يتتبع الناقد الأردني المرموق في هذه الدراسة معنى أدب المنفى وسياقاته الأنطولوجية استراتيجيات التعبير عنه وتحولات المفهوم النظرية في أطروحات إدوار سعيد وأدورنو وجان عبدول محمد.

معنى أدب المنفى

فخري صالح

عندما نفكر بأثر المنفى في الآداب العالمية المعاصرة سندهش لغزارة عمليات الانتقال والهجرة والنزوح والارتحال، الطوعي أو القسري، إلى أصقاع الأرض المختلفة، غربا وشرقا، شمالا وجنوبا، من قبل أفراد أو جماعات ثقافية أو عرقية، أو شعوب بكاملها. وقد جرت هذه الهجرات الجماعية لأسباب سياسية في بعضها، اقتصادية في بعضها الآخر، وبتأثير الحملات الاستعمارية في القرون الثلاثة الأخيرة؛ حيث انتقلت الجيوش المستعمرة إلى البلدان التي غزتها، فيما توجهت قطاعات، واسعة أحيانا، من الشعوب التي تعرضت للغزو إلى الغرب نفيا أو بحثا عن الرزق وهروبا من بطش القوى الاستعمارية. وهكذا فإن بالإمكان النظر إلى المنفى في اتجاهين مختلفين، كما يرى منظرو ما بعد الكولونيالية، فثمة منفى مفروض على الجماعات الثقافية والعرقية التي غذت الخطى باتجاه الغرب بتأثير استعمار بلادها، كما أن ثمة انتقالا لأعداد كبيرة من الجنود وموظفي الإدارات الاستعمارية وعائلاتهم، إضافة إلى بعض المغامرين والرحالة الذين دفعتهم تجربة الاستعمار لاستكشاف الأراضي الجديدة والكتابة عنها، ودراسة طبائع الشعوب الشرقية، وتقديم فقه مقارن للغات، إلخ المهمات التي خولها المستعمرون لأنفسهم في البلاد المستعمرة.

إن مفهوم المنفى ذو طبيعة معقدة؛ إنه مفروض ومرغوب، يجري السعي إليه وتفضيل الإقامة فيه، وكذلك ذمه بوصفه حالة من الإبعاد والاغتراب الذي يدفع المرء إليه أو يجبر على عناقه. ولذلك يبدو تعريف أشكروفت وزملائه للمنفى بأنه يقابل "فكرة الانفصال والابتعاد عن الوطن الأم أو عن الأصل الثقافي أو العرقي"1" نوعا من ضغط المفهوم وحصره، وتضييق حدوده. صحيح أنهم يشيرون إلى تمييز بعض نقاد ما بعد الاستعمار بين المنفى والاغتراب، فالأول مفروض، حيث لا يستطيع المنفي العودة إلى وطنه الأم حتى لو رغب في ذلك، أما الثاني فهو مختار نشأ نتيجة رغبة المرء في مغادرة وطنه لأي سبب من الأسباب. لكن هذا التمييز ليس دقيقا تماما، فثمة تداخل ومساحات رمادية تصل ما بين هذين المفهومين، كما تندرج حالتا الوجود الخاصتان بالمنفى والاغتراب في تشابهات تجعل من الصعب التمييز بين المنفي والمغترب؛ ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى التجربة الفلسطينية التي تتضمن أنواعا عديدة من الابتعاد القسري، والنفي العنيف، والإبعاد، وأحيانا الاغتراب عن الوطن، لأن الشروط السياسية والاجتماعية والثقافية دفعت الفلسطينيين إلى خارج الوطن الأم في ظروف شديدة التعقيد خلال رحلة الشتات الفلسطينية المستمرة. ورغم أن الفلسطيني يعد "المنفي بامتياز"، إلا أن ظلالا لا حصر لها، وسياقات نفي عديدة، تحيط بالتجربة الفلسطينية. يصدق هذا الوضع كذلك على عدد كبير من مجتمعات الشتات الناشئة، نتيجة ظروف سياسية أو اقتصادية بعينها، والممتدة إلى معظم أصقاع العالم في أزمنة الحداثة، ما يفضي إلى تعقيد مفهوم المنفى وضرورة النظر إليه من جوانب مختلفة وعدم الاكتفاء بالمعنى اللغوي ذي الدلالات السلبية للمنفى."2"

لكن من الصعب أن نحدد بوضوح، في أحيان كثيرة، أين هو "الوطن" بالنسبة لهذه المجموعات التي ارتحلت عن أوطانها، أو نفيت منها، أو جرى تهجيرها بالتهديد والقسر عنها، أو اضطرت بسبب القهر والاضطهاد السياسيين، أو الفقر والفاقة، للهجرة إلى بلدان أخرى والاستقرار على هوامش مجتمعات تلك البلدان على الأغلب، منتجة آدابا تستذكر في العادة الأوطان الأصلية، وتقيم صلات نسب مع الثقافات التي تنتمي إليها. فهل الوطن في هذه الحالة هو مكان الولادة، أم أنه المجتمع الثقافي المرتحل الذي ولد فيه المرء، أم أنه الدولة القومية التي ولد فيها الشخص المنفي؟"3"

إن من الصعب بالفعل أن نرسم شبكة لمعنى المنفى وأدب المنفى ضمن هذه الظروف المعقدة من عمليات النزوح والشتات والاغتراب والاقتلاع والتشريد والنفي والرحيل الطوعي أو الهجرة بحثا عن الحرية أو الرغبة في تحسين الأوضاع المعيشية؛ فبينما كان الارتحال فرديا في العصور السابقة، أو أنه يتضمن مجموعات صغيرة، صار هناك مجتمعات شتات كاملة تبتعد، طوعا أو كرها، عن أوطانها الأصلية. وبعض مجتمعات الشتات هذه أجبرت لا على ترك أوطانها فقط بل على التخلي عن لغتها الأم، وثقافاتها الأصلية لتصبح جزءا مزاحا من المجتمعات والثقافات الجديدة ، مثل الأفارقة الذين يعيشون في فرنسا، والهنود والباكستانيين الذين يعيشون في بريطانيا. وهؤلاء ينتجون آدابا مهجنة لكنهم يتخذون من الفرنسية والإنجليزية لغة يعبرون بها عن أنفسهم، بما يتضمنه ذلك من مصاعب في التعبير عن الذات وانشقاقات في الهوية.

