قصة قصيرة

أيام خديجة البيضاوية

إدريـس الخـوري

 

تقطن خديجة في الطرف القصيّ من الدار البيضاء، وتشتغل في الطريق القصي من الدار البيضاء، تستقلّ كلَّ يوم حافلتين للذهاب والإياب معا، وفي المساء تدخل غرفتَها وقدماها منتفختان من كثرة الوقوف في المحطّات والمعمل. لا تعرف خديجة شيئا اسمه الفطور أو الغذاء. في الصباح تغسل وجهها بالماء البارد وتخرج وتمرّ عند البقّال وتشتري حلوى هلالية. في الزوال تخرج صحبة صديقاتها لتشتري ساندويتش من البار القريب. في المساء تعود منهَكة، وتنام قرب التلفزيون. لا تعرف خديجة معنى الفرح، معنى القيلولة، معنى الحب، تعرف خديجة سعاد حسني من خلال “خلّي بالك من زوزو” والمسلسلات العربية الحزينة جدا جدا.. في الرأس دوامة من القلق، وفي القلب رغبة دفينة.

خديجة الآن على الشكل التالي: عينان غائرتان حزينتان، صدر ضامر نظرا لانعدام اللمس، شفتان شاحبتان مشققتان ظامئتان. كانت خديجة عبارة عن نخلة غير مسقية وسط جلابية زرقاء، فضفاضة، وطالما تساءَلت أمُّها مع نفسها: متى يجيء ذلك اليوم لتقلع هذه النخلة الضامرة، النابتة وسط الأشواك، وتزرع في مكان آخر؟ متى؟ كانت خديجة غابة من الرغبة ومن القمع الذاتي، وكانت صديقاتها يعتبرنها ظاهرة.
في الحافلة، لم يكن متوقعا أن خديجة سترفض هدية الطفل المراهق الذي لا تعرفه والذي لا يعرفها قط. ففي الحافلة التي تربط المدينة القديمة بالمدينة الجديدة دفَع الزحام المتواصل طفلاً مخشوشنا من مؤخرة الحافلة إلى مقدمتها. وحين وقف لمح الطفلُ مقعداً شغَر لِحينِه، فتهافتَ عليه وجلس. من النافذة أخذ الطفلُ المغربي المخشوشن ينظر إلى ما وراء الحافلة: الناس والشوارع والأزقة والسيارات والتلاميذ الصغار حاملين شكاكيرهمالمدمسة، يتقافزون هنا وهناك كالوزّ. جلس بوشعيب فرحاناً لأنه في الحافلة، ولأنه قلما يركب السيارات، وكانت عيناه حاضرتين في الحافلة. إنه يستطلع الوجوه والأقدام والمعاطف، الرجال والنساء.
وقفت الحافلة، (بعد برهة) أقلعت الحافلة، وهكذا دفع الزحام المتواصل على أشُدّه بامرأة حامل إلى الوقوف جنب مقعد الطفل الذي ينظر من النافذة إلى ما يجري خارج الحافلة، التفَت الطفلُ إلى اليسار فرأى كرشا بارزة من تحت الجلابية الرمادية، ومن تلقاء نفسه قام وترك مقعدَه للمرأة الحامل التي قالت وهي تجلس متأوِّهةً: الله يرضي عليك. وقف الطفلُ جنبَها وحملق في الوجوه الراكبة، البئيسة، باحثاً عن رضى الجميع، فوجده في شفاههم المنفرجة قليلا. سيتعين عليه أن يخبر أمَّه بذلك عندما يعود، أما الآن فالجميع يعرف ما فعل.

جلست المرأة، وقف الطفل، وقفت الحافلة، أقلعت الحافلة، صعد ركاب آخرون ذوو ملامح أخرى قاسية وفرحة، ودفع الزحام المتواصل على أشده بالطفل إلى أن يقف وجهاً لوجه أما فتاة ضامرة وحزينة، كانت خديجة عاطية ظهرها للنوافذ حيث يدخل الهواء فيتطاير شعرها ويتطاير الفولار معه. وتزيل خديجة الفولار عن رأسها وتعيد ترتيب شعرها من جديد، يدخل الهواء فيتطاير الشعر على جبينها وتصبح أكثر إشراقاً للطفل. نظر الطفلُ إلى وجهها مَلِيّاً فخفَضَت من رأسها ثم عادت إلى رؤية الناس ورؤية الطفل المخشوشن.
تسير الحافلة لتقف في محطات كثيرة، تفرغ حمولتها لتحمل حمولة أخرى. نظر الطفل إلى وجه خديجة الحزين، ونظرت خديجة إلى وجه الطفل الشقي. أحياناً تخفض خديجة رأسها خجَلاً، وأحياناً ينظر الطفل عبر النوافذ باحثاً عن أشياء أخرى وهمية.

