يتناول الكاتب فلسفة التلقي عند أرسطو من حيث التفاعل بين النص والأديب والمتلقي، الذي يؤدي إلى إدراك جماليات النص، والتمييز بين أجناس الشعر. كما يستبين التيار الجمالي الألماني من بورماتن إلى كانط، وهيجل وشوبنهاور، والمذاهب الغربية الحديثة، إضافة إلى النقد الماركسي والرمزي.

النظريات الجمالية في المذاهب الغربية الحديثة

أسامة خضـراوي

أ- فلسفة التلقي عند أرسطو:
ربما كان أرسطو في تاريخ الحركة النقدية من أبرز رواد الفكر اليوناني اهتماما بفلسفة التلقي، أو مفهوم الجمال في استقبال النص. ففي رصيده الفكري والنقدي يتمثل لنا اهتمامه بهذه المسألة، وكأنها محور هام يستقطب تفكيره، ويستجمع فلسفته في الحديث عن أجناس الأدب.

ومازال رواد الفكر والأدب الغربي حتى يومنا ينزعون إلى أحكامه وآرائه في مذاهبم ونظراتهم الأدبية الجديدة. وظاهر أن مفهومه لفلسفة التلقي كان رجعا له تأثير في نظرية الاستقبال الألمانية، وخاصة فيما قاله ياوس أحد رواد هذه النظرية حول علاقة النص بالجمهور، فالمتتبع لحديث أرسطو عن الشعر يدرك اهتمامه بطبيعة هذه العلاقة، وأنها كانت مرتكزا أساسا لمعظم الأحكام التي انتهى إليها، كما كانت نقطة تحول في مسار الفكر بينه وبين أستاذه أفلاطون(1) وحتى تكون وجهتنا في الكشف عن فلسفته التلقي عند أرسطو بريئة من التطور فيما لا حاجة بنا إليه، يمكن أن نجمل رؤيته لهذا الموضوع، ومدى تأثيرها فكرة النقدي على النحو الآتي:

أولا: اهتم أرسطو في عملية التلقي بعناصرها الثلاثة وهي: النص والأديب (الكاتب) والمتلقي، وأعطى كل عنصر من العناصر دوره الذي يتفاعل به في إطار هذه الثلاثية، تفاعلا يؤدي في النهاية إلى إدراك جماليات النص، وتحقيق رسالة الكاتب، ومن أجل هذا ربط في عملية التلقي بين المقدرة الفنية لدى الشاعر وأحوال المتلقي ومعتقداته، فلا ينبغي -عنده- أن يكون موضوع النص مستحيلا في رؤية الجمهور وإن كان ممكنا في ذاته إلا إذا كانت راعة الشاعر ومكانته الفنية قادرة على تصوير الأمر النادر أو المستحيل في صورة الممكن لدى الجمهور(2).

وفي ذلك يقول: "أما إذا أدخل الشاعر الأمر اللامعقول، وعرف كيف يضفي عليه مظهرا من الحقيقة فله ذلك على الرغم من استحالته"(3). وتلك مسألة قد تكون مألوفة في حركة النقد العربي، ولكنها عند أرسطو تنزع إلى قناعة خاصة ترتبط بفكره في نظرية المحاكاة، فعنده أن تصوير الأمور اللامعقولة أمر معيب في المسرحية لأنه يضاد الغاية من المحاكاة(4).

وقد ترتب على هذه المسألة رؤية أخرى نحسبها جديرة بالاهتمام في الفكر الأرسطي وهي رؤيته حول استخدام الأساطير في الشعر. فإذا كانت الأسطورة من الأمور المستحيلة عقل في ذاتها، أي أنها من اللامعقول الذي تنبه إليه فإن الفصل في استخدامها في الشعر أو عدمه مرده إلى قناعة أرسطو بأهمية العلاقة بين النص والمتلقي، وضرورة التفاعل بينهما، ولهذا جعل الحكم في المسألة رهينا بواقع الجمهور ومعتقداته من ناحية، ومقدرة الشاعر على نقل الاستحالة في الأسطورة إلى دائرة الأمر المحتل وقوعه من ناحية أخرى، فإذا كان المتلقي كالجمهور اليوناني الذي يعتقد الأساطير جاز للشعراء –عند أرسطو- أن يستخدموها على أنها أمثل ولا على وجه الصدق بل على وفق الرأي الشائع"(5).