في هذا السياق نفسه يجد الفلسطينيون أنفسهم بعد دفعهم للهجرة من بلادهم بعد اغتصاب فلسطين، وشن حرب صهيونية لا هوادة فيها لإفراغ الوطن الفلسطيني من سكانه العرب. فقد دفع الفلسطينيون إلى الإقامة في مجتمعات الشتات، سواء داخل الوطن العربي أو خارجه، داخل الوطن الفلسطيني بوصفهم "منفيين في الداخل" أو كجزء من كيانات دول أخرى أصبحوا بمرور الوقت يقيمون على هامش سكانها الأصليين. في كتابه "بعد السماء الأخيرة" يستعيد إدوارد سعيد وضعيته كمنفي بالمعنيين السياسي والثقافي، ويشرح لقارئه الأجنبي كيف أصبح هو وعائلته منفيين من الوطن، ويوضح هذا الوضع بالنسبة له ولباقي الفلسطينيين قائلا: "لقد تبخر من حياتي وحياة الفلسطينيين جميعا ثبات الجغرافيا وامتداد الأرض. وحتى  لو لم يقم أحدهم بإيقافنا على الحدود أو سوقنا إلى مخيمات جديدة أو منعنا من الدخول أو الإقامة أو السفر من مكان إلى آخر، فإن أراضينا يجري احتلالها، ويتدخل الآخرون في حياة كل منا بصورة اعتباطية وتمنع أصواتنا من الوصول إلى بعضنا بعضا؛ إن هويتنا تُقيد وتحبس وتحاصر في جزر صغيرة خائفة ضمن محيط غير مضياف تحكمه قوة عسكرية عليا تستخدم رطانة إدارة حكومية تؤمن بالطهارة [العرقية] الخالصة."4"

إن الإشارة إلى المنفى كتقييد للهوية ومحو لها هو من بين السمات الدالة على آداب المنفى، والموتيفات التي تتكرر في النصوص، التي تدور حول هذه التجربة الوجودية المعقدة، هي جزء من هذه الطبيعة المعقدة لأدب المنفى. ولعل الأدب الفلسطيني أن يكون من بين أكثر الآداب العالمية التي تكونت وتطورت داخل بوتقة المنفى، وعلى حوافه؛ فلا يمكن النظر إلى الأدب الفلسطيني إلا بوصفه أدب منفى واغتراب ومحاولة للحفاظ على الهوية المهددة. في قصيدة "عاشق من فلسطين" يقول محمود درويش، الذي يمكن النظر إلى مجموع شعره بوصفه مجازا للمنفى:

ولكني أنا المنفي خلف السور والباب
خذيني تحت عينيك
خذيني، أينما كنت
خذيني، كيفما كنت
أرد إليّ لون الوجه والبدن
وضوء القلب والعين
وملح الخبز واللحن
وطعم الأرض والوطن!"5"

ورغم أن القصيدة السابقة مكتوبة في فترة مبكرة من تجربة محمود درويش الشعرية، أي في المرحلة التي سبقت خروجه من فلسطين ملتحقا بالمنفيين من شعبه، إلا أن درويش يجعل من صوت المتكلم في قصيدته جزءا من كورس أصوات المنفيين الفلسطينيين جميعا. إنه يكتب شعره داخل الوطن بوعي المنفي الأبدي مدركا في الآن نفسه أن وجوده على أرض الوطن لا يعفيه من شعور المنفى لأنه مقتلع ومشرد على أرضه. وفي ذلك ما يشير إلى هوية أدب المنفى المعقدة، وإمكانية أن ينتج المقيمون أدب منفى لأن تهديد الهوية، الوطنية أو القومية أو العرقية، والصراع على الهويات الثقافية بعامة، هو الذي يحدد في النهاية معنى أدب المنفى.

 ثمة تعالق في أدبيات المنفى، خصوصا في اللغة العربية، بين الغربة والمنفى. وهذا ما نعثر عليه في كتابات الفلسطينيين؛ ففي "سرير الغريبة" لمحمود درويش تشدد قصائد الحب جميعا على فكرة الغريب الذي يبحث عن غريبة تشفيه من جراح غربته ومنفاه، من شعوره بالوحشة في ديار الآخرين. ثمة غربة وشعور بعدم ثبات الأرض تحت القدمين، وإدمان على المنفى، وتعريف للذات بالاستناد إلى المنفى دون غيره من صيغ الوجود. ولذلك لا يستطيع الحب ولا أي شيء غيره أن يشفي المنفي من جرح منفاه الأبدي. لا قدرة لدى المنفي على عكس مسار منفاه، فحتى لو عاد إلى الوطن فإنه يظل مقيما في غربته ورحيله عن أرضه. "من أنا دون منفى؟" يسأل درويش، معرفا هوية الغريب الأبدي الذي أدمن العيش في هويته التي أصابها جرح نازف مقيم.

