكية، وضَحكت عليك صاحبات الشَّعر الأشقر والعيون الزرقاء. صَدِّقْني لولا وفاة جَدَّتك سارة لزوَّجناك الآن.

 نظر قيس حَوْله كالمصروع، وقال بأعلى صوته:

 - جَدَّتي سارة ماتت ؟!.

 نظر أبوه إلى أُمِّه مندهشاً، ثم حدَّق في وجه ابنه قائلاً:

 - ألا تعرف أنها ماتت ؟!.

 - لم يخبرني أحد.

 - ظننَّا أنك جئتَ من أمريكا بسبب وفاتها.

 وساد صمتٌ رهيب في أرجاء المكان. لم يعودوا يَعرفون وجوهَهم. هذه الأجسادُ التي تحملهم الآن، هي ذاتها التي وُلدوا بها أم أنها معدَّلة وراثياً لتصبح ظلالاً للذعر. ارتبكتْ أجفانهم. شَعروا أن أحزانَهم الدفينة لن ترحمهم. رَكبوا في أدغال الدهشة. لقاءٌ هو أم فِراقٌ ؟. فقدوا القدرةَ على الكلامِ. تمكَّن الصَّمتُ منهم. أنهارٌ مُهاجِرة سَكنت في غُربة اليمامِ المقتول. دقائق مَرَّت أم قرونٌ من الحرقة واللهيب؟. لم تدمع عيونهم عندئذٍ. سافرت الدموعُ. خشبُ الأثاتِ ألغى ألوانَهم.

 صار الحلمُ بجعةً ذبيحة بين أعضائها آلاف السدود. شعرَ قيس أن جمجمته ستقع على الأرض، فوضع يديه الاثنتين عليها. أراد تثبيتها أو الإمساك بها قبل الوقوع. تصاعدت الأوهامُ من كل مكان. كان يرى أخْيلةً تُحيطُ به، أخيلة مسمومة تنهشه من كل جانب، شعر بأسهم منطلقة نحوه تسعى إلى اصطياده، وهو يغرقُ ويغرقُ. الصراخ يعلو في ذهنه، والوساوس تخبطه وتحاصره، وكلما حاول الخلاص منها تشبَّثت به أكثر وأكثر. صار يفكر هل عيناه تدوران كالرحى في المدارات المسدودة مع عقارب الساعة أو ضدها. صار مقتنعاً أكثر من أي وقتٍ سابقٍ أنه راكضٌ في الدمار الخالصِ، وأن الدمار تَوَّجه مَلِكاً على الركام.

 أحزانه حقول زرنيخ عابسة تَقْطر دُخاناً مجنوناً. عضلاتُ وجهه انفتاح فَكَّي كمَّاشة صدئة لا تغتسل إلا في مستنقع الدمع. مشاعره استسلامُ أغصان أمام الإعصار النحاسي. اغرورقت عيناه بالدمع المالح. وفي تلك اللحظات الغريبة صار كالطفل المذعور. جِلْدُه براري متعفِّنة ينبعث الدودُ من زواياها، ونكهةُ الماضي في شَعره المتجعِّد حكايةٌ انتهت قبل أن تبدأ. أراه يصطبغ بعقارب ساعة تحيط بمعصم فراشةٍ مقطوع جرَّاء زلزال قديم مَرَّ مِن هنا، أي من هناك. هكذا تَفْقد الجهاتُ معناها، وتصبح إبرةُ بوصلةِ الذكرياتِ تفاحةً مأكولة.

(4)

 كان فايز عمران (خمراوي) جالساً أمام قبر جَدَّته، يحدِّق في أبعاد شاهد القبر، يقيس زواياه بالفراشاتِ الذبيحة. صارت هذه البُقعة هي تاريخه الشخصي. ومنذ وفاة جَدَّته لم يشرب أية قطرة من الخمر. لقد عَيَّن نَفْسَه حارساً لقبرها. وقد صارت لديه عادات غريبة. فمثلاً عندما يأتي إلى المقبرة يدق على سورها المتهالك كأنه يستأذن قبل الدخول. وإذا جاء صباحاً فإنه يقف على السُّور، ويؤدي التحيةَ العسكرية للشمس، وإذا جاء مساءً يؤدِّيها للقمر. وعندما يدخل في عوالم المقبرة يبكي عند الأعشاب الطالعة بين القبور.

 ولم تكن حياةُ فايز في المقبرة وعاداته الغريبة تجذب انتباه الناس لأنهم تعوَّدوا على غرابة أطواره، فلم تعد غريبة بالنسبة إليهم. وهم - أصلاً - يَعتبرون " فايز" خارجاً على كل القوانين. لذلك أسقطوه من حساباتهم، حتى عائلته التي حاولت إصلاحه بكل الطرق قد غَسلت يدها منها، لأنها قَرفت من تصرفاته. وبسبب ذلك تُرك هائماً على وجهه يَفعل ما يَريد، وصار متمتعاً بحُكم ذاتي. فالناسُ ملُّوا منه، وتعبوا من حكاياته التي لا تنتهي.

 لكنَّ شخصاً واحداً كان مهتماً بفايز. إنه حارس المقبرة. هذا العجوزُ الذي رماه أبناؤه في بيت المسنِّين ثم هرب منه. ومنذ ذلك الحين صارت المقبرةُ بيتَه الأول والأخير. إنه يعيش في إحدى زوايا المقبرة في غرفة متهالكة. ويعيش على الصدقاتِ من أهالي الجبل.

 وبصراحة، لا يوجد شيء ليحرسه. فهذا الصمتُ الموحش الذي يفرض سُلطته على هواء المكان يَحرس الجميعَ. والموتى على وِفاق تام مع بعضهم لا مشكلات بينهم !. ولا داعي لحراسةِ الأموات من الأموات !.

 أحضر حارسُ المقبرة إبريقَ الشاي، وتقدَّم بخطوات متعَبة كخطوات ديناصور ذاهب إلى الانقراض. لم ينتبه فايز إلى وقع الخطوات الهامس لأنه كان غارقاً في تأملاته، ويُغطِّي وجهَه بيدَيْه كأنه يستعيد تاريخَ الحضارات الغابرة من الألف إلى الياء.

 اقترب منه حارسُ المقبرة، وقال بصوت خافت:

 - فايز، استيقظ يا فايز.

 شعر فايز للوهلة الأولى أن الصوت قادم من باطن الأرض، من جثث الأموات. إنه صوت ذابل مزدحم بالحزن والانكسار. صوتٌ مِثْلُ حصانٍ هزيل يجرُّ عربةَ نقل المحكومين بالإعدام.

 أخرج فايز وجهَه من غبار الذاكرة، ونظر حَوْله، فإذا حارس المقبرة واقفاً كبقايا شجرة ضَرَبَتْها صاعقةٌ مفاجئة. بدا فايز في تلك اللحظة كشبحٍ لا تاريخ له. وجد صعوبةً في التحكم بأعصابه، لكنه تمالك نَفْسَه وابتسم. كانت ابتسامته تلك تُشبه ابتسامةً وَدَاعيةً لرَجل يحتضر.

 قال حارسُ المقبرة وقد تهللت أساريره:

 - تعال اشرب شاياً.. أفضل من الويسكي !.

 هزَّ فايز رأسَه موافقاً على هذا الكلام، وراح الاثنان يشربان الشاي، وحَوْلهما طيور الاحتضار المهاجرة من الذاكرة إلى الألم. انتشر السكوتُ بينهما، فلم يجدا حروفاً تحمل خواطرَهما، لذا صارت عيونهما أبجديةً جديدة، ووسيلة للتخاطب.

 وفي زحمة الصمتِ، قال فايز بشكل مباغِت:

 - قررتُ أن أُنشئ مشروعاً خاصاً بي.

 تفاجأ الحارسُ من هذا الكلام، وقال ضاحكاً:

 - هذا الكلامُ كبير عليك. انتظر حتى تتخرج من الجامعة، وبعد ذلك تُحقِّق أحلامك.

 نظر فايز باتجاه إحدى زوايا المقبرة، وأشار إليها بالسَّبابة، وقال بنبرةٍ حاملة للتحدي والإصرار:

 - في تلك الزاوية سوف أُؤسِّس مملكتي الخاصة. سوفَ أُولَد من جديد، سألدُ نَفْسي بنفْسي. أنا رئيسُ مجلس قيادة ثورة المقبرة. أنا رئيسُ مجلس إدارة المقبرة. سوف تثورُ القبور، ويَخرج الأمواتُ.

 ارتبك الحارس، وأُصيب بالدهشة رغم معرفته المسبقة بغرابة أطوار فايز، وقال بصوتٍ حاد:

 - هل رجعتَ إلى شرب الخمر يا فايز ؟!. أنتَ مستيقظ أم سكران ؟!.

 - هذه أكثر لحظات حياتي يقظةً وتركيزاً. لقد عَيَّنْتُ نَفْسي قبراً جَوَّالاً بين القبور، مثلما عَيَّنْتَ نَفْسك حارساً للمقبرة دون وثائق. المقبرةُ تتمتع بحُكم ذاتي، وهي المكان الوحيد في العالَم الذي لا يوجد فيه بيروقراطية.

 ولمعت عينا فايز بصورة غريبة كأنه يرقب قدومَ شيءٍ ما مِن أسمنتِ الحلم، أو يُلبِّي نداءً قديماً تفجَّر في داخله، وتشظى على حشائش الانطفاء. وقال بحماسة شرسة:

 - لن أشرب الخمرَ بعد اليوم. حياتي الجديدة تحتاج تركيزاً هائلاً. سوف أَجمعُ العناصرَ الخارجة على قانون القبيلة، وأَصنع حياةَ البشرية من قلب الموت. سأُدخل المنبوذين في تاريخ الحضارة، وأُحوِّل الأسمنتَ المفكَّك إلى مشاعر لا تتفكك. سَيَفْتخر جبلُ النظيف بابنه القاتلِ المقتول.

 ارتجف الحارسُ. وتفشَّت في جسده زلازل تُحطِّم نَفْسَها. وفي تلك اللحظة الرهيبة شعر الحارسُ بخوفٍ متأجج. كان يظن أنه يَعرف فايز وعاداته الغريبة، ولا مكان لعنصر المفاجأة، لكنه تفاجأ بالفعل، وأحس أنه أمام وحش قاتل يستدرج ضحاياه إلى النهاية الحتمية. وما زاد خوفَه هو ذلك الإصرار العجيب الذي كان يلتهب في عيون فايز.

(5)

بعد أسبوع اجتمع مجلسُ قيادة ثورة المقبرة الذي رسمه فايز. ولكنْ هل هذا الشخص هو فايز ؟!. لقد أَطلق لحيته، وصار يَحمل حقيبةً محتوية على كتب ممنوعة وأقلام وأوراق. طبعاً لن تكون حقيبة مدرسية. ومَن هؤلاء الأشخاص الذين أَحضرهم ؟!. بسَّام خميس (ابن عمِّه)، ومازن عبد الله، ومعاذ أحمد حميد. وقد انضمَّ إليهم حارسُ المقبرة لملء وقت فراغه، وتقديم الدعم اللوجستي!

 وهؤلاء الأشخاصُ يُعتَبَرون خارج حسابات الناس، بسبب تصرفاتهم الغريبة، وكلامهم غير المفهوم في أحيان كثيرة.لذلك أُحيطوا بنظرات الشك وعدم الارتياح.

 فالناسُ ينظرون إلى فايز عمران وحارس المقبرة على أنهما ينتميان إلى الموتى وليس الأحياء، وذلك بسبب حياتهما في المقبرة، وانسجامهما مع الموتى أكثر من الأحياء. وبصراحة، إنهما وَجْهان لعُملة واحدة يُكمِلان بَعْضَهما البعض. فنظريةُ فايز في هذا السياق هي أن الموتَ هو الحقيقة الوحيدة في الحياة، أمَّا نظرية الحارس فهي أن الموت هو الحياة الحقيقية. وطالما تناقشا حول هاتَيْن الفكرتَيْن، وإمكانية التوفيق بينهما. وهما متَّفقان على أن اختلاف الرأي لا يُفسِد للود قضية.

 أمَّا بسام خميس فهو عبقري في الرياضيات. ففي أحيانٍ كثيرة يطلبه يوسف صاحب بقالة الخيَّامي لإجراء حساباته والجردِ السنوي للبضاعة. أمَّا النساءُ فيطلبنَ منه حسابَ ثمن الذهب صعوداً أو هبوطاً. كما أن معلِّم الرياضيات في المدرسة يتركه يشرح المادةَ للطلاب بينما يهرب هو من المدرسة، إذ إنه يعمل سائقَ تاكسي لإعالة أُسرته الكبيرة. لكنَّ الناس صاروا يخافون من بسام لأنهم سمعوه ذات مَرَّة يقول إنه ذاهبٌ إلى الجِن ليُدرِّسهم مادةَ الرياضيات. وكانت هذه العبارةُ المخيفة هي القطرة التي أفاضت الكأسَ.

 ومازن عبد الله هو شاعر جبل النظيف بلا مُنازِع، ويشارك في مسابقات داخلية وخارجية. وكثيرٌ من الناس يقولون إننا نشعر بعبقريته لكننا لا نَفهم شيئاً مما يقوله. وقد صار مكروهاً بعد تغزُّله بزوجة المختار. وقد حاول المختارُ إطلاقَ النار عليه لِيَغْسلَ شَرفه لكنه هَرب، ومنذ ذلك الحين اعتزل الشِّعرَ الغزلي، وصار يكتب في مواضيع سياسية فَطُرد من عمله.

 أمَّا معاذ أحمد حميد، فهو كهربائي، ويبتكر تصاميم للسيارات. وقد حَقد عليه السكان، وصار مكروهاً عند عُمَّال النظافة خاصةً، بسبب تصاميم السَّيارات التي يرسمها على الحيطان، بحيث إن زائر جبل النظيف يُخيَّل إليه أنه في مضمار لسباق السيارات.

 اجتمع الأشخاص الخمسة في المقر الجديد. وشَعروا بهدوء جامح منبعث من نسيم عذب غامض جاء من جهة ما. أسندوا ظهورهم بعناية تامة، ورموا أبصارَهم وراء الغيوم الخجولة، وأغمضوا عيونهم لبرهة ثم فتحوها كمن يفتح باباً مغلقاً منذ قرون. كانت هذه الحركاتُ هي فقرات حفل الافتتاح الذي جهَّزوه مسبقاً.

 وربما لو شاهدهم أحدٌ في تلك اللحظات لاعتبر لقاءهم مسرحيةً بائسة تم تحضيرها بدقة، واعتقدَ أن كلَّ الممثِّلين حَفِظُوا أدوارَهم كارهين لعملهم لكنهم - في نفس الوقت - محتاجون إلى أجرة التمثيل.

 وهذا الانطباع ليس له نصيب من الحقيقة. فلم يَجبرهم أحد على المجيء إلى المقبرة. كما أنه لا توجد منفعة مادية من وراء هذا الاجتماع.

 انفتحت القلوبُ المولودة حديثاً على كل الاحتمالات. الاستراحة قصيرة جداً في العقلانية، طويلة جداً في الجنون. ملامحهم مشبوحةٌ على أخشاب الكرة الأرضية. صار الوقتُ مسافاتٍ من المراكب الراسية في ميناء منبوذ لم يعد أَحدٌ يستخدمه. الحناجرُ تحدِّق في المستحيل الممكن، والعتمةُ المحيطة به هي وقودُ العار ومقدمةٌ لثورة جامحة. أرضٌ تَبسط شرايينها كفناً لكَ لترتاح الحجارةُ من اسم جرحكَ. المشي نحو هاوية الحشائش البلورية.

 آبارُ الوجوهِ حقولُ بارود كالتين المعلَّق على حبل الغسيل. لحظةُ غياب الروح عن سمائها الوضيئة هي لحظة اندلاع القتل الصارخ. القتلةُ والضحايا يتناوبون على الصمت. والصمتُ أُولى خطوات الخفافيش على سطوح الشهيق. زيتونةٌ تحلِّق فوق

المقابر الجماعية.

 قد يلتحم مطرُ القلب بدمع العين لكنَّ الملحَ لا يختلط بالأكسجين. وكلُّ الموتى يسكنون فيهم، ويأكلون معهم، وينامون معهم. وليس من السهل أن يجد الإنسانُ ذاته في هذه الفوضى. وربما يقضي أحدُهم كل لحظات حياته في التفتيش عن ذاته بين ذواته، وقد يجدها ولا يجدها. لكن الأمر يستحق المحاولة.

 إنهم يَركضون ويأكلون المسافةَ. يَسْبحون في أمعاء بحيرةٍ على وشك التبخر. وكلماتُهم تَذوب في أبجدية العشب. ولا أحدٌ يَزورهم في قَلعتهم سوى الطوفان.

(6)

 لقد تحسَّن الوضعُ المادي لرأفت سليم المخلوسي. فمنذ أن بدأ بإعطاء دروس خصوصية في اللغة الإنجليزية تضاعف دَخْله الشهري، وتعرَّف على صَفْوة المجتمع. وكلَّ يومٍ - بعد انتهاءِ دوام المدرسة - يقضي وقته في عمَّان الغربية متنقلاً من فيلا إلى فيلا حتى ساعة متأخرة من الليل.

 وصل الأستاذ رأفت إلى فيلا فخمة مكتوب على بوابتها العملاقة: [ فيلا الدكتور لؤي عبد الكريم عَطْوة ]. كانت الساعة الخامسة مساءً، أي إنه جاء في الموعد المحدَّد بدقة. وقد كانت دهشته كبيرة عندما دخل الفيلا، ورأى الأثاثَ الفاخر، والديكور المتناسق، والخدمَ من عِدَّة جنسيات. كان طراز الفيلا غربياً حتى النخاع. وقد تساءل في قرارة نفسه تُرى ماذا يعمل الدكتور لؤي ؟!.

 جلس الأستاذ رأفت على الأريكة، وأخذ يُجيل بصره في المكان مبهوراً، وغارقاً في دهشته العارمة وأسئلته الوسواسية المتكاثرة. وبينما هو يصارع أفكارَه ظَهرت امرأةٌ ممتلئة وأنيقة، ترتدي تنورةً قصيرة، ويفوحُ منها رائحة عَطْرٍ شديدة. وجهُها أبيض بلا مساحيق، وخدودها وردية بدون بلا مكياجٍ. كانت أرستقراطية بكل معنى الكلمة. وعندما رآها رأفت أيقنَ أنها سيدة المنزل. وتعجَّب في قرارة نفسه من شموخها، فقد اعتقد لمدة طويلة أن هذا النوع من النساء لا يوجد إلا في الأفلام السينمائية. وقف احتراماً لها. وبدا مهزوزاً بعض الشيء لكنه حاول أن يتماسك قَدْر المستطاع، ويتخلص من الرجفة الداخلية التي تتلاعب به. إنها رَجفة جنونية شاملة.

 تقدَّمت منه مبتسمةً، ومدَّت يدَها قائلةً:

 - ميَّادة سمير حَرَم الدكتور لؤي عَطْوة.

 صافحها رأفت وهو يقول بصوتٍ خائفٍ:

 - رأفت سليم المخلوسي.. أستاذ اللغة الإنجليزية.

 دخلت يداهما في رَجفةٍ مشتركة. وتفاجأ الاثنان من هذا الإحساس الداهم. كانت يدُها وسادةً من الريش. ولم يستطع رأفت نسيانَ نعومة يدها منذ ذلك الحين. لقد صارت نعومةُ يدها سيفاً قاسياً يخدش مرايا ذاكرته، ويَحفر قاعَ قلبه.

 جلست ميادة على أحد الكراسي. ويبدو أنه كان مُخصَّصاً لها. وقد ارتفعت التنورةُ بسبب جلوسها كاشفةً عن لحمٍ أبيض لا أثر فيه للتعرجات أو التَّرهل.

 وجلس الأستاذ رأفت كالتلميذ الخائف من عقاب مُعلِّمه لأنه لم يحل الواجباتِ المدرسية.

 قالت السيدة ميادة بلا مقدِّمات:

 - ابني رمزي طالب في المرحلة الابتدائية في مدرسة أجنبية، وهو يعاني ضعفاً في قواعد اللغة الإنجليزية علماً بأن الجميعَ في البيت يتحدثون الإنجليزية بطلاقة.

 استجمع رأفت قواه، وارتفعت رأسُه معتقداً أن دوره قد حان لعَرْض فلسفته في الموضوع، والتنظير في مسألة اللغة، وقال بكل عنفوان:

 - إن المحادَثة تختلف عن القواعد اللغوية. فالقواعدُ مثل أعمدة البيت، أمَّا المحادَثة فيمكن اعتبارها كالطوابق المبنية فوق بعضها. كما أن القواعد عبارة عن جُمل منطقية واضحة لا مكان فيها للحركة أو الفذلكة، أمَّا المحادَثة فهي عالَم شديد المرونة، ويمكن التحرك فيه يَمنةً ويَسرة.

 كان رأفت يتعمَّد انتقاءَ الكلمات التي لها وَقْعٌ في النَّفْس، وذلك ليبدوَ أكثر من مجرد مُعلِّم للإنجليزية. إنه ينتقي الكلمات الرَّنانة ليظهر كالفيلسوف الذي يُبهر مُحاوِرَه، وينال إعجابَه، ويسيطر عليه.

 لم تهتم ميادة بهذه التفاصيل، لذلك لم تعلِّق عليها. واكتفت بالقول:

 - أُريد أن يتحسن مستوى رمزي.. وهو طفلٌ ذكي لكنه مُشتَّت، ويُفكِّر كثيراً في اللعب على حساب دراسته. وقد أحضرتُ له مُعلِّمين كثيرين لكنهم لم يُحسِنوا التعاملَ معه.. وما يهمني هو أن يتحسن مستواه، ويتفوق في دراسته، وأنا مستعدة لدفع أي مبلغ.

 انتعش رأفت عندما سمع " أي مبلغ ". كان تعبيراً رائعاً بالنسبة إليه، ولم يُرد أن يُضيِّع هذه الفرصة، لذلك قال بسرعة قبل أن يبتعد الحديثُ عن المال:

 - لستُ معنياً بالمال. المهم أن يتحسن أداء الطالب، وتكون النتائج ملموسة. وبصراحة.. أنا أتقاضى عشرة دنانير عن الساعة الواحدة.

 - لا !.

 ذُهل رأفت من هذا الجواب، وارتبك بشكل واضح. وكل أحلامه المالية في تلك اللحظة بدت كقصرٍ رملي انهار فجأةً. فهو لم يتوقع أن مبلغاً زهيداً بالنسبة لهؤلاء الأغنياء سَيُرْفَض بهذه السرعة. ورغم مشاعره المتساقطة، ومعنوياته التي صارت في الحضيض، قال بنبرة كسيرة:

 - فلتكن ثمانية دنانير.

 - لا !.

 وفي تلك اللحظة المرعبة صَبَّ رأفت غضبَه على الأغنياء دون أن يتفوه بكلمة، وشتمهم في قرارة نَفْسه، واعتبرهم لصوصاً يَسرقون الملايين، في حين أنهم يَبخلون بدينار أو دينارَيْن. فهم ذئابٌ يختبئون في ثياب الحِملان، ويَظهرون بمظهر المحترمين وهم مجرد أوغاد يُخفون قذارتهم وراء ربطات العنق والتنانير القصيرة. كل هذه المعاني كانت تحترق في داخله. إن صدره مِرْجل يَغلي بلا رحمة. احمرَّ وجهُه، وتمنى لو يَقدر على البوحِ بما يُفكِّر فيه لكي يرتاح من هذا العذاب المباغِت. وبينما هو يَغرق في جحيم أفكاره، قالت ميَّادة:

 - سأدفع عشرين ديناراً عن الساعة الواحدة.

 نَزلت هذه العبارة على قلبه كالمطر الذي يُطفئ الحرائقَ، وزال الألمُ الذي يخنقه، وأخذ يمدح الأغنياءَ في سِرِّه، ويَعتبرهم أماناً للمجتمع، ودعامةً في بناء الاقتصاد الوطني، ومساعدةِ الطبقات المتدنية، ودعا لهم بطول العمر، وزيادة الأموال والأولاد.

 وفي ذلك اليوم استغرقت حِصَّةُ رمزي ساعتين، من الساعة الخامسة والنصف حتى السابعة والنصف. وتقاضى الأستاذ رأفت أربعين ديناراً. كانت تلك الساعتان من أجمل لحظات حياته دون مبالغة. كان رمزي فتىً لطيفاً، والسيدةُ ميادة امرأةً مهذَّبة، والخادمةُ التي أحضرت الحلوى والعصير أنيقةً. كل شيء كان جميلاً ورائعاً. حتى أزقةُ جبل النظيف القذرة التي سار فيها رأفت في طريق عودته إلى بيته ظهرت نظيفةً ولامعة. أحس أنه سيطير من الفرح. سيصبح له جناحان ويُحلِّق ضد الجاذبية، وضد قوانين نيوتن، وضد قواعد اللغة الإنجليزية. وأخيراً شعر أن الحياة ابتسمت له مثلما ابتسمت للكثيرين غيره.

(7)

 يسيلُ الرمادُ من قزحيات الناس. الأمهاتُ يَطمحن إلى تسويق بناتهن خوفاً من شبح العنوسة الذي يتجول في طرقات الكوليرا. هؤلاء البسطاء الذين يعيشون في عزلة الروح مثل العوانس المتسمرات خلف زجاج القطارات ينتظرنَ فرسانَ القشعريرة وقراصنةَ قوس قزح، مثل الجنود الذين يعودون إلى ديارهم ولا أحد يعبأ بهم، ولا يسألهم عن النصر أو الهزيمة. يتساوى عدد الجثث التي يَجمعها الغيمُ كطوابع البريد مع عدد الأوسمة التي يمنحها الفقراء للفقراء في هذا المكان المهزوم المسكون بالأسرار والخيبات التي تتكاثر لتصبح انتصاراً، انتصار الوهم على الوهم. هكذا يتعادل صدأ الوجوه مع موت الزنابق، ويحدِّد الحِبرُ حرارةَ الدم. كأن معادَلات الرياضيات قَد سَقطت، وبَزغت معادَلات اجتماعية جديدة.

 كان الليلُ رطباً مثل جسد بحيرة أعمى. والندى يتكاثف كالخناجر في أجفان شجر المقبرة. استيقظ حارسُ المقبرة، والذبابُ يلتهم رائحةَ شَعْره الممزوجة بالذكريات القاتلة. وكان أذانُ الفجر يملأ المكان، يرجُّه رجَّاً كأنه يريد بعث الناس من قبورهم. وبدت مئذنةُ مسجد طارق بن زياد في ثوبها الأخضر وردةً ترفض الذبولَ رغم تعاقب السنوات، وتغيُّر وجوه الأحياء والأموات. والحمَامُ يطير حول المئذنة، ويتداخل مع صوت المؤذِّن المنبعث من كل الاتجاهات بلا بوصلة.

 أيقظ الحارسُ إبريقَ الوضوء الذي كان نائماً إلى جانب وسادته الهشة، ودخل في وضوئه بشكل كامل. انقطع عن العالَم الخارجي، ولم يعد يشعر بأية حركة غير حركة الماء المنساب على أعضائه التي بدت ألواحاً زجاجية حطَّمتها الريحُ قبل قرون بعيدة.

 قفز عن السُّور. نفض عن ملابسه ركامَ الأمطار القديمة، وترابَ المجرات الحزينة. بدت خطواته الثقيلة وشماً داكناً حاكته الأرصفةُ من أكفان الحشرات السابحة في حفر المجاري التي تصب في عروق المتسولين، وأظافرِ الباعة المتجولين.

 كان المكانُ نهراً هادئاً من الجثث الخالية من آثار الدم. باعةُ الخضار ينامون في الساحة أمام المسجد. يفترشون رموشَهم ويَلتحفون احتمالاتِ الربح والخسارة. وكأن نومَهم يَحرس صناديق الخضار من المجهول القابع في كل زوايا الحزن النهاري الممزوج بالتعب الليلي.

 حاولَ إيقاظهم بشتى السُّبل، ولكنهم كانوا في عالَم آخر، يَحْلمون بنوعية جيدة من الخضار وربحٍ وفير، ويَخافون من مواجهة نهارٍ غامضٍ لا مكان فيه لأنصاف الحلول. تركهم الحارسُ على حالهم، يَغرقون في كهوفهم المظلمة، ومضى في طريقه نحو المسجد.

 كان الصف الأول ممتلئاً عن آخره، ولا فسحة فيه. والمراوحُ تدور بسرعة هائلة، والروائحُ العطرة تنبعث من السِّجاد. ويبدو أن خادم المسجد قد نظَّف السجاد مساء البارحة، ومسحَ زجاج النوافذ، فكل شيء ظهر مرتباً ولامعاً، ولا توجد آثار لرائحة جوارب المصلِّين الذين ينتمي معظمهم إلى الطبقة الكادحة، حيث العَرَق يختلط مع الدم، ورائحةُ الأجساد المنهَكة ترتطم بذرات الهواء.

 حضر الشيخُ نايف ريان إمام المسجد بدون مساعدة أحد، وراح يشقُّ طريقَه نحو المحراب وَحْدَه. فهو شيخٌ أعمى عليه هالة الوقار والسَّكينة، ولا أحد يجرؤ على مساعدته في المشي، أو حتى لمس يده. والناسُ يَعتبرونه أحد أولياء الله تعالى، ويَعتبرون مَشْيه بلا مُساعِد أو عكازة كرامة من الله، فهم يقولون إنه يرى ببصيرته. وهو يرتدي نظاراتٍ سوداء على الدوام، حتى إن بعض الأطفال الأشقياء يحاولون الاقتراب منه، والنظر إلى ما تحت عدسات النظارة ليَعرفوا ماذا يكمن وراء هذا السَّواد المطْبق. ومعروفٌ عنه أنه لا يرتدي إلا الثيابَ البيضاء بغض النظر عن المناخ أو الفصول.

 عاد الحارسُ إلى مملكته بعد أن صلى الفجر. ألقى نظرة سريعة على معالم المقبرة. كل شيء هادئ. الأعشابُ تتزاوج مع ضوء الذاكرة. وشواهدُ القبور دخلت في أرشيف الحشائش الأرجوانية. ولكنَّ هناك شيئاً غريباً في محيط قبر الحاجَّة سارة. فرك الحارسُ عينيه بشدة، فقد كان يظن أن النعاس بدأ يَهبط عليهما، ويمنعهما من الرؤية بوضوح. تسارعت خطواته نحو تلك البُقعة ليتأكد من تفاصيل المشهد. وما إن وَصَلَ حتى تناثرت أعضاؤه في المكان، ودبَّت رعشةٌ رهيبة في تقاطعات جسده الهش. لم يصدِّق ما رأى. إنه يَحلم. لا بد أنه يَحْلم. ولكن هذا كابوس قاتل وليس حُلماً. إن القبر قد تم نبشُه. فقد الحارسُ قدرته على الكلام أو الصراخ. خَرجت أعضاؤه عن سيطرته. بَالَ في ثيابه بصورة لا إرادية. ومضى مسرعاً لِيُخْبِر أبناء المرحومة. كان يركض في الأزقة المتعرجة كالممسوس، ولم يره في تلك الساعة المرعبة سوى بعض الأشخاص الخارجين إلى أعمالهم مبكِّرين. وطبعاً، لم يهتموا بأمره لعلمهم أن هذا الحارس لا ينتمي إلى عالَم الأحياء، فهو جزءٌ من تاريخ الموتى، وله مغامراته الخاصة، وقوانينه الذاتية التي لا تتلاءم مع حياة السكان، لذا كان تصرفه الغريب أمراً عادياً في تفكير الذين شاهدوه في تلك الساعة الرهيبة.

 قرَّر الحارسُ التوجه إلى منزل عمران باعتباره الابن الأكبر للمرحومة. قرع البابَ بشدة كأنه يريد أن يَخْلعه. غرسَ أظافره وأصابعه في جسد الباب. قام أهلُ المنزل مذعورين، يتفقدون أعضاءهم وملابسهم بحركة تلقائية. ماذا يَحْدث ؟!. هل اندلعت الحربٌ ؟!. هل هناك صِدَام بين عشيرتين في الجبل ؟!، وإذا كان الأمر كذلك فما نوع الأسلحة المستخدمة ؟!. ماذا يَحْدث بالضبط ؟!.

 قفز فايز وهو في ملابسه الداخلية، وفتح الباب متحسِّساً قلبه، ويستعد لاستقبال مصيبة قاصمة. رأى الحارسَ في هيئة يُرثَى لها، فقال له بسذاجة:

 - لماذا جئتَ ؟!، لا يوجد اليوم اجتماع لمجلس قيادة ثورة المقبرة.

 - بلا ثورة بلا بطيخ !.

 ودخل الحارسُ إلى جوف البيت بشكل عفوي، كأنه مُنَوَّم مغناطيسياً، أو يَسير وهو نائم.

 وعمَّ الذعر والفوضى في البيت. وما زاد الطين بِلة أن النساء كُنَّ مستيقظاتٍ للتو، ويرتدين ثيابَ نومٍ خفيفة للغاية. وما إن رأينَ الحارسَ حتى تفرقنَ في أرجاء المكان، وهَربت كل واحدة إلى زاوية. وكان فايز يَلهث خلف الحارس وهو يَصرخ:

 - أين تذهب يا ابنَ الحرام ؟!.

 وأمسك عمران بالحارس، وبدأ يَلْطمه على وجهه بشكل هستيري. وفي تلك اللحظة القاسية استجمع الحارسُ قوته، كأنه يعيش حلاوةَ الروح قبل مفارقتها للجسد، وقال بأعلى صوتٍ:

 - لقد نَبشوا قبرَ أُمِّكَ يا عمران.

 وهرب الحارسُ كالطيف السحري. وساد الهدوءُ المرعب في المكان، واحتل الوجومُ ملامحَ الرجال والنساء.

 تقدمت زوجة عمران وعيناها غائرتان، وتفاصيلُ جسمها مصلوبة على خشبة مسرح مهجور، وقالت:

 - هذا كلام مجانين. لا تصدِّقوا هذا المعتوه. لا بد أنه سكران أو يتعاطى حبوب هَلْوسة.

 وهنا تدخَّل فايز قائلاً:

 - هذا الحارسُ عاقل.. أنا أعرفه أكثر منكم، ولا يمكن أن يَكْذب أو يمزح في هذه المواضيع.. أنا وعبد الرحيم سنذهب إلى قبرها، ونعرف القصة كاملةً.

 وعندما سمع أبوه هذا الكلام، قال لزوجته:

 - هذا هو الكلام الصحيح، وأنا ذاهب معهما. ولا نريد إخبار أحد بالقصة خوفاً من الفضيحة.. لا قريب ولا بعيد.

 ومضوا إلى المقبرة كأنهم يُساقون إلى حبل المشنقة بلا مقاوَمة. كانوا أشباحاً لا تاريخ لها غير الانطفاء، أو رجالاً آليين بلا مشاعر. عيونهم تغوص في مستنقعات خدودهم، ورؤوسهم تتدحرج تحت خناجر الحزن، وقسماتُ وجوههم حطبٌ يَحترق، وجوارحهم تتقاتل في بينها. إن أجسامَهم رمالُ الفوضى والتآكل.

 وصل الثلاثة إلى المقبرة. لا توجد أية حركة غير حركة الحشائش التي يتلاعب بها النسيم الجارح. ولا يوجد أيُّ أثرٍ للحارس.

 توجَّهوا إلى القبر. وتأكدوا من صِدق الحارس. إن إحدهم نبشَ القبرَ، وأخرج الجثةَ. ولكنْ ما الفائدة من هذه العملية ؟!. الآن اتضح المستور. فمن قام بهذا الفعل إنما كان يهدف إلى الحصول على أسنان المرحومة.. ست أسنان من الذهب. ويَبدو أنه خَلَعها بأداة حديدية. تبادَلوا النظراتِ، ثم حَدَّقوا في الأفق البعيد. كان الأفقُ في تلك اللحظة الخشنة كتلةً من اللهب.

 بدا فايز ظلاً ليمامة جريحة. لقد احترقتْ عناصرُ ذاته، وتصاعد الدخانُ منها إلى أن أطبق على رئتيه اللتين بَدَتَا كتفاحتين نخرتهما أوبئةٌ مجهولة. ورغم هذا قال بنبرة حادة، والدم يَغلي في عروقه:

 - سأُحْضِر الرَّشاشَ، وأحرس قبرَ جدَّتي حتى يوم القيامة. سأبقى عنده ليلاً نهاراً.

 نظر عمران إلى ابنه عبد الرحيم، وقال بسخرية:

 - اسمعْ أخاك المجنون.. كُنَّا في مصيبة واحدة، والآن نحن في مصيبتَيْن.

 وتابعَ يقول:

 - اسمعا مني هذا الكلام. الذي أخذ الأسنانَ لن يَعود، لأنه أخذَ الغنيمة كاملةً ولم يترك شيئاً. نريد دفن المرحومة من جديد، وتجهيز القبر بشكل أفضل. ولا نريد إثارة الموضوع إطلاقاً. سُمعة عائلة المخلوسي يجب أن تظل في السماء. وهنا سندفن هذا السر، كأن شيئاً لم يكن.

 ثم نظر إلى فايز قائلاً:

 - إذا رأيتَ صاحبك الحارس أخبره أن الموضوع قد انتهى، وإذا أخبر به أيَّ مخلوق، فسوف أقتله، وأعلِّقه على هذه الشجرة.

 وأشار إلى شجرة صنوبر ضخمة قابعة في إحدى زوايا المقبرة.

 كيف تُولَد الأحزان في هذا الأفق المفتوح على الدمع اللزج ؟. وحوشٌ محبوسة في قفص رَأت البابَ قد فُتح، فانطلقتْ بكل جنونها تلتهم ما تراه أمامها، وما عادت تعرف هل هي من آكلات اللحوم أم الأعشاب !. سخونةُ الدمع تنبعث من مكان غامض وتجرف الحيطانَ وكلَّ عناصر الاختناق. خرجت الذكرياتُ من المقبرة وهي تتوكأ على قدمَيْن مرتعشتَيْن. إنها هجرة الصنوبر إلى أرض مجهولة تقتل أبناءها بدم بارد. نَخرت أجسامَهم أحزانٌ مكبوتة لا تاريخ لها. أعمارُهم أدغال تشويش صاخب، والمناظرُ أضحت كوابيس تندلع في اليقظة. لم يَروا ضوءاً في آخر النفق.

لقد كان النفقُ هو الضوءَ.

 خزينٌ من الذكريات الحاشدة وملامحِ الوجوه الغائبة. تلكَ الوجوهُ التي كانت هناك في طوايا الزمان والمكان. كانوا بحاجة إلى جرعة بكاء، ولكنْ خَانَتْهم أعينهم بصورة درامية حاسمة.وراحوا يَسْبحون ضد تداعيات الذكرى المؤلمة. بدا كل شيء حولهم جاهزاً للانفجار والتشظي.

 لَيْتَ الأشجار تفهم لغة رموشهم. لَيْتها تحس بمشاعرهم. لقد مضى أولئك الذين تهمُّهم أحاسيسُ شواهد القبور.

 أشعر أن العيونَ الخائفة تذرف شيئاً يشبه الدمع، شيئاً من الحلم الدامي المتشبث بالبلاد الدامية، حيث يصير الجوع والعطش توأمين ينتشران في الجسد الذابل. لا أُريد أن أُفلسف الجوع والعطش، لكنهما مصطلحان فلسفيان يضربان بقسوة كلَّ أجزاء الذاكرة المفتوحةِ على كل الاحتمالات، المعلَّقةِ على أعمدة الضياء التي ينام تحتها المتسوِّلون.