ومقتضى هذا، أن استخدام الشاعر لغة الأسطورة في عصر تجاوز بفكره وحضارته عهود الخرافات أمر مرفوض في تقدير أرسطو. ولكن دعاة الرمزية بعامة وفي عالمنا العربي بخاصة مازالوا في تجاوبهم الشعري منصب على الرموز الأسطورية التي كان يستخدمها الإغريق(6) ولذا فسدت العلاقة بين تجاوبهم وأصحاب الذوق الأدبي في عملية التلقي، وربما خلا لبعض هؤلاء أن يتخذ له من جو الأساطير لقبا يحيا به في عالم الشعر الحديث(7).

ثانيا: وعلى نحو ما كانت فلسفة التلقي عند أرسطو سبيلا إلى الربط بين الشاعر والمتلقي أو بين النص والجمهور، كانت كذلك مناط التمييز بين أجناس الشعر، ففي حديثه عن طبيعة المحاكاة جعل للشعر رسالة اجتماعية هامة فالشاعر عنده مرتبط بالحقيقة والواقع من ناحية، وبالجمهور/ المتلقي من ناحية أخرى، ولكنه لا يصور الواقع كما كان أو هو كائن. وإنما يصوره كما ينبغي أن يكون في رؤيته الفنية، ورؤية الجمهور، وعلى قدر ما يضفي على الواقع من صفات تجعله ذا أثر جماعي ملحوظ لدى جمهوره تكون قيمة العمل الأدبي. وعلى هذا الأساس لا يكون للشعر الغنائي –عند أرسطو- قيمة يعتد بها، لأنه في تقديره أثر الوعي الفردي الجماعي. حيث يعتمد الشاعر ذاتيا إلى تصوير عواطفه المبشوشة فوظيفة المحاكاة في أن الشاعر يحاكي أفعالا لا تحرك في المتلقي إرادة العمل. أما إثارة العواطف، أو محاكاة الأفعال الخسيسة كما في شعر الأهابي فليست من رسالة الشعر وغايته(8) ومهما يكن الخلاف بينه وبين رسالة الأديب وطبيعة المتلقي في إطار مفهومه لرسالة الشعر كان من أهم دواعي الحكم على الشعر الغنائي من ناحية، ومن أسباب المفاضلة بين أجناس الشعر الموضوعي (المأساة، الملهاة، الملاحم) من ناحية أخرى. فالمأساة عنده تأتي في الرتبة الأولى، تليها الملهاة ثم الملحمة. والفصل في هذا الترتيب – كما يفهم من كلام أرسطو وشرحه(9) هو طريقة المحاكاة وما يترتب عليها من أثر ناتج في عملية التلقي.

فالمأساة " تحاكي وقائع تثير الرحمة والخوف في المتلقي، فتؤدي إلى التطهير من هذه الانفعالات (مثل العلاج بالصدمة الكهربائية) وإثارة الشعور المأساوي إنما يكون بتراسل المشاعر بين الجمهور والنص وبهذا التراسل يثار شعور الخوف على البائس غير المستحق لبؤسه. وشعور الرحمة لحدوث الكوارث لمن يشبهوننا في الحياة، فكلتا الحاليتين (وقوع البؤس، حدوث الكارثة) جزاء غير عادل، أي (لا خلقي) في نظر أرسطو- ولكن الأثر الناتج لدى القارئ أو المشاهد للمسرحية خلقي عن طريق توحد الجمهور مع الشخصيات في المشاهد"(10).