غريب على ضفة النهر، كالنهر... يربطني
باسمك الماء. لا شيء يرجعني من بعيدي
إلى نخلتي: لا السلام ولا الحرب. لا
شيء يدخلني في كتاب الأناجيل. لا
شيء... لا شيء يومض من ساحل الجزر
والمد ما بين دجلة والنيل. لا
شيء ينزلني من مراكب فرعون. لا
شيء يحملني أو يحمّلني فكرة: لا الحنين
ولا الوعد. ماذا سأفعل؟ ماذا
سأفعل من دون منفى، وليل طويل
يحدق في الماء؟"6"

يلخص الكلام السابق جوهر الإحساس بالمنفى، ويقين المنفي بأن رحلة  الغريب وتيهه قد طبعت حياته؛ إن هويته هي المنفى وتجربة الوجود بالنسبة له قد تشكلت حول تلك البؤرة الشاذة الغريبة من الرحيل والهجرة، والإقامة على هامش مجتمع الغربة، والابتعاد والفقد الذي يستحيل عكس مساره ورأب صدعه بالوعد والحنين أو الحب.

 في سياق يفسر رؤية درويش الشعرية للمنفى يذكرنا إدوارد سعيد بأن الناقد الإنجليزي ماثيو أرنولد يستخدم كلمة "غريب" ليصف الناقد الذي هو "شخص ليس ثابتا في طبقة محددة بل هو على الأصح يسير على غير هدى." وينطلق سعيد من هذا الوصف ليحدد معنى المنفى الفردي والجماعي، العام الكوني والشخصي الخاص به كفلسطيني مهجر من وطنه، غريب في بلاد الآخرين.  يقول سعيد: "بالنسبة لي فإن صورة المنفى شديدة الأهمية لأنك تدرك في لحظة من اللحظات أنه لا يمكن أن تعكس مسار المنفى. إذا فكرت به بهذه الطريقة فإنه يصبح صورة شديدة القوة في الحقيقة؛ لكن إذا فكرت بأن المنفي يمكن أن يعود، ويجد بيتا، فهذا ما لا أقصده في هذا السياق. إذا فكرت بالمنفى كحالة دائمة، بالمعنيين الحرفي والثقافي، فإن الأمر سيبدو واعدا رغم صعوبته. إنك تتحدث هنا عن الحركة، عن التشرد.."7 "

يحدد إدوارد سعيد في كلامه السابق السياق الأونطولوجي للمنفى؛ إنه حالة دائمة من الغربة والابتعاد والإقامة في الهامش، هجرة مستمرة لا يمكن عكسها، وهو من ثمّ صيغة من صيغ الوجود تولد شعورا متواصلا بالانشقاق عن السياق، والحنين الدائم إلى ماض وأرض وثقافة لم تعد كلها موجودة في المنفى وثقافته وحالته الوجودية. إن المنفى هو " ذلك الصدع الذي يصعب شفاؤه ويفصل بصورة قسرية بين المرء ومسقط رأسه، بين الذات وبيتها الحقيقي: إن الحزن الجوهري الذي يولده لا يمكن التغلب عليه."8"

بالمعنى السابق فإن المنفى، رغم كونه نتاج شرط تاريخي محدد، وأثرا لتجربة عميقة من الفقد وصدع الهوية، يتحول إلى مجاز للفقد والخسارة، إلى تعبير عن السقوط المستمر في بئر اللاعودة، ما يذكرنا بشعريات المنفى التي نرتطم بها بصورة متواصلة في تجربة محمود درويش. المنفى انقطاع عن الأرض الصلبة التي كانت توفر للمرء الهوية وصلابة الإحساس بالأمن والطمأنينة، فـ"المنفيون مقطوعون عن جذورهم، عن أرضهم وماضيهم. إنهم في العادة بلا جيوش أو دول، لكنهم في حالة بحث عنها. لذلك يشعر المنفيون بالحاجة الملحة ليعيدوا تشكيل حياتهم المدمرة من خلال رؤية أنفسهم كجزء من أيديولوجيا ظافرة أو أمة حية." (سعيد، تأملات في المنفى، ص: 177)

في كتابه "تمثيلات المثقف" يصف إدوارد سعيد المنفى بأنه "من أكثر المصائر إثارة للحزن"، مقارنا بين المنفى في الأزمنة ما قبل الحديثة والمنفى في الزمان الحديث، قائلا إن النفي والطرد في التاريخ القديم كان عقابا مروعا للشخص المنفي لأنه كان يعني سنوات من التشرد الذي لا هدف له بعيدا عن العائلة والأمكنة التي ألفها المرء. كما أنه كان يعني نوعا من النبذ وعدم الشعور بالاستقرار في المكان. وحين يقارن معنى المنفى في الحاضر بمعناه في الماضي يشير إلى تحول المنفى من تجربة شخصية إلى تجربة جماعية أصابت شعوبا وأعراقا بكاملها، ممثلا على ذلك بهجرة الفلسطينيين والأرمن من بلادهم عبر الاقتلاع والتشريد والنفي القسري."9" بذلك يجمع المنفي المعاصر بين تجربة المنفى الشخصية ما قبل الحديثة وتجربة الاقتلاع التي جلبها الاستعمار الحديث لشعوب بكاملها. يقول سعيد: "يعيش المنفيّ في حالة توسط، فهو غير متوائم مع مكان إقامته الجديد وليس باستطاعته في الوقت نفسه أن يتخلص من مكانه القديم؛ فهو إذاً واقع في أسر أنصاف من التورطات وحالات الانفصال والبعد، شاعرا بالحنين المرضي والعاطفة المفرطة من جهة، وبقدرته أن يكون مقلدا ماهرا [لأبناء المكان الجديد] وأن يكون منبوذا سريا من جهة أخرى." (سعيد، تمثيلات المثقف، ص: 36)