 إنه الغرق في بركة تعب تُغرِق زُوَّارَها بدون مقدِّمات. كانت الجباهُ مُطفأة. هكذا ينطفئ اللمعانُ مثل عَشاء على ضوء الشموع. السباحةُ في فضاء من الدهشة والانطفاء. في هذه الحقبة التاريخية الواقعة تحت احتلال نزيف أعشاب المقبرة تجتمع الدهشةُ مع الانطفاء. كانت وجوهٌ موحشة ترتسم في منام الضوء. وجوه تشبه إلى حد بعيد وجوه القاتلين الذين قتلوا ضوءَ الأنثى. إنها منقوعة في زجاجة دم مُعطَّرة.

 كان الوضعُ موغلاً في المأساة على جميع الأصعدة، وغارقاً في النزيف اللامرئي الذي يضطهدُّ المشاعرَ الحقيقية ويكبتها بعنف واضح. لستُ أدري ماذا ستفعل الطيورُ الخضراء في هذه القلوب المتفحمة. لقد صار مستقبلُها جزءاً من الماضي العاري من الذكريات.

(8)

 - لا يمكن أن أَفهم الرياضيات.. إنها مادة لا تطاق.

 هذا ما أكَّدته سهير أنطوان لنفسها وهي تخرج من مدرسة راهبات الوردية في شارع المصدار. إنها طالبة في المرحلة الثانوية، وتعاني من الأرقام والحسابات، وتكاد رأسها تنفجر من تفاصيل هذه المادة وطرقها المتشعبة. ويبدو أن دَرْس اليوم كان قاسياً بشكل خاص. فقد وزَّعت المعلمةُ أوراقاً على الطالبات تتضمن أسئلةً إضافية، ونماذج امتحانات مقترَحة. وكلما حَدَّقت سهير في ورقتها أصابها صداعٌ رهيب. وحينما تتذكر النظاراتٍ السميكة لمعلمة الرياضيات العجوز، يزداد صداعها، وتشعر أنها بحاجة إلى البكاء أو الصراخ في هذا الشارع المزدحم بالمارة وبالسيارات.

 كانت سهير فتاةً رقيقة لم تتعود على تحمل المسؤولياتِ، ومواجهة الصدمات الحياتية. فهي آيلة للسقوط في أية لحظة. وقد كانت مرحةً لا تفارقها الضحكات ولا النكات. لكنها عندما صارت طالبةً في المرحلة الثانوية، انطفأ عالَمها بسبب معاناتها الشديدة في المواد الدراسية، فقد أجبرها والدُها على اختيار الفرع العلمي على عكس رغبتها. فهو يريدها أن تصبح طبيبة مثل ابنة عمِّها، أمَّا هي فتريد أن تصبح مصممة أزياء أو عازفة بيانو أو لاعبة تنس أرضي. لكنها خَضعت لرغبة والدها الذي لم يُكمِل تعليمَه، ويَطمح أن تتلقى ابنته أعلى الشهادات لكي يجد في ذلك تعويضاً عما فاته من التعليم. فهو يتمنى أن يراها طبيبة مشهورة، يشير الناسُ إليها ويقولون: هذه الدكتورة سهير ابنة أنطوان الراوي. وبعد وفاته يقولون: امرأة بألف رَجل، والذي خَلَّف ما مات. ولأن سهير وحيدة أبوَيْها ازداد الضغطُ عليها، ووَجدت نفسها في فوهة المدفع لوحدها.

 وسهير - تلك الفتاة الناعمة المدلَّلة - غير قادرة على تحمل هذه الأعباء. لذلك تشعر أنها منبوذة في هذا العالَم رغم انتمائها إلى أسرة غنية. فوالدها أنطوان الراوي يملك محلاً للذهب في حي الأشرفية. وأمُّها أوكرانية كانت بطلةً في الجمباز أيام شبابها، وفازت بعدة ميداليات. وعمُّها طوني الراوي مُصمِّم أزياء عالمي يقيم في باريس، ويعمل مع أشهر نجمات السينما.

 ولا يمكن نسيان ذلك المشهد الذي جَمع بين سهير ووالدها. فقد قَررت مصارحته بأنها تريد أن تصبح مصممة أزياء مِثْلَ عمِّها. فقال لها أبوها إنه سَيُحْضِر لها كل أنواع القماش لتتدرب عليه في البيت، وسوف يسمح لها بالذهاب إلى عمِّها في إجازة الصيف. وليكن تصميم الأزياء هواية، ولا داعي أن تتخذه مهنةً. وعندما أدركت أن هذا الطريق مسدود، قالت له إنها تريد أن تصبح عازفة بيانو، فقرر والدُها شراء بيانو لها، وإحضار معلِّمة موسيقى لتعليمها العَزْف، وليكن العزفُ هوايةً في وقت الفراغ، فالموسيقى لا تُطعِم خبزاً في بلادنا. هكذا أكَّد لها. وبقي عندئذ خيار وحيد، وهو أن تصبح لاعبةَ تنس أرضي مثل شتيفي جراف، وقد أخبرها والدُها حين سمع هذا الكلام بأنه رَجل شرقي لا يسمح لابنته أن ترتديَ تنورةً قصيرة، ولكنْ بإمكانها ارتداء بنطال، وممارسة هذه الرياضة في جمعية الشابات المسيحيات التي تملك ملعباً للتنس الأرضي، ولا داعي أن تصبح مثل شتيفي جراف، فلتصبحْ مثلَ سامبرس !، ولتظل هذه اللعبة مجرد هواية. وهكذا وَجدت سهير نفسها في طريق واحد، وهو اختيار الفرع العلمي لكي تصبح طبيبة مثل مونيكا ابنة عمِّها، ليست مونيكا سيليش، ولكنْ مونيكا طوني الراوي !.

 مشت سهير برفقة زميلاتها في شارع المصدار الذي بدا حينئذٍ مثل جبل لا قمة له. وقد أخبرتهن بمقدار معاناتها في مادة الرياضيات، فأشارت عليها إحداهن بإحضار مدرِّس خصوصي، وقالت لها أخرى إن عليها مضاعفة جهودها، وقامت ثالثة بتأنيبها متهمة إياها بالتقصير، والتفكير في أمور تافهة لا علاقة لها بالمدرسة.

 ازداد صداعُ سهير، وازداد شعورُها بالغربة في هذا العالَم. وعندما وصلت إلى سور المقبرة، نَظرت إلى ورقة الرياضيات، ثم ألقتها على القبور، وقالت بكل سخرية:

 - فليحل الأمواتُ هذه الأسئلة، ولتفرحْ معلمة الرياضيات العانس !.

 وعَلَت ضحكاتُ البنات في الشارع، واختلطت دموعهن الخفية بضجيج السيارات، ورائحةِ الدُّخان، واتَّجهت ضفائرهن نحو شموس الألم، وواصلنَ السير إلى بيوتهن في حي الأشرفية الذي بدا - رغم قُرْبه - كأنه في آخر الدنيا.

 كان بسام يتجول في المقبرة وحيداً، محاولاً تجميع قواه الذهنية، والتركيز في مشاريعه المستقبلية. فهو لم يَقدر على التفكير في البيت بسبب كثرة المشكلات الأسرية، والصراع الدائم بين أبوَيْه. وحين يشتد الصراعُ المنزلي لا يَمْلك إلا الهرب نحو دفء المقبرة، حيث يجد فيها الهدوء، وهذا يساعده على حل واجباته الدراسية، والتأمل في مسار حياته، وحركة هذا الوجود.

 رَاحَ يَمْسح شواهد القبور من الأغبرة، ويلتقط بعض الحشائش الفوضوية، ويُزيل الأوساخ المتكاثرة هنا وهناك. وأثناء انشغاله في هذا العمل وَجد ورقةَ الرياضيات التي رمتها سهير. أخذها ونفض عنها الغبار، وجلس تحت شجرة الصنوبر القريبة من أحلامه، البعيدة عن أشلائه المتكاثرة كالزنابق. وأخذ يتفحص الورقة، ويستعرض الأسئلةَ سؤالاً سؤالاً. ثم هزَّ رأسه قائلاً:

 - مستوى الأسئلة لا بأس به.

 أحضر حقيبته المدرسية، وأخرج منها قلمَ حِبر، وبعض الأوراق البيضاء. وأخذ يحل الأسئلة بشكل تفصيلي مع وضع شروحات جانبية. وبعد أن انتهى، قرَّر لصق الأوراق على سور المقبرة الخارجي، قريباً من المكان الذي أُلقيت منه ورقة الأسئلة. أحضر الصمغَ من الحقيبة، وقفز كالقرد على السور، ثم قفز مرةً أخرى على الشارع، وسائقو السيارات يَنظرون إليه باستغراب شديد. لكنه لم يعبأ بتلك النظرات، وألصق الأوراق كما خطَّط مسبقاً، ومضى إلى حال سبيله.

 وفي اليوم التالي تابعت سهير وزميلاتها خطَّ السير المعتاد. فقد خرجنَ من المدرسة، ودخلنَ في مواضيع شتى. وكل واحدة تُدلي بِدَلْوها. وعندما اقتربنَ من سور المقبرة، قالت إحداهن بسخرية:

 - لا بد أن الموتى قد حَلُّوا أسئلة الرياضيات !.

 عَرفت سهير أنها المقصودة بهذا الكلام، فقالت ساخرة:

 - ولا بد أنهم وَضعوا لي علامةً كاملة بسبب عبقريتي !.

 وأَطلقت سهير ضحكةً مجلجلة امتزجت مع أسمنت سور المقبرة، وانتشرت ضحكاتُ البنات كانتشار النار في الهشيم، لكنها انطفأت بسرعة. وخَمدت الأصواتُ العالية، ودَبَّ الرعبُ في تفاصيل وجوههن. فقد رأينَ ورقة الرياضيات معلقةً على السُّور. ليس هذا فحسب. بل أيضاً الحلول موجودة إلى جانبها.

 تبادلت البناتُ النظراتِ القاتلة. وكلُّ واحدةٍ راحت تبلع رِيقها، وأصابعها ترتعش. كانت أوصالهن تغطس في مستنقع عميق، ورؤوسهن تجدِّف في دُوار شرس.

 اقتربت سهير من الأوراق وهي غير مصدِّقة، صارت تشكُّ في نَفْسها. هل هذه حقيقة أم أحلام يقظة أم كابوس ؟!. إنها تفرك عينيها. تقرص خدودها لتتأكد أنها ليست نائمة. رَسمت الصليبَ على صدرها، وأظافرها تَتساقط في الفراغ كالمطر الحامض. اختلط في ذاكرتها منظر السيارات والمحال التجارية والباعة المتجولين والمارَّة الراكضين نحو نهايات الحلم. شَعرت أنها مصلوبة على زجاج السيارات. أفكارٌ غريبة لا رابط بينها هاجَمَتْها في تلك الساعة المخيفة.

 تحسَّست الأوراق مثلما تتحسَّس جسدَ بيانو قديم سيصبح حطباً للموقدة في ليلة خريفية باردة. هَربت صديقاتها من المكان، وتفرقنَ في الدروب الخشنة. وبقيت وحدها تحدِّق في الأوراق، وتقرأ الأسئلة والأجوبة، وتُجيل النظرَ في تفاصيل المشهد الذي بدا خارج الزمان والمكان. وبعد أن انتهت من قراءة كل سطرٍ، مشت إلى بيتها بخطواتٍ ضعيفة. إنها تجرُّ جثتها نحو الهاوية. أطرافُها عكازات من خشب الدهشة، وذاكرتها بيتٌ للنمل، ووجهها خيمةٌ تتلاعب بها الرياح الكاسرة.

 وَصلت سهير إلى بيتها. ودَخلت إلى غرفتها بسرعة. وقد لاحظت الخادمةُ التي فَتحت لها الباب أن وجهها أصفر، لكنها خافت أن تلقيَ عليها أيَّ سؤال، أو تَحشر نَفْسها في أمر لا يَعنيها.

 شَعرت سهير أن وحشاً برأسين يعيش معها في النهار والليل. قالت في نفسها إن الذكرياتِ قنبلة موقوتة مزروعة في أجفانها، ولا بد أن تتخلص منها قبل أن تنفجر. بدت مشوَّشةً إلى أقصى حد. ارتمت على الأريكة. أغمضت عينيها ثم فتحتهما كأنها تفتح صندوقاً مغلقاً منذ قرون. تمنَّت في قرارة نَفْسها لو كان هذا حُلماً عابراً لتستيقظ منه. لكنها عادت لتؤكد لنفسها أن هذا مجرد كابوس، وسينتهي سريعاً. ولكن كيف سينتهي ؟. هذا السؤال جعلها تتقلب على الأريكة كالملسوعة.

 قامت مسرعةً نحو عشيقها الأبدي البيانو، وبدأت تعزف عليه وهي في غاية التوتر. سَمعت والدتها صوتَ البيانو، فقرعت باب حُجرتها، وقالت:

 - تعالَي إلى الغداء يا سهير.

 ردَّت سهير بصوت مخنوق يكاد يقتلع رِئَتَيْها من جذورهما ليرتاح من صخب الجهاز التنفسي:

 - لا أريد أن أتغدى.

 وبدأت الأسئلةُ العنيفة تنهمر عليها من كل الجهات وتتجاذبها بكل قسوة. أسئلةٌ تهرب من الإجابة الراكضة في الأذهان. وهذه الأنثى الحبيسة في الموسيقى تَذوب في جسدها الذابل. والوساوسُ تَهطل على رأسها الآيل للانفجار.

 وفي اليوم التالي، كانت المدرسة بأكملها تتحدث عن موضوع سهير. وبدأت الطالبات ينظرنَ إلى سهير باعتبارها قديسة قادرة على التعامل مع الموتى، واستحضار الأرواح، لدرجة أن بعض الطالبات صِرْنَ يتمسحنَ بها، ويُقبِّلنَ يدها.

 وقد صارت سهير تشعر بالإحراج، وتتهرب من الطالبات. وازداد مَيْلها إلى العُزلة، وحُب الاختفاء. وبدأت تسأل نَفْسها هل يمكن أن تكون قديسة وهي لا تَعْلم ؟!. إنها تضع الصليبَ في عنقها مُنذ طفولتها، وتشارك في حفلات الكنيسة، والعزف على البيانو، وهي عضو في فرقة الإنشاد والتراتيل. وتذهب إلى الكنيسة بانتظام. فهل هذه سيرة ذاتية مقنعة للحصول على وظيفة قديسة ؟!. كلُّ هذه الهواجس كانت تحترق في صدرها. وبدأت تَشعر أنها غريبة عن نَفْسها، وأنها قضت عمرها وهي لا تَعرف ذاتها.

 وفي أحد الأيام استدعتها الإدارة وأبلغتها أن الموضوع زاد عن حدِّه، وأنها لن تَسمح لأمور الشعوذة والكذب أن تنتشر في المدرسة. وقد وجَّهت لها الإدارةُ إنذاراً شديداً، وأخبرتها بضرورة الامتناع عن نشر القصص الخيالية عن الرياضيات والموتى والقبور، وإذا استمر الأمر فسوف يتم استدعاء ولي أمرها، وتسليمه قرار فصل ابنته من المدرسة بتهمة السِّحر والشعوذة. وهكذا بدأ الأمر ينطفئ تدريجياً في المدرسة، لكنه في نَفْس سهير يزداد اشتعالاً.

(9)

 كانت أمُّ بسام تتجول في وسط البلد من أجل شراء بعض الحاجيات. إنها تتصفح زجاجَ المحلات التجارية كما يتصفح الناسُ الجرائدَ. تَحمل على يدها ابنتها الصغيرة سارة، وترافقها ابنتها الوسطى حورية. لم تترك محلاً تجارياً إلا اقتحمته رغم ضعف الميزانية. ظهر على وجهها علاماتُ الانبهار. فألوانُ السِّلع كانت فاقعةً تستقطب القلوبَ قبل العيون، والأنواعُ مختلفة تشدُّ الزبائن بكل قسوة. اشترت بعضَ الأشياء الخفيفة، ومضت إلى أحد محلات العطارة. وما إن رآها أبو شهاب صاحبُ المحل حتى رحَّب بها بحرارة فهي زبونة دائمة، وقال:

 - تفضَّلي يا أم بسام، كيف يمكن أن أخدمك ؟.

 تلعثمت في الكلام، وشعرت بأنها متضايقة، وغير قادرة على التعبير عمَّا يَجول في صدرها. فنظرت إلى ابنتها ذات الخمسة عشر ربيعاً، وقالت:

 - اذهبي يا حورية إلى محل الأسماك في نهاية الشارع، واسأليه عن سِعر الكيلو.

 تنفَّست أمُّ بسام الصعداء بعد ذهاب ابنتها، وقالت بصوتٍ ثابت:

 - بصراحة، أُريد خَلْطة تزيد من القوة الجنسية، وتطيل مدة الجِماع.

 - الخلطة لكِ أم لزوجك ؟.

 - طبعاً لزوجي. أنا مِثْل الفَرَس. لكنْ أبو بسام صار ضعيفاً هذه الأيام... أكيد حَسَدوه. كان لا ينام ولا يتركني أنام. والآن يا حسرة صار ينام مثل الدجاج.

 - عندي أعشاب من الصين لمثل هذه المواضيع. ولكني أريد وقتاً لإعداد الخلطة السرية.

 وأردف قائلاً:

 - وبصراحة يا أم بسام، الخلْطة مُكْلِفة قليلاً.

 - كَم يعني ؟.

 - ثلاثون ديناراً.

 صُدمت أم بسام عندما سَمعت بالمبلغ، وأَخرجت منديلاً لتمسح العَرَق عن جبينها. وانعقد لسانُها، وضاعت الأحرف من أبجديتها. وقبل أن تتفوه بأية كلمة، قال العطار قاطعاً حبل أفكارها الواهي:

 - صَدِّقيني يا أختي يا أم بسام، وبدون حَلف، إن هذا السِّعر فقط للزبائن الدائمين. لا تظني أن أستغلك، والعياذ بالله. لكن الأعشاب القادمة من الخارج سِعرها نار. وأحب أن أُذكِّرك أن هذه الخلطة تدوم لمدة شهر. وهي فعالة مئة بالمئة،

وأنا جَرَّبْتُها على نَفْسي، والنتائج مذهلة !.

 رفع هذا الكلامُ معنوياتِ المرأة التي بَدت مصمِّمة على شراء الخلطة بأي ثمن.

وقد كان تفكيرها محصوراً في زاوية محددة، فلم تدخل في مفاوضات تخفيض السِّعر.

وفي نَفْس الوقت لم تكن تملك المال الكافي، لذا قررتْ أن تعيدَ الأشياء التي اشترتها، وقالت للعطار:

 - ابدأْ في إعداد الخلطة، وأنا سأذهب لكي أعيد ما اشتريتُه. وإذا جاءت

ابنتي أثناء غيابي قُل لها أن تنتظرني ولا تتحرك.

 هَزَّ العطارُ رأسَه، وقال:

 - كلامكِ على العين والرأس.

 ارتفع الصراخُ في المحل الذي اشترت منه أمُّ بسام، وكادت أن تشتبك مع البائع بالأيدي. فقد رَفض في البداية أن يعيد لها المالَ، لأن البضاعة المباعة لا تُرَد ولا تُسْتَبْدَل. لكنه خضع لرغبتها خوفاً من تجمُّع الناس بسبب الصراخ، وحدوث فضيحة في المحل تُشوِّه سُمعته.

 انتهى العطارُ من إعداد الخلطة. وَضع عليها اللمساتِ الأخيرة. فالحاج أبو شهاب عطَّار من الطراز الأول، وخبير أعشاب، ومتخصص في الطب الشعبي. وفي بعض الأحيان تتم استضافته في البرامج التلفزيونية لتوعية الناس بخصائص الأعشاب، والرد على أسئلة المشاهِدين.

 عادت أم بسام فَوَجدت الخلطة جاهزة، وموضوعة في كيس ورقي. كما أنها وَجدت ابنتها واقفة. أمَّا أبو شهاب فكان ينتظرها على أحر من الجمر لإعطائها التعليمات، حيث قال:

 - ضَعي رُبع ملعقة صغيرة على الطعام، ولا تزيدي الكمية، ولا تنقصيها. فالزيادةُ تسبِّب الإسهالَ، والنقصان يُسبِّب الصداعَ.

 دَفعت المرأةُ كلَّ ما تَملك. وكان عليها هي وابنتها أن تنطلقا إلى جبل النظيف سيراً على الأقدام لأنهما لا تَملكان أُجرةَ النقل. مَشَيَتا بسرعة دون النظر إلى واجهات المحال التجارية لأن المفلِس يمر في الأسواق سريعاً. وأثناء الطريق قالت البنت لأُمها:

 - ما هذه الخلطة التي جَعَلَتْنا نمشي على الأقدام في هذا الحَر، ولا نَقْدر على ركوب سيارة أُجرة ؟.

 اشرأبَّ عنقُ المرأة، وقالت بلهجة الواثق:

 - هذه الخلطة دَفعتُ فيها دم قلبي.. حياتي كلها تعتمد عليها.

 ثم استدركتْ قائلةً:

 - أقصد حياتنا، فهي تزيد من الذكاء والتركيز، وسوف تحصلون على أعلى العلامات في امتحانات المدرسة.

 قالت البنت بكل بساطة:

 - ضَعِيها في كل الوجبات التي آكلها لكي أصبح الأولى على الصف.

 ردَّت الأمُّ بسخرية لاذعة:

 - ستصبحين الأولى على جبل النظيف، وليس الصف فقط!.

(10)

 إن الأحزان تُجرَف مع الصخور والتراب والغبار. وها هُوَ أبو بسام يذوب في الوردية المسائية. وتكسيرُ الحجارة يتم على أضواء الكشَّافات. ورائحةُ المتفجرات المنبعثة من باطن الأرض تشقُّ الجيوبَ الأنفية للعُمَّال الذين يُضحُّون بصحتهم من أجل إطعام عائلاتهم التي تنتظرهم في نهاية يوم شاق.

 كان منظرُ العمَّال يبعث على الأسى. وجوهُهم مملكةُ الغبار والتجاعيد، وأيديهم المشقَّقة لم يعد فيها مكان للأعصاب أو الإحساس. لقد فَقدوا إحساسَهم بالعناصر المحيطة بهم، وصاروا رجالاً آليين يتنفسون البارودَ ويأكلون الحصى. وقد حاول أبو بسام تنظيم شؤون العمَّال، والاعتناء بسلامتهم العامة، وقادَ أحد الإضرابات، لكن صاحب الكسَّارة اتَّهمه بأنه شيوعي كافر يرفع شعار " يا عُمَّال العالَم اتَّحدوا "، فتفرق العمَّالُ مستغفرين الله، وعادوا إلى أعمالهم، وصاروا يَنظرون إلى أبي بسام نظرة شَك رغم أنه يَؤمُّهم في الصلاة !. وكاد صاحبُ الكسارة أن يَطرده من العمل، لكنه آثر الإبقاء عليه بسبب أمانته وخبرته الطويلة.

 عاد أبو بسام إلى بيته كالجثة الهامدة المحمولة على عربة عسكرية تجرُّها العصافيرُ النحيلة. انعكس ضوءُ القمر على الأزقة المعتمة، وظَهرت الشروخُ في حيطان البيوت مثل ملامح المومياوات القديمة. والهدوءُ المخيف يلتهم الذكرياتِ الأسمنتية. والشبابيكُ الجريحة صارت أزهاراً مسمومة. كلُّ العناصر تنام على فوهة بركان خامد، ونزيفُ الطرقاتِ اللانهائي يحتفل بالهدوء الذي يَسْبق العاصفةَ.

 - لماذا لم تنامي يا أم بسام ؟.

 قال زوجُها القادم من عالَم الصخور والقتلى.

 - لن أترككَ تنام بدون عَشاء.

 - صَدِّقيني.. من شدة التعب أتمنى أن أرميَ نَفْسي على الفِراش، وأغطس في نومٍ عميق لا أخرج منه أبداً.

 - لا فائدة من هذا الكلام.. اذهب واغسل وجهك، وسوف تجد الطعام على الطاولة، وتصبح مثل الحصان.

 مضى الرَّجلُ المذبوح إلى المغسلة، ووضع رأسَه تحت صنبور المياه، ثم انهمر الماء مثل الرصاص الحي. شَعر أنه يُولَد من جديد، ويستعيد طفولته التي لم يَعِشْها. وكان الماءُ في تلك اللحظة ذاكرةً متجسدة في نشوة الزمن، وشريطاً سينمائياً يَعرض أحداث العُمر الراكض في الفراغ. هذا العُمر الذي يتدفق في مداراتٍ مجهولة لا هوية لها غير الابتسامات المقهورة، والأحلامِ المكبوتة.

 جلسَ أمام طاولة الطعام كالطفل الخائف من عقاب أُمِّه. لكنه سُرعان ما تحرَّر من كل قيوده، وأزاح كلَّ الخواطر عن باله. تحرَّر من جاذبية الحزن والألمِ. ذكرَ اسمَ الله، وقفز إلى الطعام كسبَّاح يسعى إلى انتشال جثةَ غريقٍ غامضة.

 كانت أمواجُ الخبز تتكسر على صخرة لُعابه، والمرقُ يَسيل على حوافِّ فمه. هكذا يصبح الإنسانُ رهينةً عند الطعام. تصبح عناصرُ الكائن البشري تابعةً لصوت المعدة واضطرابها. المشي في الطريق الذي تحدِّده الصحونُ. تحتل أشكالُ الصحون أشكالَ البشر. إنه الحلم الغائب في أقاصي الارتعاش الخفي. أضحت الرعشةُ حُلماً وكابوساً في آنٍ معاً.

 أحسَّ أنه في حلبة مصارعة الثيران، وأن الموت قادم في أية لحظة، ومن أية جهة. وها هو الجمهور يستمتع بموت أي كائن، سواءٌ كان المصارِع أم الثور. المهم أن يموت أحدهما أو كلاهما لكي تصبح متعة الجماهير في أَوْجِها. إنهم يدفعون من أجل مشاهدة الموت القادم، أو بالأحرى الاستمتاع بالموت.

 انتهى من تناول الطعام. غسلَ يديه بالماء والصابون، وعاد إلى زوجته وهو يَشعر بنارٍ تتأجج في أعصابه. ازدادت عيناه لمعاناً، وصار قلبُه بركاناً يضخ البارود في شرايينه المفتوحة على ضوء القمر. نظر إلى زوجته بكل حواسِّه، وقال بصوتٍ صلب:

 - لم أنتبه إلى قميص النوم الذي ترتدينه.

 ردَّت زوجته، وهي تمط كلامَها مَطاً، وتتعمد الغنجَ:

 - عقلُك في الطعام.. وليس معي.

 - يا لَيْت أيام السعادة تعود، وترجع الذكريات الجميلة.

 - ضَع يدكَ في يدي لترجع تلك الأيام.. حرام أن نقتل عُمرنا.. نحن سنعيش مرة واحدة فقط.

 ضحك أبو بسام بملء فمه، وقال:

 - صرتِ فيلسوفة !.

 وأردف قائلاً:

 - هل نام الأولاد ؟.

 - ناموا !.

 ومضى الاثنان إلى فوهة اللهب. كان جسداهما يحترقان في مجرةٍ شديدة الغموض. والدُّخانُ يتصاعد من الأعصاب المتفحمة. وجغرافيا الجسد الواحد المندمجة مع شموع الروح تقضم بقايا الضوءِ الهارب.

 وفي تلك الزاوية المعتمة.. قُرب نهايات الحريق، لَمعت الظلالُ المجروحة. إنهما عَيْنا بسام كانتا تشعان تحت اللحاف. لقد رأى والدَيْه وهما يمارسان الجنسَ. تجمَّدت أطرافُه، ووقف شَعرُ رأسه. كان يُحدِّق في المشهد متظاهراً بالنوم. رأى اللقطاتِ كلها بالصوت والصورة. أخذ يبكي بحُرقة، وها هُوَ يصارع نفْسه لكي يخنق دموعَه، ويَدفنها تحت اللحاف. قد سَقطت آخرُ الرايات، وخسرَ آخرَ معاقله.

(11)

هذا الصراخ في بيت زُهدي يَخلع النوافذ. إن أسلوب الحوار بينه وبين زوجته ينبثق من الضجيج. هُما دِيكان يتنافسان في قفصٍ واحد. وكلُّ واحدٍ يَرفع صوتَه إلى درجة الهلوسة لكي يُثبِت وجوده. فالسُّلطة في هذا البيت تعتمد على درجة الصراخ، وقوةِ الأوتار الصوتية. أمَّا ابنهما قيس فضائعٌ بينهما، وقد باءت محاولته التوفيق بينهما بالفشل. وبعد أن تعب الثلاثة ألقَوا أنفسهم على الأثاث البالي، وعندئذ قال زهدي:

 - يا جماعة، دعونا نحل الموضوع بهدوء !.

 كانت القضية التي أثارت هذه العاصفة هي زواج قيس من ابنة عمِّه هند. فالأمُّ تريد تزويجه سريعاً، والأبُ يريد الانتظارَ بعضَ الشيء من أجل الاستعداد. وقد أكَّد لهما أن الزواج ليس لُعبة، وهو بحاجة إلى تحضير. فالعُرس يجب أن يكون لائقاً بعائلة المخلوسي ذات التاريخ العريق في هذا الجبل.

 وفي نهاية المفاوضات الشاقة اتفق الجميع على تعجيل العُرس، ولم يَصْمد رأي زهدي أمام إصرار زوجته، ورغبةِ ابنه. والغريبُ أنهم كانوا يتحدثون عن العُرس قبل التقدم لطلب يد هند. فقد كانوا على ثقة بأن الأمر تحصيل حاصل، وأن خميس لا يمكن أن يَرفض رغبةَ أخيه الكبير زهدي. ((والبنت مِنَّا وفِينا، وابن العَم يُنْزِل ابنةَ عمِّه عن ظَهْر الفَرس)).

 وفي اليوم التالي ذهبوا لزيارة بيت أبي بسام، وَطلبوا يَد البنت رسمياً. وكانت هند وحورية تقفان وراء الباب تسترقان السَّمعَ. ظَهر على وجه أم بسام علاماتُ الرضا، وأبدى أبو بسام سعادته وموافقته، لكنه استدرك قائلاً:

 - لكنَّ البنت ما زالت في التوجيهي.

 وهنا تدخَّلت أم قيس، وقالت وعيناها تلمعان بشدة:

 - البنت ليس لها إلا السِّتر.. وبدون مؤاخذة، لا فائدة من تعليم البنات، فالبنت - طَلعت أو نَزلت - ستصبح خادمةً لزوجها، ومكانها في المطبخ.

 وضحكَ الجميعُ باستثناء هِند. ولم يكن موضوع الدراسة يَشغل بالَها. بل موضوع ابن عمها الآخَر رأفت. فقد كانت تحبه وتَنظر إليه كقُدوة، فقد كان يُدرِّسها اللغة الإنجليزية، ولكنه لم يجيء. ويبدو أنه نظر إليها كتلميذة صغيرة على الحب، أو مراهِقة لا تَصلح أن تكون زوجةً. وعلى أية حال، " عصفور في اليد ولا عشرة على الشجرة ". هذا ما توصَّلت إليه هند في زحمة أفكارها. وقد أدركت متأخرة أن هذا الجبل لا مكان فيه للحُب أو الذكريات، وأن الأحاسيس لا تُطعِم خبزاً. فحياةُ البنت طريقٌ يبدأ من منزل أبيها، ويمر بمنزل زوجها، ثم تكون النهاية هي المقبرة (بيت العائلة الكبير).

 توصَّلت إلى قناعة جديدة.. فابنُ عمها قيس شاب غني، وعاش في أمريكا مع الأجانب. صحيحٌ أنه كان متسكعاً ومنحرفاً وسُمعته في الوحل، لكنه الآن يملك أموالاً كثيرة، والناس يَحترمون الأغنياءَ، ولا أحد يهتم بماضيهم. والذي فات مات. ونحن أبناء اليوم.

(12)

 الزِّينةُ منتشرة في كل مكان. والأضواءُ تُحيل جبلَ النظيف إلى سيرك كبير. يودُّ هذا الليلُ لو يَقفز من السفينة قبل غرقها. تصبح الضحكاتُ تاريخاً لقتل الضحكات. بَشَرٌ يُولَدون من ضفائر النساء المقموعات جنسياً. وأغنياتُ الصدى جرذان تكاد تموت جوعاً. يمشي الإنسانُ وأشلاؤه على خَطَّيْن متوازيَيْن. وفي الرياضيات لا فرصة لالتقاء الخطين المتوازيين. أمَّا في الواقع فسوف يَصْطدمان.

 تتوزع الطيورُ الذبيحة بين تراب المقبرة وحديدِ السجون.. السجون التي يُشيِّدها الناسُ في عِظامهم ضاحكين. إنهم يغنُّون.. يفتحون جراحَهم للفرح الذي يَغْسل أغصانَ خدودهم. هكذا تصبح الأعراسُ تاريخَ مَن لا تاريخ له، وانتصارَ المهزومين الوحيد.

 تمشي القططُ المتعَبة على أسلاك الكهرباء. إنه الضياع الجنوني على نصالٍ تنفيكَ، تنفي عناصرَ جسدكَ المثقوب. وكلُّ ضائع يخترع جنونه ويمضي إلى حتفه الأكيد. مَن أنا ؟ ومَن أنتَ ؟، نحن العابرَيْن في الأزقة التي تَصْلبنا لأننا نحبها حتى البكاء. ولكنْ مَن سَيَبْكي علينا حين تنسانا صفحاتُ الوَفيات في الجرائد ؟.

 سوف يمضي العشاقُ غير عابئين بدمنا المفروش على أعمدة الكهرباء. ويَبْحثُ الفقراءُ عن أسنانهم الصفراء في أكياسِ القُمامة.

 كلُّ هذه الهواجس المرَّة كانت تلتهب في صدر بسام الجالس في إحدى زوايا المقبرة. لقد هربَ من عُرس أُخته إلى عُرسه الخاص، حيث يُقيم احتفالَه الخاص بالموتى. هربَ من عُرس الأحياء إلى عُرس الأموات. وحياتُه تنزلق شيئاً فشيئاً نحو الهاوية السحيقة. تقدَّم من أحد الحيطان، وأخرجَ أحدَ الأقلام الملوَّنة التي يَسْتعملها في حصة الرَّسم في المدرسة، وكتبَ على الحائط المتداعي: ((إن ليلة الدخلة بالنسبة للرجال حين يَدْخلون على نسائهم لرؤية وجوه العرائس، أمَّا بالنسبة إِلَيَّ فحين أُدخَل في مَوْتي لأرى وجهَ مَلَكِ الموت)). ثم غرقَ في نوبة بكاء شرسة.

 استمر العُرسُ كالطوفان الماحي، لا يعبأ كمشاعر الآخرين. فالنهرُ يَحفر مجراه بنفْسه، ويَعْرف طريقَه بنفْسه، ولا يهتم بأي شيء آخر. والناسُ يريدون أية فرصة للفرح، حتى لو كان خادعاً كالسراب، أو مؤقَّتاً كالنوم اللذيذ. إنهم يَقتنصون الورودَ من قلوب الأضرحة.

 امتلأت شوارعُ جبل النظيف بالناس. والمحال التجارية مفتوحة على مدار أربع وعشرين ساعة. وصوتُ الرصاص يملأ الأرجاءَ. فالكثيرون يَعتقدون أن إطلاق الرصاص في الأعراس جزءٌ أساسي من الاحتفال. وإذا ازداد إطلاقُ النار فهذا دليل على مكانة العائلة، وأهمية العُرس.

 وعائلةُ المخلوسي لها وزنٌ كبير في جبل النظيف، ولها اسمٌ لامع في المناطق المحيطة. وهي تَحْرص على صناعة هالة إعلامية لها بين باقي العائلات لتظل مرهوبة الجانب. والعائلاتُ الأخرى تَعْرف مكانة " آل المخلوسي "، وهذا يَجعلها حريصةً على مشاركتهم الأفراح والأحزان. فالكل يَبحث عن مصلحته. ومثل هذه المناسبات تكون وسيلة لعقد الصفقات، وتقوية الروابط الاجتماعية، وبناء تحالفات عائلية لتوسيع مناطق السيطرة، وتقاسمِ النفوذ.

 هكذا تصبح الحياةُ صفقةً كبيرة، ومباراة خشنة فيها لاعبون أساسيون ولاعبو احتياط. والجميعُ يَطمح إلى تسجيل الأهداف، وفرض كلمته على الخصم. وفي غالب الأحيان تكون الضحكاتُ ممارسةً روتينية، تتجلى على الشفاه، ولا تصل إلى القلوب. هذا هو قانون اللعبة المتعارف عليه بين الناس، ولا أحد يفكِّر في تغييره. فالناسُ أَسْرى ذواتهم، ومشاعرهم ستظل سجينةً في حساباتهم.

 كلُّ تفاصيلِ العُرس سارت كما خُطِّط لها. ولكنْ حدثَ ما لم يكن بالحسبان. تقدَّم بسام بخطى مثقلة نحو أبيه المشغول باستقبال الضيوف. وظهرت على وجه الطفلُ علاماتُ الإرهاق الشديد، وقال بصوت ذابل:

 - لقد أُصبتُ برصاصة يا أبي.

 رَدَّ والدُه بكل برودة أعصاب:

 - لا وقتَ للمزاح يا بسام.. اذهب والعب مع الأولاد.

 وارتمى الطفلُ على أقدام والده. لاحظَ الوالدُ آثارَ دماء على ملابس ابنه، وركض إليه الناسُ الذين كانوا مشغولين بمتابعة الأعيرة النارية التي تَعْلو وتَهْبط. والحمدُ لله كان الجرحُ بسيطاً.. مجرد خدش طفيف، ولا أثر لوجود رصاصة في الجسم.

 نادى أبو بسام على فايز، وطلب منه أن يعتنيَ بابن عمِّه، ويعالج جُرْحَه. وفايز لديه خبرة واسعة في معالجة الجروح، فقد اشترك في مشاجراتٍ لا حصر لها. كما لديه خبرة واسعة في الأسلحة النارية والأسلحة البيضاء. ((فالولدُ شقي منذ طفولته. وعُمر الشقي بقي)). هذا هو الشعارُ الذي ترفعه أمُّه منذ مدة طويلة.

 مزَّق فايز قميصَه، وأخذ قطعةً منه، ولفَّ بها جُرحَ بسام. حَمَله على يديه، وسار به في ممالك اللهيب. وما زالت أصواتُ الرصاص تمزِّق رئةَ الصدى، وتَحْرق الصوتَ. ولم يكن جرحُ بسام مبرِّراً كافياً لتوقف إطلاق الرصاص. فالأمورُ سائرة كأن شيئاً لم يكن. فهذه المعركة مستمرة مهما كانت الخسائر، والضحايا لا يمكنهم إيقاف الحروب.

 لكل بداية نهاية. كانت أُم بسام توصِي ابنتها هند بضرورة طاعة زوجها، والحفاظ على بيتها الجديد. وفي زحمة الأفكار والوصايا، أَخرجت أمُّ بسام من فتحة صدرها تلك الخلطة العجيبة التي أَحْضَرَتْها من عند العطار، وقالت:

 - اسمعي يا هند، هذه الليلة ليلة العُمر، كلُّ عمرك يتوقف عليها.. ليلةُ الدُّخلة أهم امتحان في العالَم.. أهم من التوجيهي والجامعة. وهذه الخلطة ضَعي منها لزوجك في طعام العَشاء لزيادة طاقته الجنسية.

 احمرَّت خدودُ هند، واحتل قسماتِ وجهها الاضطراب، وتسلل الارتباك إلى جوارحها، فقالت أمُّها:

 - أنتِ لم تَعُودِي صغيرة يا هند.. ومنذ اليوم لا مكان للخجل.