كما نجد المأساة في المرتبة الأولى، وذلك باعتبارها تحاكي وقائع تثير الرحمة والخوف في المتلقي فتؤدي إلى التطهير من الانفعالات، أما "الملهاة أقل مرتبة من الماساة لأنها لا تحرك في -المتلقي- الإحساس بالألم بل تثير لديه شعورا بالسرور والضحك فهي محاكاة الأرذال من الناس في الناحية الهزلية التي هي قسم من القبيح"(11) أما الملحمة: فهي دونهما لأنها لا تبلغ في المتلقي أكثر من تأثيرها المباشر وهو شدة الإعجاب بالأبطال. إن أهم ما يشد الانتباه في كتاب "فن الشعر" هو مدى اهتمام أرسطو بالجانب النفسي للمتلقي من خلال تركيزه على التطهير. وفي مقام آخر يقول أرسطو معرفا (التراجيديا/ المأساة ) "المأساة هي محاكاة فعل نبيل تام، لها طول معلوم، بلغة مزودة بألوان من التزيين تختلف وفقا الاختلاف الأجزاء، وهذه المحاكاة تتم بواسطة أشخاص يفعلون، بواسطة الحكاية، وتثير الرحمة الخوف فتؤدي إلى التطهير من هذه الانفعالات"(12) كما نرى في هذا النص أن أرسطو اهتم بالبعد النفسي وركز عليه في تعريفه للمأساة لأنها تثير الخوف والرحمة اللذات يؤديان إلى إحداث التطهير.

ووفق الاجتهاد الذي ذهب إليه "روبرهولب" أن التلقي يرتد في أصوله الفكرية إلى فلسفة أرسطو حين ركز على مفهوم المحاكاة وما تثيره في المتلقي من الرحمة والخوف فتحدث بذلك عن التطهير (Catharsis). نخلص إلى أن كتاب "فن الشعر" لأرسطو يظل من بين الكتب المهمة في دراسة النص الشعري في جميع الأزمان، فقد أفاد وجاد واستفاد منه كل من النقد العربي والغربي على السواء. من هذا الكتاب ومن هذا الشخص، ولا يزال إلى وقتنا الراهن نبراسا للنقاد والشعراء ودليلا للكشف عن مكامن هذا الفن بسابق إسرار وترصد.

ب- التيار الجمالي الألماني: من بومارتن إلى كانط، هيجل، وشوبنهاور، هناك في تاريخ الثقافة، ميل واضح ومتقادم لفهم الجمالية على غير حقيقتها، لقد وردت الجمالية أكثر من مرة إلى علم الاجتماع أو علم النفس أو الأخلاق أو الميتافيزيقا. والواقع أن هناك، في الفن، عناصر يمكن بالتأكيد تمييزها كعناصر سوسيولوجية أو سيكولوجية أو أخلاقية أو ميتافيزيقية، بمقدار ما يعني علم الاجتماع أو علم النفس أو الأخلاق أو الميتافيزيقا بهذا الجانب من الجمالية أو ذاك. فمجال رؤية الفنان شاملة شمول الحياة، ووظيفته هي أن يجسد الخبرة أو التجربة الإنسانية، أن يفسرها ويشرحها. هذه التجربة –الاجتماعية الأخلاقية، الدينية– هي في الأساس المادة الخام بين يدي الفنان فتتحول من خلال العمل الفني إلى تشكيل جمالي له قيمته المستقلة وأهميته الخاصة. وما نتاج الفن وثماره غير تلك التجربة وقد دفعت إلى أعلى فغدت أكثر نقاء وأكثر تماسكا، إن بيان خصائص الجمال في الفن والطبيعة، ورده إلى أصوله وتحديد قيمته، هو ما يشكل على وجه التحديد، غاية علم الجمال وفلسفته(13).

* التيار الجمالي الألماني من بورماتن إلى كانط، هيجل وشوبنهاور: اتسم تاريخ الجمالية في مجمله، وعلى شيء من الغرابة، بسمة سلبية واضحة. فلقد كان الدافع لدى الكاتب في الجمالية دافعا أخلاقيا أو ميتافيزيقيا أو سوسيولوجيا، في غالب الأمر، كما أن النتائج التي كان يجري بلوغها لم لكن أكثر من مجرد تعليق أو ملاحظة تستخدم في سياق مذهب عام. وفي الحقيقة فإن للكلمة نفسها "جمالية" كاسم لعلم مستقل، قصة تتوقف عندها قليل. لقد ضاعت المعاني الحقيقية للاسم في سلسلة طويلة من التحولات اللفظية، غير أن معناه الأدبي هو الذي كان حاضرا في ذهن الجميلة، نظرية في أدنى أنواع المعرفة، فن التفكير الجميل، فن التفكير بالتشابه.