لكن سعيد، رغم تحديده الفروق في مفهوم المنفى بين الحضارات القديمة والعصر الحديث، ينتقل انتقالا مفاجئا غير متوقع، في كتابه المثير للجدل والاهتمام حول صورة المثقف التي ينشدها. إنه يشدد على ما يسميه "المنفى المجازي"، في مقابل المنفى الجسدي أو الجغرافي أو الابتعاد القسري عن الوطن، فالمعنى المجازي يمكن أن يكون صفة المثقف الذي يعيش في وطنه عضوا في مجتمع بعينه، لكنه رغم ذلك يستطيع أن يكون لا منتميا، منبتا عن السياق التقليدي، يصعب إغواؤه من قبل السلطة أو استتباعه. ويقيم سعيد صلات نسب بين المثقف اللامنتمي والمثقف المنفي الذي يجد صعوبة بالغة في التأقلم  والإحساس بالألفة مع المحيط وهي الأحاسيس التي تميز المواطنين وأبناء المجتمعات الأصلية، أولئك المستقرين الذين تربوا في أحضان الوطن والثقافة. إن سعيد يفضل هذا النوع من المثقفين الذين لا يحسون بالراحة أو الطمأنينة، بل إنهم يحسون بعدم الاستقرار ويشعرون بضرورة الحركة الدائمة مسببين عدم الراحة للآخرين كذلك. (تمثيلات المثقف، ص: 39) ويضرب سعيد أمثلة على ذلك بجوناثان سويفت وثيودور أدورنو وف. س. نايبول. ومن ثمّ فإنه يرى أن المثقف المثال بالنسبة له هو ذلك "المرتحل، والضيف المؤقت." (ص: 44) إن المثقف المنفي، واقعا ومجازا، يرى الأشياء بوصفها "عارضة، لا بوصفها أمرا لا مناص منه، وينظر إليها بوصفها سلسلة من الاختيارات التاريخية للرجال والنساء، بوصفها وقائع اجتماعية صنعها البشر لا بوصفها أشياء طبيعية." (ص:45) وهو يضرب على هذا النوع من المثقفين مثال الفيلسوف الإيطالي ابن القرن الثامن عشر غيامباتيستا فيكو، الذي طالما احتفل به إدوارد سعيد وأشار إلى تأثير كتابه "العلم الجديد" على عمله النقدي. إن سعيد يفضل ذلك النوع من المثقفين اللامنتمين"10"، الذين يقيمون على الحدود، المثقفين الهامشيين، لأن هذا النوع من المثقفين المنفيين exilic intellectuals يخالفون السائد والسائر، ويتصفون بالجرأة، ويمثلون التغيير، ويستمرون في الحركة في هذا العالم المتغير. (سعيد، تمثيلات المثقف، ص: 47).

يلجأ إدوارد سعيد، في عدد من مقاطع مقالته المثيرة للاهتمام (عقل الشتاء)، والتي يمكن ردها بسهولة إلى تجربته الشخصية كمثقف منفي ومهاجر، إلى رؤية ثيودور أدورنو وتعريفه المجازي للمنفى، مشددا على الطبيعة المجازية للمنفى، ومنتقلا من سياق التجربة التاريخية للمنفى إلى مجاز الكتابة الذي يحله محل الوطن. إن سعيد، الذي تشبه تجربته في المنفى تجربة الفيلسوف الألماني، يشدد على أسطورة الكاتب والفنان بوصفه منفيا أبديا. يقول سعيد "إن تأملات أدورنو [حول المنفى] يغذيها اعتقاد جازم بأن البيت الوحيد القائم الآن في هذا العالم، رغم هشاشته وافتقاده للحصانة، هو الكتابة." (تأملات في المنفى، ص: 184) وينقل عنه قوله: "إن من المناقبية الأخلاقية أن لا يشعر المرء بالراحة والانتماء في أي بيت." ويعلق سعيد على ذلك بأن كلام أدورنو يعني أن وقوفنا على مبعدة من بيوتنا، من أوطاننا، يعني أن علينا أن ننظر إلى ما حولنا "بإحساس المنفي بالتجرد وعدم التحيز." ومن هنا فإن المنفيين يعبرون الحدود، ويزيلون العوائق في الفكر والتجربة." (ص: 185).

يرجّع سعيد صدى كلام أدورنو بخصوص المنفى في تقديمه لكتاب "تأملات في المنفى". ونحن نعثر في ذلك التقديم على خلاصة رؤيته لمعنى المنفى، وما ينبغي على الكاتب في المنفى أن يكونه، والمهمة الرسالية لمثقف المنفى. يقول سعيد: "إن المهمة النقدية للمنفيّ من وجهة نظري هي أن يظل، بصورة من الصور، متشككا، يقظا على الدوام؛ وهو دور ربطته هنا، وفي محاضرات ريث (تمثيلات المثقف) بمهمة المثقف الذي يرفض استخدام رطانة المتخصصين، وتملق السلطة، وـ انطلاقا من التصور نفسه ــ يرفض طمأنينة الانسحاب وعدم الانخراط."11 "