 أحسَّت هند أنها مُقْدِمة على معركة حامية الوطيس. كان الخوفُ يزرع التشنج في عروقها، وازداد جسمُها تعرُّقاً. شَعرت أنها وحيدة في غابة مجهولة مليئة بالمخاطر. الناسُ يتزوجون ببساطة، ويُنجِبون بسهولة، وتستمر الحياة بشكل روتيني. أرحامٌ تَدْفع، وأرضٌ تَبْلع. فلماذا كل هذه الخلطات والأسرار والتعليمات العسكرية ؟!. هذه الأفكار كانت تحترق في قلبها، والدخانُ يتجمع في شرايينها.

 تجمَّع الزَّوْجان قيس وهند في ذاكرة الأحلام. أحضرت أمُّ قيس العَشاء لابنها وزوجته، وأُغلق عليهما باب الليل. وخرجت الأمُّ وهي تبكي بصوت خافت. في جبهتها ذبولُ الأزهار. وفي يديها تتساقط أوراق السنوات. أحسَّت أن ابنها الذي كان مُلْكاً لها تم اختطافه بكل سهولة ودون طلب فِدْية. مَن سَيتذكر تعبَها طيلة هذا العُمر الراكض في مدارات الدهشة والغربة والمعاناة ؟. كانت تجرُّ دموعَها وراءه كحصان مرهَق يجرُّ عربةَ الآلام.

 رآها زهدي فأشفق عليها، وقال محاولاً التخفيف عنها:

 - لا داعي للدموع يا أم قيس.. الله يعطيكِ العافية، رَبَّيْتِ الولدَ أحسن تربية، والآن هو عريس له أُسرة جديدة.. هذه سُنَّة الحياة. تعالي إلى النوم يا ابنة الحلال، واتركيه لزوجته، والصباح رَبَاح.

 ردَّت أم قيس وهي تحارِب شهيقَها وزفيرَها:

 - نربِّي الأولاد صغاراً، ونعتني بهم كِباراً، ثم يُصبحون براويز على الحيطان.

 ودخلت مع زوجها إلى أجفان الظلام. ونام القمرُ في أسرار زيتونِ المجرات.

 أمَّا قيس وهند فكانا يتناغيان كعصفورين داخل القفص. أمسكَ يدَها المرتعشة، وعاهدها بأن يظل وفياً لها إلى الأبد. كان متأثراً بالأفلام الرومانسية التي شاهدها في أمريكا. كلامُهما سيناريو متكرر محفوظ مسبقاً. ومشاعرُهما تقاتِل الصدى لكي تَخْرج من دائرة الروتين. إنهما عاجزان عن الإبداع.. هكذا يصيرُ التقليدُ دستوراً للعشق، والوجهان رجعَ صدى لتاريخ يُولَد من دموع الليل.

 وَضعت هند كميةً كبيرة من الخلطة في الطعام. وكان هذا اجتهاداً شخصياً منها، فوالدتها لم توضِّح لها المقدارَ الصحيح. واعتقدت هند أن زيادة الكمية تعني زيادة طاقة زوجها. وبدأ الكابوسُ عندما تناول قيس العَشاءَ، فأخذ يَشكو من آلامٍ شديدة في بطنه ومنطقةِ الحوْضِ. أمعاؤه تكاد تتمزق. عيناه خرجتا عن السِّكة مثل قطارَيْن ذاهبَيْن نحو الاصطدام الحتمي. وصارت ليلةُ الدُّخلة سِفْرَ الخروج الخاص به. وتمنى في قرارة نفْسه لو تنتهي هذه الليلة المرعبة بسرعة لكي يرتاح. ارتمى على السرير، وأخذ يلتفُّ على نفْسه مثل الأفعى التي تلتف حول فريستها. ساد الرعبُ في تفاصيل هذا المشهد المخيف.

 أدركت هند أن كارثةً حقيقية حلَّت بزوجها، وأنها السبب. لم تَعرف ماذا تفعل في تلك الساعة الرهيبة. تخلَّصت من الخلطة اللعينة التي هي سبب الشقاء. أَحضرت كوبَ ماء لزوجها الداخل في طقوس الاحتضار أو شِبه الاحتضار. لم يَقْدر على تناول الماء. قفز بحركة لاإرادية من السرير كالجن، وذهبَ إلى المرحاض. تمنى عندئذ لو بقي في أمريكا ولم يجيء إلى هذا المكان. حاصرته الأفكارُ الفوضوية من كل الجهات. أراد أن يناديَ على أُمِّه في هذا الليل الجارح.. أن يهرب إلى حضنها كالطفل العاجز. أُصيب بإسهالٍ شديد. معدته بركان ينفث الحممَ الحارقة بلا هوادة. ولأول مرة في حياته يَشعر أن الموتَ قريب منه. إنه يعيش مع الموت في سجنٍ واحد.

 أمَّا هند فراحت تَندب حظَّها العاثرَ، وتَلْطم خدودَها بصورة هستيرية مقزِّزة. اختلطت عروقُ كفِّها بالمكياج المتساقط كأوراق الخريف. وها هو ربيعُها يصير خريفاً، والحلمُ أضحى رماداً في موقدة التاريخ الصاعق. وراحت تقول بنبرة كسيرة:

 - يا فضيحتك يا هند.. يا فرحة ما تَمَّت.

 وصارت هذه الكلماتُ هي الشِّعار الرسمي لِلَيْلة الدُّخلة.

 قضى قيس ليلته الكابوسية ذاهباً إلى المرحاض عائداً منه. وزوجته تجلس على طرف السرير تضع يدها على خدِّها بعد أن تعبت من لطم خدودها. لم يَقدر الزوجان على النوم إلا بعد طلوع الفجر. رَمَيا تاريخهما في بئر الرعشة، واستسلما أمام أنياب الرياح التي كانت تصفع الأبوابَ، وتَخْلع شبابيكَ العُمر. وساد الهدوءُ الصاعق بعد انتهاء حربهما مع عقارب الساعة. هدأت الأعاصيرُ، والفيضانُ يُحصي عددَ الجثث، والراياتُ البيضاء ترفرف على الأكتاف المثْقلة بوخز السنوات، وصَفاراتُ الإنذار استقرت في القلوب المثقوبة.

 استيقظ زهدي وزوجته قبل الظُّهر. لقد سَهِرا حتى ساعة متأخرة من الليل. نفضا التعبَ عنهما. والحمدُ لله أن سار العُرس على ما يرام، ولم تحصل مشكلات. فالأعراسُ في هذه البُقعة غالباً ما تعج بالصدامات بين السُّكارى والزعران، وتكسير الكراسي والطاولات. أمَّا هذا العُرس فهو يَحمل اسم " آل المخلوسي " ذات النفوذ والسطوة، وهذا جعله متمتعاً بالحصانة والحماية. وكلُّ واحد يفكر ألف مرة قبل أن يرتكب حماقةً ما خوفاً من أن يدفع الثمنَ غالياً. ففي هذا المكان يَسود قانونُ الغاب رغم عمليات الترميم والتجميل.

 حاولت أمُّ قيس إيقاظ ابنها وزوجته لتناول طعام الإفطار، لكن زهدي طلب منها أن تتركهما، وقال مبتسماً:

 - لا بد أنها ليلة طويلة.. قيس رَجل من ظَهْر رَجل، لا يُخاف عليه. أكيد بَيَّضَ وجهَه أمام زوجته.. في هذه الليلة على الرَّجل أن يُشبِع زوجته، وإلا فلن تَشْبع أبداً.. اتركيه نائماً لكي يرتاح.

 تغيَّر وجهُ زوجته، وقالت بتأفف:

 - أنتم الرجال تنظرون إلى النسوان كالنعاج.. الواحدُ منكم يَحتقر زوجته طيلة النهار، ويَعتبرها خادمة، ثم ينام معها في الليل مثل كيس الطحين. يَضحك عليها بكلمتَيْن ليأخذ حاجتَه، ثم يرميها في المطبخ.

 ولَمَّا سمع زهدي هذا الكلام ضحك بملء فيه، وقال وهو يغالب ضحكاتِه:

 - هذه هي الحياة يا أم قيس.. الديك ديك، والدجاجة دجاجة. وكلُّ إنسان يؤدي دورَه في الحياة ثم يَرحل.. سنواتٌ تمضي، والذي يَذهب لا يَرجع.

 كان زهدي يُلقي الكلامَ ثم يفكِّر فيه. وفي أحيان كثيرة لا يفكر فيه أصلاً. والأشياءُ التي في قلبه تظهر على لسانه مباشرة بلا لف ولا دوران. وهو يَعرف أن كلامه قد يَجرح مشاعرَ البعض، ويسبِّب لهم ضيقاً. لكن اللامبالاة صارت إحدى شعاراته. ليس لأنه وغد أو إنسان سيِّئ. بل لأنه مصاب بالملل من أحداث حياته. فما بَقِيَ في عُمره أقل مما مضى. ورغمَ هذا تراه في بعض الأحيان يتصرف بلباقة، وتكون كلماته موزونة، ويتكلم بالحِكم والمواعظ التي تُصلِح بين الناس. وبشكل عام فإن حالته المزاجية هي التي تحدِّد طبيعةَ كلامه.

 اجتمع أهلُ الدار على طعام الغَداء، وقبل أن يأكل قيس عاجله والده بسؤال مثل الطعنة:

 - قمحة أم شعيرة ؟.. أُريد رؤيةَ زهدي الثاني قبل أن أموت.

 ارتبك قيس، وبلع ريقَه، ثم استجمع قواه مثل التلميذ الصغير الواقف أمام مدير المدرسة، وقال بصوت مهزوز:

 - اللهُ يُطيل عُمرَك، وترى أحفادك يلعبون حَوْلك.

 أَظهرت هند قَدْراً من اللامبالاة، وراحت تأكل كأنها لم تَسْمع شيئاً. تعمَّدت أن تَظهر في تلك اللحظة كالبلهاء المنقطعة عن العالَم الخارجي، والمركِّزة في تناول الطعام. أرادت دفنَ نفْسها في الصحون كالنعامة.

 لاحظ زهدي أن شيئاً غريباً يَحْدث، فأعاد السؤال بلهجة صارمة:

 - قمحة أم شعيرة ؟.

 وبقي منتظراً الجواب كالصنم. عيناه تبرقان كالخناجر الجاهزة، وجبهته يَقْطر منها أعوادُ الثقاب اللاهثة في أفلاك النهاية القاصمة.

 نظر قيس إلى الأرض كالقائد المهزوم المستسلم الذي رأى جيشَه يرفع الرايةَ البيضاء بكل خزي وعار، وقال بكل انكسار:

 - شعيرة !.

 هَبَّ زهدي كالرمح الأعمى. حدَّق في وجه ابنه كأنه يريد أن يفترس ملامحَه حجراً حجراً. وبصورة غير متوقَّعة بصق على ابنه، ثم ترك الجميعَ في حالة ذهول وصدمة. رَكضت خَلْفه زوجته، وخطواتها تحترق وتَحرق الأرضَ.

 مَسحت زوجته البصاقَ بطرف كُمِّها، وقالت:

 - ستظل سَيد الرجال في نظري.. أنتَ تاج على رأسي.

 وضع رأسَه على صدر زوجته، واستسلم لأمواج الدموع التي لا نهاية لها.

 هبط الظلامُ سريعاً. سراديبُ ترتمي أمامه متاهةً. طريقٌ في نهايته ضوء خافت. تصبح تعاليمُ الذباب جزءاً من صُداع الياسمين. كانت ظلالُ قيس تَسخر منه، تَسخر من زوجته. دخلا في وهجِ البكاء. هُوَ السجين والسجن والسجان. سَتَذُوب الثلوجُ التي تَحجب عَرَقَ الشُّهب. الأرضُ سوف تموت، وستذهب الشمسُ إلى قبرها. كلُّ الحيطان صارت في عينيه سيوفاً خشبية تمزِّق أوصالَه.

 شَعر أنه في سجنٍ: خليطٌ من الروائح الألوان. أشياء تبحث عنه في أماكن الحصار. تتجمعُ الدموعُ في مقلاةِ تاريخ الهزائم. الآنَ، تنكمش أضلاعُه في غرفة معتمة. بينَه وبين أحلامه آلافُ الوديان، وعواءُ الذئاب اليقظة. أجالَ بصرَه في المحيط فلم يجد غير نفْسه رغم وجود زوجته. صار كشخصٍ مصاب بالحمى تَلعب الخفافيشُ برائحة عَرَقه.

 مضى إلى غرفته وحيداً كما جاء إلى هذه الحياة وحيداً. استلقى على السرير لأن التعب هَدَمه. أحسَّ أن الزوايا تخاطبه، وأن الوسادة الملوَّنة تبتلعه. تصمت الألوانُ تارةً، وتَهيج تارةً أخرى. هذا عالَمه الجديد، سجونٌ تتجمع لِتُشِعَّ سِجْناً واحداً، وسجنٌ واحدٌ يتَّحد ليقتل كُلَّ وردةٍ تعشقُ الحقول. كأن نهراً يَحشره في بئر عميقةٍ، ويرصده ليغتاله بعيداً عن أعين الفراشات. والليالي تَفتحُ في بُكاءِ البراري منجمَ فحمٍ. صلَّى للهِ، وانطلقت دموعُه مع الدعاء الصاعد من أعماق قلبه، وسَجدت أوصالُه في أرضه النازفة، وانطلق إلى صباحات المطر الخارج من رُوحِه، والذي يُطهِّر جوارحَه بشكلٍ صاعق.

(13)

كان الأستاذُ رأفت يعتني بتفاصيل ملابسه. يُجري مَسحاً شاملاً لكل نقطة في جسمه. ورائحةُ العطر تسيطر عليه من رأسه حتى أخمص قَدَمَيْه، على غير عادته. ولكنه اليوم ذاهب إلى منزل الدكتور لؤي عطوة لتدريس ابنه.

 قَرع الجرسَ، فجاءت الخادمة كي تَفتح البابَ. وهنا تدخَّلت السيدة ميادة، وأشارت للخادمة بالابتعاد، ففهمتْ أن السيدة هي التي تريد فتح الباب. فُتح بابُ الطوفان على مصراعَيْه. وتفاجأ رأفت برؤية السيدة لأنه كان يتوقع أن تفتح له إحدى الخادمات. ارتبك للغاية، وذابَ الكلامُ الذي كان يُحضِّره طيلة الطريق، ولم يَعرف كيف يخاطبها. وهي أيضاً تفاجأت بمنظره الخارجي، حيث ظهر وكأنه قادم إلى حفلة. كما أن رائحة عِطره انتشرت بصورة جنونية في المكان.. إنها رائحة تكاد تخلع حاسةَ الشَّم.

 قَطعت عليه ارتباكَه قائلةً:

 - تفضَّل يا أستاذ رأفت.

 فرح رأفت لأن اسمَه جاء على لسانها. ومضى إلى الداخل بخطى وئيدة. وأحس بأهميته وهو يمشي على السجاد الأحمر. إنه يتصنع الإتيكيت، ويَحسب حركاته وسكناته. أحبَّ هذا المكان الذي يَشعر فيه بأنه رَجل مهم، والكلُّ يعتني به، ويُحقِّق رغباته. أمَّا في جبل النظيف فهو يَشعر بغربة خشنة. لا أحد يُقدِّر ما يَفعله. ماذا يعني أستاذ لغة إنجليزية في بيئة جاهلة فقيرة بالكاد تَعرف العربية ؟!. ما معنى أن تكون مثقفاً بين أشخاص أُمِّيين أو يفكُّون الخطَّ بصعوبة ؟!. ما فائدةُ أن توقِد شمعةً بين القبور الخرساء ؟!. كل هذه الأسئلة احتلت وجدانَه، وتشعَّبت في عروقه.

 ما ذَنْب أولئك الناس البسطاء الذي ينامون وهُم يَحْلمون برغيف الخبز ؟!. لا يمكن للجائع أن يشتريَ كتاباً أو يَعرف الفرق بين اللغة الإنجليزية والفرنسية. يَخرج الواحد من الصباح ويعود في منتصف الليل لكي يُطعِم الجياعَ الذين ينتظرونه. رغيفُ الخبز هو الثقافة، والراتبُ الشهري هو الكتاب الوحيد الذي يطالعونه باستمرار. أفكارٌ هَجمت على ذهنه دون سابق إنذار. لكنه نَفضها بسرعة مع قدوم السيدة ميادة، واقتنع بأن كل إنسان في هذا العالَم عليه أن يُدبِّر شؤونه بِنَفْسه، فلا أَحد يَسأل عن أَحد. والدنيا طاحونة عمياء، وإذا أراد الإنسانُ ألا يُطحَن عليه أن يكون أكبر منها. هذا هو قانون اللعبة، والكُل يَلهث وراء السراب، ولا جديد تحت الشمس. الحاضر هو الماضي مع اختلاف أنواع الأقنعة. وما سَيَحْدث هو ما قد حَدث، وما سَيَكون هو ما قَد كان.

 قالت ميادة وهي تمط كلامَها مَطَّاً:

 - أريد أن أشكرك يا أستاذ رأفت، فقد تحسَّن مستوى رمزي، وارتفعت معنوياته، وصار يُركِّز في دروسه بشكل واضح.. تأثيركَ واضح عليه، وجهودكَ مشكورة. وبصراحة، كلُّ مَن في البيت يحبونكَ.

 ثم استدركتْ قائلة:

 - أقصد رمزي يحبك، ويطبِّق نصائحك حرفاً حرفاً.

 شَعر رأفت بالزهو، وقال مُظهِراً التواضع:

 - أنا أشكركم على إتاحة الفرصة لي.. رمزي رَجلٌ وليس طفلاً، وهو يَلتقط الفكرةَ من المرَّة الأولى.. إنه رَجل يُعتمَد عليه.

 قالت ميادة مُغيِّرةً بوصلة الكلام:

 - اسمحْ لي أن أسألك سؤالاً شخصياً يا أستاذ رأفت.. هل أنتَ متزوج ؟.

 ألقتْ هذا السؤالَ بشكل مباغِت. وأرادتْ منه كسرَ الحواجز، وخلق مناخ دافئ بعيد عن البرود الرسمي والأداءِ الدبلوماسي.

 تشظَّت المفاجأة على قسمات وجهه. وفي نفْس الوقت أحبَّ هذا النوع من الأسئلة، واقتنع بأن الفرصة جاءته على طبق من ذَهب، وأراد ألا يُضيِّعها، فقال:

 - لا.

 ولم يكتفِ عند هذا الحد، بل أراد أيضاً أن يبدأ تنظيرَه الفلسفي في الموضوع، فأردف قائلاً:

 - الزواج بالنسبة إلي خط أحمر، فأنا أريد أن أظل عصفوراً خارج القفص.. لا أريد توريط امرأة معي، ولا أودُّ إنجابَ أطفال في هذا العالَم. فالعالَمُ مكانٌ خطر للعيش فيه، ولا أحبُّ أن أمتلك امرأةً.. أُفضِّل أن أرى الزهرةَ في البستان ولا أقطفها.

 - إن فلسفتك متشائمة.. ومع هذا يمكن أن تجد صديقةً لا زوجة.

 - لا أحب أن أدخل في هذا المجال، فالعلاقة مع النساء كالشُّرب من ماء البحر.. كلما شَربتَ أكثر عَطشتَ أكثر، ولا أريد أن أقضيَ حياتي عطشان.

 قالت ميادة والابتسامة تخلع شفتيها:

 - إذن، سأُحضِر لكَ كوبَ ماء لئلا تظل عطشان.. وسوفَ أُحضر رمزي.

 وانطلقت وهي تضحك.. ضحكاتها تملأ المكان، بَدت كالفراشة الملوَّنة التي تطير فوق حقول اللهب. كلُّ شيء يَسير إلى وُجهته، ولكنْ: هل الوُجهة هي القمة أم الهاوية ؟. هذا السؤال سيظل مثل وخز الدبابيس في أجفان التاريخ.

 كانت الحِصةُ مفعمةً بالمتعة والفائدة. ظهر الارتياح على وجه رمزي، وهو يتجول في دفاتره وأوراقه. نظر إلى أستاذه قائلاً بكل ثقة:

 - سأحلُّ أيَّ واجب تعطيني إياه.. لم أعد أخاف من الأسئلة والأجوبة.

 رَبَتَ أستاذُه على كتفه، وقال:

 - أحسنتَ يا رمزي.. يا بطل الأبطال. أريدكَ أن تتحدى الأسئلة، وتصبح الأول على الصف.. اتفقنا ؟.

 - اتفقنا.

 إن نهاية الحصة هي بدايةُ الحلم. شَعر رأفت براحة نفسية غامرة لأنه استطاع التأثير في تلميذه، وتَرْك بصمة واضحة. وها هو رمزي يَضع قَدَمَه على الطريق الصحيح، ويَملك الحافزَ لكي يتقدم. وقد نجح الأستاذُ رأفت في غرس الدافعية في تلميذه الصغير، وتحريره من الضغط الخارجي. وهذا ما أسعده بشكل خاص. فمن السهل أن تجبر الحصان على الذهاب إلى النبع، ولكنْ لا يمكنك أن تجبره على الشرب. أمَّا رمزي فصار يذهب إلى نبع العِلم بقدميه، ويشرب من تلقاء نفْسه.

 أَخذ الأستاذ رأفت أُجرةَ الساعتين من يد السيدة ميادة. وبينما كان يَهم بالخروج استوقفته. استدار في الحال.. نظر في عينيها، وعلى شفتيه ابتسامة ناعمة. ووقف منتظراً كلامها كالجندي الذي ينتظر أوامر قائده، أو ينتظر قراراً من محكمة عسكرية.

 قالت والندى المشتعلُ يَغرق في نهر أجفانها:

 - نسيتُ أن أخبركَ.. لدينا حفلة في المنْزل يوم الخميس القادم، الساعة العاشرة مساءً.. أرجو أن تشرِّفنا.

 - يسعدني الحضور، وأشكركِ على الدعوة، وسوف أكون أول الحاضرين.

 انطلقت كلماتُه بطريقة عفوية دون أن يفكِّر فيها. كان يتحدث مثل الرَّجل الآلي الذي تمَّت برمجته، وزراعة الكلمات فيه. انصبَّ تركيزُه على النظر في عينيها، كأنما يريد استغلال كل لحظة في الاقتراب من عالَمها.

 قالت ميادة:

 - أريد أن أسألك.. ما هو اللون الذي تحبُّه ؟.

 - الأزرق. ولكنْ.. لماذا هذا السؤال ؟.

 - مجرَّد سؤال.

 خرج رأفت، والأسئلة تتكاثر في رأسه، وتَجرف الشوارعَ أمامه. راح يفكِّر في كل كلمة خَرجت من فم ميادة، ويبحث في أصلها، والمقصود منها، ويحلِّل أبعادَها. وكان يجيب عن الأسئلة بأسئلة أكثر غرابةً. والحيرةُ تأكل ملامحَه بالكامل.

 كانت جبال الجليد تنهار في قلبه، ومستوى الدم في بحور الأسئلة يرتفع بشدة. هذا عالَمه الحديدي المطلي بالقضبان. حريته بحجم قبضته. ودُنياه هي أطلال حُجرةٍ أصغر من حبل الغسيل. لم يكن حَوْله سوى عصافير القشعريرة التي يَسكن معها في نفْس القفص. إنه بحاجة إلى الراحة لكي يستعيد نشاطَه كمحارِب في زمن الهدنة بين السكين واللحم. أجال بصرَه في تقاطعات جسمه الجارح، وقال مخاطباً قلبَه الذي ينفصل عنه تدريجياً:

 - أنتَ عبقري وغبي في نفْس الوقت. عبقري لأنكَ تعرف كيف تنتصر في معركتك، وغبي لأن معركتكَ مع عدو وهمي.

 وانطلق في دروب اللهيب. رحلته قصيرة تجسِّد كلَّ تاريخ الأضداد. حبُّه للحرية اختلاط نهايات الخريف بعنفوان الشتاء في لحظة تماس لم تلاحظها الأشجارُ. صارت الأضدادُ هي المنطقَ الرسمي للتاريخ المستحيل.

 الوقتُ الذي يَفْصله عن موعد الحفلة قرونٌ من الوهج والشكوك والحيرة، أو سنواتُ رصاصٍ يكتبها الزمنُ بقلم الرصاص، ويَمحوها المدُّ القادم من بحر الدماء.

(14)

 أتى موعدُ الحفلة. وصل رأفت متأخراً على غير عادته، فهو مشهور بين الناس باحترام المواعيد دون زيادة أو نقصان. والسبب أنه قضى وقتاً طويلاً في الشوارع المزدحمة التي كانت تغص بالناس والسيارات. واليوم هو الخميس، وهذا يعني ازدحاماً خانقاً، وهو لا يَملك سيارةً. وهذا جعله يطارد سيارات الأُجرة من شارع إلى شارع، ويَغرق في المواصلات البائسة، ويَتلاشى في دخان السيارات، وصخبِ الناس الذين كانوا مثل خلية نحلٍ تتكاثر بشكل جنوني.

 لم يَذهب إلى الفيلا مباشرة. نَزل من سيارة الأجرة في مكان قريب. وذلك من أجل مسح الغبار عن وجهه، وتصفيف شَعره، وترتيب ملابسه، ومسح حذائه من جديد، يعني إعادة تنظيم كيانه بالكامل.

 وكلما اقترب من الفيلا ازدادن نبضاتُ قلبه. كانت الأضواء باهرة، والضحكاتُ تملأ الشارع. أخرج منديلاً ومَسح عَرَقه. شَعر بالتردد والخوف. قدماه ترتجفان كأنه يساق إلى حبل المشنقة، وليس حفلة راقية تعج بالألوان والأصوات. فكَّر في العودة لكنه طَرد هذه الفكرة سريعاً. وصل إلى نقطة اللاعودة، وسوفَ يتقدم مثل الجندي الداخل إلى المعركة، ولا يَعرف ماذا يَنتظره، ولا يَعلم هل سيعود إلى أهله حياً أم سَيَسقط قتيلاً.

 وحينما دَخل إلى الفيلا وَجد عالَماً آخر لا يمكن أن يراه في جبل النظيف. حتى إنه لم يره في منامه. رَجالٌ يرتدون أفخرَ الملابس يُدخِّنون السيجار، وشخصيات مشهورة لا يشاهدها إلا على شاشة التلفاز. نساء في فساتين مثيرة، صدورهن مكشوفة.. تنانير قصيرة. روائح العطور تملأ المكان. الجميع مشغولون كأنهم في سوق صاخبة يُقلِّبون البضائع الأجنبية. كل شيء غريبٌ عنه. لم يَعرف أين يَذهب، أو مع مَن يتحدث. وبينما هو غارق في متاهته، يلملم شظاياه المبعثَرة في المكان، اقتربت منه ميادة وهي ترتدي غابةً زرقاء من الأنوثة.. فستان أزرق مُرعِب يُخبِّئ براكين من الشهوة والوهج الحارق. اقتربت منه بشكل واضح. صارت المسافة بينهما أقل من نصف متر. وقالت له:

 - أهلاً يا شكسبير !.

 كانت السيجارة تتلوى بين أصبعين في يدها اليسرى. وهذه أول مرة يشاهدها وهي تدخِّن.

 لم يعرف ماذا يقول في تلك اللحظة. انعقد لسانه، واكتفى بابتسامة خفيفة.

 أخذت ميادة زمامَ المبادرة، وسَيطرت عليه بالكامل، وأمسكت يدَه، وقالت:

 - تعال أُعرِّفك على زَوْجي.

 وراحت تسحبه مثلما تُسحَب الشاةُ إلى الذبح. وهو لا يَملك إلا الاستسلام لهذه الأوامر العسكرية.

 - هذا زوجي.. الدكتور لؤي عَطْوة، دكتوراة في الهندسة المعمارية من جامعة السوربون.

 قالت ميادة، ووجهها يشع مثل إعصار لا يَرْحم على وشك أن يَقتلع الشطآنَ التي ترفع الراياتِ البيضاء.

 كان الدكتور لؤي صاحب شخصية قوية. واثقٌ بنفْسه بشكل ملحوظ. الغليون في فمه. وعندما تراه تَشعر أنك أمام جبل لا يَهتز، وأنه يسيطر على العناصر حَوْله، وأن الأحداث خاتم في أصبعه.

 قال الدكتور:

 - لقد سمعتُ عنك الكثير يا أستاذ رأفت، وأن أسلوبك رائع في التدريس. وبدون مجاملة.. تأثيرك الإيجابي واضح على رمزي.

 - شكراً لكم يا دكتور، وأعدكم - إن شاء الله - أن أكون عند حسن ظنكم.

 اختار رأفت عباراته بعناية، وتعمَّد أن يخاطب الدكتور بضمير الجمع تعظيماً له، واحتراماً لمكانته.

 - والآن اسمحوا لي أن أذهب للترحيب بالضيوف.

 قال الدكتور. ومضى إلى ذاكرة المدى، وذاب في الزِّحام.

 استلمت ميادة القيادةَ، وقالت:

 - تفضَّل يا أستاذ رأفت.. اجلس على الأريكة.

 جلس على الأريكة مثل الطفل في حضرة أُمِّه، وقال:

 - شكراً يا ميادة.. أقصد يا سيدة ميادة.

 - قُل لي ميادة فقط.. بدون ألقاب. وأنا سأخاطبك رأفت فقط. ما رأيكَ ؟.

 تردد رأفت قليلاً. بَلع ريقَه، وقال:

 - أنا موافق.

 جَلست إلى جانبه. ظهر عليه الارتباك، وازداد تعرُّقاً.

 قالت له بصوت هامس:

 - ما رأيكَ في هذا الفستان ؟.

 قال رأفت وعيناه في الأرض:

 - رائع.

 - تَحكم عليه دون أن تنظر إليه ؟.

 رفع رأفت رأسَه، وزرع نظراتِه في الفستان، وحدَّق في كل نقطة فيه مثل جيش يُمشِّط أرضَ المعركة. تأجَّجت الشهوةُ في تفاصيل جسده الحارق المحترق، وهزَّ رأسَه قائلاً:

 - كما قلتُ لكِ.. رائع.

 - لا تنسَ أن لونه أزرق.

 لم يَفهم رأفت هذه الكلمات. وراحت ملامح وجهه تستفسر عن المعنى.

 أدركت ميادة هذا الأمر، وقالت بصوت راسخ وملتهب:

 - الأزرق هو اللون الذي تحبُّه.

 وفي تلك اللحظة فقط فَهم رأفت لماذا سألته ميادة - قبل عدة أيام - عن اللون الذي يحبه.

 حاصرهما الصمتُ الجارح. فُرض حظر التجول في أعصابهما. انتشرت الحواجز العسكرية بين وَجْهَيْهما. تائهان في عالَم الوخز. مجروحان في فضاء الرعب. لقاؤهما تذكرةُ ذهابٍ بلا عَودة. إنهما مهاجران نحو أوردة الصدى، والأصواتُ تتلاشى.

 نادت ميادة أحدَ الخدم، وقالت له:

 - أحضر لي كأسَ ويسكي.

 والتفتت إلى رأفت قائلةً:

 - تشرب ويسكي ؟.

 - الخمرُ حرامٌ لا أشربها.

 نظرتْ إلى الخادم، وقالت:

 - أحضرْ لي كأس ويسكي، وللأستاذ عصير برتقال. وستجدنا عند المسْبح.

 نظرتْ إلى رأفت، وقالت:

 - تعالَ نخرج من هذا المكان الخانق، ونذهب إلى المسْبح.

 ومشيا عند حافة المسْبح.. هذه حافة الهاوية. تلالُ الحزن تطل على بحرٍ يتبخر بين أصابعهما المرتعشة. غاباتُ القلوبِ تحترق، ورجالُ الإطفاء نائمون في أحضان زوجاتهم. لم يجيء أحد لينقذ الأشجارَ من المومياوات. سَيطرت الأشباحُ على المكان، والأمواتُ يَفرضون شروطَهم على الأحياء. جوارحهما تتهاوى بصورة دراماتيكية. هذا المسْبح هو مقبرة مائية قديمة.. لعنةٌ أصابتْ علماءَ الآثار الذين لم يأتوا.

 قالت ميادة بصوتٍ كسير كأنه نداء غامض قادم من القرون الوسطى:

 - رأفت، أنا أعشقكَ. قُل عني ما تشاء. اعشقني اكرهني. احترمني احتقرني. ولكن يجب أن تسمعني حتى النهاية. حياتي كلها انتحارات، أنا بحاجة إلى المنقِذ. لو رأيتَني أغرق في هذا المسْبح، ماذا ستفعل ؟. لا بد أنك ستقفز وتنقذني. أنا امرأة لم أشعر بأنوثتي إلا معك. لا أشعر بوجودي إلا عندما تكون موجوداً. لا أتخيل حياتي بدونك. هل تعلم أنني أتردد على طبيب نفسي منذ سنوات ؟. ولا توجد أية نتائج. هل تعلم ماذا قال لي الطبيب آخر مرة ؟. قال لي إنني مريضة نفسياً ولا شفاء لي إلا الموت. لا أريد أن أموت.. أريدك أن تنقذني من الموت.

 وانفجرت باكيةً، وارتمت في أحضان رأفت الذي كاد يَسقط في المسْبح. غَرستْ رأسَها في صدره، وكانت دموعها تتساقط على أزرار قميصه، وهو واقفٌ كالأبله لا يَعرف ماذا يَفعل. أحسَّ برغبة عارمة في البكاء، أو الهرب من المكان. تمنى في تلك اللحظة لو يُنادي على أُمِّه لتنقذه من هذا المأزق.. أن يَخلع جِلْدَه، ويهرول نحو منفى اختياري، ويموت وحيداً. وصار يردِّد في سرِّه الآية القرآنية:يا لَيْتني مِتُّ قَبْلَ هذا وكُنتُ نَسْياً مَنْسياً.

 لم تنجح مفاوضات فض الاشتباك إلا مع قدوم الخادم. وقعُ أقدامه تتوالى. ابتعد الاثنان. أخذت ميادة تمسح دموعها. أمَّا رأفت فرمى بصرَه على صفحة الماء.

 تناولت ميادة عصير البرتقال، وأعطته لرأفت. ثم أخذتْ كأسَ الويسكي. لم ينبسا ببنت شفة، وعاد الخادمُ أدراجه.

 لم تكد تضع حافةَ الكأس على شفتها حتى أمسكَ يَدَها، وانتزع منها الكأسَ، وقال بكل شفقة:

 - لا تشربي هذا السم.. خُذي عصير البرتقال.

 - تخاف على جسمي ولا تخاف على قلبي ؟!.

 وسكبَ الويسكي على إحدى النباتات السجينة داخل وعاء بلاستيكي.

 قال رأفت:

 - ميادة، أنتِ امرأة متزوجة وأُم.

 - عقدُ الزواج حِبرٌ على ورق. الأوراقُ لا تحدِّد المشاعرَ. زَوْجي مشغول بالعشيقات والسكرتيرات. جسدي معه رغماً عني، لكنَّ قلبي معك. أنا منقسمة. أجزائي متفرقة، وأُريدك أن تجمعني. أحتاج إلى صديق حقيقي يقف إلى جانبي. أنا وحيدة في هذا العالَم. فلنكنْ صديقَيْن. لا أَطلب أكثر من هذا. هل هذا كثير ؟!.

(15)

 انتهت الحفلةُ. وبدأت حفلةُ الموت الخاصة برأفت. خرج من الفيلا، ودخل في قصر الليل. صداعُه غابةٌ منسية في رسائل الموج. ودموعُه تحرق الشوارع. شَعر أنه مصاب بعمى ألوان. المناظرُ أمامه تتداخل بصورة غريبة، والأصواتُ تصير ألواناً، والألوانُ تصير أصواتاً.

 أوقفَ سيارة تاكسي، وطلب من السائق أن يوصله إلى جبل النظيف. جلس في المقعد الخلفي، وغرق في النوم. لاحظَ السائقُ التعبَ العميق على وجه هذا الراكب العائش بين المومياوات. شَغَّل العدَّاد، ثم فكَّر لو يَدور في الشوارع، فتزداد المسافة، ويحصل على أُجرة أكبر. لكنه طردَ هذا الخاطر الخبيث قائلاً في نَفْسه:

 - لا تكن نذلاً، ولا تستغل ضعفَ الآخرين.

 وعندئذ فكَّر في كل الطرقات المختصرة التي يمكن أن تقلِّل الأُجرة.

 وَصلت السيارة إلى المكان المدفون تحت أقواس الحزن لا النصرِ، وراح السائق يوقظ رأفت. استيقظ رأفت من مَوْته، وهو يَنظر حَوْله كالمصروع. حاول أن يتذكر مجريات الأحداث، ويعيد السيطرة على أعضائه. أخبره السائق بأنهما في جبل النظيف. نظر رأفت إلى العدَّاد الذي ظهر كإشارة مرور حمراء. دفعَ للسائق، وسامحه بالباقي.

 مشى إلى بيته. كلُّ الأزقة أبوابٌ مغلقة أمام طيور الوهج. بيتُه ضريحٌ هادئ. وَحْدَها أُمُّه كانت في انتظاره. وما إن رأتْه حتى قالت له:

 - هل أُعِد لك طعاماً ؟.

 اقترب منها، وقبَّل يَدَها، وقال بصوتٍ حزين:

 - أخبرتُك يا أُمِّي ألا تنتظريني، فسوف أتناول الطعام في الخارج.

 - خفتُ عليك أن تنام جائعاً.

 وبصورة غير متوقعة، راح رأفت يبكي كالطفل الصغير، وارتمى في أحضان أُمِّه. أُصيبت أُمُّه بالحيرة، واستغربت هذا التصرفَ المفاجئ، وقالت:

 - لماذا تبكي يا رأفت ؟.. هل مات أحد أقاربنا ؟.

 - أنا مِتُّ يا أمي !.

 - لا تقل هذا يا حبيبي. ستبقى - إن شاء الله - كالحصان، وتعيش لترى أولادك وأحفادك.

 أحسَّت أُمُّه أن أمراً كارثياً قد حَصل، فليس من عادة رأفت أن يبكيَ، أو أن يكون ضعيفاً بهذا الشكل. إنها قلقة عليه للغاية، وخائفة إلى أبعد حَد.

 سألَتْه بحدَّة:

 - ماذا حصل يا رأفت ؟.. صَارِحني.

 شَعر أنه في ورطة حقيقية، فهو شخصياً لم يتوقع أن ينهار بهذه الصورة أمام أُمِّه، فلم يجد مفراً من الكذب عليه ليريحها، فقال:

 - أحد طلابي رَسب في الامتحان مع أني دَرَّسْتُه جيداً !.

 تنفست أُمُّه الصعداء، وابتسمت قائلة:

 - إن شاء الله تكون هذه أكبر المصائب. الطلابُ يَرسبون ويَنجحون. الأمرُ عادي. وقل له أن يدرس أكثر، وسوف يَنجح في المرة القادمة بإذن الله.

 مضى رأفت إلى غرفته، وهو يقول بسخرية:

 - سوفَ أُخبره أن يَدرس أكثر في المرة القادمة لينجح، ويتخرج من الجامعة، ويصبح عاطلاً عن العمل !.

 جلس على كرسي مكتبه. وأدرك في تلك اللحظة المخيفة أن الحل الوحيد لتفريغ عواطفه هو الكتابة. وطالما أحب أن يصبح كاتباً مشهوراً، لكن " العين بصيرة واليد قصيرة "، كما يقولون. هذه هي اللحظة المناسبة ليؤلف كتابَه الأول. كل الأحداث جاءت إليه. ارتمت على مكتبه بكل تفاصيلها، وما عليه إلا أن يَنظمها بأسلوبه، ويصبُّها في قوالب أدبية. ما هو الشكل الأدبي الذي سيختاره ؟. أطرق ملياً، ثم لمع العنوان في رأسه: " خواطر رَجل تافه أحب زوجةً خائنة ".