زعم الطفلُ أخيرا:

-إليك هذه الورود.

نظرت خديجة إليه وإلى الورد ولم تُجِب.

إليك هذه الورود، إنني أتحدث إليك أنتِ بالذات..

غرسَت خديجة عينيها في جسمه كله: من القدمين الحافيتين حتى الشعر المنفوش والوجه الشقي. مَن يكون هذا الطفل الشقي؟

. –لا

كرر الطفلُ المخشوشن:

-إليك هذه الورود

.. – قلتُ لك لا

-لماذا؟ إنها جميلة.

لا أحب الورود الاصطناعية

قال الطفل:

-أنا لا أعرف الورودَ الطبيعية، أعرفها فقط في الكتابات.

هل سبق لكَ أن شممتَها؟

لا، سبق لي أن شممتُ رائحة أمي

قالت خديجة:

إذن، لماذا لا تحمل هذه الورود لأمِّك؟

قال الطفلُ المخشوشن: أنت أمي.. وضحك بفرح كبير. الآن سيكون على خديجة أن تخرج من هذا المأزق.. ونظَرَت إليه وقتاً طويلاً وقررت أن تقلع عنه، إن هذا الطفل في مثل سنّ أخي الرابع من المسلسل العائلي الطويل جدا. وقررت خديجة أن تقلع عنه.

تدخَّل أحدُ الركّاب وسأل الطفل:

أين تسكن؟

دوَّارْ لاحُونَا

وأنت (إلى خديجة)؟

مَاشِي شُغْلَكْ.

قال آخر: دُوَارْ الرّْجَا فاللَّهْ

وضحك المقربون من خديجة ومن الطفل، لكن الوقتَ كان سيئا بالنسبة إلى خديجة.

كرَّر الطفلُ مرةً أخرى: خذي هذه الورود.

-لا، لا أحب الورود الاصطناعية

وأين الورود الطبيعية؟

-عند الذين لا يركبون الحافلات مثلَا.

لم يفهم الطفلُ شيئا بالمرّة. شرد طويلاً وبحث وسط الركاب عن مَخرج حتى اقترب من نافذة مفتوحة ورمى الورود، مرَّت سيارة بالقرب من الحافلة وداست الورود حتّى بعجَتها، عند ذلك تنهَّدت خديجة. كانت الحافلة قد أوشكت على الوقوف في المحطة النهائية، أحْنَت خديجة رأسَها وقالت لنفسِها: مَالِي يَا رَبِّي مَالِي.
تحلم خديجة بطفل، برَجل، بعريس، بحمل كبير يُسمُّونه الدّْهازْ، ويحلم الطفل بمقعد في المدرسة، وببذلة جديدة، وبالذهاب إلى السينما صباح كل أحد.

خديجة.. عندما أتوا بها من تلك القرية الصغيرة في الشاوية، على المدينة، كلَّفوها بمراقبة طفلهم الصغير البالغ ثلاث سنوات، والذي يجري الآن في ساحة حديقة الفيلا فوق دراجته الهوائية وخديجة من ورائه.. عندما يضحك الطفل تضحك خديجة، يبكي الطفل، تبكي خديجة، يسكت الطفل يتجهم وجه خديجة، لقد جاؤوا بها من هناك إلى هناك لتكون خادمة الطفل فقط، وهكذا انتقلَت من بيت إلى بيت ومن فيلا إلى فيلا حتى انتهى بها المطاف الآن إلى هذا المعمل الصغير الذي يصنع الجوارب، حيث الدخول من السابعة صباحاً إلى السابعة مساءً.

لا تعرف خديجة معنى الفرح، معنى الفطور أو الغذاء ككل الناس، لا تعرف معنى القيلولة ومعنى الحب العذري، لا تعرف إلا يوماً واحداً من أيام السنة: الأحد.

تحلم خديجة بنهار مشرق فلا تجده، بوردة طبيعية فلا تشمها، تحلم بأن تتزعَّم إضراباً ضد رب العمل الذي يستغلهم جسدياً ومادياً فتخاف من الطرد إلى الشوارع، ويحلم الطفل المخشوشن بخبز بُنِي على شكل هلال يُقال له كَرْوَاسَّا فلا يجده.