إن من الواضح أن إدوارد سعيد أميل إلى رؤية أدورنو للطاقة المحررة للمنفى، وهو يضيف إلى تلك الرؤية ما يجعلها نوعا من الالتزام السياسي والثقافي بالتغيير وتحرير المنفي وزميله المقيم من عبء الرؤية العرقية، الوطنية، الشوفينية، المتعصبة، ضيقة الأفق للأشياء وعلاقات البشر في هذا العالم. وهو يشدد على ما يسميه في مواضع أخرى من كتابته "القراءة الطباقية" Contrapuntal Reading للنصوص والتجارب، مشددا على قراءة تتنكب بلاغة اللوم Rhetoric of Blame وتلجأ إلى التأويل فيما يتعلق بتجارب الارتطام الكبرى بين الشعوب والأعراق. يقول سعيد: "لقد جادلت دائما أن بإمكان المنفى أن يولد الحقد والضغينة وكذلك الإحساس بالفقد واللوعة، كما أنه يشحذ رؤيتنا ويجعلها حادة مسنونة. أما ما نتركه خلفنا فيمكن أن نعلن فجيعتنا لفقده، أو أن بمقدورنا استعماله لتوفير طقم مختلف من العدسات.

ولأن المنفى والذاكرة مجدولان معا، حسب التعريف، فإن ما يتذكره المرء من الماضي وكيفية تذكره هو ما يحدد الطريقة التي نرى بها المستقبل."12 "

يقيم تحديد سعيد لمعنى المنفى صلات نسب مع وصف فرانز فانون للمنفيّ، فالأخير يعد المنفى انسحابا نرجسيا من العالم إلى شرنقة الذات"13"، كما أن المنفي من وجهة نظر فانون هو "عبد.. الظهور" (فانون، جلد أسود أقنعة بيضاء، ص: 116). وبهذا المعنى فإن فانون يستخدم المنفى استخداما مجازيا في تحليله لعبء الاستعمار وضغطه على الذات السوداء. إن المنفي الأسود وهو يعانق الثقافة البيضاء، متخذا القناع الأبيض، يظن أنه يفعل ذلك بملء إرادته، انطلاقا من فعل حرية. لكنه، حسب فانون، "هو عبد أسطورة الأسود التلقائية الكونية." (ص: 25) إن الصورة التي يرسمها المنفي الأسود لنفسه هي بهذا المعنى صورة صكها الغرب والثقافة البيضاء للأسود، وللثقافات الشرقية كلها كما يبين إدوارد سعيد في "الاستشراق".

يتلون معنى المنفى في تعريف فانون، وإلى حد ما في تعريف سعيد، بالمجازية"14"؛ إنه يبتعد عن كونه شرطا تاريخيا سياسيا، أو اقتصاديا، محددا ناشئا عن الهجرة القسرية أو الطرد المبرمج من الوطن، أو الإبعاد العنيف لجماعات محددة، أو شعوب بكاملها، ليدخل في تعريف الهوية المنشقة، والذات المشروخة لأسباب تتصل بالتجربة الكولونيالية للشعوب المستعمرة في القرون الثلاثة الأخيرة. إن المنفى عرض نفسي من وجهة نظر فانون، وهوية مكتسبة تقيم على حدود الثقافات، وتعلم الذات والآخر كيفية النظر إلى تداخل الثقافات وتجارب البشر، من وجهة نظر سعيد. وهو الشيء نفسه الذي يفعله هومي بابا حين يشدد على أهمية المجاز في تجربة المنفى؛ حيث يرى بابا أن عددا كبيرا من الشعوب الحديثة بدأ رحلته في تكوين القوميات خلال القرن التاسع عشر، وهو القرن نفسه الذي بلغ فيه الاستعمار الأوروبي ذروته. لقد سعى الغرب إلى الامتداد نحو الشرق، كما نشطت حركة الهجرة باتجاه الغرب، ما ملأ الفراغ الذي تركه غياب الأوطان بلغة المجاز."15"

ينقلنا مجاز المنفى إلى إعادة تعريف لمفهوم المثقف؛ إن المنفى يدخل في تعريف المثقف ويصير المعنى المجازي للمنفى شكلا من أشكال الوظيفة الرسالية، كما رأينا لدى إدوارد سعيد، أو وصفا محايدا لهذه الوظيفة في قراءة جان عبدول محمد لأنواع المثقفين الذين يسميهم مثقفي الحدود Border Intellectuals. يفرق  جان محمد بين أربعة أنواع من مثقفي الحدود: فهناك المثقف المنفي، والمثقف المهاجر، والمثقف الكولونيالي، والأنثروبولوجي. وكل واحد من هؤلاء الأربعة يتخذ موقفا خاصا به من ثقافته الأصلية والثقافة المضيفة التي انتقل إليها."16" وهو يصك تعريفا لما يسميه مثقف الحدود المحايد Specular Border Intellectual  قائلا إنه ذلك المثقف "العارف بثقافتين بصورة متساوية، وهو يجد نفسه، غير قادر، أو بالأحرى غير راغب بأن يكون "منسجما" داخل أي من هاتين الثقافتين. فهو إذ يجد نفسه محشورا بين عدد من الثقافات أو الجماعات، حيث لا تساعده أي منها بأن يكون منتجا أو خلاقا داخلها، فإن مثقف الحدود المحايد يخضع تلك الثقافات لعملية تفحص تحليلية بدلا من أن يقوم بالدمج بينها؛ إنه يستخدم فضاءه الثقافي البيني كنقطة انطلاق ليعيد، بصورة مباشرة أو ضمنية، تعريف إمكانات طوباوية جديدة لتشكيل الجماعات." (مايكيل سبرينكر، إدوارد سعيد..، ص: 96).