 هل سينشره أم سَيُخَبِّئه في درج المكتب ؟. عنوان لافت للنظر، وسَيَجذب آلاف القراء أو ربما الملايين، فيصبح كاتباً غنياً تركض وراءه وسائلُ الإعلامِ وعدساتُ المصوِّرين. وقد يُتَرْجم إلى عدة لغات فيصبح كاتباً عالمياً مثل ماركيز أو فوكنر. ولكنْ قد تعترض الرقابةُ على العنوان. هل سَيُسَمِّي الشخصيات بأسمائها الحقيقية ؟!. سوفَ يلاحقونه قضائياً، وربما يَمنعون الكتابَ، ويَخسر كلَّ أحلامه.

هل سيعتمد على أسلوب الفضائح ؟. إن المنع والفضائح وقضايا المحاكم سوف ترفع نسبةَ توزيع الكتاب، والترويج له داخلياً وخارجياً. كل هذه الأفكار اصطدمت في ذهنه. وهو حتى هذه اللحظة لم يكتب أيَّ حرف على الورق.

 وصل إلى قناعة مفادها أن الكتابة حاجة شخصية..تفريغ للمشاعر على الورق. وهو لا يَطمح أن يكون رَجل أعمال، أو يتلاعب بمشاعر الناس ليبنيَ إمبراطورية البزنس. هذا بالضبط ما توصَّل إليه بعد صراع مرير مع نَفْسه.

 جهَّز الأوراقَ، وأمسكَ قلمَ الحِبر، وراح يَكتب منقطعاً عن العالَم:

 [ هل ستصبح حياتي المنطقية مجرد نزوة ؟. هل يتحول القطارُ البخاري إلى إبريق شاي يغلي على نار العشق ؟. موقدة منسية يجلس أمامها عاشقان في كوخ منسي في غابة من الحطب. لأني أكرهكِ أحبكِ، لأني أهرب منكِ آتي إليكِ. مِن أين تأتي الأحزان ؟. كيف يُولَد الحبُّ في الجثث المتفحمة التي تَنشرها القلوبُ على حبل الغسيل ؟. ربما نمتلك نَفْس قارورة العِطر، لكنه عِطر قاتل يَسيل على نوافذ المطر الذي لم يجيء إلى صحراء الروح. السمكةُ ابتلعت الطُّعمَ أم الطُّعمُ ابتلع السمكةَ ؟. كلماتي محطةُ تشويش تُدمِّر رادارَ أعصابي. وأفكاري بئر التناقضات. هكذا تصبح الفوضى هي النظام الحاكم في مشاعري. أدفنُ جثتي في علبة السَّردين، ويَكتشفُ قَبري الغزاةُ المعلَّبون في أجساد مدافعهم.

 الذكرياتُ الرمادية خلفَ الستائر الذهبية، والعوانسُ على شُرفات الطوفان. حِقْدي على نَفْسي لا يُوفِّر لي وقتاً لأحقد على الآخرين. كَم أحتاج من الوخز لأموت على صدرها ؟. هذا العاشقُ لا يَنهار إلا إذا كان لديه قابلية للانهيار. وهذه النملةُ التي تَمشي على مكتبي أفضل مني لأنها لا تَعْصي اللهَ.

 كلُّ وجوه النساء اللواتي مررنَ في حياتي هُنَّ وَجْهُ امرأةٍ غامض مَرَّ خلف زجاج أحد القطارات بينما كنتُ جالساً في المحطة. نساء يَسقطنَ في الوهمِ يرسمنَ صورةً مسبقة لقصة حب مخترَعة ثم يُسقطنَ الأحداث وفقها. إن رأيتَ عروساً زُفَّت إلى زوجها، فهذا لا يعني بالضرورة أنها تحبه. كانت أشعةُ الشمس متعامدة مع شواهد القبور. هذه الأرض التي ندمرها سوف تنتقم منا. ستصبح الذكرياتُ لعنةً تطردنا وتطاردنا. عِشنا معاً يا قططَ الشوارع، لكننا لم نعرف أننا أصفار على الشمال، مجرد أصفار لا وزن لها. نضحك، لكننا نضحك على أنفسنا، ونلعب بمصيرنا واثقين من الفشل. نحن أرقام.. مجرد أرقام خارج ميزانية الحضارات المنقرضة. نُلدَغ من نَفْس الجحر مئات المرات. تصبحُ الذاكرةُ امرأةً جسدُها مع زوجها، وقلبها مع رَجل آخَر. ذكرياتُنا مصابة بانفصام في الشخصية. نحن غرباء عن أنفسنا. اكتئابي كالبيات الشتوي للدببة القطبية، تخرج من بياتها فاقدةً ثلثَ وزنها، تبحث بكل جنون عن الفقمات. ننتقل من فشل إلى فشل. ومن فَرْطِ ما فشلنا، صار الفشلُ هو النجاح الوحيد، وصارت هزائمُنا الكثيرة هي الانتصار الوحيد.

 لا أقلق على مستقبلي لأنه ليس لي مستقبل. صرتُ مثلَ قائد الطيارة، إمَّا أن يوصلها بسلام أو يموت مع الركاب.. لا مجال للهرب. وعندما تَسقط الطائرة، ستذهب قصصُ الحب التي خاضتها المضيفاتُ إلى النسيان. تتلاشى الحكاياتُ في وقود الطائرة المحطَّمة مثل الذكريات المحطَّمة. وهذا الإنسانُ دمَّر الأرضَ، وسيذهب لكي يكتشف المريخَ. قضيتُ حياتي هارباً من نَفْسي. صرتُ أخاف الالتقاءَ بوجهي. أخاف من المرايا.. كسرتُها. أن تَطلب مني التخلي عن اكتئابي مثل أن تَطلب من الراقصة التخلي عن رقصتها. كان عليَّ أن أبتعد عن المرأة التي أعشقُها، لأحافظ على صورتي كأسطورة أو أيقونة.. زجاجٌ بعيد عن اللمس لئلا يُخدَش. لكني الآن أسطورة مَيْتة.. أيقونة محترقة.. مزهرية مكسورة.

 كُنَّا نحتقر السبايا، وكلُّنا سبايا. حياتنا أسواق نخاسة كاملة المعالم. حياتي رَجْعُ صدى غامض، وأُمنيتي أن أكتشفَ الصوتَ. كلُّنا أسرى ننتظر في طابور الحزن لاستلام حِصَّتنا من الموت. خضتُ حربَ استنزاف عاطفية، وعدتُ مهزوماً أجرُّ أذيال الخيبة. جيوشُ العارِ مهزومةٌ، وحضاراتُ الإبادةِ مكسورة. فكيف سأكونُ الوردةَ في وسط المقبرة أو قارورة العطر في مزبلة التاريخ ؟!. هل يمكن أن أغار على امرأة من زَوْجها ؟!.

 أطفالٌ يَحملون ألعابهم ويسيرون إلى الذبح. بشرٌ يأكلون بعضهم في المزارع المحروقة. مُسدَّساتُ ماء يشتريها الأطفال في العيد ثم يكسرونها. قُرى تُباد عن بكرة أبيها. والمتفرِّجون يزدادون ضحكاً. أنسحب من حياتي، ويأخذ مكاني الآخرون. أحترقُ بأوهامي، والآخرون يعيشون أحلامي. عشتُ مع العبيد والإماء منتظراً ضوء الفجر. كنتُ كاذباً، وكان الفجرُ صادقاً.

 إنني أحبُّ من أجل الذكريات لا الزواج. ولا داعي أن أنتحر لأني كل يومٍ أنتحر. أشعرُ أني عاجز جنسياً. مشاعري عاجزة. أنا جثة هامدة.. شبحُ إنسان منبوذٍ لا تاريخ له سوى النسيان. ولا أدري هل هذا وهم أم حقيقة. صرتُ مِثلَ لاعب التنس الأرضي الذي فقدَ التوقيت والإيقاع، فلا بد من الهزيمة. الإماءُ كثيرات لكنَّ النَّخاس قد تقاعد، والضبعُ سَقطت أسنانه، وأُغلق سوقُ النخاسة بالشمع الأحمر، وعاد المهرِّجون إلى بيوتهم بعد إغلاق السيرك.

 صرتُ رَجلاً آلياً سيتحول - عمَّا قليل - إلى خُردة ملقاة في مستودع مهجور. أستغربُ عندما أجد أحداً يحبني لأني شخصياً أكره نَفْسي. فيا قاتلي، إن سَحقتَ الترابَ بقدميكَ، فلا بد أن يَعْلوكَ يوماً ما.

 البوفيه مفتوح لكني فاقد الشهية. يتحول الرَّجلُ إلى آلةٍ، وتصير المرأةُ أثاثاً مستعمَلاً، وتنتهي الحضارةُ قبل أن تبدأ. إن أصعبَ شيء في الحب هو الوصول إلى نقطة اللاعودة. تغتصبُ المرأةُ مغتصِبَها. تصطاد الفريسةُ صَيَّادَها. يصبح ردُّ الفِعل هو الفعل، والضحيةُ هي الجاني.

 نعطي ظهورنا لبعضنا البعض، ونحدِّق في بكاء القمر، ودموعُنا تحفر الوسادة الأسمنتية. هذا سريرُنا الحجري، وتبقى نوافذُنا تطل على الخريف رغمَ تعاقب الفصول. البابُ المفتوح لا يمكن فتحُه، والإنسانُ المدمَّر لا يمكن تدميره. والراقصةُ مضطرة أن تتحمل قرفَ الزبائن. لا أحد يَسأل عن مشاعرها. إنها جسد بلا روح. هي آلةٌ مهتزة في العَدَم، متحركة في الفراغ. في ذلك الظلامِ الأرجواني، امرأةٌ تأخذ مالاً من زَوْجها لتشتريَ ثياباً تتزين بها لعشيقها.

 الدجاجةُ التي تأكلها في مطعم الوجبات السريعة لا تَعرف مشاعرَها ساعة ذَبْحها. كلما اصطدتُ سمكةً أَطلقتُها. لا أُريد امتلاكَ النساء. لا أُريد امرأةً أُمارس عليها سُلطاتي الذكورية. فلسفتي هي أن يظل العصفور خارج القفص.. أن تظل الزهرة في البستان دون أن يَقطفها أَحد. أنا حاضر دائماً في العُرس. عُرسي لا ينتهي، لكني لا أَصل إلى ليلة الدُّخلة. أحتاجُ إلى روحِ المرأة لا جسدها. أُمارسُ العشقَ لا الجنس، أو ربما أُمارس الكراهيةَ لا الحب. أعيشُ على هذا الحب المجنون القاتل كالطفيليات. صرتُ أخاف مِن نَفْسي. أخاف أن أنظر في المرآة. أخاف من الناس. أشعرُ أن ظِلِّي يتجسس عليَّ، يكشف أسراري للينابيع السامة. أخافُ من ظِلِّي. يُخيَّل إلي أنني اتخذتُ قراراً بالانتحار منذ طفولتي، لكني طيلة هذه المدة كنتُ أفكر في طريقة الانتحار، وأدركتُ أن حياتنا هي الانتحار بِعَيْنه.].

 وعند هذا الحد توقف رأفت عن الكتابة. ألقى القلمَ على سطح المكتب. وضعَ الأوراقَ في أحد الأدراج، وأَغلق عليها كأنه يُغلق أبوابَ عُمره، ويَدخل في صومعة البرق دون مانعة صواعق. أحسَّ براحة كبيرة. قد تكون مؤقَّتة وخادعة. لكنه أحس بها. ربما تكون مشاعره هدوءاً يَسْبق العاصفةَ. ورغم هذا شعر بهدوء عميق. مفاصلُه مرتخية، وعظامُه تزداد نعومة، ووجهه يَطرد غبارَ الذاكرة، وشَعره مبتل بالضوء الناعم كأنه خارج من الاستحمام للتو. لم يستحم بالماء، لكنه استحمَّ بدموع قلبه. خلعَ ملابسَه بالكامل، وغرسَ نَفْسه في السرير. اختبأ تحت اللحاف كأنه يَنتظر قدومَ مَن يُكَفِّنه، وراح في نومٍ عميق.

(16)

 كان فايز يسأل عن حارس المقبرة. لم يَرَه منذ مدة بعيدة. سأل عنه باعةَ الخضار في ساحة مسجد طارق بن زياد. اتفقوا جميعاً على عدم رؤيته، وتمنوا لو يُهاجر من هذا الجبل لأن قدومه كان نحساً عليهم.. هكذا قالوا. سأل عنه سائقي سيارات الأُجرة فأَخذوا يلعنونه، ويقولون إنه تسبَّب في مجيء الأشباح إلى الجبل، وإنهم يَرَوْنَ كوابيس في منامهم بسببه. أخذ فايز يناقشهم في خرافة الأشباح، وأنها مجرد أوهام. ولكنْ لا حياة لمن تنادي.

 مضى إلى المقبرة فلم يجد غير بسام ابن عمِّه، وهو مشغول في القراءة والكتابة. اقترب منه بهدوء لأنه لا يريد أن يَقطع حبلَ أفكاره. انتبه بسام إلى قدوم ابن عمِّه، فرحَّب به. جلسا بجانب بعضهما البعض. أسندا ظَهْرَيْهما إلى السُّور الذي تقشِّره أشعةُ الشمس كما تقشِّر السكينُ خدودَ البرتقال. لكن بسام ظلَّ ممسكاً القلم والأوراق، ويكتب بكل مثابرة.

 قال له فايز:

 - ماذا تكتب ؟.

 لم يَقطع بسام عملَه. ظلَّ غارقاً في أفكاره، وقال وهو مطأطئ الرأس:

 - أحلُّ مسائل في الرياضيات لطالبة في مدرسة راهبات الوردية.

 ذُهل فايز من هذه الإجابة غير المتوقَّعة، وقال واللهفةُ تتلاعبُ به:

 - وكيف تعرَّفتَ إليها ؟.

 - أنا لا أعرفها، ولكنها ترمي الأوراق في المقبرة، وعندما آتي إلى هنا أجمعُ الأوراق المبعثرة وأُرتِّبها، وأحلُّها، ثم أُلصقها على السور الخارجي. وبصراحة، صرتُ أحب هذه اللعبة.. تذكِّرني بلعبة القط والفأر.

 ابتسم فايز ساخراً، وقال:

 - لعبةُ الرياضيات أم لعبة الحب ؟.. ما زلتَ صغيراً على الرومانسية يا وَلد !.

 ضحك بسام بشكل هستيري كشخص لم يضحك منذ قرون، وقال:

 - حرام عليك !. هذه الطالبة في المرحلة الثانوية.. يعني في عُمر جَدَّتي !.

 وما إن أنهى كلامَه حتى تفجَّر الدمعُ في عيون فايز. التفتَ إلى قبر جَدَّته قائلاً:

 - الله يَرحمها.. كان أظفرُها بألف رَجل.

 وأردف يقول:

 - أصعب شيء في الحياة أن يموت الأشخاصُ الذين نحبهم قبل أن نخبرهم بأننا نحبهم.

 أحسَّ بسام أن كلماته فَتحت بابَ الآلام، فاعتذر من فايز، وقال له إنه لم يَقصد أن يُعيد الأوجاع.

 فركَ فايز عينيه، وأراد تغيير الموضوع بسرعة، فقال:

 - أنا أصلاً جِئتُ لكي أسأل عن حارس المقبرة.. هل رأيتَه ؟.

 ضحكَ بسام، وقال بصوتٍ متذبذب بين المرح والمأساة:

 - الحارسُ صار رَجل أعمال.. لقد افتتح مَكَب نفاياتٍ خاصاً به !.

 تأفَّف فايز، وبَدت على وجهه علاماتُ السخط، وقال:

 - لا أُحب المزاحَ في هذه المواضيع.. أَجِبْ على قَدْر السؤال أو اخرسْ.

 انتشرت التضاريسُ الخشنةُ على جبين بسام، وقال بحدَّة:

 - أنا لا أمزح. لقد صار يُجمِّع النفاياتِ قرب الكسَّارة التي يَعمل فيها أبي، ويقوم بالتفتيش فيها عن كل شيء له قيمة..وإذا لم تُصدِّقني اذهب وشاهِد بنفسكَ.

 سَقطت أجفانُ فايز على حشائش المقبرة، وقال بصوتٍ جارح:

 - قُم.. سنذهب معاً. رِجْلي على رِجْلكَ.

 سارا في لهيب العواصف. خطواتُهما وهجُ الظلال النازف. الصمتُ يقودهما نحو فوهة الشموع الخرساء. كانت النسورُ تطير في رئة الشمس فوق مَكَب النفايات. أجنحتها اللامعةُ تغطِّي الأفقَ الملتهب. والضجيجُ يملأ المكانَ. الجميعُ في حركة مستمرة.

 كان حارسُ المقبرة يَجلس على كرسي هزَّاز قرب أكوام النفايات، ويُلقي الأوامرَ على الأطفال الغاطسين بين القمامة، ويُوجِّههم نحو الجهات المختلفة. إنهم في حركة دؤوبة لا تحتمل الكسلَ أو الهدوء.

 وما إن رأى فايز وبسام قادمَيْن حتى قفز في الهواء كلاعب السيرك، وأسرع إليهما مُرَحِّباً. وقد استغربا كيف صار هذا العجوز الذابل رياضياً رشيقاً.

 قال الحارسُ:

 - أهلاً وسهلاً بالعُضْوَيْن في مجلس الثورة.

 نظر فايز حَوْله، وهو غير مصدِّق ما يَحدث، وقال باستغراب شديد:

 - ماذا تفعل في هذا المكان القذر ؟!.

 ابتسم الحارسُ قائلاً:

 - هذه قصة طويلة.. تعالا إلى مكتبي المتواضع لنشرب الشاي، ونتحدث في الموضوع.

 كان مكتبُه عبارة عن طاولة صغيرة عليها أوراق وأقلام وآلة حاسبة، ويحيط بها عِدَّة كراسي قديمة.

 نادى الحارسُ على أحد الأطفال:

 - يا وَلد.. أحضِر لنا إبريق شاي مع ثلاث كاسات.

 وانطلق صوتٌ ذابل من بين أكوام القمامة:

 - أمرك يا معلِّم !.

 وبعد وقتٍ قصير جاء طفلٌ صغير يَحمل إبريقَ الشاي مع الكاسات. وضع الحارسُ الكاساتِ على الطاولة. صَبَّ الشاي فيها، وقال للطفل:

 - مع السلامة.. اذهبْ في ستين داهية !.

 ابتسمَ الطفلُ رغمَ أن الدموعَ السحرية في عينيه كانت تتوهج، وقال:

 - أمرك يا معلِّم !.

 قال فايز:

 - لماذا تعامله بهذا الأسلوب ؟!.

 صمتَ الحارسُ، وحدَّق باتجاه أجنحة النسور في أعالي الحزن، ثم قال:

 - هؤلاء الأطفال يجب أن تريهم العين الحمراء. يجب أن يظلوا مسحوقين تحت الأقدام لكي يَعملوا على مدار الساعة.. لا وقت عندي للحنان ولا الرومانسية.

 تضايق فايز، وذابَ قلبُه في البخار المنبعث من الشاي، وقال:

 - حرام عليك.. هؤلاء أطفال في عُمر أحفادك.

 تجهَّم وجهُ الحارسِ. طأطأ رأسَه كأنه يَنتشل الذكرياتِ السحيقة من بئر الأيام، ثم قال والألَمُ يتفشى في حروفه:

 - أحفادي !. أين هُم أحفادي ؟.. أولادي الذين أنجبتُهم ورَبَّيْتهم ودفعتُ دَمَ قلبي من أجل تعليمهم رموني في ملجأ العَجزة والمسنِّين..وأنتَ تقول لي: أحفادك؟!.

 وأردف قائلاً:

 - اشربا الشاي.. لا فائدة من الأولاد ولا الأحفاد !.

 أراد فايز وبسام التهرب من شرب الشاي الذي بدا لونُه غريباً بعض الشيء، كما أنهما أُصيبا بالقرف من منظر القمامة. ووجودُ الشاي في هذا المكان يبعث فيهما الغثيان. أمَّا الحارسُ فكان يَشرب الشاي غير عابئ بكل ما يَجري حَوْله.

 قرَّر فايز تغيير الموضوع، وإنهاء اللقاء بسرعة، فقال:

 - باختصار شديد.. ماذا تفعل هنا بالضبط ؟.

 - بدون مقدِّمات. نحن نَجمع الزبالة في هذا المكان، والأطفالُ يقومون بفصل المواد البلاستيكية وعلب المشروبات الغازية، وفرزِ كل شيء له قيمة من أجل بَيْعه.

فالأطفالُ عيونهم ستة على ستة. يعني نظرهم حاد، ويمكنهم تمييز المواد وفصلها.

 قال بسام بكل براءة:

 - وما ذَنْب هؤلاء الأطفال الفقراء ؟.. لا بد أن يُصابوا بالأمراض والجراثيم.

 - أنا لا أضرب أحداً على يده ليعمل معي. بلا مؤاخذة، كل وَلد يأخذ أُجرته

نهاية اليوم، ولا آكل حقَّ أحد. والذي يَمرض أو يَموت مع ألف سلامة.. لَدَيْنا ألف وَلد مكانه.

 كيف صار حارسُ المقبرة قاسياً إلى هذا الحد ؟!. مشاعرُه أضحت في زاوية الربح والخسارة. لقد تغيَّر كثيراً منذ ابتعاده عن المقبرة. وربما غيَّر هاجسُ المال أحاسيسه، وبدَّل قناعاتِه. هذه الأفكار كانت تَطوف في ذِهن فايز وبسام مع اختلاف زاوية الرؤية. وقد فكَّر فايز أن يَطرد الحارسَ من مجلس قيادة الثورة، ويمنعه من حضور أي اجتماع للقيادة، لكنه تخلى عن هذه الفكرة قائلاً في نَفْسه:

 - الدمُ لا يَصير ماءً، وسيظل الحارسُ مِنَّا وفِينا رغم كل شيء.

 افترَقوا. ذهب كلُّ واحد في طريقه. كل شخص مؤمن بقناعاته. الشموسُ طَوَتْها ثيابُ الحِداد، وما زال البشرُ يَمشون. يَركضون في أنفاق العُمر. قد يُولَد ضوءٌ في النهاية، وقد لا يُولَد. تظل الاحتمالاتُ هي الدستور الشفهي لهذه الوجوه المعجونة بعَتمة الأزقة، والمختفية وراء ظلال النوافذ المكسورة.

 عاد بسام إلى بَيْته، والخواطرُ تتلاعب به. دَخل المطبخَ الصغير. جهَّز ثلاث سندويشات، وأخرج من الثلاجة علبة مشروبات غازية. إنه يتجهز للسَّفر. أينَ سيُسافِر ؟. إنه يسافر عبر الزمان.. يطوي الأمكنة، ويَقفز من نَفْسه ليتزوج بناتِ أفكاره. قرَّر الذهابَ إلى عالَمه الخاص.. إنه قَبْو مَنْزله.

 وهذا القبو لا بابَ له. والدخولُ إليه يتم من خلال فجوة في الجدار. وقد اتخذ بسام القبو صومعةً له، ومختبراً عِلمياً لإجراء أبحاثه التي تحتاج إلى أدوات ومعدات.

 إن بسام قد قسَّم عُمره إلى قِسْمَيْن: الرياضيات والعلوم. وقد اتخذ من المقبرة مقراً لإجراء الحسابات الرياضية، والتبحر في نظريات الرياضيات. أمَّا القبو فصار مختبَراً للعلوم، لأن فيه أدوات عديدة لا يمكن نقلُها إلى المقبرة. ولا نبالغ إذا قُلنا إن حياته هي المسافة بين القبو والمقبرة، أو بين المقبرة والقبو. وهو يقضي ساعاتٍ طويلة في القبو في إجراء الأبحاث، ولا يُرافقه غير الصراصير، وأحياناً الفئران.

 لم يَستطع بسام التحرر من أفكار حارس المقبرة حول مكب النفايات. كان مُعجَباً بفكرة فرز النفايات، وفصلِ المواد. لماذا لا تتم الاستفادة من النفايات ؟. إنها كنز ثمين يُنظَر إليه على أنه شيء تافه. السرُّ في الإدارة لا الموارد. وأحياناً يكون البروازُ أجمل من الصورة. قد يَكتب الشاعرُ قصيدةً جميلة عن شيء قبيح، والعكس صحيح. إذن، لا بد من إمساك الخيط، والسيطرة على العناصر المحيطة. فالمسيطر هو القوي.

 أدرك بسام هذه المعاني، وأدرك كذلك أنه أمام اختبار صعب سوف يُحدِّد مصيرَه العِلمي إلى الأبد. أخرجَ من جَيْبه علبة كبريت، وتناول عودَ ثقاب، وأشعلَ فتيلةَ المصباح الذي كان مصدر الإضاءة الوحيد في القبو. وراح يُسجِّل بعض الملاحظات السريعة على دفتره بشكل مُرقَّم:

 1- يجب حماية الأطفال من الأمراض والجراثيم، وتزويدهم بقفازات، وملابس خاصة للحفاظ على صحتهم.

 2- ضرورة تصميم جهاز آلي لفصل المواد البلاستيكية، وعلبِ المشروبات الغازية، ويكون التجميع في حاويات خاصة.

 3- إيجاد آلية لجمع النفايات دون التسبب في تلويث البيئة.

 4- الاستفادة من الغازات المنبعثة من النفايات.

 صار هذا المشروع هو الشغل الشاغل لبسام. إنه مشروع تخرُّجه من جامعة الذكريات. فإذا نجح فيه فسوف يَخرج من تحت الأرض، ويصبح نقطةً مضيئة في التاريخ. سوفَ ينتشل تاريخَه الشخصي من بئر الإبادة. وإذا فشل سيظل عائشاً تحت الأرض مثل الجرذان، ويَذهب إلى النسيان مثل الملايين الذين يُولَدون ويموتون دون أن يَتركوا بصمةً في حياتهم.

 وفي هذا القبو، إمَّا أن تَنطلق شرارةُ المعنى، أو يَحترق هذا الولدُ إلى الأبد مثل فراشةٍ ماتت قبل أن تُولَد. لا بد من المغامرة وليس المقامرة. لا يوجد عنده ما يَخسره. سَيَلعب الجوكر، ويَرمي بكامل ثقله في جسد الأحزان الأخضر ليُفجِّره..

مرة واحدة، وللأبد.

(17)

 الشمسُ تشرق من جديد على جبل النظيف. تخرج الشموسُ من قضبان هذا السجن الكبير. حياةُ الناس في هذا الحصارِ البنفسجي سيناريو متكرر.. أسطوانة مشروخة. لا جديد في مشاعر الموتى، ولا جديد في مشاعر الأحياء. يمشي قطارُ الملل إلى محطة القلوب المكسورة، والقلوبُ تمشي إلى الأجساد المحترقة بالأحلام المخنوقة. يستمر مسلسل الوأد. وُلدوا كي يَموتوا. والتاريخُ يَكتبه المنتصرون الذين لم يَمروا من هنا.

 علا الضجيجُ والتصفيقُ قرب مدرسة عاتكة بنت زيد. باعةُ الخضار جاؤوا يَركضون فَوْر سماعهم للخبر. أصحابُ المحال التجارية أَغلقوها، وأتوا مسرِعين ليتأكدوا من صحة الخبر. النساءُ تركنَ أولادهن في البيوت، وجِئْنَ ليتفرجوا على هذا الحدَث. وكلُّ عجوز جالسة على عتبة منزلها جاءت حاملة عكَّازها لترى هذا المشهد الفريد. أوقف السائقون سياراتهم وهَجموا على المكان. هل قامت الحرب؟. ماذا يَحصل بالضبط ؟. هل هي إشاعة أم حقيقة ؟. لقد انتشر الخبرُ انتشار النار في الهشيم. هل صحيح أن هناك امرأة ترتدي تنورة قصيرة جاءت إلى هذا الجبل ؟.

 لقد عَرف الناسُ الجوابَ، ولم يَعودوا بحاجة إلى إلقاء الأسئلة. وها هُم يُشاهدون المنظر بأُم أعينهم. شابةٌ مفعمة بالحيوية ترتدي تنورةً فوق الرُّكبة، وأشعةُ الشمسِ ترسم خطوطاً على مكياجها البراق. وشَعرها يتطاير في جهات اللهيب.

حذاؤها ذو الكعب العالي يَلمع، ويَحرق عيونَ الناس.

 كلُّ أفراد الشعب تجمَّعوا. الباعةُ المتجولون وباعةُ الخضار يتناقشون في هذا الحدَث التاريخي، ومدى تأثيره في حياة السكان. النساءُ أُصبنَ بالقلق من تأثير هذه المرأة على رِجالهن، وقد تُساهِم في زيادة عدد العوانس بين بناتِ الجبل. أحسَّ السائقون أن هذه المرأة تشكِّل خطراً على الأمن القومي في جبل النظيف. صارت جوارحُ الناسِ صفاراتِ إنذار.

 لأول مرةٍ في حياتهم يَرونَ امرأةً على أرض الواقع ترتدي تنورةً فوق الرُّكبة. وحتى الذين يُشاهِدون الأفلامَ الإباحية لم يَقدروا على تحمُّل هذه الصاعقة. فهذا الجبلُ بيئة محافِظة، وكلُّ الأسرار تَجري خلف الأبواب الموصدة، والنوافذِ المغلَقة بإحكام.

 لم تكن المرأةُ وحيدةً، فقد كان معها مجموعة شباب. أحدُهم يَحمل كاميرا. والواضحُ أنه يَعمل مُصوِّراً. إذن، هذا طاقم عَمل جاء من أجل مهمة ما، ولم يجيء من أجل السياحة.

 صَرخ الناسُ:

 - افتحوا الطريقَ للمختار.. افتحوا الطريقَ.

 هدأ الناسُ مع قدوم المختار. والضجيجُ تحوَّل إلى همس. والجميعُ كانوا على أُهبة الاستعداد كأنهم يَنتظرون قراراً مصيرياً. أحاسيسُهم مشوَّشة، لكنهم لا يَملكون غير الانتظار.

 تقدَّم المختارُ بخطى واثقة، وقال:

 - تفضَّلي يا ابنتي.. كيف يمكن أن أخدمك ؟.

 تعمَّد المختارُ أن يختار لفظة " ابنتي " ليُضفيَ جواً عائلياً على المشهد الذي بدا قطعةً من الجنون والفوضى.

 ابتسمت " ابنته " في هذا المحيط الملتهب، وقالت:

 - بصراحة يا عَمُّو، أنا كاتبة، وأريد إجراء تحقيق صحفي عن جبل النظيف لنشره في الجريدة.

 كانت زليخة الأرملة تراقب المشهدَ عن كثب، وتستمع إلى الحوار. قالت لإحدى النساء بصوت هامس:

 - نعوذ بالله. نحن والشرطة سمن على عسل، ولا داعي للتحقيق.

 ابتسمت المرأةُ باستهزاء، وقالت:

 - فعلاً إنك جاهلة.. هذا تحقيق صحفي في الجريدة، وليس تحقيق شرطة.

 قفز محمود بائع الخضار من بين الحشود، وقال بنبرة كسيرة:

 - أبوس يَدكِ !، اعملي معي مقابلة. لا أَحمل شهادةً لكني مثقَّف، وأحب أن تطلع صورتي في الجريدة.

 ولَمَّا سمع المختارُ هذا الكلام، قال لمرافقيه:

 - أبعِدوا هذا الأجرب من هنا.. بائعُ خضار ويريد أن يصبح مشهوراً !. يا عيني على هذه المهزلة.

 وهجم المرافِقون عليه. أوسعوه ضرباً أمام الناس، وقال له أحدهم:

 - يا ابن الكلب !، تريد أن تنافس المختارَ على الشهرة. يا غبي !، العينُ لا تَعلو على الحاجب. رائحتك مقرفة وتحبُّ أن تظهر صورتك في الجريدة يا وسخ ؟!. اذهب واستحم قبل ذلك.. انظر في المرآة لكي تَعرف قيمتك يا أجرب.

 ورَموه على أحد الأرصفة القريبة كقطعة القماش القذرة. كانت الصيحاتُ تَخرج من أضلاعه المعجونة بالألم. وجسمُه يُهرول في مدارات الوباء. انسحب محمود من المكان كاللص الذي يتسلل من أحلامه. شعر بإهانة بالغة، فقد مُسحت بكرامته الأرضُ. ليس هذا فَحَسْب، بل جرى ذلك أمام عيون الناس الذين كانوا يَتفرجون ضاحكين. وطبعاً سوفَ يُعيِّرونه بهذه الحادثة طيلة حياته. إنها نقطة سوداء في تاريخه الشخصي، ووصمة عارٍ في أرشيف احتضاراته.

 كان يجرُّ نَفْسه جرَّاً. وصلَ إلى بيته وهو في حالة مُزرِية يُرثَى لها. وبالكاد استطاع أن يَدق البابَ. خَرجت زوجته. رأتْه في هذا الموقف الحرج لكنها لم تتفاجأ، ولم تهتز مشاعرها. ظَهرت علاماتُ الشماتة على وجهها.

 قال زَوْجها مستغيثاً كالغريق:

 - أرجوكِ يا عواطف.. ساعِديني على الدخول.

 تجهَّم وجهها، وقالت ساخرةً:

 - ساعِد نَفْسكَ، أو اطلب مساعدة ست الحُسن والجمال التي كنتَ تريد أن تَبوس يَدَها.

 ومضت إلى داخل البيت، وتَركت زوجَها ملقى على الأرض كالمحتضر على فِراش الموت وحيداً.

 كلُّ شيء ينتشر في هذا الجبل بسرعة. ولا أحد يَعرف مصدر الأخبار. فهذه المرأة عَرفت القصةَ كاملةً كأن هناك بثاً حياً ومباشراً. ولا أدري كيف وَصلت إليها الأخبار. المهم أنه لا شيء يمكن إخفاؤه في هذه البُقعة. وهذه الحقيقة أدركها محمود الذي كان معلَّقاً بين الألم والألم.

 وبصعوبة بالغة استطاع الدخول إلى بيته. إنه محاصَر في بئر النهايات، وينادي بأعلى صوته لعل أحدهم يُلقي إليه الحبل. إنه يَغرق في بحر التلاشي، ويَرمي بصره نحو الشاطئ منتظراً طوق نجاة يأتي من أية جهة.

 نادى على زوجته بصوت ذابل:

 - يا عواطف.. عواطف. أبوس رِجْلكِ، تعالي أنقذيني.

 رَقَّ قلبُها عندما سَمعت هذا الكلام، وأسرعت إليه كي تنقذه.

 أَحضرتْ كرسياً.. أَجلسته عليه. ثم أَحضرت ضماداتٍ مبلولة بالماء، وأَخذت تمسح جروحَه، وهي تقرِّعه:

 - تريد أن تبوس يَدَها !. يا عيب عليك. لماذا لا تبوس يدي وأنا قضيتُ حياتي خادمة لك ؟!. مرمية في المطبخ مثل الكلبة، أنتظر منك كلمة حلوة، وأنتَ مثل الحائط. يخرب بيتك !.. تحب التنانير القصيرة، وتَركض وراء الكعب العالي. ماذا يَنقصني أنا ؟!. اشكرْ ربَّك أني رضيتُ بكَ.

 لم ينبس محمود بكلمة. اكتفى بإطلاق الآهات. وصار التأوُّه هو الشِّعار الرسمي لحياته.

 نَزل طاقمُ العمل في بيت المختار بعد أن حَلفَ بالطلاق إلا أن يَنزلوا في بيته. لسانُه معتادٌ على الحلف. وهو لا يَعرف قيمةَ الحلف، ولا قيمة الزواج. وربما طلَّق زوجته ألف مرة في حياته، وما زال يعيش معها كأن شيئاً لم يكن !. وقد أرشده الشيخ عبدالرحيم عمران إلى خطورة الأيمان التي يُطلِقها على الطالعة والنازلة، على الكبيرة والصغيرة، ولكنْ لا حياة لمن تنادي.

 قال المختارُ لطاقم العمل:

 - سآخذكم في جَوْلة في جبل النظيف. ولكنْ بعد أن نقدِّم لكم واجب الضيافة.

 تتدفقُ الأحلامُ في المرايا المشروخة. وهذا الجبلُ المنسي يصبح في فوهة الذاكرة. سيكون الكبتُ تاريخَ مَن لا تاريخ له. وتتحول الأسرارُ العميقة إلى فراشاتٍ من دموعٍ ورصاص. وهذه المرأةُ التي اقتحمتْ هذا الجبلَ أَلقت صخرةً في بركة الماء الراكدة. وفجأة، صار الجميعُ مثقَّفين، عالقين في بئر الانتظار. الجميعُ يتحدث عن دور وسائل الإعلام. والذي لم يشترِ جريدةً منذ مئة سنة، وَضع ميزانيةً خاصة لشراء جميع الجرائد. إنها الهجرةُ نحو المجد والشهرة.. القوافلُ تَسير إلى مناجم الذهب. إنها حُمَّى البحث عن الكنوز. وهذا الهوسُ أوتادُ خيمةِ النسيان. يُهاجر صيادو المكافآت تاركين دموعَ زوجاتهم، وجثثَ أبنائهم تَغلي في القُدور. والهلوسةُ اللازوردية تبني أقواسَ النصر على الراية البيضاء، ومزهرياتِ الخسارة.

 كلُّ واحدٍ يَبحث عن مصلحته. السفنُ تتخلص من الحمولة الزائدة لكي تخترق العمودَ الفقري للبحر. والمنطادُ يَرمي الأثقالَ لكي يَخترق طبقاتِ الجو. لم يَنظر السكانُ في مرايا الحلم. اكتفَوا بالغبار الذي يُغطِّي وجوهَهم المرهَقة. وهذا الغبارُ هو مرآةُ الأجسادِ الذابلةِ. والآن، يستعد الجميعُ للمعركة القادمة.. الصراع على السراب الأُرجواني.

 بدأت الجولةُ غير السياحية في جبل النظيف. وقد أُعلن النفير العام، والناسُ أعلنوا حالةَ الطوارئ من تلقاء أنفسهم. أصحابُ المحلات التجارية بدأوا يَمسحون الواجهاتِ الزجاجية، ويُزيلون الغبارَ عن البضائع، ويَغسلون الأرضَ بالماء والصابون. وعُمَّالُ النظافةِ يُمشِّطون الأزقةَ حُلماً حُلماً ويَصطادون أكياسَ القمامة. والأمهاتُ يُلْبِسنَ أبناءهن ملابسَ العيد. وبعضُ السكانِ أَعلنوا اليوم عُطلةً رسمية. وكلُّ واحدٍ يُهيِّئ نَفْسَه من أجل الظهور في الجريدة، ويَرفع شعار " هذه الفرصة يجب استغلالها ". والجميعُ مقتنعون بأنهم يستحقون الشهرة والبريق الإعلامي، ولا يوجد أَحد أفضل من أَحد.

 قاد المختارُ هذه الحملةَ الاستكشافية. بدأ من بيوت الشركس القديمة المزروعة على تلةٍ تطل على وسط البلد. وضَّح لفريق العمل خَطَّ سَيْر سرفيس جبل النظيف. فهذه المرْكباتُ العمومية تنطلق من قاع المدينة، وتمر في شارع المصدار، ثم تقتحم جبل النظيف. ((وَمَن لا يُحِب صعودَ الجبالِ يَعِشْ أبدَ الدهرِ بين الْحُفر)). ألقى المختارُ هذا البيتَ ليبدوَ أمام فريق العمل مثقفاً، وواسعَ الاطلاع. ثم قادهم إلى مسجد الشركس وأعطى نبذةً قصيرة عنه. ومضى بهم نحو مدرسة عاتكة بنت زيد، ثم عَرَّفهم على مركز رعاية اليتيم. وأوقفهم بجانب المخبز القريب، حيث اشترى لهم خُبزاً ساخناً، وقال ضاحكاً:

 - كلوا من هذا الخبز ليصبح بيننا " عيش وملح ".