ذاتَ مساء خرجَت خديجة كعادتها من المعمل، ووقفت كعادتها فوق رصيف المحطة تنتظر الحافلة. في ذلك المساء مرَّ صاحبُ المعمل بسيارته الجديدة، وقف قرب رصيف المحطة وفتح لها الباب وقال لها تعالي أنا سأوصلك، منحَته ثقتها وركبَت إلى جانبه ولم تَدْرِ إلا وهي وهو خارج المدينة في شقة بإحدى العمارات. وهما معاً في الغرفة، قال لها ربّ العمل القصير الأكرش، إذا قبلتِ يا خديجة سأزيدك في الراتب الأسبوعي، وفكرت خديجة ورأت مع نفسها أنه أوقَعها في شرَك غير متوقَّع، ومنحَته جسدَها دون أن تمنح له نفسها وقالت لأمها عند العودة مَالِي يَا رَبِّي مَالِي..

وقد حلم الطفلُ أن يلبس بذلة جديدة وفي يده اليمنى شكارة وهو واقف في الصفّ بين التلاميذ وأمُّه ترقبه قرب الباب وهي فرحانة، لكنه طرد، وقالوا لأمه إنه لا يحفظ دروسه، وإنه يتناول مادةً يُقال لها السِّيلِسْيُونْ تُخدِّر مَن لم يتخدَّر في حياته، لذا فهو دائماً مخدَّر وغائب عن الوجود، وزادوا وقالوا إنه يتطاول أحيانا على مادّةِ السِّيرَاجْ البُنِّية اللزِجة، تصلح فقط لتلميع الأحذية من طرف كثير من الناس يهُمُّهم أن يكونوا لامعين، مثل أحذيتهم، يوم الأحد، لكن أمَّه شكَّت في الأمر وفي أقوال المدير، وأصرَّت على أن ابنَها يحفظ دروسه كل مساء على ضوء الشمع، وأن ابنها غير محظوظ لأنه فَقَدَ أباه، وأن المدير نفسه متّهم من طرف سكان الدرب بأنه يقبض الرشوة، كذلك حلمت خديجة بأنها أصبحت شيخة معروفة منذ خروجها من معمل الجوارب، وأنها اشترت داراً في سْبَاتَة وبدأت تضع على معصميها أساور كثيرة من الذهب، أما لماذا لم تتزوج، فإن خديجة تفسر ذلك بالنشاط اليومي الكثير والظهور في التلفزيون إن اقتضى الحال، وبكثرة الطلبات الواردة عليها من الأعراس ومن بعض القيادات السلطوية بالبادية، سواء في مناسبات وطنية، وما أكثرها، أو مناسبات غير وطنية.

أما لماذا لم ينَم الطفل بشكل جيد، حيث عظامه بارزة في الوجه والقفص الصدري، وكل أعضاء الجسم، فعِلْمُ ذلك عند أمه. قالت أمه في تصريحها لشيخ المقدم في انتظار حصولها على وجبتها من مساعدة التعاون الوطني: يا سيدي، نحن لا نأكل إلا الخبز والشاي ولا نطبخ الدّْوَازْ إلا نادراً، ونأكل الْكِيكَسْ بعضَ المرّات. فأجاب الشيخ السمسار في أوراق التعاون الوطني: وهل وجده غيركم؟ احمدوا الله إن وجدتُم الخبز.
وكان الطفلُ في ذلك التاريخ الشقي يركض وراء مؤخرة الحافلات حتى المدينة حيث يتسلل عبر الأزقة والشوارع مارّاً بالمقاهي، طالباً أو سارقاً قطع السكر المستطيلة من فوق الطاولات. وقالت أمه لجارتها إن الطفل يُصَدِّعُها دائما وإنه خارج الدار منذ الصباح إلى المساء، وعندما يعود لا يطلب سوى الخبز والسكّر! وقالت خديجة لأمها بعد أن عيلَ صبرُها: سأحترف الرقص.

-أين؟
عند الشِّيخاتْ.. في سْبَاتَة هناك امرأةٌ معروفة.

وقالت لها أمُّها: يا بنتي الله يهديك. فأجابت: ماذا أفعل الآن وقد تجاوزتُ الثلاثين.. وكان التلفزيون يقدم في سهرته الأسبوعية لقطات من الشِّيخات، فتمنَّت خديجة أن تكون من بينهن.