يضرب محمد مثلا على هذا النوع من المثقفين إدوارد سعيد، ودبليو. إي. بي. دوبوا، وريتشارد رايت، وزورا نيل هيرستون. وهو عندما يحلل حالة إدوارد سعيد يقرأ وضعه كمثقف منفي ليؤطره في سياق تعريفه لذلك النوع الخاص من مثقفي الحدود، واصفا إعجاب سعيد بمثقفين من طراز جوزيف كونراد وتي. إي. لورنس وإريك أورباخ ولويس ماسينيون بأنه ينسجم مع كون هؤلاء جميعا مثقفين من الطراز نفسه. إن سعيد يلتقيهم على الحدود، يعبر معهم تلك الحدود، ويعود القهقرى معهم إلى الغرب. (ص: 98) ويشدد جان محمد على الطبيعة المرآوية المحايدة"17" لاصطفاء سعيد لأورباخ، وتعريف سعيد لقيمة المنفى في عمل أورباخ. إن سعيد كما يقول جان محمد يخطئ في التعرف على الخلافات الجوهرية بين عمله وعمل أورباخ، فالأخير يكتب لقارئه الغربي، وكذلك يفعل سعيد الذي يتوجه في كتابته للقارئ الغربي، لا للقارئ في ثقافته الأم. ويعيد جان محمد كون سعيد مثقفا محايدا على الحدود بين الثقافات إلى وضعية سعيد كمثقف منفى، فسعيد، حسب جان محمد "ليس منفيا تماما، وليس مهاجرا كذلك." (ص: 99 )"18"

للتمييز بين المهاجر والمنفي يقول جان محمد إنه في الوقت الذي يقوم فيه "كل من المنفي والمهاجر بعبور الحدود بين مجموعة قومية أو اجتماعية وأخرى، فإن موقف المنفي من الثقافة المضيفة سلبي، فيما يتخذ المهاجر من تلك الثقافة موقفا إيجابيا. إن فكرة المنفى تشدد دوما على غياب "الوطن"، على النسيج الثقافي الذي شكل الذات الفردية؛ ومن ثمّ فإنها تتضمن تمزقا لا إراديا، أو مفروضا، للعلاقة بين الذات الجمعية للثقافة الأصلية والذات الفردية. إن النوستالجيا الخاصة بالمنفى (وهي نوستالجيا بنيوية أكثر من كونها خاصية فردية) تدفع الفرد في العادة لكي يكون غير مبال بالقيم والخصائص المتعلقة بالثقافة المضيفة؛ إن المنفي، يختار، إذا كان بمقدوره أن يختار، أن يعيش في سياق غير مرحب، سياق يشبه "الوطن". (ص: 101)

يعيد جان محمد في تعريفه لمفهوم مثقف الحدود، واحتلاله فضاء بينيا، أو بتعبير إدوارد سعيد وجوده "بين ثقافتين أو أكثر" Between Cultures، موضعة نموذج عالم الأنثروبولوجيا فيكتور تيرنر الذي يستخدم تعبير الفضاءات البينية Liminal Spaces للتعبير عن نوع من العبور من وضعية اجتماعية إلى أخرى، مع ما في ذلك من عبور مواز في الفضاء والجغرافيا. وتقترح ماي هندرسون أن نقحم مفهوم الحدود على نموذج تيرنر لدراسة "المنفى" وآدابه. وهذا ما فعله جان محمد في دراسته لمثقف الحدود حيث أقام علاقة بين تعبير "الفضاءات البينية" ومفهومه لمثقف الحدود، وكذلك "مثقف الحدود المحايد". وترى هندرسون كذلك أن من المناسب أن نستخدم نموذج تيرنر في دراسته للطقوس القبلية الذي يصلح من وجهة نظرها لدراسة مفهوم المنفى. إن البينية، من هذا المنظور، "تصف المنطقة الحدودية التي تصل بين الثقافات، والأعراق، والشعوب ــ وهي منطقة يصفها تيرنر أحيانا بأنها تتضمن "وضعية من التمايزات المتداخلة والغامضة". وتستنتج هندرسون أن استخدام هذا النموذج لدراسة ما أنجزه المنفيون والمهاجرون واللاجئون من إبداعات وآداب يجعلنا نرى كيف يدفع النفي والعبور إلى أرض وثقافة جديدة هؤلاء إلى تشكيل معايير ورموز ونماذج غير تلك التي عملوا وفقا لها في الوطن الأم."19"

*  *  *

انطلاقا مما سبق نستطيع القول إن مفهوم أدب المنفى قد خضع خلال الربع الأخير من القرن العشرين لتحولات وتعديلات عديدة، حيث غادر معناه اللغوي،  الذي يجعل منه دالا على أدب الغربة والهجرة والاقتلاع والنفي والتشرد"20"، ليصبح تجربة مجازية تدل على النظر بعيون جديدة إلى العالم وتجارب البشر وتفاعل الثقافات، ومفهوم الحرية، والرؤية غير المتحيزة، والابتعاد عن مفهوم الهوية المغلقة، وطرح مفاهيم مثل الأصل والقومية والآداب الوطنية على بساط البحث مجددا. وقد دخل المفهوم، من خلال عدد من المنظرين ونقاد الأدب، بوابة النظرية الأدبية ليصبح من بين المفاهيم الأساسية التي تشكل ما يسمى آداب ما بعد الاستعمار، بوصف تجربة المنفى عنصرا مشكلا للهوية الخاصة بكل من المستعمِر والمستعمَر؛ فالرحلة باتجاهات متعاكسة جزء لا يتجزأ من تجربة الغزو الاستعماري الحديثة. وهو ما يجعل مفهوم أدب المنفى يُبحث في كلا الاتجاهين: شرقا وغربا، جنوبا وشمالا.