 ومضوا عبر الأزقة، وانتهى بهم المطاف إلى مضارب الغجر (النَّور)، حيث تم استقبالهم بالدفوف والأغاني. ومع أنهم لم يَفهموا شيئاً من كلمات الأغاني إلا أن الجو كان ودياً للغاية، والناسُ يُصفِّقون، ولا يَعرفون - على وجه الدقة - لماذا يُصفِّقون.

 وَصلوا إلى مسجد طارق بن زياد. وقال لهم المختار:

 - اعذروني ليس لديَّ معلومات كثيرة عن طارق بن زياد، لأني كنتُ ضعيفاً في مادة التاريخ أيام المدرسة.. لكنه قائد مسلم كبير فتحَ أمريكا !.

 وهنا تدخَّلت الكاتبة الصحفية:

 - عفواً يا عَمُّو.. فتحَ إسبانيا، يَعني الأندلس، وليس أمريكا.

 ابتسمَ المختارُ ببلاهة، وقال بصوت خجول:

 - لا تؤاخذيني.. كبرنا في السن، والذاكرة ضَعفت.. اكتبي في الجريدة عن طارق بن زياد مثلما عَلَّموك في الجامعة !.

 وأردف قائلاً:

 - وعلى أية حال، إسبانيا وأمريكا كلها بلاد أجانب.

 ثم أشار المختارُ بأصبعه السبابة إلى البُقعة المقابلة للمسجد، وقال:

 - وهذه هي المقبرة. أسوارُها أثرية، وترابها يضم أشهر الشخصيات.

 وعندما سمعت الكاتبةُ الصحفية جُملة " أشهر الشخصيات " تشوَّقت لمعرفة هؤلاء الموتى، فقالت:

 - هل يُمكن أن تذكر لنا بعض الأسماء الشهيرة ؟.

 صَمت المختارُ لوقتٍ قصير، وراح يُفتِّش في ذاكرته عن أهم الأسماء، وقال:

 - سَجِّلي في دفترك. الحاجَّة سارة محمد عبد اللطيف زعيمة الحركة النسائية في الجبل. كانت تحل المشاكل بين الناس، ومَنَعت حالات طلاق كثيرة، وولَّدت نصف نساء الجبل مجاناً - الله يَرحمها ويَجعل مأواها الجنة -. والمحامون يَعتبرونها مرجعاً في القانون العشائري.

 ارتسمتْ علاماتُ الشوقِ على وجه المرأة، وسيطر الفضولُ عليها، وقالت بلهفة حارقة:

 - هل لديها مؤلفات ؟.. هل شاركتْ في مؤتمرات محلية أو دولية ؟.

 ارتبكَ المختارُ، وبدأ يَسعل بشكل متعمَّد، وقال بنبرة مهزوزة:

 - بصراحة، لم تؤلف كتباً لأنها كانت أُمِّية لا تقرأ ولا تَكتب. ولم تشارك في مؤتمرات لأنها كانت مشغولة بالطبخ، ورعاية زوجها وأبنائها، وتوليد النساء. حتى إنها لم تستخرج جواز سَفر إلا مرة واحدة في حياتها، عندما قَرَّرت الذهابَ إلى الحج.

 وأردف المختارُ قائلاً:

 - اكتبي أيضاً.. كانت المرحومة قائدة الكفاح المسلَّح. وقد وجَّه لها هتلر رسالة شُكر لأنها قاومت الإنجليز، ووجَّه لها تشرشل رسالة شُكر بسبب مقاومة الألمان.

 كان الذهولُ يَقضم شظايا مكياجها. لم تستوعب هذا الكلام، فقالت وطيورُ الاستغراب تخمشُ خدودَها:

 - لم أَفهم !.. هل كانت المرحومة عميلة مزدوَجة ؟!.

 انتفض المختارُ، وقال بحدَّة:

 - أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. هذا الجبلُ لا يوجد فيه عملاء. المهم، اكتبي في الجريدة إنها قادت الكفاح المسلح، واختاري الحربَ المناسِبة !.

 وتابعَ المختارُ:

 - ولا يمكن نسيان " عصام أبو الرُّكب " أكبر تاجر بطيخ في تاريخ جبل النظيف.

 ارتفع منسوبُ الذهول في جبهتها، وقالت والدهشةُ تفترس أعضاءها:

 - بطيخ !.

 ظَهرت الثقةُ على ملامح المختار، وتحصَّن بهدوء أعصابه، وقال:

 - لا تستغربي يا ابنتي. كان رَجل أعمال يساعد الفقراء والأرامل، ويُوزِّع البطيخ على المنازل طيلة شهر رمضان المبارك مجاناً - الله يُحسن إليه -. وحتى بعد رسوبه في انتخابات مجلس النواب ظَلَّ يساعد الفقراء.

 توقَّف المختارُ عند هذا الحد، وحاول أن يَتذكر أسماء أخرى، لكن الكاتبة قَطعت حبل أفكاره قائلةً:

 - سنكتفي بهذَيْن الاسمين.

 ثم قالت:

 - هل بقي هناك معالم في الجبل لم نزرها ؟.

 - لَدَيْنا جمعية المركز الإسلامي، وهي تقع بجانب مسجد طارق. ولَدَيْنا مدرسة جبل النظيف الأساسية التي خَرَّجت الكثيرَ من الطلاب الذين صاروا مثل توتن وسينا.

 أَطلقت الكاتبةُ ضحكةً مجلجلة لم تَقدر على منعها. وبعد فاصل طويل من الضحك، قالت:

 - تقصد نيوتن وابن سينا.

 ابتسم المختارُ، وقال:

 - لا تؤاخذيني. العُمر له أحكام. والبركةُ فيكِ.. أنتِ أعلم مني بهؤلاء الأجانب !.

 لم يعد المختارُ قادراً على المشي. رِجْلاه لا تَحملانه. مفاصلُه تتفكك، وفقراتُ عموده الفقري تنهار تدريجياً. وهذه الجولةُ أَتعبته، وفاقمتْ آلامَ عظامه. وقد طَلب من فريق العمل أن يَأخذوا قِسطاً من الراحة، ويُكمِلوا هذه الجولة فيما بعد.

 لاقت الفكرةُ استحسان الجميع. لا بد من استراحة المحارِب في هذه المعركة التي لا تريد أن تنتهيَ. وفي فترة الاستراحة أَحضر مرافقو المختار مشروباتٍ غازية. وزَّعوها على طاقم العمل. وجلسوا في مكان ظليل يُخطِّطون للمرحلة المقبلة.

 استراحوا قرابة نصف ساعة. كان الوقتُ حُلماً من لحم ودم. استعار المحارِبون أسلحتهم من حنجرة الطوفان. والشوارعُ المغلَّفة بأكفان الزيتون رَحلت باتجاه عيونهم. وهُم سَيَرْحلون إلى هوية النزيف في شقوق الحيطان.

 قالت الكاتبة الصحفية للمختار:

 - بعد إِذنك يا عَمُّو، نريد عمل لقاءات مع السكان، وأخذ آرائهم.

 رفع المختارُ رأسَه عالياً، وقال:

 - اعملي معي لقاء قبل الجميع. أنا المختار، وكلمتي مسموعة، ولا أحد يَكسرها.

 - يا عَمُّو، أنتَ شخصية مميَّزة. سأضع اسمك أولاً، ولكن نريد لقاء الناس العاديين.

 ضحك المختارُ، وقال لمرافقيه:

 - سمعتُم هذا الكلام ؟. أنا شخصية مميَّزة، لكنكم لا تَعرفون قيمتي.

 ولم يَكد يُنهي كلامَه حتى تفاجأ الجميعُ بشخص يقفز من داخل المقبرة على السور، ثم يَهبط على الشارع مثل منطاد معطوب. عَمَّ الارتباك في الأجواء، واختلط الحابل بالنابل، وعلا الضجيج. إنها مفاجأة من العيار الثقيل. مَن هذا الشخص ؟!. هل ينتمي إلى عالَم الأحياء أو الموتى ؟!. نظر إليه فريقُ العمل كما يَنظرون إلى كائن أسطوري لا يُرى إلا في أفلام الخيال العلمي.

 وَقفت الكاتبةُ أمامه مشدوهةً، كأنها تريد اكتشافه.. أن تَلمسه لتتأكد أنها في الواقع ولا تعيش حُلماً أو كابوساً. ارتبك المختارُ أول الأمر، ثم حاولَ أن يُلطِّف الجو، ويُزيل الدهشة التي ضَربت جذورَها في مناخ الرعب، فقال مبتسماً:

 - لا تستغربوا.. هذا فايز، من خِيرة شباب الجبل. عِلْمٌ وأخلاق وأدب. وهو حفيد الحاجة سارة التي أخبرتُكم عنها.

 ولم يَعرف المختارُ في البداية كيف يبرِّر وجودَ فايز في المقبرة أمام فريق العمل، ثم وَجد حِيلةً، فقال واثقاً:

 - إنه يُنظِّف المقبرةَ من الأعشاب الضارة، ويُحافظ على جمالها. ففي هذا اليوم لَدَيْنا حملة نظافة تطوعية.

 فَرحت الكاتبةُ عندما سَمعت هذا الكلام، وانطلت عليها الحِيلة، وقالت بكل بساطة:

 - رائع !، إنكم تدمجون الشبابَ في العمل الخيري التطوعي، وهذا مؤشر على التقدم والازدهار.

 عَلت البسمةُ وجهَ المختار، وتهللت أساريره، وقال:

 - إن شاء الله، سوفَ نظل في حالة تقدم وازدهار.

 تحمَّست الكاتبة لإجراء لقاء مع فايز الذي نَظرتْ إليه باعتباره شاباً منتمياً إلى مجتمعه، ويَعمل من أجل خدمته دون مقابل مادي. وسوفَ يكون العملُ التطوعي موضوعاً جذاباً في هذا التحقيق الصحفي.

 قالت الكاتبةُ، وخدودُها الوردية تزداد تفتحاً:

 - أستاذ فايز، اسمحْ لي أن أسألك حول دورك في العمل التطوعي لخدمة البيئة المحلية ؟.

 لأول مرة في حياته يَسمع أحداً يناديه " أستاذ ". رَمى هذا اللقب وراء ظَهره، ونَظر إلى هذه المرأة باستخفاف واحتقار، وقال:

 - انظري إلى ملابسك الفاضحة.. أنتِ فاسقة !.

 ألقى هذه اللغمَ في وجوه الجميع، وانطلق بكل هدوء. انسلَّ من المكان كما تنسل الشعرة من العجين.

 سيطر جيشُ الوجوم على مساحات الوجوه، ووَقعت قلاعُ الحلم في قبضة الريح. تساقطت الرموشُ على الأرصفة. وألوانُ الطيف ترتسم على أشكال الناس الحائرين. هكذا - وبكل بساطة - تتشقق الظلالُ، وتسيل من شواهد القبور. وقد صارت أجسادُ هؤلاء البشر شواهدَ قبور خرساء.

 تغيَّر لونُ وجه الكاتبة. تبخر مكياجُها في غبار السنوات. والبراكينُ الخامدة في قفصها الصدري ثارت من جديد. إنها تَغرق في خريفها الشاحب، كأنها تنتظر ساعي بريد يُسلِّمها رسالةً قاتلة، أو طَرْداً مفخَّخاً. أطرافها ترتعش، وما زالت واقفة في ثلاجة الموتى. صدمة كبيرة لم تتوقعها. المختارُ صار أصفر اللون. وقف كالطفل الصغير يَنظر حَوْله ببلاهة، وهو غير مستوعب لما حَدَث. استجمع قواه الذهنية بصعوبة. بصقَ على الأرض، وقال:

 - ولد تافه عديم التربية. الله يَخزيك.. فضحتنا مع بنت الأكابر.

 ثم نَظر إلى الكاتبة، وقال:

 - لا تؤاخذيني يا ابنتي.. هذا الولدُ مريض نَفْسي، وأهله يُعالجونه من الصرع. وأكيد هذه إحدى نوبات الصرع. وسوفَ نطلب من الحكومة إنشاء عيادة لعلاج هؤلاء المرضى.

 كان تبرير المختار ساذجاً ومكشوفاً، لذا قالت الكاتبة وهي تكاد تبكي:

 - لا داعي للتبرير والأعذار يا عمِّي. لقد تعلَّمنا في مهنة الصحافة سماع الرأي والرأي الآخر. وهذا الشاب حُر في أفكاره وآرائه.

 - الله يأخذه ويريحنا منه. شَوَّه سُمعةَ جبل النظيف أمام الضيوف. هذا النوعُ من الناس لا يَعرف حرية ولا بطيخاً.

 وأردف قائلاً:

 - لو سمحتِ يا ابنتي، لا تكتبي هذه القصة في الجريدة. لَدَيْنا نماذج مشرقة. ما رأيُكم في إجراء مقابلة مع أخيه، الشيخ عبد الرحيم عمران ؟. هذا رَجل فهمان تخرَّج من الجامعة، ويُلقي دروساً في الإذاعة، وفوق كل هذا يَحفظ كتابَ الله.

 - سوفَ نكتفي بهذا القَدْر، فقد تأخَّرنا في العمل، ويجب تسليم التحقيق الصحفي لرئيس التحرير هذا اليوم.

 وتفرَّقت القوافلُ في صحراء الشَّك. والمختارُ ما زال يَدعو على فايز، ويَصفه بأقبح الصفات. وأتى الوداعُ كما يأتي المطرُ المفاجئ في صيف الجروح الساخنة. لا بد من الفِراق في دروب القمر الباكي. وبدأت الوصايا الأخيرة. ستكتبُ الأمطارُ الحمضية سِفرَ الوصايا، ووصيةَ الجرحى.

 قال المختار في وصيته الأخيرة:

 - أرجوكِ اكتبي اسمي في رأس الصفحة بالخط العريض.

 وأخرج هويته الشخصية قائلاً:

 - سَجِّلي اسمي الرباعي لكيلا تنسيه.

 ومضى يقول:

 - لا تنسي.. بالخط العريض. وقولي إن المختار يَدعم مشاريع الحكومة في الإصلاح والتطوير. والمواطنون يَدفعون فواتير الماء والكهرباء في الوقت المناسب، ولن نسمح لأحد بسرقة الماء والكهرباء. أمَّا موضوع تنظيم النسل، فنحن ملتزمون بخطة الحكومة، ولكننا بحاجة إلى وقت لكي نُقنع الناسَ بذلك.

 توقَّف عند هذا الحد، لأن نَفَسه قد انقطع. التقط أنفاسه من جديد، وقال:

 - ويا ليت تمدحيني ببعض الكلمات الرنانة. وأعدكِ، إذا صرتُ وزيراً فسوفَ تكونين مديرة مكتبي !.

 كانت الرياحُ الشمسية تودِّع أزقةَ جبل النظيف. والأشجارُ تهاجر من أرواح الموتى إلى الشفق. والدماءُ تتفرق بين القبائل. صَمتت طبولُ الحرب، وانتهت استراحة المحارِب إلى الأبد. وعَمَّ الصمتُ الرهيب. عيونُ البشر أدغالٌ من القش المحترق، وقططُ الشوارع تتقدم أمام الحواجز العسكرية مذعورةً. هذه الأجسادُ المنهَكة حواجز عسكرية. الأحزانُ ساحةُ حربٍ، وجيشُ الصدى يَفرض شروطَ الهدنة على تاريخ البيوت العشوائية.

 جاء الليلُ حاملاً معه شُعلة الأرق. الهمومُ تتناثر على أثاث المنازل البسيط. السكانُ لا يَقدرون على النوم في هذه الليلة الجارحة. الأذهانُ مشوَّشة، والحواسُ رادار مُعطَّل. كل واحد يُفكِّر في الجريدة. متى تَصدر ؟. أين يتم توزيعها ؟.

 صار الجميعُ مثقفين. لم يَعد الرجال يُفكِّرون في قوت يَوْمهم. لأول مرة لا يُفكِّرون في اقتناص رغيف الخبز. النساءُ هَجرنَ فنونَ الطبخ، وصحونَ المطبخ. الرجالُ لا يُفكِّرون في ممارسة الجنس مع زوجاتهم. والنساءُ تَركنَ قمصان النوم في الخزانة، والعطورُ منبوذة عند المرايا. وَحْدَها رائحة العَرَق تحتل الأجسادَ البشرية.

والأطفالُ لا يُفكِّرون في المدرسة ولا اللعب. الثقافةُ هي خبز الجميع. متى ينتهي هذا الليل لكي يَشتروا الجريدةَ ؟. كل شخص تَظهر صورته في الجريدة سوفَ يقوم بقصها ووضعها في برواز للذكرى يتوارثه أفرادُ العائلة كالأيقونة المبارَكة. والذي لا تَظهر صورته سوفَ يُعلن الحِدادَ، أو يَذهب إلى الجريدة معترضاً على هذه الإهانة، ومطالباً بإعادة التحقيق الصحفي. أفكارٌ غريبة هَجمت على الأذهان. ودائماً يكون الليلُ طويلاً على المعذَّبين. الانتظارُ صعب، يستنزف الأعصابَ، يَعصرها مثل الليمونة.

 انطلقَ أذانُ الفجر ماسحاً الغبار عن الوجوه المسحوقة. هاجرَ الرجالُ باتجاه الأذان. امتلأ مسجد طارق بن زياد ومسجد الشركس، حتى إن الناس ليُصلُّون في الطرقات. تعجَّب الجميعُ. والدهشةُ رَسمت خطوطها على الوجوه. ففي العادة يكون المصلون في صلاة الفجر قِلة قليلة. هل نحن في رمضان ؟. هل سَهر الناسُ حتى السَّحور ثم جاؤوا إلى المسجد لأنهم كانوا مستيقظين ؟. هل صار الناسُ كلهم أولياء لله يَحرصون على صلاة الفجر ويُضحون بلذة النوم من أجل لذة العبادة ؟!. اللهُ هو الهادي.

 انتهت الصلاةُ. وانتشر الناسُ في الدروب المعتمة كالجراد المهووس. الكل يَبحث عن الجريدة. فُتحت المحلات مبكراً. حالةُ استنفار قصوى. صفاراتُ الإنذار تتفجر في أذهان الناس. البعضُ انطلق إلى المناطق المحيطة بجبل النظيف للحصول على الجريدة التي صارت مثل صَك الغفران.

 لَمعت فكرة جهنمية في عقل يوسف، صاحب بقالة الخيَّامي. ذَهب إلى وسط البلد دون أن يُخبر أحداً. اشترى الجريدة بأعداد هائلة. كان يتعامل مع الجريدة بالكيلوغرام وليس بالنُّسخ. اعتبرها مثل المعلَّبات أو علب المشروبات الغازية.

 تضاعف سِعرُ الجريدة تسع مرات. تأفَّف الناسُ وأظهروا حنقهم، لكنهم - في نهاية المطاف- استسلموا لجشع يوسف وفلسفته الاحتكارية. كثيرون ضَحوا بِقُوتِهم اليومي وقوتِ أبنائهم من أجل الحصول على الجريدة. إنها غذاء الرُّوح، وتاريخ مَن لا تاريخ له.

 فَتَّشوا الجريدةَ سطراً سطراً.. حرفاً حرفاً. إنهم يأكلون الحروفَ، ويَشربون حِبرَ الكلمات. يُدقِّقون في الصور مثل الأطباء الشرعيين الذين يريدون حَل ألغاز جريمة ما.. يَبحثون في كل أبعادها، ويَربطونها بالواقع. الناسُ فَقدوا عقولَهم في هذا الجبل. لا مكان للعقلانية ولا التأني. انتشرت الفوضى، واختلط الحابل بالنابل. وَحْدَها الهلوسة تتجول في الشوارع بكل جرأة. قال أحدهم: ((إذا كانت الثقافة هكذا، فأُريد أن أظل جاهلاً)).

 عَثرَ أحدُهم على العنوان المفقود. وَجد الجنَّةَ الضائعةَ: " تحقيق صحفي حول جبل النظيف ". هَجم عليه الآخرون ليَعرفوا رقم الصفحة. تم تعميمُ رقم الصفحة على جميع المواطنين في هذا الجبل. صار رقماً أهم من دفتر العائلة. إنه رقمُ الحظ، «والذي ليس له حَظ لا يَتعب ولا يَشقى». إنها الفلسفة الرسمية في هذه البُقعة.

(18)

 كان خروجُ هشام الديزل من السجن حَدَثاً استثنائياً. دَخل إلى السجن فلم يجد أحداً يُرحِّب به، وها هو يَخرج فلا يَجد أحداً يُرحِّب به. عاش غريباً. تغيرت الأمكنةُ والأزمنةُ، وما زال غريباً، يَنظر إلى نَفْسه ولا يَعرفها. أبوه مات وهو طفلٌ صغير. ولا يَزال النداءُ الجارح يتردد في أُذنيه. كانوا يُنادون عليه: ((أبوك مات يا هشام)). فهمَ في تلك اللحظة المرعبة معنى الموت، لكنه بقيَ يَلعب كرةَ القدم مع أولاد الحارة، وأهملَ ذلك النداء المنبعث من أعماق التاريخ المكسور.

 أمَّا أُمُّه فماتت وهو مسجون، ولم تَسمح له المحكمة برؤيتها وهي على فِراش الموت، أو المشاركة في تشييعها. تَركت السنواتُ الطويلة توقيعَها على شَعْره الأبيض، وتركت الزنزانةُ الانفرادية بصمَتها على تجاعيد وجهه الذابل. زوجته طَلبت الطلاقَ بعد عدة سنوات من سجنه، لكنه رَفض أن يُطلِّقها، فقامت المحكمةُ بالتفريق بينهما بعد أن تقدَّمت زوجته بشكوى ضده. ذكرياتٌ مريرة. وكلُّ شخص في هذه الحياة يَبحث عن مصلحته. وفي قرارة نَفْسه، هو لا يلومها، ولا يَحقد عليها. المرأةُ تريد رَجلاً إلى جانبها، وليس رَجلاً خلف قضبان السجن يتحول مع مرور الوقت إلى شبح لا حَوْل له ولا قوة. " كلبٌ حَي أفضل من أَسد مَيت ". هذا مبدأ أساسي في فلسفة هشام الديزل. والحمدُ لله أنهما لم يُنجبا. لا أطفال سَيَضيعون، ولن يُعيِّرهم أحد بأن أباكم مجرم. هكذا يصبح عدمُ الإنجاب نعمةً عند البعض.

 وكلمةُ " الديزل " هي لقب اشتهر به على مدار حياته، وليس اسمَ عائلته. إنه الاسم الحركي الذي صار مثل الماركة المسجَّلة. وربما نسي اسمَ عائلته بسبب التصاق هذا اللقب به منذ طفولته. وكان الجميعُ ينادونه به، حتى والدته.

 ومن كثرة عدد التهم التي ثَبتت عليه، وحاصرته من كل الجهات، لم يعد يتذكر لماذا سُجن. وفي بعض الأحيان يُخيَّل إليه أنه بريء، وأنه سُجن نيابةً عن أشخاص آخرين متنفذين وفوق القانون. وقد قال للقاضي في إحدى جلسات المحاكمة إن القانون مثل شِباك العنكبوت لا تَقع فيه إلا الكائنات الصغيرة، أمَّا الكائنات الكبيرة فهي تمزِّقه. وعندئذ قال القاضي متهكماً:

 - هذا المجرم المدان قد صار فيلسوفاً يتحدث عن العدالة الاجتماعية.. وقد قالوا: خذ الحكمةَ من أفواه المجانين. وأنا أقول: خُذ الحكمةَ من أفواه المجرمين.

 احمرت خدودُ هشام، وطأطأ رأسَه. وضَحك الجالسون في المحكمة. وما زال هشام - رغم مرور كل هذه السنوات - يتذكر كلامَ القاضي حرفاً حرفاً، ويتذكر ضحكاتِ الناس التي لا تزال ترن في أُذنيه، وتَقرع رأسَه بشدة. لقد كان ذلك الموقف أشد عليه من سنوات سجنه. أيامٌ مرَّت كوخز الإبر، والذكرياتُ لا تَرحم. ومهما حَصل فالزمنُ سائر لا يُوقفه شيء، يَجرف كلَّ شيء أمامه مثل السَّيل المدمِّر، ولا يهتم بمشاعر الضحايا، ولا يَسأل عن مصير المشرَّدين. المشاعرُ جزءٌ من أرشيف الموتى الذين يَدفنون موتاهم.

 لقد كان خائفاً من الخروج من السجن. تعوَّد على ظلام الزنازين. وقد يَعجز عن مواجهة نور الشمس. وربما يكون خلف أسوار هذا السجن سجنٌ أكبر. هل سَيَخرج من السجن الصغير إلى السجن الكبير ؟. إنه يخاف من الحرية. الحريةُ تَضغط على أعصابه وتربكه. تماماً كالرياضي الذي يخاف من الفوز، ويقع تحت ضغط إنهاء المباراة لصالحه. كما أنه لا يَحمل في جَيْبه قِرشاً واحداً. هل سَيعود إلى جبل النظيف مشياً على الأقدام ؟. المسافةُ طويلة، وهو لا يَملك أُجرةَ المواصلات.

 وبينما كان هشام يَهُم بمغادرة السجن، اقترب منه أحد السجانين، وأعطاه خمسة دنانير. رفض هشام - في بداية الأمر - أن يأخذها رغم حاجته، فقد اعتبر الأمر إهانة لكبريائه. لكن السجان أصر على ذلك، وقال له:

 - هذه هدية من صديق، وليست صدقة. وإن شاء الله تبدأ حياتك بشكل صحيح، ولا ترجع هنا أبداً.

 دَمعت عَيْنا هشام، وأَشفق على نَفْسه. فقد كان زعيمَ عصابة يُنفِق على عشرات الأتباع، والكل يَلهث وراءه من أجل ماله ونيل رضاه. أمَّا الآن فهو يمد يدَه لأخذ خمسة دنانير من سجان يَنتظر راتبه الشهري بفارغ الصبر لكي يُنفق على عائلته. وهذا السجانُ بالذات طالما نظر إليه هشام نظرة كراهية، لأنه اعتبره قاسياً ويَحتقر السجناء. أمَّا الآن فقد تغيَّرت النظرة إلى النقيض تماماً.

 قال هشام، وهو يُغادر بوابة السجن:

 - إن شاء الله تسمع عني أخباراً طيبة.

 وعبر البوابةَ مثل القائد العابر تحت أقواس النصر أو أطلال الهزيمة. لم يُميِّز في تلك اللحظة هل هو قائد منتصر عليه أن يَفرح ويرفع رأسه بكل شموخ، أم قائد مهزوم لا بد أن يَحزن ويطأطئ رأسَه بكل خزي وعار. استسلم لخطواته التي كانت تتوالى بصورة آلية لا أحاسيس فيها. والتاريخُ سَيَحْكم على المنتصرين والمهزومين.

 وَصل إلى جبل النظيف مسقط رأسه. كل شيء قد تغيَّر. أجيالٌ ماتت، وأجيال وُلدت. مقهى الحبايب هُدم، وقام مكانه صالون حلاقة للرجال. هذا المقهى الأثري الذي كان يَجلس فيه برفقة أفراد العصابة لِيُنسِّقوا العملياتِ صار أثراً إثر عَيْن. هذا المقهى كان شاهداً على المعارك الطاحنة بين زعماء العصابات، حيث تتطاير الكراسي، وتتكسر الطاولات، ويتساقط الزجاج. أيامٌ مرَّت. والزمنُ طوى الجميعَ تحت جناحه.

 أنور أبو هوسة الشهير بالعقرب قَتلته الشرطة في إحدى المطارَدات الشهيرة بعد أن أَطلق عليهم الرصاص، فقتلَ شرطياً وأصاب آخَر. وهو أكبر تاجر مخدرات في المنطقة. وعندما قُتل رَفض إمامُ المسجد أن يُصلِّيَ عليه. وقد تجمَّع بعضُ الفقراء حَوْل جثته باكين لأنه كان يُنفق عليهم، ويُعلِّم أبنائهم في المدارس على حسابه الشخصي، ويَشتري لهم ملابس العيد. كان يَقتل الشبابَ بالمخدرات، ويُعالج الفقراءَ في المستشفيات. ربما كان يظن نَفْسه مِثل روبن هود الذي كان يَسرق من الأغنياء لِيُطعِم الفقراءَ - مع اختلاف الأسلوب -. كلُّ واحد له طريقته الخاصة في هذه الحياة.

 وعندما قُتل اختلف الناسُ في عدد الرصاصاتِ في جسمه. وجاءت أُمُّه العمياء بعد أن عَلمت بمقتل ابنها. تحسَّست الثقوبَ في جسمه من أثر الرصاص. كان جسمه كالغِربال. وقد اقترضت ثمنَ كفنه من إحدى الجارات، واستأجرتْ عاملاً، حيث صلى عليه ودَفنه بعيداً عن الجبل. ذكرياتٌ فَتحت بابَ الآلام. خواطر أعادت سنواتِ الرصاص إلى الذهن.

 عامر وردان كان زعيم عصابة شرساً. يأتي في المرتبة الثانية بعد " أنور أبو هوسة ". كان يَفرض على أصحاب المحلات دفع مبلغ مقابل توفير الحماية لهم، وحماية محلاتهم من السرقة. ومَن لا يَدفع قد يَخسر حياته، وتُنهَب ممتلكاته. وقد قُتل في حادثة إطلاق نار في ملهى ليلي بسبب صراع على إحدى الراقصات.

 رائد البيسي الملقَّب بمعجونة كان متخصصاً في تسلق جدران البيوت وسرقتها. طفولته لا توحي بأنه مشروع لص. فقد كان طالباً مجتهداً في المدرسة، وكان الأولاد يَطلبون منه إحضار الكرة حين يَقذفها أحدهم على سطح المدرسة، فيتسلق الجدرانَ مثل القِرد بدون أدوات، فيقفز من نافذة إلى نافذة، ويصل إلى السطح بكل سلاسة، ثم يرمي بالكرة إلى الأولاد.

 وقد طَبَّقت شهرته في التسلق الآفاقَ. وحاول معلِّمُ الرياضة في المدرسة إشراكه في مسابقات تسلق الجبال. وبالفعل شاركَ في إحدى المسابقات، وفاز بالمركز الثاني. ولا تزال الميدالية الفضية - حتى هذه اللحظة - معلَّقة على إحدى جدران بيت العائلة. لكن عامر وردان أقنعه أن هذه ألعاب صبيانية لا تُطعِم خبزاً، وأن مستقبله هو تسلق البيوت وسرقتها. فما يَسْرقه في ليلة واحدة قد يَفوق راتبَ موظف حكومي طيلة سنة كاملة. ولا داعي أن يَتعب في الدراسة، وتحصيل الشهادات العليا. ففي السرقة توجد نظرية واحدة وهي " سرقة ما غلا ثمنُه، وخَفَّ وزنُه ".

 وتاريخُه الشخصي يتضمن سرقة خمسة منازل. وعندما حاول سرقة المنزل السادس سَمع صاحبُ المنزل يقرأ القرآن بصوت جميل، فنسي أمرَ السرقة، وأخذ يَستمع إلى القرآن. وفي تلك اللحظة قرَّر التوبةَ. وقد أعاد المسروقاتِ إلى أصحابها، وسَلَّم نَفْسه للشرطة. وهو الآن يَعمل في إحدى الهيئات الخيرية في إفريقيا مُشرِفاً على توزيع المساعدات الغذائية.

 الذكرياتُ دبابيس في جِلد المسافرين في ذواتهم. التجاعيدُ تتسلل إلى وجه الذاكرة. لقد تغيَّر جبلُ النظيف كثيراً. وما زالت الأطلالُ شاهدةً على الحب والكراهية، التسامح والحقد، السلام والحرب. جثثٌ تتحلل في الزحام الذي لا يَنتهي. وكلُّ واحد يَحمل جُرحه المشِع، ويَسير إلى الشمس أو الانطفاء الأبدي. والأعمى لن يُميِّز بين اللمعان والانطفاء.

 كان هشام يتجول بحرية في شوارع الجبل. لم يتعرف عليه أحد. هذا الأمر بحد ذاته نعمة. لا أحد يَعْرف تاريخه الشخصي. هكذا يَسير متحرراً من الجاذبية. عاش غريباً، وعاد إلى مسقط رأسه غريباً. إن عمره مسافة بين غُرْبَتَيْن. ونعمةُ النسيان لا تُقدَّر بثمن.

 وَقعت عيناه على بقالة الخيَّامي. لا تزال موجودة، واسمُها لم يتغير. انطلق نحوها كالعطشان في الصحراء حين يَنطلق نحو الماء أو ما يظنه ماءاً. الحياةُ كلها محصورة بين الماء والسرابِ. رأى يوسفَ وهو مشغول في البيع والشراء. انتظرَ قليلاً حتى هدأ المكانُ، وخلا من الزبائن. دَخل بخطى متقاربة وناعمة. ألقى السلامَ على يوسف فردَّ عليه دون أن يَعرفه.

 وقف هشام كالمرآة المشروخة، وقال بصوت كسير:

 - ألم تعرفني يا يوسف ؟.

 حدَّق يوسف في هذه الملامح. فتَّش في ذاكرته عن صورة هذا الشخص، لكنه فشل في معرفته، فقال:

 - لا تؤاخذني يا ابنَ الحلال.. الواحدُ من كثرة مشاكل الحياة لم يعد يتذكر ماذا أفطرَ بالأمس.

 - أنا هشام.. هشام الديزل.

 جَحظت عينا يوسف كأنه في حالة احتضار ويعيش حلاوةَ الروح التي تَسبق الصمتَ الرهيب، وصار يُدقِّق في كل شِبر من جسم هشام. ثم دَخلا في عِناق طويل.

 قال يوسف واللهفةُ تحاصره من كل الجهات:

 - والله زمان يا رَجل.. أين أيامك ومغامراتك ؟. تفضَّل.. استرحْ.. اجلسْ على الكرسي.

 وقرَّب أحد الكراسي. وجلسا في فوهة العمر الهارب مثل قتيلَيْن يتقاسمان قبراً واحداً.

 قال يوسف:

 - تغيَّرتَ كثيراً يا هشام. شَعرك صار أبيض، ووجهك مليء بالتجاعيد.

 غرسَ هشام في صدره تنهيدةً عميقة، وقال:

 - راح الشبابُ كالحلم.. سبحان الذي يُغيِّر ولا يَتغير.

 قام يوسف، وأَحضر علبة مشروبات غازية من النوع الغالي. فتحها ثم قَدَّمها لهشام قائلاً:

 - اشربْ.. وانسَ الماضي. الدنيا كلها رايحة.

 إنه يَشربها بصورة هستيرية، كأن بينه وبينها ثأراً قديماً. كان كالجمل العطشان في الصحراء الذي رأى الماء فجأة، ويريد أن يَشرب أكبر كمية ممكنة من أجل رحلته القادمة التي ربما لا يَعود منها.

 - خُذ سيجارة لتنسى همومك.

 قال يوسف.

 ردَّ هشام وقد عادت أوصاله إلى الحياة:

 - الحمدُ للهِ، اللهُ تابَ عليَّ من هذا السم.

 ضحك يوسف، وظَهرت السعادةُ على وجهه، وقال:

 - هذا خبر بألف دينار. هشام الديزل إمبراطور تهريب الدُّخان تَرك الدُّخانَ. هذه بشارة خير إن شاء الله، وصفحة جديدة في حياتك يا هشام.

 - الله يُحسِن ختامنا، ويَغفر لنا الكوارث التي قُمنا بها في حياتنا.

 نظرَ يوسف إلى الأطفال الذين يَلعبون في الشارع، ونادى بأعلى صوته على أحدهم:

 - منذِر.. تعالَ يا منذِر.. تعال يا حبيبي.

 جاء هذا الطفلُ لاهثاً، وفي جبهته تتزاوج الصواعقُ. وتتكسر السيوفُ في عينيه الصغيرتَيْن.

 نظرَ يوسف إلى هشام، وقال له:

 - هل تَعلم من هذا الولد ؟.

 هَزَّ هشام رأسَه بالنفي دون أن ينبس ببنت شفة.

 نظر يوسف إلى الطفل، وقال:

 - ما اسم جدَّتك التي تعيش معكم في البيت ؟.

 - خديجة وهدان.

 وما إن سَمع هشام هذا الاسمَ حتى هَبَّ واقفاً كَمَن لدغه عقرب. ووقف كالصنم العاجز عن التقدم أو التأخر.

 قال يوسف للطفل:

 - بارك الله فيك يا منذر.. خُذ قطعة شوكولاتة، واذهب إلى أصحابك.

 وانطلقَ الطفلُ كالحصان مخلِّفاً غباراً قاتلاً يتسلل إلى جوارح هشام التي بَدت في تلك اللحظة عاطلة عن العمل.

 خديجة وهدان كانت زوجة هشام الديزل، وقد تَركته عندما دَخل السجن، وتزوَّجت غَيْرَه.

 نظرَ هشام إلى ذلك الطفل وهو يَلعب الكرةَ. إنه يراقب كل تحركاته، ويَحسب ابتساماته، ويحصي عدد مرات لمسه للكرة، وعددَ الأهداف التي يُسجِّلها. سَقطت بعضُ الدمعات من عينيه على أرض البقالة. وحاول جاهداً منع الدموع بشتى الطرق.

 أشفق يوسف عليه، وقال:

 - صَدِّقني يا هشام، لم أقصد أن أفتح بابَ الجروح، أو أُسبِّب لك الآلام.

 تنفَّس هشام بعمق، ولم يعد يُميِّز بين الشهيق والزفير، وقال بنبرة مكسورة:

 - أتمنى لو أراها قبل مَوْتي.

 انتفض يوسف كالملسوع، ووقف كالجندي على خط النار، وقال:

 - اعقلْ يا هشام.. لا تتهوَّر. انسَ الماضي، ولا تسبِّب فضيحة لهذه المرأة. الله يَستر علينا وعليها. كل واحد ذَهب في طريقه، وانتهى الموضوع. ولا نريد إعادة فتحه.

 اقتنع هشام بهذا الكلام. الماضي لا يمكن إرجاعه. وعليه أن يعيش الحاضر لئلا يَخسر الماضي والحاضر معاً. وأول خطوة في حياته الجديدة هي البحث عن عملٍ يَكسب منه قوت يَوْمه. عملٌ حلال وليس حراماً. زمنُ الشقاوة وزمنُ الرصاص ذَهبا إلى غير رجعة.

 قال هشام:

 - ما رأيك يا يوسف أن تُشغِّلني في البقالة ؟.

 - يا حسرة !. هذه البقالة مشروع فاشل، وبالكاد تغطِّي مصاريفها. ولكنْ عندي فكرة أحسن.. خادم مسجد طارق بن زياد انتقل إلى مسجد آخر. ما رأيك أن تعمل مكانه ؟.

 تردَّد هشام، وظَهر على وجهه الارتباك، وقال:

 - لو تَبحث لي عن وظيفة أخرى.

 ضحك يوسف من أعماقه، وقال بسخرية:

 - وظيفة أخرى !.. الشبابُ الجامعي عاطل عن العمل، وأنتَ تريد وظيفة أخرى ؟!.

 وأردفَ قائلاً:

 - اسمعْ يا هشام.. المسجدُ بيت الله، والشيخ نايف ريَّان إمام محترم، ويساعد الجميعَ، وسوفَ يُرتِّب كل أمورك.