ورغم أنه يبحث في رسالته للدكتوراه في مسائل جمالية كثيرة، إلا أن عمل بورمارتن الأهم في الموضوع ظهر سنة 1970 في محاولة لاستكمال نظامه الميتافيزيقي الذي ظن أنه انتهى من جانبي الحق والخيل فيه ولم يعد ينقصه سوى جانب الجمال كما تكتمل الثلاثية الفلسفية، والتي يمكن اعتبارها استمرار التصور "ليبنتز" (أحد أهم أتباع المذهب العقلاني).

يتوسع بومارتن (من المدرسة العقلانية الألماني)، إذا في إيضاح جوانب التصور لليبنتز وولف للجمال ككمال مدرك بالحس ( كتخيل محسوس، في لغة لبينتز، وليس إدراكا تصوريا عقلانيا) وللفن كجمال مفروض من فوق على تصور عقلي كذلك فإن أفكار بورمارتن الجمالية تسهم في شرح أحد جوانب التصور السابق هي تستبدل ميتافيزيقيا الجماليات الميتافيزيقية، أي هي تستبدل التحليل الدقيق لماهية الفنون الجميلة والجمال وغايتها بنظرية في جمال الفن والطبيعة تمليها  حاجات المذهب الفلسفي العزيز الجانب. إن منشأ ميتافيزيقا الجماليات هو –كما يقول أرسطو في الميتافيزيقا عموما- ذلك الشعور بالدهشة الذي يبلغ كماله في الحكمة. أما الجماليات الميتافيزيقية فهي، على النقيض، عرضة لحمى من التحديات المتعسفة والجامدة وتغدو بالتالي سببا ونتيجة لكثير من العمى الروحي وقلة البصيرة.

هذا "المذهب" الأولي عند بورمارتن هو مجرد بداية بعيدة لمذاهب أكثر حذقا وإثارة عند كانط، هيجل وشوبنهاور. إلا أنها تبقى بداية، في مطلق حال، تجد متابعة لها في أعمال عمالقة الفكر الألماني التأملي في حدود ارتباطه بالجماليات. وفي سياق تحليلنا لنظريات الجمال في الفن والطبيعة عند كانط، هيجل وشوبنهاور. إلا أنها تبقى بداية، في مطلق حاال، نجد متابعة لها في أعمال عمالقة الفكر التأملي في حدود ارتباطه بالجماليات. وفي سياق تحليلنا لنظريات الجمال في الفن والطبيعة عند كانط وهيجل وشوبنهاور، فإن التمييز بين ميتافيزيقا الجماليات والجماليات الميتافيزيقية هو أمر بالغ الأهمية ويجب أن لا يغيب عن البال(14).

ج) المذاهب الغربية الحديثة: يصب الاتجاه النقدي الغربي الحديث المؤمن بالدور الأساسي لنظرية التلقي، وذلك ما تطرق إليه الفيلسوف الكبير أرسطو في كتابه (فن الشعر)، فيما ذهب إليه روبرت هولب. في فكرة التطهير Catharsis أي فيما ترمي إليه النصوص ولاسيما التراجيديا من غسل نفوس المتلقين من قراء ومشاهدين لإزالة الشوائب، فإذا جاوزنا العصور القديمة إلى العصر الحديث وجدنا الاهتمام بالقارئ والقراءة قبل ظهور نظرية التلقي، غير أن هذا الاهتمام لم يسفر عن تصور منهاجي نسقي لهذه العملية، بحيث بقي في طور البدايات وهذا ما بينه جون بول سارتر في كتابه "ما الأدب؟" في الفصل المعنون تحت عنوان "لمن نكتب". وهذا ما يوضح الاهتمام الكبير الذي يوليه هذا الفيلسوف إلى القارئ والقراءة.