بهذا المعنى يمكن القول إن محاولة فهم الآداب الحديثة تستلزم إلماما بتحولات المفهوم، ومغادرته دائرة الفهم القاموسي الضيق إلى أفق النظرية الأدبية؛ فما أضافه فرانز فانون وألبير ميمي وإدوارد سعيد وهومي بابا وغاياتري تشاكرافورتي سبيفاك وعبدول جان محمد، إضافة إلى عدد آخر من نقاد ما بعد الكولونيالية، هو بمثابة إخضاع للتجربة الإنسانية المعاصرة لإعادة فحص مجددة، وقراءة القرن العشرين بوصفه قرن المنفيين بامتياز.

في مقطع مثير وكاشف في مقالته "عقل الشتاء" يقول إدوارد سعيد: "لا يمكن أن يكون المنفى حالة من الشعور بالرضا، أو الهدوء، أو الأمان. المنفى، بكلمات والاس ستيفنز، هو "عقل الشتاء" حيث تكون عاطفة الصيف والخريف، وكذلك تلك الخاصة بالربيع، شديدة القرب لكنها ليست في المتناول. لربما يكون الكلام السابق محاولة للقول بأن الحياة في المنفى تسير وفق أجندة مختلفة، فهي أقل توافقا مع الفصول وأقل استقرارا من الحياة في الوطن. المنفى هو الحياة التي نعيشها خارج النظام المعتاد. إنها تشبه حياة البداوة وعدم الاستقرار، بلا مركز، وذات طبيعة طباقية.."21" 