 ضاعت الحروفُ من لغة هشام. ارتبكَ بشدة، ثم استعاد توازنه، وقال:

 - على عيني ورأسي. لكن بصراحة.. قمتُ بسرقة سماعات المسجد أيام زمان، ولا أعرف كيف سأدخله.

 قال يوسف وقد تحوَّلتْ عيونه إلى بوصلة تُرشِد الطيورَ إلى ضوء الشفق:

 - يا رَجل.. انسَ الماضي. عفا اللهُ عمَّا سَلف. وعندما تملك مالاً اشترِ سماعاتٍ جديدة للمسجد.

 اقتنع هشام بهذا الكلام. وقرَّر أن يكونَ المسجدُ نقطةَ انطلاقه الجديدة. لكنَّ هناك أمراً يحتل ذهنَه، ويريد هشام إنهاءه لكي يَرتاح. أخذَ نَفَساً عميقاً، ثم قال:

 - بقي هناك أمر واحد، وهو أن تدلني على قبر أُمي.

(19)

 لم تكن أحوال قَيْس على ما يرام. المشكلاتُ تحيط بأُسرته الصغيرة من كل الجهات. أكَّد لنفسه أن الزواج أمر شديد الخطورة، وأصعب مما تصوَّره. إنه ضائعٌ تماماً. قد فقدَ بوصلةَ حياته، وعجزَ عن إيجاد أسلوبه الخاص في هذه الدنيا. ما إن يَخرج من متاهة حتى يَدخل في متاهة أخرى. حياته لم تعد تطاق. أحلامُه كالقصر الرملي الذي ضَربه إعصار غامض، فانهار، وأكلته الأمواج بكل شراهة. قلبُه أطلال لم يقف عليها أي شاعر، لا قديم ولا معاصر. إن بقيَ هكذا فربما يصاب بالجنون، أو يترك أهلَه وذكرياته، ويَعود إلى أمريكا.

 ليلة أمس.. إنها الكابوسُ الحقيقي. إنها فيلم الرعب الواقعي الذي لا يَحتاج إلى كاتب سيناريو، ولا مؤثرات سينمائية. ليلةٌ هادئة ورومانسية تصلح لالتقاء جسده مع جسد زوجته. كان يُجامعها منقطعاً عن العالَم الخارجي. وبينما هو كذلك شَعر بشيء يَسقط على ظَهْره. ارتطمَ بعموده الفقري. فقد قيس تركيزه، وخسرَ طاقته الجنسية. نظرَ حَوْله محاولاً معرفة هوية هذا الشيء الغريب. وقد صُدم حينما رأى فأرةً ضخمة. أُغميَ عليه مباشرةً، وارتمى على جسد زوجته كالجثة الهامدة.

 أحسَّت زوجته بشيء يَتحرك حَوْلها. رأت الفأرةَ تتجول في المكان. لا وقت للخوف، ولا مفر من المواجهة. ألقت زَوْجَها بعيداً عنها كما يُلقي البحَّارُ جثةَ أحد أصدقائه في البحر. وقامت عاريةً تماماً. أَحضرت المكنسة. وبدأت رحلة المطارَدة الليلية. وانتهت هذه الرحلة الشاقة بمقتل الفأرة التي سَرقت منها تاريخَها الشخصي، ولذتها الناقصة.

 ارتدت ملابسها. وألقت الفأرةَ في حفرةِ المجاري. ثم أَحضرت كوبَ ماء، وسَكبته على وجه زوجها العاري الذي بدأ يَفيق تدريجياً. إنه يحضن شظاياه المبعثَرة. هَوْلُ الصدمة مسيطر على تفاصيل جسده العاري. وأزمنةُ العطش تتقاطع في صحراء دمه المتبخر في هذا الليل الحاد.

 قالت له بصوت نازف:

 - البسْ ثيابك، وسأُحضِر لكَ شيئاً لتأكله.

 نظرَ إليها، والمومياواتُ تختبئ في صوته الذاوي، والجنونُ يَحرق رموشَه، وقال بصعوبة بالغة:

 - ماء.. أريد أن أشرب.

 أحضرتْ له كوباً من الماء، فقفز فيه. افترسَ الماءَ حتى آخر قطرة، وكاد يَنهش الكوبَ من شدة العطش. طلبَ كوباً آخر. ثم غطسَ في نومٍ عميق.

 لا بد من حَل لهذه الكوارث. لا يمكن أن تستمر حياتي هكذا. تزوجتُ لأستمتع بشبابي، وأنا الآن أقضي على شبابي. كانت هذه الهواجسُ تَقرع قلبَ هند، وتشل تفكيرها. إنها تحترق، وعودُها ما زال أخضر. والنيرانُ في صدرها تأكل القشَّ النابت في خدودها الضامرة. لو بَقِيت هكذا سوفَ تَخسر رُبع وزنها على أقل تقدير. وإن تفاقمت مشكلاتها سوف يتلاشى جسمُها الهش، وتختفي أعضاؤها من هذا الوجود الجارح. الغريقُ يتعلق بحبال الهواء. لقد تقطَّعت الحبالُ. الغريقُ يتعلق بقشة. لقد احترقت القشةُ بعد أن قَصمت ظَهرَ البعيرَ. لم تجد في عالمها غير أُمِّها لكي تساعدها في حل مشكلاتها. هنا تكمن أهمية الخبرة. أكبر منك بيوم أعلم منك بسنة.

 وفي اليوم التالي ذَهبت هند إلى أُمها. أَطلعتها على تفاصيل علاقتها الحميمية مع زوجها، وما يَعتريها من مشكلات. حياتها الزوجية شديدة الاضطراب. أعصابُ زوجها تتساقط كأوراق الخريف. وأعصابها تحترق تحت ظلال الحزن الخرساء. طوفانُ الألم يجتاحُ أحلامَهما المتبخرة.

 أَطرقت الأُم لبرهة، ثم قالت بحسرة:

 - هناك مَن عملَ لكما عملاً للتفريق بينكما.. هذا الكلام مؤكَّد، وأنا أشك في اثنتين من نسوان العائلة.

 تضايقت هند من هذا الكلام، وقالت:

 - لا تصدِّقي هذه الخرافات.

 جَحظت عينا أُمِّها، وازداد ضخ الدم في ضباب حواجبها، وقالت:

 - السِّحر حَق، ومذكور في القرآن.

 - وكيف عرفتِ أن هذا سِحر ؟.

 تلعثمت الأُمُّ، ولم تجد جواباً، فلاذت بالصمتِ لفترة وجيزة، ثم قالت بحماس:

 - اسمعي.. سنذهب معاً إلى الشيخ بهلول. وكما قيل: ((دُق الحديد وهو حامي)).

 - الشيخ بهلول ؟!.

 - ولماذا تستغربين ؟. هذا الشيخ من أولياء الله، ومكشوف عنه الحجاب، ويتعامل مع الجن المؤْمن.

 ضحكت هند بسخرية، وقالت:

 - هذا الرَّجل مشعوذ ونصَّاب، وليس شيخاً.

 ظهرَ الغضبُ على وجه أُمِّها، وقالت بعصبية واضحة:

 - قُومِي.. ما زلتِ صغيرة، ولا تَعرفين شيئاً في الحياة.

 قامت هند وهي غير مقتنعة بكلام أُمِّها. ولكن صاحب الحاجة أرعن.

 ذَهبتا إلى بيته البائس. إنه عُلبة صفيح في زقاق معتم. وكلمةُ " بيت " تُطلَق مجازاً على هذه الزنزانة الوضيعة. إنها عُلبة كبريت تنبعث منها روائح كريهة.

 دَخلت المرأتان إلى البيت مثل الصياد الذي يَدخل إلى جُحر الأفعى، ولا يَدري هل يصبح الصيادُ فريسةً، والقاتلُ قتيلاً. أو مثل الصياد الذي يَدخل البحرَ، وهو يَخشى أن يصبح الطُّعمُ هو الأصل، والسمكةُ هي الفرع. هواجس غريبة تَذوب في رائحة البخور الغريبة.

 كان بهلول جالساً على الأرض. يَرمي قطعَ البخور في النار المشتعلة أمامه، ويتكلم بكلمات غير مفهومة. لحيته تكاد تصل إلى سُرَّته. ثيابُه ذات ألوان فاقعة مثل ثياب المهرِّجين. ووجهُه غابةٌ من البثور والتعرجات. ويضع مسبحة في عنقه، حبَّاتها مختلفة الألوان.

 ألقت أُمُّ بسام التحية عليه، فجاء الردُّ صاعقاً وغير متوقَّع:

 - اخرسي !.. لا تقاطعيني وأنا أتحدث مع الجن.

 جَلست المرأتان في إحدى الزوايا مثل جاريتَيْن تنتظران البيعَ في سوق النخاسة. الخوفُ يتلاعب بهما، والمصيرُ المجهول ينتظرهما. ترتجفُ الجوارحُ في الضوء الباهت، ولمعانُ العيون المذعورة يَخبو شيئاً فشيئاً.

 سادَ الصمتُ المكانَ. ارتعدَ بهلول ثم هدأت جوارحه. وقال:

 - أنا آسف !، كنتُ مشغولاً في محادثة الجن. والآن، ما هي المشكلة ؟.

 بَلعت أمُّ بسام ريقَها، وقالت:

 - جئنا إليك يا شيخ بهلول لتساعد ابنتي هند، وقد تزوَّجت ابنَ عمِّها حديثاً، وتعاني من مشكلات لا أول لها ولا آخر.

 نظر بهلول إلى وجه هند. تفحَّص وجهَها الحزين حجراً حجراً. حدَّق إلى صدرها، ثم أجالَ بصرَه في كل نقطة من جسمها، ثم قال:

 - هذه المرأةُ مسحورة، وإحدى قريباتها عَملت لها عَملاً. والعملُ مدفون في البحر الأحمر.

 نظرت أُمُّ بسام إلى ابنتها، وقالت:

 - ألم أقل لكِ إن هناك مَن عملَ عملاً ليُفرِّق بينك وبين زوجك ؟. وقلتُ لكِ: أنا أشك في اثنتين من نسوان العائلة. فِعلاً، الأقارب عقارب. يَضحكون في وجهك، ثم يطعنونك في الظَّهر.

 أنهت كلامَها، ثم نَظرت إلى بهلول، وقالت:

 - وما هو الحل يا شيخ بهلول ؟.

 - إن وضعها صعب للغاية، لأن العمل مدفون في الماء. ولكن مع بهلول لا توجد مشكلات. سوفَ أتواصل مع الجن في البحر الأحمر لإحضار العمل وحرقه بشكل كامل، لكنَّ هذه العملية تحتاج وقتاً ومالاً. وأنا أحتاج إلى معرفة بعض التفصيلات في حياتها الشخصية لإقناع الجن بمساعدتها. وأريدها أن تكون صريحة ولا تَخجل، فأنا في عمر جَدِّها، وأخاف على مصلحتها.

 - مستعدة يا هند.

 قال بهلول بحماس منقطع النظير.

 - مستعدة.

 قالت هند بصوت متردد.

 رَمى بهلول قطعةً من البخور في النار، ونفخ على النار، وصار يُردِّد كلاماً غريباً، وقال:

 - هل تنامين بدون حمَّالة الصَّدر ؟.

 خَجلت المرأتان، لكن أُم بسام أوعزت لابنتها بالإجابة. فقالت هند:

 - نعم.

 - ما هي ألوان حَمَّالات الصدر التي تحبينها ؟.

 - الأحمر والأسود والأبيض.

 وهنا تدخَّلت أم بسام قائلةً:

 - أسئلتك غريبة وغير معقولة يا شيخ بهلول. ما علاقة هذه الأشياء بالسِّحر ؟.

 ألقى بهلول قطعةَ قماش صغيرة في النار، ونفخ فيها، وقال:

 - اسمعي يا ابنة الحلال. أنا مثل طبيب النسائية والتوليد. يجب أن أعرف بعض التفاصيل في حياة المريضة أو أطلع على جسدها من أجل إنقاذها. وبدون مؤاخذة، أنا تمساح سَقطت أسناني. يعني لو أردتُ افتراسَها لما استطعتُ فعلَ ذلك. وبصراحة.. الجن في البحر الأحمر متخصصون في قضايا الجنس، والتفريق بين الزوجين. ويجب أن يَعرفوا أدقَّ التفاصيل الشخصية ليجدوا العلاجَ الفعال.

 وتابعَ بهلول تحقيقه بكل ثقة ودون تردد:

 - كم مرةً جامعك زوجك ؟.

 - لا أعرف بالضبط. ولكن في الأسبوع الأول لزواجنا كان يُجامعني خمس مرات يومياً تقريباً، ثم ابتعد عني بشكل مفاجئ.

 وعندئذ ضرب بهلول فخذه بيده، وقال:

 - هنا مَربط الفَرَس.. هنا بيت القصيد. لقد سلبَ السِّحرُ طاقته الجنسية. والخطوةُ الأولى في فك السِّحر سَتُكلِّف خمسين ديناراً. وأريدك أن تُحضري إحدى حَمَّالات صدرك، وتكتبي عليها بخط يدكِ كلمة " بهلول " ولكن على شكل أحرف مفرَّقة، يعني " ب هـ ل و ل ". وكل حرفٍ يكون بلون مختلف.

(20)

 الانتظار نارٌ تأكل المشاعرَ والأعصابَ. الدكتور لؤي عطوة وزوجته يحترقان في قاعة الانتظار في المطار. لقد تأخرت الطائرة عن موعدها. طار قلبُ زوجته، وخافت أن تكون الطائرة قد تعرَّضت لمشكلة ما. لاحظ زوجُها القلقَ الهستيري الظاهر على ملامحها، فأجرى اتصالاتٍ مع شخصيات نافذة في المطار، وكلهم أكَّدوا له أن الأمور على ما يُرام، لكن الطائرة تأخرت في مطار هيثرو بسبب إنذار كاذب بوجود قُنبلة على متنها، وهي الآن في طريقها إلى عَمَّان.

 عقاربُ الساعة ماتت في صحراء الانتظار. اكتفيا بالنظر إلى بعضهما البعض دون أن ينبسا بكلمة. لم تستطع زوجته الجلوسَ. مفاصلُها تهاجر إلى صقيع الجروح. هَبَّت واقفةً، ورَاحت تتجول في أرض المطار. إنها تَزرع خطواتها في هذه الأرض المحروقة. تَذهب وتجيء.. تجيء وتذهب. إنها ترى قلقَها يَسطع على البلاط النظيف. هذا البلاطُ المفعم برائحة مواد التنظيف. قلبُها قطعة صابون تَذوب تدريجياً في ماء عينيها المشتعل. الوقتُ يُقاس بالسنوات الضوئية. الأحاسيسُ تَهطل بغزارة. والانتظارُ المر يَأكل أسمنتَ الجدران العالية. وَصلت الطائرةُ بعد قرون من اللهيب والمشاعر المحروقة. نزل منها عاصم، ومضى في طريقه نحو تاريخ عائلته. رأى أُمَّه واقفة بانتظاره. رَكضَ نحوها كالطفل، وارتمى في حضنها. والدموعُ تَخدشُ بلاطَ المطار. ثم عانقَ والده الدكتور لؤي عطوة. ودَخلت هذه الأُسرة في أرشيف الصدى الأرجواني.

 كان عاصم طالباً جامعياً في السنة الأولى، يَدرس الهندسة المعمارية في بريطانيا. وقد اختار هذا التخصص لكي يساعد والدَه في مشاريعه، ويَحمل الراية من بعده. ينتظره مستقبل زاهر. وأمامه إمبراطورية مالية أسَّسها والده، وسوفَ تؤول إليه عاجلاً أو آجلاً. لذا كان محل أنظار بنات العائلات الراقية اللواتي يَبحثنَ عن شاب غني ومتعلم ولطيف. إنه صَيْد ثمين في زمن ارتفاع نسب العنوسة والفقر. وهو الابنُ البِكر، وهذا يجعله في دائرة الأضواء. فلا بد لأبويه أن يُفكِّرا في تزويجه.. أن يَفرحا به.

 شابٌ غني يَدرس في عاصمة الضباب، لا بد أنه يَشعر بالوحدة والغربة. وهذه الوحدة قد تملؤها الفتياتُ الإنجليزيات. من الصعب على الإنسان أن يقاوم زُرقةَ العيون، والشَّعْرَ الأشقر، والتنانيرَ القصيرة.

 وعاصم إنسان من لحم ودم، وليس حائطاً. إنه يعيش حرارةَ الشباب في مجتمع منفتح إلى أبعد مدى. هل سيصبح مثل دودي الفايد مثلاً وتنتهي حياته بشكل مأساوي ؟. هل سيحترق الربيعُ في لَيْلة خريفية صاعقة ومباغِتة ؟. لماذا لا يتزوج من بنات بلده ثم يأخذ زوجته معه إلى لندن لإكمال دراسته ؟. وجودُ زوجة إلى جانبه سوف يُوفِّر له الراحةَ النفسية والبدنية، ويُعينه على الدراسة.

 هذه الخواطر كانت تتأجج في الأذهان الغامضة، وتتطاير في هواء الغرف المغلَقة. ودائماً تُرسَم الخططُ خلف الأبواب الموصدة. وكلُّ صياد يَختار الفريسة التي تناسب طموحاته، ويُعيِّن وقتَ اصطيادها بدقة. وكل شخص يَبحث عن مصلحته. الفرصةُ لا تأتي إلا مرة واحدة. وقطارُ الفرص إذا ذَهب لا يَرجع. يجب اختيار التوقيت المناسب. فإذا جاء الراكبُ إلى محطة القطارات في الموعد المحدَّد سوفَ يَركب في القطار، ويَمضي إلى وُجهته بكل سلاسة. أمَّا إذا جاء في التوقيت الخاطئ فسوفَ يؤول مصيرُه إلى مقعد بائس في المحطة الباردة، وحيداً لا تاريخ له غير الاحتراق.

 تمر الأيامُ. النهارُ يُشبه الليلَ، والليلُ يُشبه النهارَ. يُولَد خنجرٌ لامع بين الشهيق والزفير. العمرُ أرجوحةٌ في حديقة الجثث المتفحمة. واللهبُ يَخرجُ من معدة الأحجار الكريمة وغير الكريمة.

 لقد استراح عاصم، وعادت نكهة الطعام المنزلي إلى فمه بعد أن كان معتاداً على الوجبات السريعة، والأكل في مطاعم لندن. رتَّب كتبه العربية والإنجليزية في مكتبته الخاصة الصامدة في إحدى زوايا غرفته.

 وفي إحدى الليالي قرَّرت أُمُّه أن تحادثه بموضوع زواجه. كلُّ أُم تريد أن تطمئن على ابنها. اختارت ليلةً هادئة. وهي - أصلاً - تَعلم أن عاصم يتأخر في النوم، ففي العادة لا ينام قبل منتصف الليل.

 اقتربت من غرفته بهدوء مثل اللبؤة التي تَسير نحو الفريسة دون إحداث صوت منتظرةً لحظة الانقضاض الصاخبة. سَمعت صوتاً ينبع من غرفته، ثم يتدفق فيَحرق سجَّادَ الممر. اقتربت أكثر، فازداد الصوتُ. تحول الصوتُ إلى ضحكات. وَضعت يدها المرتعشة على مقبض الباب. فكَّرت أن تَقرع البابَ كعادتها، لكنها لم تَفعل. فَتحته بشكل مفاجئ وعنيف. انهارَ السدُّ، وجاء الطوفانُ. لم تصدِّق عينيها.

 كانت الخادمة في سرير عاصم، وكلاهما عاريان. أخفيا جَسَدَيْهما تحت اللحاف. وبقي الوجهان في العاصفة. سيطر جيشُ الصمت على المكان. وَقفت الأمُّ تحدِّق في المشهد ودموعُها الخرساء تَحفر في وجهها أخاديد. ثم لاذت بالضحك الهستيري، وقالت:

 - هذا ما استفدته من الدراسة في بريطانيا ؟!.

 قال عاصم بكل هدوء أعصاب:

 -هذه المرأةُ زوجتي على سُنة الله ورسوله.وعَقْدُ الزواج تجدينه في دُرج مكتبي.

 أخذت الأمُّ هذا الكلام على محمل الجِد، فهي تعلم أن عاصم معتاد على الصدق منذ طفولته، خصوصاً في المواقف الحساسة.

 رَكضت كالمجنونة إلى مكتبه. فَتحت كلَّ الأدراج، فَتَّشت أوراقَه ورقةً ورقة، فوجدت عقدَ الزواج. أَشعلت ضوءَ الغرفة، وقامت بقراءته حرفاً حرفاً. تأكَّدت من الأسماء والتواقيع والختم. كادت أن تمزِّقه، لكنَّ أصابعها المرتجفة العاجزة لم تستطع فِعلَ ذلك. أَلقت العقدَ على سطح المكتب. وقالت لابنها بسخرية:

 - مبروك يا عريس.

 أطفأت الضوءَ. خَرجت من الغرفة. أَغلقت البابَ. كانت دموعها شلالاً حارقاً. البكاءُ يحاصرها من كل الجهات. لا هدنة مع الأحزان. جيشُ الألم يَحفر الخنادقَ في أكسجين رئتها. حواسُّها دَخلت في حرب أهلية. إنها تقاتل نفسها بنفسها. رَفعت الرايةَ البيضاء. خطواتُها تغرق في سجادة الممر. هذه السجادةُ رمالٌ متحركة تبتلع أعضاءها اليابسة.

 في ذلك المساء المرعِب لم تَقدر على النوم. الأرقُ يَشرب روحَها، ويَقضم لحمَها المحترق في موقدة الأفكار المتضاربة. إنها تتقلب على جمر البكاء الذي يمزِّق وسادتها الناعمة، ويُحيلها إلى كفن خشن. لم تجد أمامها غير الحبوب المنوِّمة. وأخيراً، أشهرَ النومُ سلاحَه في وجهها بعد طول انتظار.

 وفي الصباح، جَلست الأسرة على مائدة الطعام. كانوا يأكلون ولا يتكلمون. كل فردٍ مشغول بهواجسه الداخلية التي تتأجج في جسده. هذه الأجسادُ سجونٌ صغيرة داخل سجون كبيرة.

 أنهى الدكتورُ طعامَه، وغادر المكان سريعاً. جدولُ أعماله مزدحم للغاية هذا اليوم. وفودٌ عربية وأجنبية. مشاريع ينبغي تسليمها في الموعد المحدَّد. مفاوضات مع البنوك بخصوص تسهيلات مالية. الصغير رمزي أنهى طعامَه، وانطلقَ كالبرق. وبقي عاصم وأُمُّه يتناولان الطعامَ، وهما يتجنبان النظرَ إلى بعضهما البعض. أراد عاصم القيامَ فمنعته أُمُّه، وطَلبت منه الجلوس. جاء لقاؤهما حاملاً معه غبارَ المعركة وزنابقَ الحروب. لا بد من المواجَهة. القضيةُ لا تحتمل التأخيرَ.

 قالت الأم بصوت هادئ:

 - اسمعْ يا عاصم، لنتحدث بهدوء بعيداً عن العصبية. هذه الخادمةُ المتسولة يجب أن تطلِّقها. من الجنون أن تتزوج هذه الشحاذة وتنسى ابنةَ عمِّك المليونيرة. ماذا سيقول الناسُ عنا ؟. يجب أن تحافظ على ميراث العائلة وسُمعتها، ولا تسبِّب فضيحةً لأبوَيْك. والدك لو عَرف بالأمر سوف يُصاب بأزمة قلبية. هل تريد أن تقتل أباك ؟!.

 وأردفت قائلةً:

 - الآن سوفَ تطلِّقها لكي نغلق هذا الملف إلى الأبد. مفهوم ؟.

 لم يتكلم عاصم. تحصَّن بالصمتِ الخشن. تناولَ جرعةً من الذكريات، واستعار صوته من المجهول. جَمع شظايا أبجديته، وقرَّر الكلام وعدمَ الهروب من المواجَهة.

 قال بصوت ذابل:

 - ولكني أحبها. ولا أَقدر على العيش بدونها.

 - يا حبيبي، هذا الحبُّ لا يُطعِم خبزاً، لا يشتري لك سيارة مرسيدس. قصصُ الحب كلام أفلام وروايات رومانسية. يَضحكون بها على الناس لتسليتهم وتحقيق أرباح تجارية.

 لم يقتنع عاصم بهذا الكلام، فقال بكل إصرار:

 - أرجوكِ يا أُمي. هذا اختياري وأنا مسؤول عنه. ولن أترك زوجتي.

 وقام تاركاً أمه في مهب العاصفة، في وجه الفيضان الكاسح. أحسَّت أنها وحيدة في غابة تَحترق، ولا فرصة لمجيء رجال الإطفاء.

 ضَربت المائدةَ بقبضتها، وكادت أن تكسر خاتمها. ترك الخاتمُ أثراً في أصبعها. أَمسكت المزهريةَ الموجودة على المائدة، وقذفتها نحو إحدى المرايا. تبعثرت الشظايا على البلاط. انطلقت الحممُ من البركان الذي كان خامداً، وغادرُ الرصاصُ ذاكرةَ المسدَّس. وماتت الذكرياتُ. تلك المزهرية كانت هديةً من زوجها بمناسبة عيد ميلادها. وهي مزهرية صينية يعود تاريخها إلى ألفَي عام، وقد اشتراها زوجها من مهرِّب آثار أوروبي. لقد سَقطت الحضارةُ، وعلا البكاءُ.

 فَزع الخدمُ. كانوا يُراقبون المشهد من وراء الأبواب شِبه المغلَقة. لكنهم لم يجرؤوا على الاقتراب أو التدخل. كل ما عليهم فِعله هو إزالة أنقاض الحلم بعد أن تهدأ العاصفةُ. سوفَ يُحصون الأضرارَ، ويعيدون ترتيبَ المكان بعد أن يختفيَ الإعصارُ في رمال الشاطئ. وظيفتهم حَمل المكانس ومواد التنظيف، وليس البكاء على الأطلال، أو تجميع الذكريات.

 أتى المساءُ حاضناً عذابات النهار. تاريخُ هذه العائلة يتحرك في الفراغ. أحزانٌ تتحرك عكس عقارب الساعة. الأحلامُ دوَّاماتٌ في المرايا المشروخة.

 جاء الدكتور من عمله مرهَقاً. إنه يُغيِّر ملابسه أمام مرآة غرفة النوم. وكانت زوجته تساعده. قرَّرت أن تخبره بقصة ابنها، فهذا الأمر الخطير لا يمكن السكوت عنه.

 قالت والخوف يتلاعب بصوتها المهزوز:

 - أريد إخبارك بأمر مهم.

 - أنا مرهَق يا ميادة، وأُريد النوم. وعلى أية حال، إذا أردتِ تغيير الأثاث أو السيارات فلا مشكلة.

 - لؤي.. اسمعني. هناك كارثة هَبطت علينا.

 كان وَقْعُ كلمة " كارثة " شديداً، بحيث أطار النومَ من عينيه. وقفَ صامتاً في انتظار سماع هذا الخبر. إنه في سجن مظلم، يَنتظر الضربةَ القاضية، لكنه غير قادر على معرفة الجهة التي ستأتي منها هذه الضربة. إنه ميت يَنتظر قدومَ حفار القبور، ولا يَعرف موعد قدومه.

 قالت ميادة:

 - عاصم تزوَّج الخادمة.

 أخذ الدكتور نَفَساً عميقاً، وقال بنبرة ناعمة:

 - ميادة.. لا تَمزحي في هذه المواضيع، ولا تفكري في عمل المقالب. نحن لسنا في برنامج الكاميرا الخفية.

 أكَّدت له أن الأمر حقيقة واقعة وليس نكتةً أو مَقلباً. فقال الدكتور بكل رباطة جأش:

 - اذهبي وأحضري الولدَ بسرعة.

 المسافاتُ شُعلةٌ ثلجية. الأحزانُ محرِّكاتٌ بخارية، والدمعُ يَطفو على زيت هذه المحرِّكات. سيأتي النزيفُ من سجاد الممر. شرايينُ البشر ممراتٌ لهجرة السنونو. والوجوهُ الحزينة تتحرك بلا تاريخ. لا صقيعٌ يَبحث عن القادة المنتصرين الذين سَيَكتبون تاريخَ الفراشات أمام موقدة الجماجم، ولا تفاحٌ يُزرَع في أجفان الضحايا.

 جاءت الأمُّ تَسوق ابنَها كما يُساق كبشُ المحرقة إلى نهايته الحتمية. لا يوجد أي احتمال للنجاة. يُساق القُربانُ إلى المعْبد المهدوم على الجميع.

 قال الدكتور لزوجته:

 - لو سمحتِ يا ميادة، اخرجي وأغلقي البابَ، ولا تحاولي سماعَ كلامنا من وراء الباب.

 أُغلق بابُ معسكر الإبادة. بوابةُ المعتقَل مُحصَّنة. والأحلامُ المسحوقة تحت سنابك الخيل تنظِّف أرضَ المعركة بالصابون. والراياتُ البيضاء مزروعة في أجنحة الحمَام الزاجل. الهزائمُ تَطير، والانتصارات تَطير. وَحْدَها الجثث تظل ملقاةً على تراب المعركة. ولكنْ سيأتي يومٌ تصبح للجثث أجنحة وتَطير في موسم الهجرة الأبدية.

 وقفَ عاصم أمام والده. شَعر الابنُ بغربةٍ رهيبة. في تلك اللحظة الحرجة شَعر أن أباه شخص غريب، فلا رابطةُ دَم تجمعهما، ولا مشاعر متبادلة. إنه لقاء في القطب المتجمد. ليس القطبَ الشمالي ولا الجنوبي. تتساوى الجهاتُ في عقل

الضحية، وتتعادل الأضدادُ في ذهن المحكوم بالإعدام.

 قال الدكتور وأهدابُه تحترق في ماء عينيه الساخن:

 - الآن سوفَ تطلِّقها.

 - هذه زوجتي، وأنا متمسك بها.

 ضحك الدكتور ضحكةً صفراء، وقال:

 - إن لم تطلِّقها سأَحرمك من الميراث، وتجد نَفْسك شحاذاً في الشوارع.

 لَمعت عَيْنا عاصم بصورة مرعبة. إنه لمعان التحدي والمواجَهة، وقال بكل صلابة:

 - أنا لا أُساوم على مشاعري، ولا أُقامر بزوجتي.

 سارَ الدكتور بخطوات واثقة نحو مكتبه. فتحَ الدرجَ العلوي. أخرج مسدَّساً. صَوَّبه نحو ابنه، وقال بنبرة هادرة:

 - احملْ أشياءك، وخُذ زوجتك معك، وارحل من هذا المنزل. لا أنا أبوك ولا أنتَ ابني.

 اعتقد عاصم أن الأمر تمثيلية أو محاولة هزيلة للضغط عليه. فقد كان متأكداً أن المسدس ليس حقيقياً، وأن والده يُريد تخويفه فَحَسْب. وحاول أن يجادل والدَه في الأمر. لكن المفاجأة المدوية حَدثت. مفاجأة من العيار الثقيل. فقد أطلقَ والدُه الرصاص على أحد البراويز في الغرفة. بروازٌ لم يكن يَبعد عن عاصم سوى مترَيْن. إنه أمرٌ خطير لم يكن بالحسبان.

 هربَ عاصم من المكان، واصطدم بأُمِّه في الممر. كانت تَركض باتجاه صوت الرصاص. عمَّت الفوضى في الفيلا. ارتبكَ الخدمُ، وتجمَّعوا في المطبخ كالأسرى، والخوفُ يَسلب ألوانهم. الخادماتُ يَبكين.

 اندلعَ شِجارٌ عنيف بين الدكتور وزوجته كاد يَصل إلى التشابك بالأيدي. إنه فيلمُ رعب يتم تصويره في الفيلا. سيناريو الهلع يَغرس أوتادَه في جغرافيا الحلم المنهار. استسلم الجميعُ أمام طوفان الخوف. والرايةُ البيضاء فَقدت لونَها بعد امتزاجها ببقع الدم الأزرق.

(21)

كان هشام الديزل يتأمل نجومَ السماء من مئذنة المسجد. ليلةٌ صافية. لا دموع على خدود القمر، ولا أحزان تتناثر على ورود السماء. أنهى عملَه بالكامل. مسحَ المصاحفَ، ورتَّبها على الرفوف. نظَّف السجاد بعد انصراف المصلين من صلاة العِشاء. سَكب المياهُ في المراحيض، وقام بتنظيف دورات المياه. ثم ذهب إلى الاستحمام.

 استعرضَ عناوين الكتب في مكتبة المسجد. وقرَّر أن يصبح مثقفاً. ألزم نَفْسه بقراءة كتاب أو كتابين في كل أسبوع. لديه وقت طويل بعد صلاة العِشاء، وليس لديه التزامات عائلية. إنه وحيد في هذا الفضاء الرحب. فليستغل وقتَه. ظلَّ يقرأ حتى منتصف الليل تقريباً. ثم صعد إلى المئذنة العالية. لأول مرة يَرى جبل النظيف بهذا الشكل. شَعر أنه يَركب على بساط الريح، أو يقود طائرة. وهو الذي لم يَرْكب طائرة في حياته. الهدوءُ يُخيِّم على رائحة الصفيح والأسمنت. البيوتُ العشوائيةُ المتراصة. شواهدُ القبور تنتصب كالأشجار. شخيرُ بائعي الخضار النائمين على الأرصفة يَحرقُ الصناديقَ الخشبية. الأسرارُ مختبئة خلف الستائر الكالحة. أسرارُ المدينةِ السحريةِ. يومياتُ القُرى المنبوذةِ. كم عدد المعذَّبين خلف هذه الشبابيك المغلَقة كأبواب الزنازين ؟. كَم عدد السعداء ؟. كَم امرأةً مخلصة لزوجها ؟. وكَم امرأة تخون زوجَها ؟. كَم عدد الذين يُطيعون اللهَ في هذه اللحظة؟. كَم عدد الذين يعصونه ؟. كيف تَنظر المرأةُ التي تخون زوجها في عينيه ؟. كيف يَنظر الرَّجلُ العاجز جنسياً في عيون زوجته ؟. أسئلة هَجمت عليه دون موعد مسبق.

 استعادَ ذكرياتِ طفولته كشريط سينمائي محفوظ في أرشيف الأرامل. كان يصنع الطائراتِ الورقية على سطح البيت، ثم يبيعها لأطفال الحارة. عَلَّمه ابنُ عمِّه الميكانيكي كيف يُدخِّن التبغَ، ووضَّح له الفرق بين السجائر الأجنبية والمحلية، وكيف يُخرج الدُّخانَ من أنفه كالرجال. وأول سيجارة دَخَّنها هشام وهو في الثامنة من العُمر. أيامٌ ذَهبت إلى غير رَجعة، وعُمْرٌ ذابل كالخريف. وعندما بَلغ الخامسة عشرة أمسك مسدساً لأول مرة في حياته. وقد أطلق النارَ على القِط الأسود. وهو قِط متوحش نال شهرةً واسعة في جبل النظيف، فقد كان متخصصاً في سرقة اللحم من المطابخ. واللحمُ عملة نادرة في ذلك الوقت. كما أنه قَتل بعضَ الرُّضَّع، وشَوَّه وجوهَ عِدَّة أشخاص. وقال البعض إنه وَشَق وليس قِطاً، لكن الناس هنا لا يَعرفون ما هو الوشق، فاستقر الرأي على اعتباره قطاً متوحشاً.

 وعلى الرغم من مغامرات هشام الديزل في كل الاتجاهات إلا أنه لم يُكوِّن أيةَ علاقة غرامية. ولم يستغل لحظاتِ الضعف في حياة النساء. في صباه كان يَقضي وقتاً طويلاً على سطح البيت، يُفكِّر في مسار حياته ومصيره. وكان يشاهد نوافذ المنازل مفتوحة خصوصاً في أيام الصيف الملتهبة، ويَلمح الجاراتِ بثياب رقيقة، فكان يأمرهن أن يَغلقنَ النوافذ، والتي تَرْفضُ يهدِّدها بتحطيم زجاج النافذة.

 كان يتصرف كما لو كان حارساً لشرف العائلات. الشرفُ قضية لا يمكن المساومة عليها أو التلاعب بها. ورغم سِجِله الإجرامي الحافل، وتاريخه المفعم بالجرائم المنوَّعة، وخبرته العريضة في السجون، إلا أنه لم يتعرض طيلة حياته للنساء والأطفال. فلسفته هي تحدي الرجال القادرين على الدفاع عن أنفسهم، الرجال فقط. وعلى أية حال ذَهب الرجالُ، وذَهبت النساءُ.

 سطحُ بيتهم كان مملكته الخاصة، صومعته المفضَّلة. إنها مفتوحة على الفضاء الخارجي. وفي الليالي الصافية كان يراقب النجوم اللامعة. ويُحدِّق في القمر، ويتمنى لو يَصل إليه ليَهرب من رائحة المجاري المحلِّقة في عالَمه المنهار. لا بد للإنسان أن يَخرج من جِلده المحاصَر بالأزقة الضيقة، ويفر نحو الأفق الرحب. جدرانُ المنازل تقترب منه شيئاً فشيئاً لتخنقه. كان يَهْرب من رائحة العفونة القادمة من غرف بيتهم الصغير. إنها غُرف اعتقال سرية، زنازين تحت الأرض. عاشَ تحت الأرض، وسيموتُ تحت الأرض. كانت حياته برفقة الفئران والصراصير، ومَوْته سيكون برفقة الديدان والتراب. هكذا تتحدد ثنائية المسار والمصير.

 ولكي يَخرج من ثنائية (الفئران / الديدان) التي تهشِّم جمجمته، لجأ إلى تربية الحمَام. أقام بُرجاً للحمَام في إحدى زوايا السَّطح. وكلَّ يومٍ، عند الغروب، يَفتح سجن الحمَام لينطلق في الأفق. تسدُّ الأجنحةُ الناعمة هذا الأفق القرمزي. يلوِّح للحمَام بشبكة بالية، وينثر الذُّرةَ على الأرض. فيهوي الحمَامُ كالرصاص الحي ملتقطاً الذُّرة. إنها فرصة لإضاعة الوقت.. قتل الوقت. هنا، الوقت مجاني لا قيمة له. الكسلُ يتحرش بعقارب الساعة، وعقاربُ الساعة تَلدغ الناسَ، وتقتلهم بالسم.

 ومع مرور الوقت توسَّعت العمليةُ. لم تعد هوايةً أو إضاعة للوقت. بل صارت تجارةً ومصدراً أساسياً للدَّخل. وضع خطةً لاستقطاب الحمَام الذي يُغطِّي وجهَ الأفق، والسطو عليه. إنه يَسرقه من الآخرين بأساليب مبتكَرة، ويَبيعه في سوق الحمَام في وسط البلد. وطالما سَبَّبت له هذه السرقات مشكلات مع مُربِّي الحمَام، وَصلت إلى حد الاشتباك بالسلاح الأبيض. لكن هشام الديزل لم يكن يعبأ بشيء. إنه يُعطي للحياة ظَهْرَه. عُمره على كف عفريت، وقلبه ميت، وأعصابه في ثلاجة. حياته هروب مستمر. لقد تعوَّد على الفرار من نَفْسه وتاريخه واسمِ عائلته.

 اعتبرَ الحمَامَ أُسرته الروحية. كان مهووساً به لدرجة أنه قرَّر أن تكون أنواعُ الحمَام هي أسماء أبنائه في المستقبل. وأكثر نوعَيْن يحبهما هما: هومر، وبربريسي. كانت لحظات صبيانية وجنونية. وها هو الآن بلا زوجة ولا أبناء ولا حَمَام. خَسر أُسرته الحقيقية، وخسر أُسرته الروحية.