فهو يذهب في إطار التفاعل بين الكتابة والقراءة إلى " أن الكاتب إنما يكتب للقارئ من حيث هو فرد من أفراد الناس في العالم"(15) وفي نفس المقام يحدد طبيعة القارئ المستهدف، ففي تصوره " ليس القارئ الذي توجه إليه بالإنسان الذي جمع في نفسه بين معرفة العالم الأكبر والأصغر، على غرار "ميكر وميجاس" وليس هو نموذج "الساذج". كما أنه ليس هو الله فليس فيه جهل الساذج الوحشي الذي يجب أن يشرح له كل شيء حتى البدائيات، وليس هو وروحا ولا صفحة بيضاء، وليس عالما بكل شيء شأن الله. وعندما أكشف له بعض مظاهر العالم فاستفيد مما يعلم لأحاول تلقينه ما لا يعلم. وهو معلق بين الجهل المطلق والعلم التام ولديه بضاعة محدودة تتغير من لحظة إلى أخرى. وهي كافية للإيماء بصفته التاريخية"(16) إن هذه المعايير التي يضعها جون بول سارتر تتحدد من خلال مفهوم الحرية والتاريخية، فالقارئ شخص مندمج في التاريخ ليس بالقارئ المثالي ولا بالقارئ الساذج. ومعالمه تتحدد أيضا في ثنايا العمل الأدبي، إذا ما دامت " حرية المؤلف وحرية القارئ تبحث كل منها عن الأخرى ويتبادلان التأثير فيما بينهما من ثنايا عالم واحد، فمن الممكن أن يقال: إن ما يقوم به المؤلف من اختيار لبعض المظاهر العالم هو الذي يحدد القارئ، كما يمكن أن يقال أيضا إن الكاتب –حينما يختار قارئه– يفصل بذلك في موضوع كتابه. ولذلك كانت كل الأعمال الفكرية محتوية في نفسها على صورة القارئ الذي كتبت له"(17).

إن صورة القارئ المتضمنة في العمل هي ما يصطلح عليها بالقارئ الضمني، ينم تحليل جون بول سارتر، عن وعي عميق بوظيفة القارئ في انفتاح العمل الأدبي على إمكانيات لا نهائية من التأويلات، حيث انتقد التصور الذي يعني من شأن المؤتمرات الخارجية من جهة المؤلف يقول: "سيستهوي قوما القول بأن كل محاولة لتفسير عمل الفكر، عن طريق الجمهور الذي يتوجه به إليه، محاولة زائفة مفتعلة تتناول العمل تناولا غير مباشرا، ألا يكون الأمر أيسر وأقوم وأدق إذا أخذنا ظروف الكاتب نفسه عاملا حاسما في إنتاجه؟ ألا يكون من الأوفق القول بفكرة "تين" في تأثير البيئة؟ غير أني أجيب هؤلاء بأن التفسير بالبيئة حاسم حقا من حيث إن البيئة تنتج الكاتب، ولذلك لا أعتقد في هذا التفسير. إذ الشأن في الجمهور أن يكون على النقيض من ذلك، لأنه يهيب بالكاتب، أن يضع أسئلة يتوجه بها إلى حريته. والبيئة قوة دافعة إلى الخلف، ولكن الجمهور على النقيض انتظار، وفراغ يملأه"(18) وفي الفصل الثاني من كتابه لماذا نكتب ؟ كان سارتر على وعي تام بمسألة عملية القراءة يقول: "عملية القراءة هي التي يتحقق بها وجود العمل الأدبي، الكاتب لا يقرأ ما يكتبه في معنى القراءة المقصود من الخلق الفني لأنه في قراءته لعمله لا يكتشف جديدا وفي القراءة تتحقق موضوعية القارئ وهي التي لا يستطيع أن يحصل عليها الكاتب لأنه في عمله ذاتي دائما، القارئ هو الذي يضفي على الوجود المطلق بانتاجه إياه عن طريق القراءة"(19) نستشف هنا حقيقة لا ريب فيها على أن سارتر كان على دراية كبيرة بقيمة الآخر (المتلقي) في عملية الإنتاج الأدبي يقول: " تعاون المؤلف والقارئ في مجهودهما هو الذي يخرج إلى الوجود هذا الأثر الفكري وهو النتاج الأدبي المحسوس الخيالي في وقت معا فلا وجود لفن إلا بواسطة الآخرين ومن أجلهم"(20).

تظل هذه الأفكار حول مفهوم القراءة والقارئ بمثابة إرهاصات أولية في بروز نظرية التلقي، وهذا ما سنتطرق له تباعا في المحاور القادمة لتبيان أهمية هذه النظرية ومدى مزاوجتها لثنائية القراءة/ القارئ.