ـــــــــــــــــــــــــــــ
1. أنظر:
Bill Ashcroft, Gareth Griffiths and Helen Tiffin, Key Concepts in Post-Colonial Studies, Routledge, London, 1998, p. 92.
2.  يرد في كتاب العين للخليل بن أحمد الفراهيدي أن نفي الشيء يعني تنحيته، ونفى الشعرُ أي ثار وذهب وشعِث وتساقط، والسيل ينفي الغثاء أي يحمله ويدفعه، ونفيان السيل: ما فاض من مجتمعه، ونفى الرجلُ عن الأرض ونفيته عنها: طردته فانتفى. قال الله تعالى: "أو ينفوا من الأرض".
وجاء في تهذيب اللغة للأزهري: نفى ابنه: جحده، وهو نفيٌّ منه. وانتفى فلان من فلان وانتفل منه إذا رغب عنه أنَفاً واستنكافاً. ونفت الريح التراب نفياً ونفياناً: أطارته. والنفيُّ: ما نفته. وفي الحديث: المدينة كالكير تنفي خبثها أي تخرجه عنها، وهو من النفي الإبعاد عن البلد. يقال: نفيته أنفيه نفيا إذا أخرجته من البلد وطردته. ونفت السحابة الماء: مجّته. والنفوة: الخرجة من بلد إلى بلد.
وجاء في المعجم الوسيط: نفي الشيء: نحاه وأبعده. يقال: نفى الحاكم فلانا: أخرجه من بلده وطرده. ونفيت الحصى عن الطريق، ونفى السيل الغثاء. ويقال: نفت السحابة ماءها: أسالته وصبته. ونافاه: عرضه وباينه. وانتفى: ابتعد. يقال: نفاه فانتفى. وانتفى الرجل: ابتعد عن وطنه مطرودا. والمنفى: مكان النفي. والنفي: خلاف الإيجاب والإثبات.
ومن الواضح مما أوردته في معنى "النفي" و"المنفى" في المعاجم العربية أن الكلمة ذات ظلال ودلالات سلبية في الأغلب، لا تتضمن أية معان إيجابية.
3. أنظر:
Ashcroft, etal, op. cited, p.93.
4. Edward Said, After the Last Sky, Faber and Faber, London, 1986, pp. 19-20.
5. محمود درويش، ديوان محمود درويش، المجلد الأول، دار العودة، بيروت، 1977، ص: 139.
6. محمود درويش، سرير الغريبة، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، 1999، ص: 112 113.
7. إدوارد سعيد، عن العالم والنص والناقد، حوار أجراه معه هينتزي وماكلينتوك عام 1986، ونشرته مجلة Critical Text، وأعاده نشره غاري فيسواناثان في "السلطة والسياسة والثقافة: حوارات مع إدوارد سعيد"، دار فينتيج، 2002. أنظر ترجمتي لهذا الحوار في الكرمل، العدد 78، شتاء 2004، ص: 119 ــ 131.
8. أنظر مقالة إدوارد سعيد الشهيرة حول المنفى "عقل الشتاء"، التي يضمها كتابه "تأملات في المنفى" بالعنوان نفسه، والتي نشرت من قبل بعناوين مختلفة وفي مجلات متعددة في أمريكا وأوروبا.
Edward Said, Reflections on Exile and Other Essays, (Cambridge: Harvard University Press, 2000), p. 173.
9. أنظر:
Edward Said, Representations of the Intellectual, the 1993 Reith Lectures, (London, Vintage, 1994), p. 35.
10. من بين الأشخاص الذين يحتفل بهم إدوارد سعيد انطلاقا من وضعهم كمنفيين نموذجيين حولوا تجربة المنفى القسري إلى طاقة خلاقة وإنجاز كبير الناقد اليهودي الألماني إريك أورباخ الذي ألف كتابه الشهير "المحاكاة" خلال منفاه في إسطنبول في أربعينيات القرن الماضي، دون أن يكون لديه من المصادر والمراجع التي تتصل بالأدب الغربي إلا القليل. لقد استطاع أورباخ بسبب ضغط المنفى على وعيه، وابتعاده لا عن الأرض الأم فقط، بل عن الثقافة الأوروبية التي عدها الوطن الحقيقي له، أن يكتب عملا نقديا كلاسيكيا لا يضاهى. وقد كان المنفى حافزا ومحرضا لكي ينجز ذلك العمل. ويرى سعيد أن أورباخ قد حول المنفى من "تحد وخطر، أو حتى من حالة اعتداء على ذاته الأوروبية، إلى مهمة رسالية حقيقية..".
أنظر:
Edward Said, The World, the Text and the Critic, (London: Faber and Faber, 1984), pp. 6-7.
11. أنظر:
Edward Said, Reflections on Exile and Other Essays, op. cited, xxxiii.
12. المصدر السابق، ص: xxxiii .
13. أنظر:
Frantz Fanon, Black Skin, White masks, trans. Charles Markmann (New York: Grove Press, 1965), p, 22.
14. يرى أشكروفت وأهلوواليا أنه يمكن وصف منفى إدوارد سعيد الشخصي بأنه ذو طبيعة مجازية، فهو اختار منفاه بصورة جزئية؛ اختار مكانا ليعيش فيه، كما اختار الثقافة التي انتمى إليها، واختار أن يكون مقتلعا جغرافيا. ويصف الكاتبان اختيار سعيد أن يكون منفيا على الصعيدين الجغرافي والثقافي، متحررا من أرض الأجداد، بأنه نوع محرر من أنواع المنفى، فالمثقف في هذه الحالة يستطيع أن يرى بوضوح يفتقده المثقف المقيم.
أنظر هذا التحليل في:
Bill Ashcroft and Pal Ahluwalia, Edward Said: the Paradox of Identity, (London: Routledge, 1999), p. 15.
وهذا الكلام، من وجهة نظري، لا صحة له، وهو استنتاج مبني على تأويل لمنفى سعيد بصورة اعتباطية. ويكشف عن تردد الكاتبين في تأويلهما لمنفى سعيد تراجعهما في الصفحة نفسها عن هذا الوصف، مقدمين ما يشبه الحل الوسط من خلال قولهما بأن منفى سعيد يمكن عده جغرافيا ومجازيا في الوقت نفسه، فهو بمثابة اختيار لكنه أيضا منفى مفروض على سعيد.
15. أنظر:
Homi K. Bhabha (ed.), Nation and Narration, (London: Routledge, 1990), p. 291.
16. أنظر دراسته "العالمية من غير عالم، المنفى وطنا: نحو تعريف لمثقف الحدود المحايد" في:
Michael Sprinker, Edward Said: A Critical Reader, (Oxford: Blackwell, 1992), pp. 96- 120.
17. يعلق عبد الرحمن حسين في كتابه "إدوارد سعيد: النقد والمجتمع" على تأطير جان محمد لسعيد كمثقف على الحدود، واصفا إياه بأنه يقوم في نقده بعمل المرآة، قائلا إنه يعني أن سعيد "مراقب منفصل غير متحيز، وليس مقاتلا فاعلا." إن "موقع سعيد الثقافي، على النقيض من كونه ناشطا ملتزما ضد الإمبريالية، هو موقع المثقف المحايد بصورة أساسية، الذي يعكس بحياد ودون انفعال (بدل أن يقاوم ويشارك) الوقائع الثقافية المحيطة." أنظر:
Abdirahman a. Hussein, Edward Said: Criticism and Society, (London: Verso, 2002), p. 61.
 أما أشكروفت وأهلوواليا فيريان أن وصف جان محمد لإدوارد سعيد بأنه مثقف حدود محايد يحد من وضع سعيد كمثقف. صحيح أنه مثقف حدود، وهو سعيد بوضعه ذاك، لكنه يواصل اختراق الحدود، ويتحدى العوائق المقامة، ويعيد تعريف الحقول، كما أنه يعيد موضعة القيم والمعايير الثقافية، ما يزحزحه من الإطار التصنيفي الذي وضعه فيه جان محمد. أنظر:
Bill Ashcroft and Pal Ahluwalia, op. cited, p. 145.
18. ومع ذلك فإن سعيد، بسبب من هذه الوضعية المعقدة، يقدم تعريفا ونظرية حاذقة في معنى المنفى. إن المنفى، حسب سعيد، هو "مرثية زاهدة للتشرد المرغوب". أنظر:
Edward Said, The World, the Text and the Critic, op. cited, p. 7.
19. أنظر:
Mae Henderson (ed.), Borders, Boundaries and Frames, (New York: Routledge, 1995), p. 4.
20. يشير تيموثي برينان إلى أن العديد من الكلمات في عائلة المنفى تنقسم فيما بينها إلى معاني لغوية عتيقة أو ذات طابع أدبي، ومعاني سياسية حديثة، فعلى سبيل المثال هناك الإبعاد banishment مقابل الترحيل deportation؛ واللاجئ émigré مقابل المهاجر immigrant؛ والرحالة  التائه wanderer مقابل اللاجئ refugee؛ والخروج exodus مقابل الهروب والفرار flight. أنظر:
Homi Bhabha (ed.), Nation and Narration, op. cited, p. 60.
21. أنظر:
Edward Said, Reflections on Exile, op. cited, p. 186.