 كان الندى ينهمر من جبين هشام. في حُنجرته المثقوبة تخزِّن الليالي العميقةُ براميلَ البارود. تفتتحُ الأحزانُ مخازنَ السلاح في صمتِ الطيور المتفجر. جوارحُه تتقاتل فيما بينها. وذكرياتُه تتصارع على السرابَ القرمزي. إنه القاتلُ والقتيل. تتساقطُ أعضاؤه في الحروب المتكاثرة في قفصه الصدري. والراياتُ البيضاء مرفوعة سلفاً.

 استسلم لنداء عميق يتأجج في داخله. قَرَّر أن يمشيَ في أماكن طفولته، ومراتع صباه كأنه يُودِّع الأرضَ. يحصل على شهادة ميلاد ثانية، ويستعيد تاريخَه الشخصي، فيصبح الماضي حاضراً. وفي الليل سيرى روحَ جبل النظيف، وطبيعته التي لا يمكن مشاهدتها في النهار. الليلُ العميق هو المرآةُ الحقيقية لذواتنا. والمشي أفضل وسيلة للسلام الروحي، والتصالح مع الذات، والتخلص من الكبت والقهر. لا زوجةٌ تنتظره في غرفة النوم، ولا أبناء يَنتظرون عودته بكيس الخبز. إنه متحرر من جاذبية العناصر، وثقلِ الهواجس.

 مشى في الأحياءِ القديمة، والأزقةِ الضيقة. يكاد يَطير. إنه يُمشِّط الشوارعَ بحثاً عن ذكرياته الحبيسة. كأن الزمن قد توقف في تلك اللحظات الدافئة. التفاصيلُ هي القاتلة. قرَّر إنهاءَ جولته في شارع المصدار.

 وبينما هو يَسير في شارع المصدار، أحسَّ أن شخصاً يَتبعه. التفتَ بسرعة، فإذا رَجل ضخم يَقترب منه بخطوات ثابتة. تجمَّد هشام مكانه، ولم يحاول الفرارَ.

 وقفَ الرَّجلان وجهاً لوجه. حدَّق هشام في وجه الرَّجل للتعرف على هويته. عَرَفه بصعوبة. كان هناك علامة مميَّزة على خدِّه الأيسر.

 قال الرَّجلُ الضخم:

 - إذا لم تَعرفني من العلامة على خدِّي، فانظر على خاتمي.

 نظر هشام إلى الخاتم المميَّز، وهو على شكل جمجمة عليها رقم 9، وهو عدد حروف " جبل النظيف "، فتأكد من هوية هذا الشخص.

 قال هشام بصوت خَدَشته السنواتُ:

 - عرفتُكَ يا سعد الشويني.

 ابتسم سعد، وقال ساخراً:

 - إن أبي الذي سمَّاني " سعد " لم يَعرف أنه أنجبني في يوم نحس.

 ظَهر الوقارُ على وجه هشام، وقال بصوت هادئ:

 - اتقِ اللهَ يا سعد، وارضَ بالقضاء والقَدَر.

 ارتسمت ضحكة خبيثة وصفراء على ملامح سعد، وقال:

 - ما شاء الله، صِرتَ شيخاً، وتتكلم في الدِّين مثل أئمة المساجد.

 الشرُّ يَرسم على جبهة سعد لوحةً زيتية أو دموية. خدودُه شرارةُ التاريخ الوحشي. لقد حلم بهذا اللقاء منذ زمن بعيد. وأخيراً، تحقق الحلمُ المهووس. نهارُه عذابٌ، ولَيْله حريقٌ. في النهار، كانت التماسيحُ تتشمسُ على سطح بحيرة دموعه المتحجرة في عينيه. وفي الليل، يتقلبُ على جَمر الانتقام. لقد حان موعد الثأر.

 قال سعد ووجهه يتدحرج على خدوده مثل كرة النار:

 - جئتُ لأُسدِّد ديونَ الزمن، ولا يَضيع حق وراءه مُطالِب. لقد انتظرتُ هذه اللحظة منذ سنوات لأغسلَ العارَ. لا أَحد يَهرب من سعد الشويني.

 أدرك هشام أنه في موقف حرج بعد أن لاحظ الشرَّ وهو يتوهج أمامه. لكنه لم يَفهم كلام سعد الغامض، فقال والحيرةُ بادية على جوانحه:

 - لم أفهم قَصْدَكَ يا سعد. وضِّح كلامَك.

 نظرَ سعد إلى هشام باحتقار شديد، وقال له:

 - لقد بصقتَ في وجهي في مقهى الحبايب أمام الناس، قبل ثلاثين سنة. هذه واحدة، والثانية سَكبتَ الشاي على ملابسي لإضحاك الحضور. وقَد ضَحكوا عليَّ، والآن جاء دَوْري لكي أَضحك.

 ابتسم هشام بسخرية، وقال:

 - لو كنتَ رَجلاً لانتقمتَ في تلك اللحظة.

 تضايق سعد من هذه العبارة التي هيَّجت الألَمَ المتحجر في زوايا وجهه، وفقد تركيزَه لثوانٍ، ثم استجمع قوته، وقال:

 - كان رجالُك حَوْلك، وكنتُ وَحْدي. والكثرةُ غَلبت الشجاعةَ. والآن، صار القويُّ ضعيفاً، والضعيفُ قوياً.. الدنيا دوَّارة.

 وأخرج خنجراً، وغَرَسه في بطن هشام بسرعة البرق، وقال:

 - هذه الطعنةُ من أجل البصقة.

 ثم نزعَ الخنجرَ من بطنه، وغَرَسه في صدره، وقال:

 - وهذه الطعنة من أجل الشاي.

 تفجَّرت الدماءُ من جسم هشام كالشلال. سَقط على الأرض. إنه يتخبط في حُمرة الدم، يَسبح في أشلائه.

 نظرَ إليه سعد نظرةَ الوداع، وقال باستهزاء:

 - اطمئِن، فالخنجر ليس مسموماً بسبب العِيش والملح الذي بيننا. والعِشرةُ لا تهون إلا على أولاد الحرام.

 الشوارعُ معجونةُ بالرعب الدامي. والرياحُ مكدَّسة مثل ثياب الحِداد. الدماءُ تَغسل الإسفلتَ. جسدُه يتشظى كإضاءة مصباح يَنتحر. الدماءُ علبةُ مكياج لأرملة على فِراش الموت. أيقنَ هشام أن ساعة النهاية قد حانت. إنها الساعة الرهيبة، سَيُغلَق الملف إلى الأبد، وتُسجَّل القضية ضد مجهول. طالما أحبَّ السباحةَ، لكنه لم يتوقع أن يَسْبح في دمائه اللزجة. إذا مات سيُدفَن في مكان مجهول. عاش غريباً وسيموت غريباً. قلبُه سيظل يسأل هذه الأرصفة الباردة: هل انتهت المغامرة ؟.

 لم يكتب وصيته. سَيَكتبُ الليلُ وصايا الحزانى. الأمطارُ الحمراءُ أصابعُ الأسرى في طرقات الحمَّى.((لَيْتني أُدفَن إلى جانب أُمِّي))، قال في نَفْسه. إنها أُمنيته الأخيرة، الأمنيةُ الأخيرة للمحكوم بالإعدام أو الحنينِ. هذا الفراغُ الجارح لا يَعرف خارطةَ القبور. والعواصفُ التي تهيمن على إشارة المرور الوحيدة لا تَعْرف قبرَ أُمِّه. سيكون القبران حرفَيْن في أبجدية المتاهات. هواجسُ الموت تقتلع رموشه رصيفاً رصيفاً. والغبارُ الأرجواني ينسج أكفانَ شجرِ الطفولة. كل الطرقاتِ تؤدي إلى الموت.

 لم تجيء ساعة النهاية. والموتُ لم يَزُر هذه البُقعة الحمراء. في زحمةِ الأحزان المتكاثرة كبيوض الحشرات، تُولَد شمسٌ لَيْلية. وَقعت الجريمة مقابل دَير الأخوات المتأمِّلات. وهو دَير أثري تقطنه راهباتٌ كبيرات في السن. وقد شاهدت إحدى الراهباتُ هشام وهو يَغرق في شرايينه المتفجرة، فأسرعت إلى أخواتها. أيقظتهن من النوم، وأخبرتهن بالأمر. أُعلن الحِدادُ على الضحية التي ما زالت على قَيْد الحياة، وتم إعلان حالة الطوارئ في الدَّير. وانطلقت الراهباتُ بثياب النوم البيضاء إلى هذا الغارق في دمه. أحاط البياضُ بهشام. لم يَعرف هل ماتَ أم لا يزال حياً. هل صار في الدار الآخرة أم أنه ما زال في الدنيا ؟. كان البياضُ المحيط به ساطعاً.

 وَضعنَ قطعَ القماش على جراحه المتشعبة. ضماداتٌ تم لفها بإحكام حول النزيف الشرس. سَحَبْنَه إلى داخل الدَّير

 هل سَيَخرج من الدَّير واقفاً على قدميه أم جثةً هامدة محمولة على ظهور القطط المشرَّدة ؟. أفكارٌ متضاربة. صورٌ مشتَّتة تَكسر البراويزَ، وتهاجر إلى حتفها الأكيد. تاريخٌ من الأضداد والمرايا المشروخةِ. لا أحد يَعرف ماذا يَجري. تحوَّلت الراهباتُ إلى رجال آليين. راهبةٌ تَسكبُ الماءَ على الدم الملتصق بلحم الشارع، وعروقِ الإسفلت. ماذا تفعل هذه الراهبة في الليل العميق ؟. تَغسل الشارعَ، وتكتب بالدمِ شهادةَ ميلاد الرياح المسيطرة على الأرصفة الخالية من المارة. سيأتي النسيمُ العذب من نهايات الليل المعطَّر بكاوتشوك السيارات المختفية. وإشارةُ المرور الحمراء تستمد لونَها من حُمرة الدماء. كل شيء أَحْمر في وحشة الطريق. تأجَّج الاحمرارُ في أجسام الراهبات. لا يوجد في عالمهن أحمرُ الشفاه، ولا علب مكياج، ولا قمصان نوم حمراء. ومع هذا صارت حياتهن ممزوجة باللون الأحمر. هذا الأحمرُ يَفرض شروطَه على كل العناصر.

 استقرَّ هشام على أحد الأَسِرَّة الذي لا يزال محتفظاً بالدفء، دفءِ الجسد الأنثوي. هذا الديرُ خليةُ نحلٍ دؤوب. إنه مستشفى مجاني. هناك راهبتان تملكان خبرةً واسعة في أمور الطب والتمريض، لأنهما عَملتا لفترة طويلة كممرضتين في المستشفى الإيطالي القريب من شارع المصدار.

 كانت ينابيعُ الألم تتفجر من الحيطان. لا فائدة من العِلم إذا لم يُنقذ حياةَ الناس. والآن تتجلى أهميةُ العِلم لإخراج هشام من المتاهة المفتوحة على كل الاحتمالات. لا وقتَ لخجل الإناث من جسد الرَّجل. هذا الرَّجلُ الوحيد في غابة النساء، فَقَدَ مخزونه الإستراتيجي من الدم. دماؤه انسكبت في حُفر المجاري بعد أن غَسلت أزقةَ الأحياء الشعبية. حياته متأرجحة بين الحياة والموت. وأحشاؤه الذابلة مزهريةٌ على مائدة الليل الطويل.

 افتقده المصلون في مسجد طارق بن زياد. جاء البعضُ قبل أذان الفجر، فَوَجدوا المسجدَ مُغلَقاً. انتظَروا أحد المصلين الذي لديه مفاتيح احتياطية للأبواب. ليس من عادة هشام أن يتأخر في فتح الأبواب. إمَّا أنه غارق في النوم، أو أن أمراً ما حَصل معه. وَجدوا المسجد نظيفاً، ومرتَّباً، وذا رائحة طيبة. لمساتُ هشام ظاهرة للعيان. آثارُه واضحة، لكنه مختفٍ عن الأنظار. جاءت اللمساتُ واختفت الأصابع. اتضح المبنَى وغاب الباني.

 كان الظلامُ يَنحسر تدريجياً، يَجرُّ منديلَه الخشن الملقى على خدود جبل النظيف. نورٌ خافت يَطْلع من عِظام الضحايا. ضوءُ الفجرِ يَغسل جبينَ الأفق. يا لها من لَيْلة !، إنها لَيْلة طويلة ومُرعِبة. ولكنْ كلام الليل يمحوه النهارُ، وما تأتي به الرياح تأخذه الزوابع.

(22)

 كانت سهير أنطوان تَعزف على البيانو. إنها تنتشل قلبَها من بئر المساء. هذا الصوتُ الحزين المنبعث من أعماقها يَنصهر في صوت الموسيقى النازف. كأن النسيم القادم من النافذة يَنشر أكفانَ الصبايا على أسلاك البيانو.

 الصليبُ معلَّق على الحائط أمامها. أصابعها تتحرك على البيانو مثل أمواج تتحرك على قرميد الأكواخ المهجورة. تُعطي ظَهْرها لأدغال الصدى. وجهُها يقابل الجدارَ. وَحْدَها الموسيقى تحطِّم زنزانتها الانفرادية، وتحرِّرها من القيودِ والأحكامِ العُرفية. إنها متوترة بعض الشيء. تنتظر قدومَ معلمتها الأرمنية ماريا. الانتظارُ لهبٌ لا ينطفئ. والمواعيدُ الهامة مسامير في القفص الصدري. ورغم أن سهير عازفة بيانو ماهرة إلا أنها تسعى إلى تحسين أدائها. تريدُ الاقترابَ من الكمال.

 وبعد رُبع ساعة تقريباً جاءت ماريا. هذه الأرمنيةُ المطلَّقة معلِّمة بيانو متمكنة للغاية. إنها عازفة أسطورية. ولو وُلدت في أمريكا أو أوروبا لربما أصبحت مثل بيتهوفن أو شوبان. إنها كتلة متناقضات، ومجموعة أضداد. فهي نصف ماسونية ونصف ملحدة، ومع هذا تَذهب إلى الكنيسة صباح كل أَحد بصورة منتظمة.

 وقد أثرت مشكلاتها الشخصية على تركيزها في العزف. فقد خاضت نزاعاً مريراً في المحاكم، حيث طَلبت الطلاقَ من زوجها، ورَفض زوجُها تطليقها. وتدخلت الكنيسةُ في الأمر، وتدخلت وسائلُ الإعلام، وجمعياتُ الدفاع عن حقوق المرأة، وحَدثت مواجهة حامية الوطيس بين المحامين. وصارت قضيتها على صفحات الجرائد. قضيةٌ شديدة التعقيد صارت مسألةَ رأي عام ذات علاقة بالأمن القومي !. وتدخَّل في الموضوع فقهاء القانون الدستوري، والخبراءُ في قوانين الأحوال الشخصية. ورَمت الكنيسةُ بكامل ثقلها في القضية. وتحول موضوعها الشخصي إلى قضية دينية. وصار علماءُ اللاهوت يتجادلون حول مسألة الطلاق في الإنجيل، وتأويل النصوص الدينية، وعلاقةِ الدِّين بالحياة الاجتماعية. وتصادمت الكنيسةُ مع العلمانيين. وحَدثت لقاءات كثيرة بين الكاثوليك والبروتستنت والأرثوذكس للوصول إلى قرار ديني مشترك حول موضوع الطلاق، ولكن دون جَدوى.

 وهذه الضجةُ الهائلة أَتلفت أعصابَ ماريا، وجَعلتها شبحاً مفرَغاً من المعنى، وجثةً عائمة في الفضاء. لا وزن ولا جاذبية. وفي تلك الفترة العصيبة لم تعد تتردد على المحامين. بل صارت تتردد على الأطباء النفسيين. أَدمنت على مضادات الاكتئاب والحبوبِ المنوِّمة. ووصلت إلى حالة يُرثَى لها. فَقدت جزءاً كبيراً من وزنها. وصارت عصبية للغاية. حطَّمت زجاجاتِ الخمر في بيتها. هَشَّمت زجاجاتِ العِطر. كَسَرت علبَ مكياجها. دَخلت في حالة مزاجية سيئة للغاية أقرب إلى الهلوسة، لدرجة أنها كَسرت البيانو الشخصي (عشيقها الأبدي)، وهو تحفة فنية مصنوعة يدوياً من الألف إلى الياء، أهداه إليها والدُها في عيد ميلادها الثامن.

 وفي نهاية المطاف حَصلت على الطلاق. استمرت قضيتها ست سنوات. أكثر من ألفَي يوم من العذاب والمعاناة والقلق النفسي والانهيار الجسدي الشامل. تحوَّلت في هذه الفترة إلى شبح امرأة لا هوية لها غير الاحتضار الذي يَشتعل ولا يَنطفئ.

 وقد استغرقت عودتها إلى الحياة الطبيعية زمناً بدا وكأنه بلا نهاية. وكانت فترة النقاهة التي أَعقبت صدور الحُكم طويلة للغاية. وظَهر الضوءُ في نهاية النفق الرهيب الذي حَفر وجدانها، وشَقَّ ذاكرةَ أنوثتها. استعادت ثقتها بنفسها. رجع الربيعُ إلى جسمها. ووجهُها كَسر كلَّ الأقنعة. وعاد شَعرها الأشقر إلى سابق عهده. ووُلدت الأزهارُ في خدودها من جديد.

 كان زواجُها جحيماً لا يُطاق. تتمنى في قرارة نَفْسها لو أنها عانس، فهي تعتبر العنوسةَ رصاصةَ الرحمة التي تأتي بالخلاص. إنها لبؤة مجروحة اختفت عن الأنظار، وحاولت علاج نَفْسها بنفْسها. تلعقُ جُرحَها المرتعشَ. فإمَّا أن تعود إلى الحياة، أو

تموت في الغابة وحيدةً. والضربةُ التي لا تقتلكَ تُحييكَ وتزيدكَ قوةً.

 لقاءُ سهير مع معلمتها دائماً يكون مفعماً بالمودة والحيوية. إنها تلتقي مع أُمِّها الروحية على الرغم من أنهما تبدوان ضرَّتين تتصارعان على زَوْج واحد، وهو البيانو.

 لقد قَطعت سهير شَوْطاً طويلاً في العزف على البيانو، ولكنْ تظل اللمسات الاحترافية الأخيرة هي ما يَنقصها. إنها على مشارف القمة، ولكنها لم تبلغ القمةَ.

 جَلستا جَنباً إلى جَنب. يختفي الكلامُ بينهما، وتصبح الموسيقى هي لغة التخاطب الوحيدة. وهذا البيانو أبجديةٌ متكاملة. وحين تبزغ الألحانُ تختفي الكلماتُ. بابُ الغرفة مغلقٌ بإحكام لئلا يَدخل عليهما أَحد. لا يمكن السماح لأحد أن يَقطع العزفَ كما لا يَمكن لأحد أن يُقاطعَ المرأةَ وهي في حالة الولادة.

 رَاحت المعلمةُ تَعزف على البيانو. فهي تريد تعليم تلميذتها بعض التقنياتِ الحديثة في التأليف الموسيقي. وعندما تَدخل في عالَم العزف تنقطع عن الوجود، وتدخل في الفناءِ الأبدي. أصابعها تشتعلُ في براري الصوتِ الحزين، والعَرَقُ ينهمر من جبهتها، ويسيل على وجهها الذي يَرفض الاستسلام في هذه الحرب اللذيذة. إن العزف يستهلك طاقتها، ويمتص عَرَقَها حتى القطرة الأخيرة. جسدُها يَدخل في أفلاك الرعشة، وتاريخُها الشخصي كله مفروش على أسلاك البيانو النحاسية. كأن أنوثةَ الموسيقى حربٌ لا تنتهي، وجيشٌ لا يَرفع الرايةَ البيضاء.

 أَنهت المقطوعةَ. أَخرجت منديلاً برتقالياً، ومَسحت به وجهَها ورقبتها ويَدَيْها. أَطرقت لبرهة لتستعيد توازنها الروحي، وإحساسها بجسمها. ثم نظرت إلى سهير، وقالت:

 - أريدك أن تعزفي هذه المقطوعة بدقة شديدة. يجب أن تعتمدي على نَفْسك، وتتركي بصمتك الشخصية، ولا تخافي من الخطأ. تذكَّري يا سهير، سوفَ تمشين في الطريق لوحدكِ. أنا مِثل مدرِّب السواقة، أُدرِّبك على بعض الشوارع، ثم أترككِ لتواجهي التحدياتِ لوحدكِ. لا يوجد مدرِّب سواقة يُعرِّفك على شوارع كوكب الأرض، ولا يوجد موسيقار يَقْدر على كشف أسرار البيانو بالكامل. لا بد أن تكتشفي طريقكِ من خلال التدريب المتواصل، وتطوِّري أسلوبكِ الخاص دون تقليد أحد، ولا اقتباس ألحان أحد. كوني نَفْسكِ يا سهير، مفهوم ؟.

 هزَّت سهير رأسَها في إشارة إلى استيعاب الكلام. ولكنْ بقي هناك سؤال يَدور في رأسها، فقالت:

 - هل توجد اقتباسات في عالم الموسيقى ؟.

 أدركت المعلمةُ أن سهير فتاة بريئة تعيش في عالَم وردي لا يمت للواقع بصلة، وهي لا تَعرف شيئاً عن الدنيا الجامحة التي يتقاتل عليها الناس. ابتسمت المعلمةُ برقة شديدة، وقالت:

 - المقلِّدون موجودون في كل مكان وزمان. وفي مجال الموسيقى تَكثر الاقتباسات. فمثلاً، هناك أغنية للموسيقار المصري محمد عبد الوهاب بعنوان " أحب عِيشة الحرية "، لحنُها مأخوذ من السمفونية الخامسة لبيتهوفن.

 استغربت سهير هذا الكلام لعلمها أن محمد عبد الوهاب موسيقار شهير. وقد ظنَّت للوهلة الأولى أن معلمتها تَكذب عليها، أو تبالغ في الموضوع. لكنها سُرعان ما طَردت هذا الخاطر. فهي تثق بمعلمتها ثقة عمياء، وتؤمن بكل كلمة تقولها. وليس من عادتها الكذب أو اختراع القصص الخيالية.

 عاد صوتُ البيانو يَصدح في الأرجاء. أصابعُ سهير تَتهادى على آثار أصابع معلِّمتها. هكذا، يصبح البيانو هو العريسُ بين جثث النساء، هو الملِكُ المتوَّج على نعش الأنوثة. ويصبحُ صوتُ الموسيقى صوتَ مَن لا صَوت له، وتاريخَ مَن لا تاريخ له.

 عادت ماريا إلى مكان سكنها. إنها تقطن في حي الأرمن في الأشرفية. سيارتها فارهةُ مرسيدس سي إِل كيه تُبحِر في ذاكرة الشوارع. وهذه الأرمنيةُ المدجَّجة بالأنوثة لا تَعرف قيادة أية سيارة أخرى. لقد تأقلمت يداها على مِقْود هذه السيارة، وصار جِلْدُها معجوناً بجِلد الكراسي. وقد عَرض عليها الكثيرون شراء سيارتها الأنيقة بمبالغ مغرية، إلا أنها رَفضت بشدة. فأشياؤها الخاصة مرتبطة بتفاصيل عمرها. وهي لا تريد التفريط بأشيائها لئلا تفرِّط بعمرها. فقوةُ الأشياء كامنة في الذكريات. والذكرياتُ لا تُباع ولا تُشترى.

 إنها تأوي إلى شقتها الدافئة كقطة مبلولة هاربة من المطر. لم تكن شقةً واسعة، لكن ديكورها المتقَن يُشعرك أنك في قلعة من قلاع القرون الوسطى. لم تغيِّر ملابسَها. أَلقت نَفْسها على السرير جثةً هامدة. كأنها لم تنم منذ عدة قرون.

 وبعد ساعة تقريباً استيقظتْ مذعورةً. كان الضجيجُ في الشارع يهز أركانَها بقسوة. لماذا كل هذه الضوضاء ؟. أسرعتْ إلى النافذة لترى ما يَحدث. كانت هناك سيارة محمَّلة بالأثاث والأغراضِ المنزلية. والعمالُ يُنْزِلون هذه الأشياء في الشارع الضيق. ويبدو أنهم تسبَّبوا - دون أن يَشعروا - بأزمة مرورية. عَلت أبواقُ السيارات، والسائقون يتصايحون، وكادت الأمور أن تصل إلى حد الشتائم والضرب.

 دَخل الجميعُ في جَدل بيزنطي. الصراخُ هو الحوار العدمي. والأمورُ تتعقد بصورة كارثية. وبينما الجميعُ يَغرقون في دوامة الضجيج، ظَهر الشيخ عبد الرحيم عمران. ماذا يَفعل في هذا المكان ؟. إنه الإمام الجديد لمسجد الحي، وهذه الأشياءُ التي يَنْقلها العمالُ هي أشياؤه. اعتذر الشيخُ للسائقين، وطَلب من العمال أن يُسهِّلوا حركةَ السيارات. وبعد خمس دقائق انتهت المشكلةُ من جذورها. زال الضجيجُ، وعادت المياه إلى مجاريها. أُعجبت ماريا بهذا الحل السريع، وأَدركت قدرةَ هذا الإمام الجديد على علاج المواقف الصعبة بسرعة ودون تردد.

(23)

 في آخر اجتماع لمجلس قيادة الثورة. قرَّر فايز ورفاقه عقد ندوة ثقافية في جبل النظيف. ستكون هذه أول ندوة ثقافية في تاريخ هذا الجبل المعزول. لا يكفي أن تظل التوصيات داخل المقبرة، وبين شواهد القبور. يجب نقل الأفكار من عالَم الموتى إلى عالَم الأحياء. وينبغي نقل الثقافة من النخبة إلى الجماهير. هذه أهم المبادئ التي خرج بها المجتمِعون. وقَّع على وثيقة التوصيات فايز عمران، وبسام خميس، ومازن عبد الله، ومعاذ أحمد حميد. أمَّا حارسُ المقبرة فاعتذر عن الحضور، والمشاركة في الندوة، حيث قال إن مكب النفايات الذي يديره يدر عليه أموالاً لا يمكن أن يجنيَها من الثقافة. فالثقافة لا تُطعِم خبزاً، ولا تدر أرباحاً. لقد خسروا الدعمَ اللوجستي الذي كان يقدِّمه حارسُ المقبرة.

 أحضَروا طاولةً وعدداً من الكراسي. وضعوا الطاولةَ على الرصيف. زرعوا الكراسي في أحد الشوارع الفرعية الضيقة. وصاروا يَدورون في الشوارع لإقناع الناس بالحضور. لم يجيء أحد، ولم يَقتنع الناس بالفكرة. حاولوا إغراء أحد سائقي سيارات الأجرة بالحضور، فقال لهم:

 - إذا كانت الندوة مجانية فسوف أُضيِّع وقتي في مهزلة الثقافة، وإذا كانت غير مجانية، فالمالُ أريد أن أشتريَ به كيسَ خبز لأولادي، وليس كيس ثقافة.

 أُصيبوا بالإحباط. لا أحد يهتم بالثقافة. كيف يُقنِعون السكانَ أنه ليس بالخبز وَحده يحيا الإنسان. هذا حَدَثٌ تاريخي ينبغي استغلاله، والمشاركة فيه. إنها أول ندوة ثقافية في جبل النظيف، سوفَ تَدخل التاريخَ من أوسع أبوابه، والذين يَحضرونها سيكتب التاريخُ أسماءهم بأحرف من ذهب. إنهم طليعة الجيل المثقف في جبل النظيف. لا أحد يُقدِّر هذا الحلمَ.

 لَمعت فكرةٌ عجيبة في ذهن فايز، سوفَ يدفع نصف دينار لكل شَخص يأتي إلى هذه الندوة. والدفعُ سيكون مُقَدَّماً. وبعد فترة وجيزة، امتلأت القاعةُ عن آخرها، أقصد امتلأ الشارعُ عن آخره. جاء الزعرانُ والعاطلون عن العمل والأيتام والأرامل.

 رحَّب فايز بالحضور، وقال:

 - أيها السادةُ والسيدات، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يسرنا اليوم أن نقدِّم لكم شاعر جبل النظيف، الأستاذ الكبير مازن عبد الله، وسوفَ يقرأ علينا إحدى نصوصه الإبداعية.

 علا التصفيقُ، واندلع التصفير. الأجواءُ حماسية للغاية، والجميعُ سعداء بالمبلغ البسيط الذي حصلوا عليه دون عناء.

 قال مازن بعد أن رَحَّب بالحضور:

 - أيها الأخوة والأخوات، يُسعدني اليوم أن أقرأ إحدى قصصي القصيرة، مع أنني شاعر ولي قصائد منشورة في الصحف المحلية والعربية. وذلك من أجل التغيير، والتنوعِ الإبداعي. هذه القصةُ بعنوان " مهزلةُ الإنسانِ الضحيةِ المجرمِ ". وأنا أحاول أن أرسلها إلى أحد أساتذة أكسفورد.

 نظر أحد الحضور إلى صديقه قائلاً:

 - من هو أكسفورد ؟.

 ابتسم صديقه بسخرية، وقال:

 - يا جاهل، أكسفورد فريق كرة قدم مثل ريال مدريد وبرشلونة.. ستبقى طيلة عمرك حماراً لا تعرف شيئاً عن الثقافة.

 راح مازن يقرأ قصته مثل البركان الثائر بلا مواعيد:

 [ المرتزقةُ يَعتبرون الدنيا مسرحاً وأنفسهم مشرفي الإضاءةِ، يحددون موعدَ بدايةِ العَرْضِ وموعد انتهائه. هُم المخرِجون، يفرضون أسلوبَ الأداء، ونوعيةَ أداة الجريمة: سيف أم بُندقية أم مدفع أم قنبلة. ويختارون طريقة التصفية الجسدية: الكرسي الكهربائي أم المشنقة أم المقصلة أم السم.

 يشرقُ القتلُ بلا بيروقراطية. بكل شفافية يَقْتلون، ويُلْبِسون الذئبَ الساكنَ فيهم قناعَ ماعزٍ بريءٍ. والإمبراطورُ يُرسلُ جيشَه ليحارب أخاه. يظل في شرفة القصر مع زوجته المحنَّطة في قميص النَّوم الشَّفاف يتناولان فطورَ الصباح. وفوقَ فوهة الأحزان يُلَوِّحُ الحطامُ بقبعته العسكرية. ضَحَّى بالرجال لكي يربح مُعجَبةً جديدة، ويُضيفها إلى قائمة المعجَبات !. للمنافي تفاصيلُ أشيائنا. وإن اختفى المطارُ فلن يختفيَ السَّفرُ.

 - هل تريدون الغداء فاصولياء أم عَدَساً ؟.

 - نريده عَدَساً.

 - إذن فليكن فاصولياء !.

 أُصيبوا بصعقة المفاجأة التي أُريدَ لها التكاثر في الأحاسيس. عَدَّلُوا وُجهتهم نحو كيس الفاصولياء، شاعرين في أعماقهم بقبائل انكساراتٍ رَدَمَتْ جوعَ هياكلهم، وثقبت جوعَ أرواحهم. سكبوا ماءً في القِدْر لا أدري من أينَ نهبوه. ثم أُهِيلت الفاصولياء بقسوة تضارع قسوة النيران الموقدة تحت القِدْر. احتكاكُ حَجَرَي صُوَّان على ورق يابس جاف يُماثلُ الهشيمَ الملتهب المصبوب على المطعونين أينما سافروا.

 لم يستغرق نضجُ الطعام إلا وقتاً بسيطاً مُساوياً للمدة التي يأخذها الضوءُ في استقطاب كتيبة فراشات يتيمة. كُلُّ الوجبات والفراشات ناضجة. آيلةٌ للاحتراق. فواتيرُ الدماء لم تُدفَع. اندلعت فرقعاتٌ هائجةٌ على سطح المزيج.كُراتٌ من البُخارِ تَنُطُّ في وسطٍ مُحتدِمٍ. الماءُ يبلعُ الماءَ. ليس وداعاً ضبابياً في المطارِ، لأن المطار يُسافر فينا وكلُّنا مسافرون.

 مُدَّت الصُّحونُ وتوالت متلاحقةً. تُذَكِّرُني بِسِرْبٍ من الأُقحوان الجبلي يتعانقُ استعداداً للشتات لأن القَطْفَ قادمٌ. سُكِبَ الطَّعامُ فيها برفقٍ. كان الصحنُ الكبيرُ مخصصاً لكبيرهم. حُملَ إليه في مقره في جوف خيمة جديدة نُصبت خصِّيصاً له. كان جالساً على كرسي هزاز يتحرك في الأمام والخلف. تشتبك الجهات وتحتفظ باندفاعها. والغريبُ أن الكرسي الهزاز مُلازِمٌ له، يُشحَن مع أغراضه والعتاد العسكري. ورغم أنه سُئل أكثر من مرة عن سِر ذلك الكرسي الذي لم يُفارقه منذ التحق بالخدمة العسكريةِ، إلا أنه كان يتهرب من الإجابة، ويقتحمُ موضوعاً آخر مُؤْثِراً الاحتفاظ بسر الكيان الخشبي المتحرك.

 أمسكَ صحنَه وتذوقَ ما فيه، فوجده طيب المذاق متكامل العناصر، إلا أنه ارتأى اختراع عيب فيه ليقوم بنقد رجاله، وإشعارهم بنقصهم، وأنهم لا يُحسنون فعل شيء. فقد سكن في ذهنه أن مدحَ الآخرين قد يُعلمهم الجرأة على أسيادهم، وبالتالي ينكسرُ الحاجز بين السَّيد والعبد.

 قال جاعلاً كل شذوذه أرضيةً خفيةً لكلامه الصارخ:

 - أين الحمارُ الذي قام بالطبخ ؟!.

 - نعم سَيِّدي !.

 - ألم تسمع باكتشاف اسمه الملح.

 - لقد وضعتُه سيدي.

 - إذن أنا كذاب أخترعُ الكذب أو مغفَّل لا يميِّز مذاقَ الأشياء.

 وأردفَ قائلاً بعد هذا الهجوم:

 - هل تريد أن أُقدِّمكَ إلى محاكمة عسكرية لتعيش ما تبقى من حياتك في السجون تُنَظِّفُ مراحيضها ؟، أم تريد أن أُفرِّغ رصاص مسدَّسي في رأسكَ، فأحرمكَ من النوم مع زوجتك ؟.

 - أنا أعتذرُ يا سيدي. أرجوك سامحني.

 في الحقيقة كان قد وضع الملحَ بكمية معتدلة في الطبق، وكان متأكداً من ذلك مئة بالمئة ومع هذا أنكرَ عمله من أجل الخلاص. فقال متصنعاً الغفلة:

 - الآن تذكرتُ يا سيدي. فأنا لم أضع الملح في طبق سيادتكم سهواً، وسوف أُضيفُ له الملح فوراً !.

 وما إن فرغَ من قوله حتى استقبلَ صحناً ممتلئاً، رماه قائدُه عليه فلطَّخ ثيابه. وقال بعد أن ألقى صحن الفاصولياء:

 - تأكد من عملك قبل أن يصلَ إليَّ. والآن اغرب عن وجهي وأحضر لي صحناً آخر، وأربعة ديمقراطية، وواحد شاي. ].

 انتهت القصةُ. وكان الحضورُ يتبادلون النظراتِ المندهشة. وانطلقَ التصفيق مع أنهم لم يَفهموا شيئاً. وفي هذه البُقعة، لا يهم أن تَعرف لماذا تصفِّق، المهم أن تصفِّق وحَسْب. الأفقُ رمادٌ على أصابع الشجر الذابل. والأهدابُ المكسورةُ هي الأفق الجديد.

 نظرت زليخة الأرملة حولها، ثم قالت:

 - عليَّ الطلاق، لم أفهم شيئاً. ولكن أجمل مقطع في القصة هو الذي يتحدث عن النوم مع الزوجة.

 ضحك أحد الزعران، وقال بصوت خفيض:

 - عجوزٌ مجنونة، عقلُها في شهوتها المتعفنة. زوجها مات وارتاح منها، وهي لا تزال تَحلف بالطلاق.

 سَمعت زليخة هذا الكلام. وَقفت بسرعة هائلة كأنها شابة في العشرين. الجمرُ يتوهج في عينيها. وفي جبهتها تتقاتل صقورُ الحقد والانتقام. دمها يغلي في قِدر الاحتضار. وجسمُها شعلةٌ من اللهب تحرق مداراتِ تاريخها المتآكل.

 أَمسكت الكرسي، وألقته على ذلك الشاب بكل ما أُوتيت من قوة. كانت هذه الحركة هي الشرارة التي أَطلقت حرب الكراسي. ومعظمُ النارِ من مستصغر الشَّرر. عمَّت الفوضى، وتطايرت الكراسي، وتعالت الشتائمُ البذيئة. ودخل الجميعُ في المعمعة دون تحضير مسبق.

 حاول فايز ورفاقه في مجلس الثورة تهدئة الأمور، لكن الأمور ازدادت سوءاً، وتحوَّل الشِّجارُ إلى تحرش بالنساء، واختلط الحابل بالنابل. خَرجت الأحداثُ عن السيطرة بشكل كامل.

 هرع الأهالي إلى المكان بعد أن سمعوا الصراخَ المرعب الذي شَقَّ العمودَ الفقري للفضاء. وبعد نصف ساعة تقريباً، جاءت سيارات الشرطة. استطاع الكثيرون الهربَ، والتفرقَ في الأزقة المعتمة والمتاهات المتكاثرة. ومَن لم يستطع الهربَ وقع في قبضة الشرطة التي طَوَّقت المكان، وأَنهت الشجارَ بكل حزم. ألقت القبضَ على عدد كبير من المتواجدين، واقتادتهم إلى المخفر. إنها نهاية مؤسفة لحدث ثقافي. كأن الثقافة هي الهدوء الذي يسبق العاصفةَ.

 عَرفت الشرطةُ حقيقةَ الأمر. فالتجمعُ - بالأساس - هو تجمع ثقافي، وليس عملاً تخريبياً يَهدف إلى الإضرار بالأمن العامِ، والسِّلمِ الأهلي، وممتلكاتِ الناس. ومما ساهم أيضاً في علاج الأمر، تدخُّل شيوخ جبل النظيف للإفراج عن المعتقَلين، والتعهد بعدم تنظيم أي تجمع جماهيري دون إذن مسبق من الجهات الأمنية.

 عاد الناسُ إلى بيوتهم. انتهى حُلمُ الثقافة. توقَّف التاريخُ عند الإشارة الحمراء. ضاعت الفرصةُ الذهبية. إنها أول ندوة ثقافية في تاريخ جبل النظيف. كلُّ الأمنيات تاهت في الأزقة الكالحة، ولا مفر من عودة مجلس قيادة الثورة إلى المقبرة.

(24)

 لقد تحوَّل عمران إلى شبح. جسمُه صار نحيلاً، والكوابيسُ تتلاعب به ليلاً ونهاراً. ذَهب إلى أطباء كثيرين، وكلهم مُجمِعون على أنه لا يعاني من أي مرض. الفحوصاتُ الطبية التي أُجريت له واضحة في هذا المجال. ولكنْ ما سبب المشكلات الصحية التي يعاني منها ؟. قد يكون مرضاً غامضاً، أو ربما يكون مرضاً جديداً لم يكتشفه الطبُّ الحديث. يتلاشى هذا الرَّجلُ الوهمي في مدارات الاحتراق، يتشظى إلى أزهار سامة، وذكرياتٍ متوحشة.