د) في النقد الماركسي: عرفنا أن المنطلق الأول لرواد نظرية الاستقبال هو علاج الأزمة التي خلفها النقد الماركسي في الدراسات الأدبية، أو بالأحرى تصفية الفكر الديمقراطي في ألمانيا الغربي من شوائب التقاليد الماركسية، ومن تم كان الحوار صاخبا بين أنصار الماركسية في الشرق ورواد النظرية ومؤيديها في الغرب حتى احتمت فيها الاتهامات والانتقادات بين الفريقين بصورة تختلف فيها المفاهيم الأدبية والسياسية في كلا الجانبين، فرواد نظرية الاستقبال يأخذون على النقد الماركسي جملة من المآخذ أهمها اتصالا بموضوعنا وهي ازدواجية النقد الماركسي ويعنون بالازدواجية أن التقاليد الماركسية لم توفر إجماعا فيما يخص موضوع الاستقبال ومرجع هذا إلى الاضطراب الذي صاحب الفكر الماركسي منذ نشأته، حتى وجه ماركس انتباهه نحو الفكر الفلسفي أولا. تم التفكير السياسي والاقتصادي. ثانيا حتمية التماثل السطحي بين الناتج العام والناتج الثقافي.

ح) في النقد الرمزي: إن القارئ للتجربة الرمزية معزول عن الفهم، مبعد عن مجال الحكم. وعزل المتلقي –على هذا النحو– مسألة لا نحب أن نعبث في إطارها بمحاجة الرمزيين بل ندعوهم بمقتضاها أن تظل تجاربهم الشعرية في كهوف النفوس، حتى يتسنى لها متلق لا يعدو واحدا من رجلين: أحدهما أن يكون من المعزولين عن وعي البيئة العربية وحتمياتها، حتى يمكنه أن يستقبل تلك التجارب اللاواعية بصورة هذا الصنف في الساحة العربية في واقعنا المعاصر بل أغلب الظن أنهم نجحوا بالوسائل المتاحة في منع قطاع عريض من الجمهور المتفرد على المسلمات العربية. ثانيهما، أن يكون هذا المتلقي ذا قدرة خاصة على التجرد من تراكمات الحياة المبثوثة في نسيج الفكر وتضاعف الوجدان. حتى يمكنه أن يستقبل التجارب الرمزية وهو في حالة بدائية أشبه بحالة الإنسان الأول، يعاني ولا يفهم، يتألم ولا يعلم، وإذا كانت الفجوة واسعة في مفهوم الاستقبال بين الرمزية والنقد العربي فهي أكثر اتساعا بينها وبين نظريات القراءة والتلقي الجديدة.

 

(باحث في الأدب تخصص: الإثنوغرافيا والموروث الثقافي، جامعة محمد الخامس. الرباط/المغرب.)

الهوامش

(1) غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، ص: 64.

(2) محمود عباس عبد الواحد، قراءة النص وجمالية التلقي بين المذاهب الغربية الحداثية وتراثنا النقدي (دراسة مقارنة) ط.1، 1418هـ/ 1996 م، دار الفكر العربي، ص: 45.

(3) غنيمي هلال، مرجع سابق، ص: 56-57.

(4) نفسه، ص: 57.

(5) نفسه، ص: 58.

(6) محمود عباس عبد الواحد، مرجع سابق، ص: 46.

(7  نفسه، ص: 46.

(8) نفسه، ص: 47.

(9) نفسه، ص: 75-76.

(10) أرسطو طاليس، فن الشعر ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الثقافة، بيروت، ط.ك، د.ت، ص: 16.

(11) نفسه، ص: 18.

(12) روبرت هولي، نظرية التلقي، ترجمة عز الدين إسماعيل، كتاب النادي الأدبي الثقافي بجدة، الطبعة الأولى، 1994، من مقدمة المترجم، ص: 15-16.

(13) شيا محمد شفيق، النظريات الجمالية كانط- هيجل- شوبنهاور، الطبعة الأولى، 1405ه/ 1985م، منشورات بحسون الثقافية، ص: 31.

(14) نفسه، ص: 33.

(15) جان بول سارتر، ما الأدب؟، ترجمة وتقديم وتعليق: د. محمد غنيمي هلال، نهضة مصر للطباعة والنشر، القاهرة، ط، د.ت، ص: 65.

(16) نفسه، ص: 66.

(17) نفسه، ص: 67.

(18) نفسه، ص: 13.

(19) نفسه، ص: 40.

(20) نفسه، ص: 45.