 أحدُ الأطباء أخبره أنه مريض بالوهم، وأن مرضه نفسي لا جسمي. إن الداء الذي يَفتك به داء معنوي وليس حسياً. ونصحه أن يَذهب إلى طبيب نفسي. وعندما سمع عمران هذا الكلامَ، هربَ من عيادة الطبيب. عمران المخلوسي سليل هذه العائلة العريقة يذهب إلى طبيب نفسي ؟. ماذا سيقول عنه سكانُ جبل النظيف والمناطق المجاورة. ستصبح فضيحة لا أول لها ولا آخر. سوفَ يُشوِّه سُمعةَ العائلة إلى الأبد. سيقول الناسُ إنه مريض نفسي أو مجنون. ستكون نهايته مستشفى المجانين. إنه عارٌ لا يمكن غسلُه. عارٌ سيُلطِّخ تاريخَ أُسرته حتى يوم القيامة. وسوفَ يتبرأ منه الناس، ويحتقرونه حياً وميتاً. هذا ما كان يُفكِّر فيه بالضبط.

 كلامُ الناسِ هو حجرُ الزاوية في عالَمه المتهاوي. لن يَسمح أن تنهار عائلة المخلوسي على يديه، وهو الذي قضى حياته محاولاً رفع مكانة عائلته بين باقي العائلات. ((لن أذهب إلى طبيب نفسي حتى لو مِتُّ. المقبرةُ بالنسبة إِلَيَّ أفضل من مستشفى المجانين. لن يَسقط اسم عائلتي ما دمتُ على قيد الحياة)).

 حياته أوهامٌ متكاثرة. يَسمع أصواتاً تتردد في رأسه، كأن أشخاصاً ينادون عليه. أحياء وأموات يتقاتلون في رأسه. يلتفتُ حَوْله كالمصروع فلا يجد أحداً. من أين تأتي كل هذه الأصوات ؟. يتغيرُ لونُ جِلده كالحرباء. يتبدل جِلده كالأفعى. أورام كثيرة تَظهر في جسمه. يتسلل العجزُ إلى كل أوصاله المبعثَرة. صار عاجزاً جنسياً. زوجته كانت تشتكي من فحولته الزائدة، وهي الآن تشتكي من عجزه وابتعاده عنها. عقلُه يَذوب في مدار التشتت. يَحترق وحيداً في أدغال الهلوسة. إنه يضمحل تدريجياً. كلُّ ثانيةٍ في حياته لحظةُ انتحارٍ. هكذا صار عمره انتحاراتٍ متواصلة. قرَّر أن يَذهب فوراً إلى الشيخ نايف ريان إمام مسجد طارق بن زياد. الأمر لا يحتمل التأخيرَ. دماغُه يكاد ينفجر، وتتساقط شظاياه على الأرصفة القذرة.

 ذَهب إلى بَيْت الإمام. فالمسجدُ في هذا الوقت مغلق لأنه ليس وقتَ صلاة. قَرع الجرسَ بشدة، فخرج أحد أبناء الشيخ. قال له عمران وهو في حالة لهاث:

 - هل الشيخ موجود ؟.

 سمع الشيخُ هذا الصوت، لكنه لم يستطع معرفةَ صاحبه. فقد كان صوتاً ذابلاً غارقاً في الحزن. انطلق الشيخُ إلى الباب، وهو يتحسس الأشياءَ في طريقه، وقال:

 - مَن يُريد الشيخَ ؟.

 - أنا عمران المخلوسي.. أبو عبد الرحيم.

 - أهلاً يا أبا عبد الرحيم.. تفضَّل يا رَجل.. أهلاً وسهلاً.

 وانطلق الرَّجلان إلى غرفة مظلمة. إنها غرفة نوم الشيخ وغرفة الضيوف ومكتبته الشخصية في آنٍ معاً. وهذه الغرفة تبقى مظلمة ليلاً ونهاراً، شتاءً وصيفاً. ولا تضاء إلا في حالتَيْن فقط. الحالةُ الأولى عندما يأتي ضيفٌ ما، والثانية عندما يَطلب الشيخُ من زوجته أن تقرأ عليه أحدَ الكتب.

 قال الشيخ وهو يضحك:

 - لا تخف يا أبا عبد الرحيم لأن الغرفة مظلمة. محسوبك أعمى كما تَعرف، وفي نَفْس الوقت نحن نوفِّر الكهرباء.

 وأردف قائلاً:

 - اللهم نوِّر بصائرنا بنور الإيمان، ونوِّر قبورَنا يا رَبَّ العالَمين.

 وعندما سَمع عمران هذا الدعاء، قال بصوت منكسر:

 - آمين.

 راح عمران يَشرح للشيخ ما يُعانيه بالتفصيل. وكيف أن الأحياء والأموات يَقتحمون ذاكرته في النهار، ويَزورونه أثناء نومه في الليل. والشيخُ مُنصِت كأنه جَماد، لا يتكلم ولا يتحرك.

 وبعد أن فرغ عمران من كلامه، قال له الشيخ:

 - اصْدقني القول يا أبا عبد الرحيم، ولا تُخفِ عليَّ شيئاً. ما هو الكابوس الذي يُطاردك ولا يتركك ؟.. بدون لَف ولا دوران.

 لاذ عمران بالصمت لفترة وجيزة، ثم انفجر باكياً كالطفل الذي ضاعت لُعبته. أدرك الشيخ أن هناك أمراً كارثياً. فعندما يبكي شخص مثل عمران المعروف بصلابته الذهنية، وقوةِ بدنه، ورباطةِ جأشه، فهذا يعني أن كارثة قد حَصلت.

 لم يتكلم الشيخُ، وترك عمران يبكي دون أن يقاطعه بأي شكل. فالبكاءُ راحةٌ، وتفريغٌ لشحنة العواطف الهائلة. ابكِ يا عمران لعلك تتخلص من ألسنة اللهب التي تَعقد لسانَك. ادخلْ في أعاصير البكاء فقد يُولَد بعدها مدنٌ تفتح ذراعيها للشمس، ولا تخاف من النُّور. هذا البكاءُ هو امتداد أعشاب قلبك في غابة الشفق. سَيَكون البكاءُ عُشبةً سحرية تَنبت في رئة الأفق البعيد.

 قال عمران بعد أن جَفَّت دموعُه:

 - صورةُ أُمِّي تحاصرني في كل مكان. أنا حقير يا سيِّدي الشيخ. أكرهُ نَفْسي ولا أُطيقها. أنا ولد عَاق. خنتُ أمي في مَوْتها من أجل غرامات ذَهب.

 انزعج الشيخُ من هذا الكلام الغامض، وقال بلهجة حازمة:

 - لا تكلمني بالرموز والألغاز. أخرجْ كلَّ ما في قلبك مرة واحدة.

 - لا أعرف ماذا أقول. الشيطانُ شاطر ضَحك عليَّ. عندما ماتت أُمي صرتُ أفكِّر في أسنانها.. أسنان من ذَهب. وجاءتني خاطرة جهنمية، الحصول على هذه الأسنان والاستفادة من ثمنها أفضل من اختفائها تحت التراب. والحيُّ أبقى من الميت. لذلك ذَهبتُ إلى قبرها، وخلعتُ أسنانها.

 وثارت براكينُ الدموع من عينيه. دموعٌ حارقة ممزوجة بالشهقات. إنه يَغرق في بحر الدموع، ويَنتظر طَوْقَ النجاة.

 صُدم الشيخُ بهذا الكلام، وعَجز عن الكلام رغم اشتهاره بالفصاحة والبيان. اختبأ وراء ستار كثيف من الصمت كأنه يريد الهربَ من أعضائه. لقد سَمع في حياته الكثير من القصص المرعبة والحكايات الواقعية الجنونية التي تُشبه الرواياتِ البوليسية وأفلامَ الرعب. ولكنه لم يسمع مثلَ هذه القصة. إنها قمةُ الجنون.

 ما حَصل قد حَصل. البكاءُ لن يُعيد عقاربَ الساعة إلى الوراء. والشهقاتُ الحارةُ لن توقف عجلةَ الزمن. ورغم أهمية البكاء إلا أنه لن يُحييَ الأموات، ولن يَقتل الأحياءَ، ولن يُعيدَ المسافرين. ينبغي التعامل مع الأمر الواقع. هذا الحصارُ الكارثي يجب إنهاؤه.

 قال الشيخ والذبولُ يأكل أوتارَه الصوتية:

 - اسمعْ يا عمران، باب التوبة مفتوح. لقد ارتكبتَ إثماً عظيماً، لكن رحمة الله أكبر من كل الآثام. أمَّا الذهبُ فَبِعْه وتصدَّق بثمنه على الفقراء.

(25)

 كان بيتُ سليم المخلوسي ناراً متأججة. وهذه النارُ لم تجيء من أعواد الثقاب أو من تماس كهربائي. بل جاءت من شرايين البشر المحترقة. إنها نارٌ تَصهر فولاذَ القفصِ الصدري. يمتد اللهبُ العنيف في كريات الدم، ويخوضُ البشرُ حروباً أهلية داخل ذواتهم. يَخسرون في الحرب، ويَخسرون في السلام.

 هناك أمرٌ غريب في هذا البيت المحترق. ماذا يَحصل بالضبط ؟. منذ أن عادوا من المستشفى، تغيَّرت الوجوهُ، وسَقطت الأجفانُ الموحشة على البلاط المتوحش.

 ذَهب سليم وزوجته وابنهما رأفت إلى المستشفى بمعنوياتٍ عالية، ثم عادوا كالجنود الخاسرين في الحرب. كلُّ واحد يريد الهربَ من الآخر. لا يريدون أن تتشابك نظراتهم. المسافةُ بين المستشفى والبيت جناحُ ذبابةٍ مكسور، والأحزانُ أعمدةُ كهرباء تتهاوى على الرؤوس. كان الصمتُ في وجناتهم هو المايسترو المرهَق في فِرقةٍ انتحر عازفوها. وبقيت الكراسي شاهدةً على موسيقى الوداع.

 كانوا يمشون إلى بيتهم، ويتمنون - في قرارة أنفسهم - لو تَطول المسافةُ. لا أحد يُريد الوصول. يخافون من الوصول. سَتَكون نهايةُ المشوارِ اللاهبة بدايةً للوخز اللانهائي. ضوءُ الآلام يَنتظرهم في آخر النفق. بيتُهم مملكةُ الأنين الأخرس. الأبوابُ الخرساءُ تتكاثر والنوافذُ وديان من الحزن اللزج. والغرفُ صابونُ الإبادة، يَغسل به السجناءُ وجوههم بعد حفلة البكاء.

 قالت أمُّ رأفت والشكوكُ تلتهم ما تبقى من خدودها الضامرة:

 - ماذا قال الدكتورُ عني ؟. هل سأموت قبل نهاية الشهر أم بعده ؟.

 ضحك رأفت في محاولة منه لبعث جو من البهجة، والتخفيف عن أُمِّه، رغم كلِّ النيران التي كانت تصرخ في جوفه، وتفترس حواسَّه. وقال بنبرة واثقة ترمي إلى رفع معنويات أُمِّه:

 - لقد قال الدكتور إن صحتك ممتازة. وإن شاء الله سوفَ تعيشين، وتشاهدي أحفادك يا أم رأفت.

 لم تصدِّق الأمُّ كلامَ ابنها، فنظرت إلى زوجها قائلةً:

 - لا تكذب عليَّ يا سليم، ماذا قال الدكتور عني ؟. أنا أشعر أن نهايتي اقتربت.

 - توكَّلي على الله يا ابنةَ الحلال. أبعدي عنك الوساوس، الموضوع كما قال لك رأفت.

 ومضى كلُّ واحد في طريقه. دهاليزُ الغياب حَضنت أطيافَهم وأحزانَهم. وهذه الغرفُ المعتمة تمتصُّ ما تبقى من لمعان عيونهم. كان الظلامُ يَنشر وشاحَه المحترق على الحيطان. والأحلامُ تتشظى في دخان قلوبهم. تَسقط خطواتُهم في البلاط العميق. الممراتُ الرماديةُ رمالٌ متحركة تَبلع قوافلَ الغرباء. إنهم مَحْكومون بالغُربة. لم يعد الواحدُ يَعرف نَفْسه. تائهون في الزمان والمكان الغامضَيْن.

 عند منتصف الليل، التقى سليم وابنه. وقتُ لقائهما مناسب للغاية. فهذه المرأةُ الحزينة تَغطس في نوم عميق. والجو هادئ تماماً يساعد على التفكير واتخاذ القرارات بعيداً عن صخب النهار، وضجيجِ الناس. إنها قرارات مصيرية ومتشعبة تتوقف عليها حياة هذه المرأة. لقد أخبرهما الطبيبُ أنها مصابة بسرطان الثدي، والمرضُ في مرحلة متقدمة. فهذه المرأةُ أَهملت نفسَها، ولم تقم بالكشف المبكِّر، لذلك انتشر السرطانُ انتشار النار في الهشيم. وفرصةُ نجاتها ضعيفة للغاية. وهي بحاجة إلى عدة عمليات شديدة التعقيد. وربما يضطرون إلى علاجها خارج البلاد. ولا يَخفى أن العلاج مُكلِف للغاية، وطويل الأمد.

 قال الأبُ العاجز لابنه العاجز:

 - مِن أين سَنُحْضِر المالَ ؟.

 قال رأفت وهو يتجنب النظرَ في عيون والده:

 - سوف نَجمع المال من أقاربنا.

 انتفض الأبُ، وقال:

 - أعوذ بالله، أنا أمد يَدِي وأشحذ من الناس ؟!. أقطعُ يَدِي ولا أمدُّها للناس.

 ولَمَّا رأى رأفت هذا الإصرار في كلام والده، قال بهدوء:

 - دَعْكَ من أقاربنا. سوفَ أفكِّر هذه الليلة في كيفية الحصول على المال.

 وافترق الرَّجلان، ومضى كل واحد إلى حال سبيله.

 انطلقَ رأفت إلى غرفته كالأفعى التي تريد الاختباء سريعاً في جُحرها. أغلقَ البابَ بإحكام. جلسَ على كرسي المكتب. أمسكَ قلمَ الرصاص وبعضَ الأوراق، وراح يُفكِّر في كل الاحتمالات، ويُسجِّل كلَّ فكرةٍ تبزغ في ذهنه. لن ينام هذه الليلة حتى يجد الوسيلة للحصول على المال. إنه في سباق مع الزمن. أشرعةُ سفينته المحطَّمة تتحرك عكس عقارب الساعة. أمضى ثلاث ساعات في التفكير المتواصل. كأنه رَجل آلي لا تاريخ لمشاعره غير الحركات الميكانيكية الخرساء. كلُّ شرايين دماغه تصب في بئر واحدة. جميعُ أزقة أفكاره تفضي إلى بؤرة واحدة.

 لقد قَرَّر أن يُخبر ميادة بمشكلته. ولا بد أنها ستساعده، وتعطيه المال. إنها امرأة غنية ورومانسية. وحبُّها لرأفت لا يُقدَّر بثمن. سَيطرت هذه الفكرةُ على عقل رأفت ثم طَردها. ماذا ستقول عنه ؟. يستغل عواطفها لتحقيق أرباح مادية. يتلاعب بمشاعرها من أجل المال، وعندما يَحصل عليه سوفَ ينطلق إلى صَيْدٍ جديدٍ وثمين. حُوصِر رأفت بين الأضداد. وقع في متاهةِ التناقضات. والصراعُ الرهيب يتفجر في صدره. ثلاث ساعات من التفكير ذَهبت أدراج الرياح، وزادته حَيرة إلى حَيرته.

(26)

 الأيامُ تمر مثل السراب الكلسي. عقاربُ الساعةِ أعمدةُ حجرية من عصر ما قبل التاريخ. إشاراتُ المرور تنكسر في شرايين الناس. إن لقاء رأفت وميادة هذه المرة ذو مذاق مختلف. لقد دَعَتْه إلى رحلة سياحية جماعية إلى وادي رَم. هذا الوادي السحريُّ في الجنوب تتوقف عنده جهاتُ القلب. إنهما جَريحان في بريق الرمال. رأفت يفكِّر في إنقاذ أُمِّه المريضة بالسرطان، وميادة تفكِّر في إنقاذ ابنها الذي استأجرت له شقةً، وتصرف عليه وعلى زوجته، دون عِلم أبيه. وكان الحل - بالنسبة إليهما - هو الهروب إلى الطبيعة. سوفَ يعودُ الطفلُ إلى حِضن أُمِّه حياً أو ميتاً، بإرادته أو رغم أنفه. هذه الطبيعةُ هي القبر العظيم الذي لا يَشبع من الأكل. قوةُ الرجال تصبح رمالاً، ونعومةُ النساء تصبح تراباً. لن يَنجوَ أَحد من حَجر الرَّحى الذي لا يتوقف.

 كان بإمكان ميادة أن تذهب مع رأفت بسيارتها الخاصة، لكنها اختارت هذه الرحلة الجماعية لأنها أكثر بهجةً وإمتاعاً. فوجودُ الناس يُضفي جواً حميمياً على الرحلة، ويُكسبها بُعداً اجتماعياً مفعماً بالحيوية والعلاقات وتبادل الأحاديث. والسَّفرُ يُقطَع بالكلام. هذه فلسفتها الشخصية في عالَم الرحلات.

 كما أن وجود رَجل غريب في سيارتها الخاصة يَجعلها في دائرة الشبهات والشكوك، وتحت أعين الناس التي لا تَرحم. أمَّا هذه الرحلةُ الجماعية فهي خَليط لا يمكن تمييزه، أو كشف العلاقات بين مكوِّناته. رجالٌ مع زوجاتهم. رجالٌ مع صديقاتهم. رجالٌ وحيدون، نساءٌ وحيدات. عالَم مصغَّر من الأحاسيس المتضاربة، والتناقضات الصارخة.

 جَلسا جَنْباً إلى جَنْب. ميادة تعشقُ النوافذ، لذا جَلست إلى جانب النافذة. ورَاحت تُجيل بصرَها في المناظر التي تتسارع مثل كرة الثلج. هذا الثلجُ الأصفر رمالٌ لا تنتهي. تحسُّ في أعضائها برودةً غامضة تمتزج مع سخونة لذيذة، وهي لا تَعرف مصدرَ البرودة والسخونة. إنها كتلةُ الأضدادِ اللانهائيةُ.

 نَظرت ميادة إلى رأفت، وقالت:

 - لقد زُرتُ أمريكا وأوروبا، ورأيتُ البِحارَ والشلالات والغابات، ولكني ما زلتُ أعشقُ الصحراءَ، وأتنفس الرمالَ الصفراء. إن الصحراء منبع الأسرار والغموض، وأنا أعشقُ الغموضَ. الرمالُ سِر لا يمكن اكتشافه، وكلما رَكضنا نحوه هَرب مِنَّا.

 كانت أجزاءُ رأفت مبعثَرة. عقلُه مع أُمِّه، وقلبُه مع ميادة. وقد حاول جاهداً أن يُخفيَ التشتت الضارب جذوره في أركانه. ظهر عليه الهدوء رغم الزلازل المتكاثرة في داخله، وقال تعليقاً على كلام ميادة:

 - لم أكن أعرف أنك شاعرة.

 قالت ميادة وهي في حالة بين الوعي واللاوعي:

 - أنا شاعرة عندما أكون معك. أحسُّ أنني متحررة من الجاذبية، وأن الكلمات تَخرج من قلبي دون أن أفكِّر فيها، وتشقُّ عِظامي رغماً عني.

 وأردفت قائلةً:

 - أرجوكَ يا رأفت لا تتركني.. أنا بحاجة إليكَ. وإذا أردتَ إنهاء علاقتنا فقل لي الآن إنك تكرهني، وأعدك أني سأختفي من عالَمكَ إلى الأبد.

 كان لسانُ رأفت معقوداً. لم يَقدر أن يَنطق بأية كلمة. وَصل إلى نقطة اللاعودة. إنه يَسبح في المنطقة العميقة، ولم يَعد يرى الشاطئَ ولا طَوْقَ النجاة. لا توجد قشةٌ يتعلق بها، ولا أثر لخفر السواحل.

 وَجد مشقةً بالغة في استحضار حروفه التائهة. قبضَ على لغته بعد طول عَناء،

وقال والتشتتُ ظاهر على أركانه:

 - الذي تكون عنده زوجة مثلك ويتركها هو أعمى أو مجنون.. طموحي أن أعصرك وأشربك لكي تهدأ أعصابي، وأرتاح من العذاب.

 رَمت ميادة بَصرها في المدى الجارح، وقالت بنبرة واثقة:

 - لا تستعجلْ، سوفَ نرتاح مرةً واحدة، وللأبد. عِشنا معاً وسنموت معاً. لن يَكونَ هتلر وإيفا براون أكثر رومانسيةً مِنَّا.

 اشتبكت نظراتهما في لحظة نحس خادشة. ثم وَضعت ميادة رأسَها على صدر رأفت. واختفيا في صمتهما. وبقي هناك صوتٌ واحد يَقتحم عالَمهما المنهار، إنه صوت عمرو دياب الطالع من مذياع الحافلة.

 قالت ميادة في محاولة منها لتغيير بوصلة الكلام:

 - أحب صوتَ عمرو دياب. إنه أشهر مطرب عربي.

 قال رأفت مستعرضاً معرفته في عالَم الموسيقى، واطلاعه الواسع على أحوال الغِناء في الشرق والغرب:

 - أشهر مطرب عربي هو الشاب خالد، ولكن شهرته عالمية. أمَّا عمرو دياب فشهرته عربية.

 وغفا الاثنان في النسيم البارد الذي كان يَنبعث من مُكيِّف الحافلة. وتفجَّرَ الطريقُ إلى قلب الرمال ملتقى الأسرار. الاستراحاتُ الصحراوية تنتشر يمنةً ويَسرة، وسائقو الشاحنات المتعَبون يأخذون قسطاً من الراحة. إنها استراحة المحارِبِين. يوقفون شاحناتهم في رئة الغبار، ويتطلعون إلى المجهول، ذلك الضوء الخافت الذي ينبض كالرصاصِ الحي. يُولَد في جلودهم الحنينُ إلى زوجاتهم وأبنائهم. ولا يمكنهم العودة بأيدٍ فارغة. لا بد أن يُضحِّيَ البعضُ بحياتهم من أجل حياة الآخرين.

 كانت الحافلةُ تقتحمُ روحَ الصحراء بكل إصرار. إنها رحلة من عَمَّان إلى وادي رَم بلا توقف. هكذا تهاجرُ الأرواحُ إلى عوالم المطر الرملي، وتضيعُ الطيورُ المهاجرة في شرايين الأفق. إنه زمن الهجرة إلى الجنوب. سَيُهاجِر الشمالُ إلى الجنوب، وترحل الذكورةُ إلى الأنوثة. ستجف البحيراتُ، وتصبح الصحراءُ بحيرةً من ماء العيون. كل هؤلاء العطشى يفرون إلى قلبِ الصحراءِ منبعِ نهر الأحزان العذب. هذا النهرُ السري الذي يَنبع من الغموض الشهي، ويصب في شرايين المسافرين أبداً.

 وصلَ الأطفالُ إلى أُمِّهم الطبيعة. إنها الأم الروحية التي تَنظر إلى الجميع - مهما كانت أعمارهم - على أنهم أطفالها. الطبيعة هي الأم التي لا تَفطم أبناءها. إنهم يَرضعون منها منذ ولادتهم حتى وفاتهم. وعندما يموتون تحضنهم بكل حنان، ولا تتضايق من رائحة جُثثهم الكريهة.

 نُصبت الخِيام على أصابع الرياح التي تَعبر بين الجبال. نَصب رأفت خيمته بسرعة. فهو يَملك خبرةً في هذا المجال اكتسبها من حياتها الكشفية أثناء فترة مراهقته. أيامٌ ذَهبت إلى غير رجعة، ولا وقت للبكاء عليها أو الحنين إليها. حاولت ميادة أن تَنصب خيمتها ولكنها أخفقت في ذلك، فهي لم تتعود على مباشرة الأعمال بيدها. إنها تلقي الأوامر على الخدم الذين يقومون بكل المهام بسرعة ودون نقاش. لاحظَ رأفت حَيرتها وعَجْزها، فأمسكَ خيمتها الواقعة على الأرض، وقام بنصبها إلى جانب خيمته.

 وفي الليلِ السحيق، حيث تتقاتلُ عقاربُ الساعة مع عقارب الصحراء، كان الرجالُ والنساءُ يتجمعون حول نار المخيَّم. الرقصُ والغِناء لا يتوقفان. اندمج الجميعُ مع البدو والسُّياح الذين جاؤوا من أصقاع الأرض ليكتشفوا سِرَّ الصحراء، وبكارةِ الرمال الطاهرة. إنها حفلة صاخبة في الهواء الطلْق. يتبادلُ البدو النكاتِ مع السُّياح، ويَعلو الضحكُ. والسائحاتُ يَرقصنَ برشاقة المذبوحات تحت ظلال الطيور الغريبة. تهرول الفراشاتُ نحو النار، نحو حتفها المضيء.

 لم ينسجم رأفت وميادة مع هذه الأجواء الصاخبة. فقرَّرا الابتعاد عن المكان، واكتشاف جوارحهما في الهواء المتوهج تحت ضوء القمر. أخبرهما مشرفُ الرحلة بضرورة عدم الابتعاد عن المخيَّم حفاظاً على حياتهما، وأن عليهما العودة قبل الواحدة ليلاً.

 مضيا إلى موتهما العميق الذي كانا يَعتبرانه ولادةً جديدة. أصابعهما متشابكة، وأقدامهما حافية. خَرج الإنسانُ من بطن أمه حافياً، وسيعود إلى قبره حافياً. هذه الطبيعةُ نقطة الأصل. تذكَّر رأفت ما كان يقوله معلِّم الرياضيات أيام المدرسة حول نقطة الأصل في المستوى البياني، وهي (0، 0). لا أعرف كيف هَجم عليه الماضي بهذه الشراسة. كان يَربط بين الرياضيات والصحراء. الرياضياتُ هي أُم العلوم الطبيعية، والصحراءُ هي أُم الطبيعة. الصحراء هي نقطة الصفر، إنها بداية هذا الوجود المخيف. العالَمُ شديد الخطورة. الحضارةُ طفلةٌ ناعمة في أحضان رَجل شهواني قاسٍ. والتاريخُ طفلٌ بريء وَقع في أحضان امرأة متوحشة.

 جلسا على صخرة، وراحا يُحدِّقان في نجوم السماء. عقاربُ الساعة ماتت بالسُّم، وضوءُ القمر ورث المكانَ، وبسطَ نفوذه على الرمال الثلجية، والأجسادِ البشرية المتفحمة.

 نَظر في عينيها، وقال:

 - عندما تبتسمين تبتسم لي الدنيا.. ليتَ هذه الابتسامة تدوم.

 أطلقت ميادة نظراتها باتجاه الأفق البعيد الغامض، وقالت:

 - لا يوجد شيء يَدوم. كل قصص الحب ستختفي في قبورنا. كل أسرار البشر سوف تُدفَن معهم.

 - لماذا تتحدثين عن الموت والنهاية ؟.

 - لا معنى للحب بدون الموت. الموتُ هو الذي يُكمِل الدائرةَ، ويَجعل الحبَّ خالداً. لو تزوَّج دودي الفايد الأميرةَ ديانا لصارت حياتهما استهلاكية ومملة، ولكن موتهما الغامض جعلَ قصة حبهما أسطورةً أبدية.

 تفاجأ رأفت بهذا الكلام، وقال بصوت مرتعش:

 - بصراحة، أنا بدأتُ أخاف منك يا ميادة.

 - أنا لبؤة مكسورة، لن أَقدر على افتراسك. ولو حاولتَ اغتصابي فلن أُقاوِم.

 هبَّ رأفت واقفاً، والذعرُ يأكل ملامحه الذابلة. استولى الغضبُ على جوانحه.

اعتقدت ميادة أن شيئاً ما قد لَدغه. أرادت الاستفسار عن حاله. لكن رأفت قال بصوت صلب قَطع حبلَ أفكارها:

 - لا أريدك أن تستخدمي هذه الكلمة.

 أدركت ميادة أن كلمة " اغتصاب " قد ضايقته، فقالت محاولةً تنقية الأجواء المشحونة:

 - كنتُ أمزح معك يا سي السَّيد.

 جلس رأفت على الصخرة، وقال بحدة:

 - لا تمزحي في هذه المواضيع يا ميادة.

 وعَمَّ الصمتُ المتفجر في الأرجاء. بينهما آلاف السنين الضوئية. ضوءُ القمر يَزرع الألغام في ضفائرها، ويَنْزع رموشَها جسراً جسراً.

 قالت ميادة والكلام يَصعد من جَوْفها خناجرَ مصقولةً تتحرش بحبالها الصوتية:

 - لم أكن أعرف أنك تخاف عليَّ لهذه الدرجة.

 أخذ رأفت نَفَساً عميقاً، وقال بصوت مهزوز:

 - أنا أخافُ عليكِ مِن كل شيء، وأحسد زوجكِ لأنه يمتلك كلَّ هذا الجَمال، وأُشفق عليه لأنه لا يرى هذا الجَمال. أغار عليكِ من كل شيء. أغارُ عليكِ من زَوْجكِ. عندما أتخيل أنكِ تنامين معه أُصاب بالغثيان.

 ضَحكتْ ميادة بشكل هستيري. ضِحكتها حارقة ومنقوعة في كأس الدموع، انطلقتْ من أعماقها لتشق هذا الفضاءَ الواسع، وقالت:

 - لا تقلق. لم أعد أسمح لزوجي بالاقتراب مني. أنا أنام في غرفة، وهو ينام في غرفة أخرى.

 وشَهقت شهقةً كادت تقتلع قلبَها، ثم قالت بنبرة حزينة فيها رذاذ النهاية:

 - سوفَ تَعرف يوماً ما أني أقربُ إليكَ مما تتصور، وأستطيع الوصولَ إليكَ متى شئتُ.

 كان المطرُ الحمضي يَهطل بغزارة في أعماقهما. الليلُ يَرمي عروقَه في هذين الوجهَيْن الواضحَيْن كالسراب. يَغرقان في بحر الرمال المتحركة، ولا يريدان النظرَ إلى شاطئ الخلاص.

 أراد رأفت أن يَطلب منها مالاً لعلاج أُمِّه. لكن الكلمات المناسبة لم تجد طريقَها إلى لسانه. حاول جاهداً إخراج الكلام لكي يرتاح، لكن محاولاته العديدة ذَابت في الرمال.

 نَظر إلى خاتمها الوهاج. كانت الأضواءُ تتقاطع على جسد الخاتم مثلما تتقاطع الذكرياتُ على سطح بحيرة هادئة. جالت خاطرة سريعة في ذهنه: ((لا بد أن ثمن الخاتم يُغطِّي نفقاتِ علاج أُمِّي)). فكَّر في تلك اللحظة الرهيبة لو يَسرق الخاتم ويَهرب. ولكن أين يَهرب في هذا الفضاء المرعِب ؟. أفكار غريبة تتصارع في رأسه المتفجر.

 كان رأفت يَنظر إلى الخاتم مثلما يَنظر العطشان إلى كوب الماء. إنه يَرى صورة أُمِّه تتشظى في خاتمها. لاحظت ميادة تركُّز نظر رأفت على الخاتم. فقامت بحركة غير متوقَّعة. نَزعت الخاتم من أصبعها، وقَدَّمته لرأفت قائلةً:

 - هذا هدية لك لكي تتذكرني دائماً.. ضَعه إلى جانب سريرك عندما تنام لكي يؤنسك، ويُبعِد عنك الأرقَ.

 ارتبك رأفت بشكل رهيب، وتفاجأ بهذا الكلام، وانطفأ العالَمُ المتناحر في جَوْفه، وقال:

 - مستحيل !. لا بد أنه خاتم عزيز عليك، وثمنه مرتفع.

 ابتسمت ميادة مثل ابتسامة إحدى النبيلات في القرون الوسطى، وقالت:

 - لن يكون أعز منك. وإذا كان الخاتمُ مرتفع الثمن، فعلاقتنا لا تُقَدَّر بثمن.

 مَدَّ رأفت يدَه المرتعشة ليأخذ الخاتم، لكن ميادة سَحبت يَدَها قابضةً على الخاتم. تفاجأ رأفت بهذه الحركة. هل غَيَّرت رأيَها بهذه السرعة ؟!. لقد وَصلت اللقمةُ إلى الفم. هل ستموتُ أُمُّه بهذه السهولة لأنها لا تملك ثمنَ العلاج ؟!.

 قالت ميادة وهي تمط كلامَها مَطَّاً:

 - أريد هديةً منكَ للذِّكرى مقابل الخاتم.

 لا يملك رأفت أموالاً ولا مجوهرات. والهديةُ الوحيدة التي قَدَّمها لمخلوق في حياته هي معطف مُسْتَعْمَل اشتراه من سوق الطلياني في وسط البلد. وقد قَدَّمه لوالدته في فصل الشتاء الماضي. تذكَّر قولَ المتنبي:

 لا خَيْلَ عِندكَ تُهديها ولا مَـالُ فليُسْعِد النُّطقُ إن لم تُسعِد الحالُ

وفكَّر أن يقف في قلب الصحراء ليلقيَ خطبةً عصماء أمام الجبال وتحت النجوم. أو يَكتب قصيدة رومانسية لميادة في هذا المدى المفتوح لأصوات الحشرات، وقرقعةِ الرمال. أفكارٌ مضحكة هاجمته بشكل مباغِت. ولكن صاحب الحاجة أرعن، يَغرق في ماء عيونه الحزينة.

 لَمحت ميادة التغيراتِ العنيفة في وجه رأفت. ولاحظت حجمَ التشتت الذي يَغرق فيه. أرادت أن تنتشله من أفكاره المتضاربة، فقالت بدمٍ بارد:

 - قَبِّلْني للذِّكرى.. هديةٌ مقابل هدية. هكذا نكون متعادلَيْن.

(27)

 الأفقُ الدموي يَخلع وشاحَه. لكل بداية نهاية. هكذا تنتهي التفاصيلُ في زحمة حبَّات الرمل. وتنتهي الرحلةُ السياحية كما تنتهي رحلةُ العمر. كلُّ إنسان يَعرف نهايته قبل نقطة البداية، لكن الغرور يَجعل الإنسانَ أعمى لا يرى لافتات التحذير في طريقه. يدور الناسُ كحجر الرَّحى، وتصبحُ البدايةُ هي النهاية، والنهايةُ هي البداية.

 وصل رأفت إلى جبل النظيف. في جَيْبه كنز ثمين يتحسسه باستمرار، إنه خاتم ميادة. سوفَ يبيعه غداً في سوق الذهب. سيبيع الذكرياتِ والأحلامَ من أجل علاج أُمِّه. تمنى في قرارة نَفْسه لو يُغطِّي سِعْرُ الخاتم تكاليفَ العملية الجراحية لكي يرتاح من وخز الضمير. هكذا يصبح العشقُ مصدراً للدَّخل القومي، وضماناً صحياً للفقراء الذين لا يَقدرون على الدَّفْع.

 رَكض نحو غرفته لكي يَكتب خواطره على أوراق الخريف المنبعث من أعضائه المرتجفة. إنه يَحبس الأفكارَ في صدره، ولا يريد أن تهرب منه. أحس أنه كالأفعى المتحركة نحو جُحرها، وأنه يُبدِّل جِلْدَه مِثلها. شَعر أنه غير قادر على الوقوف. خشي أن يقضيَ حياته زاحفاً مثل الأفعى. لكنه قرَّر بكل إصرار ألا يَصبح من الزواحف مهما كان الثمن.

 وضع الخاتمَ على سطح المكتب. أخرج أوراقَ حياته من الدُّرج، وراح يَكتب:

 [ حياتنا أكذوبة كبرى، نَخدع أنفسَنا ونُصدِّق الوهمَ الجارف. أعمارُنا كِذبة نيسان سواءٌ وُلدنا في الصيف أم الشتاء. حُبٌّ بين الرجال الآليين والدُّمى في مسرح العرائس. وإذا كانت السياسةُ فنَّ الممكِن، فإن العشقَ فنُّ المقايَضة. قُبلةٌ ثمنها خاتم. قَبَّلْتُها ولم يَجرحني المكياجُ المعطَّر بدموع الصحراء. يُباع وجهي في المزاد العلني، وتباع حياتي في سوق النِّخاسة.

 حزينٌ هذا المهرِّج الذي يُضحِك الناسَ. وحُزني متعدد الجنسيات. لا أخاف على مستقبلي لأني بلا مستقبل. أنا مُشَوَّشٌ، ولا أدري مَن أنا. أصبح العشقُ وسيلةً لكسر الروتين، وإنهاءِ الملل، والهروبِ من الواقع المر. يَعشقون لكي يتخلصوا من الاكتئاب، فيصبح العشقُ هو الاكتئابَ. وسوفَ يتخلصون منه إلى الأبد عندما تحين ساعةُ الرحيل.

 كلماتي تَخرج عن سيطرتي. وأبجديتي مزيجٌ من التناقضات والأضداد. أنا ضِد نَفْسي، ما أُثبته أَنقضه، وما أَنقضه أُثبته. أناكالتي نَقضت غَزلها مِن بعد قوةٍ أنكاثاً . إِنْ تزوجتُ أضمن أن يكون جسدي مع زوجتي، لكني لا أضمن أن يكون قلبي معها. المرأة التي أعشقها بجنون لا أحب أن أتزوجها لأني أرى فيها صورة أُمِّي، فلا أَقْدر على ممارسة الجنس معها. لا أشعر بالحب لا أشعر بالكراهية. فقدتُ إحساسي بالأشياء فقدتُ الشغفَ بالحياة. حَوَّلتُ المرأة إلى طيف أستمتع بالركض وراءه وعدم القدرة على إمساكه. عذابُ الحب أجمل من الحب. النساء في حياتي لسنَ من لحم ودم، وإنما مِن ذكريات.

 الشتاءُ يُهيِّج الذكرياتِ يُعيد بركانَ الدموع الخامد إلى الثورة. فإذا كنتِ لا تريدين القتالَ مِن أجلكِ، فأرجوكِ قاتِلي من أجل الأشخاص الذين يحبونكِ. أطردُ قلبي من صدري ولا أطردكِ من حياتي. صعبٌ على الراقصات أن يفهمنَ مشاعر شريفاتِ قُرَيْش. أنا رومانسي حالم لذلك لا أصلح للزواج.

 الحياةُ خليط من السُّم والترياق، مزيجٌ من رمال الصحراء ورمالِ البحر. لو كنا جائعين فلن تنفعنا الأزهارُ في إشباعنا. ولو كنا خائنين، فلن نتعلم الإخلاص من بائعات الهوى. ولو كان الزوج بحاجة إلى ممارسة الجنس مع زوجته، فلن تنفعه الرومانسية في تفريغ الغريزة الجسدية.

 هذا الخاتِمُ البراق يَحرق خشبَ مكتبي، يستفزني ويُلغيني. وأنا لستُ قادراً على وضع خاتم الخطوبة في أصبع امرأة. كأني أُنظِّم حفلةَ رقص للعُراة، وأرصد رَيْعها لمساعدة المحتاجين. كلُّ الرجالِ يَغارون مني لأن المقصلةَ عشقتني أنا ولم تعشقهم. وسوفَ يصبحُ أقصرُ دربٍ إلى قلب المرأةِ مِقصلةَ شاعرِها. ولو كان لي أن أختار موقع قبري فسأختار أجفانَ الشفق. تلكَ المقصلة أول بنتٍ فكرتُ بخطبتها. نقضي حياتَنا محاولين التعرف على حقيقتنا، ولكن الموتَ يدهمنا ونحن في بحثنا. ثم يأتي آخرون ليتعرفوا علينا، ولكن الموتَ يدهمهم وَهُمْ في الطور البدائي لمعرفتنا. ومهم