لميعة عباس عمارة تتذكر بدر شاكر السياب

لمـيعة عباس عمـارة

إشارة:
رحل شاعر العرب العظيم ومؤسّس الحداثة الشعرية العربية “بدر شاكر السيّاب” في يوم 24 كانون الأول من عام 1964، وكان يوماً ممطراً لم يعثر فيه الشاعر “علي السبتي” على بيت السياب في الموانئ بالبصرة فقد أفرغته الدولة من عائلته لعدم دفعها الإيجار، فسلّم التابوت لأقرب مسجد. وعلى الرغم من مئات المقالات والدراسات والكتب والأطروحات الجامعية التي كُتبت عن منجزه الشعري فمايزال هذا المنجز الفذّ مكتظاً بل مختنقاً بالرؤى الباهرة التي تنتظر من يكتشفها. تهيب اسرة موقع الناقد العراقي بالكتاب والقرّاء الكرام إلى إغناء هذا الملف عن الراحل العظيم.

المقالة:
ذكرتك يا لميعة والدجى ثلج وأمطار، ولندن نام فيها الليل، مات تنفس النور. رأيت شبيهة لكِ شعرها ظلم وانهار وعيناها كينبوعين في غاب من الحور مريضا كنت تثقل كاهلي والظهر أحجار.
احن لريف جيكور، واحلم بالعراق: وراء باب سدت الظلماء، باب منه والبحر المزمجر قام كالكسور على دربي، وفي قلبي وساوس مظلمات غابت الاشياء وراء حجابهن وجف فيها منبع النور. ذكرت الطلعة السمراء، ذكرت يديك ترتجفان من فرق ومن برد تنز به صحاري للفراق تسوطها الأنواء.

ذكرت شحوب وجهك حين زمر بوق سيارة ليؤذن بالوداع. ذكرت لذع الدمع في خدي ورعشة خافقي وأنين روحي يملأ الحارة بأصداء المقابر. والدجى ثلج وأمطار.
بدر شاكر السياب
لندن: 2-1-1963
من «منزل الاقنان»
قد ينسى الانسان ولكنه لا ينسى صميم حياته* كان بدر بالنسبة لي الصديق المنتظر والرجل الذي خططت كل حياتي لآن التقي به* كنت أود أن يدرك أن الحب عالم الشعراء … فما عرف هذا … علاقتي بالسياب لم تكن عادية … لا في حياتي ولا في حياته * لماذ كان السياب يقول بأنه رجل شقي محكوم عليه بالألم..؟
وما من عادتي نكران ماضي الذي كانا.
ولكن.. كل من أحببت قبلك ما أحبوني ولا عطفوا علي
عشقت سبعا كن أحيانا ترف شعور من علي، تحملني إلى الحسين سفائن من عطور نهودهن. أغوص في بحر من الأوهام والوجد فألتقط المحار أظن فيه الدر
ثم تظلني وحدي جدائل نخلة فرعاء فأبحث بين أكوام المحار
لعل لؤلؤة ستبزع منه كالنجمة، وإذ تدمى يداي وتنزع الأظفار عنها لاينهز هناك غير الماء، وغير الطين من صدف المحار، فتقطر البسمة على ثغري دموعا من قرار القلب تنبثق،
لآن جميع من أاحببت قبلك ما أحبوني.
وتلك؟ وتلك شاعرتي التي كانت لي الدنيا وما فيها، شربت الشعر من أحداقها ونعست في افياء. تنشرها قصائدها علي: فكل ماضيها وكل شبابها كان انتظارا لي على شط يهوم فوقه القمر. وتنعس في حماه الطير رش نعاسها المطر. فنبهها فطارت تملأ الآفاق بالأصداء ناعسة. تؤج النور مرتعشا قوادمها. وتخفق في خوافيها، ظلال الليل أين أصيلنا الصيفي والأعناب تحلم في دواليها؟ تفرقت الدروب بنانسير لغير ما رجعه وغيبها ظلام السجن تؤنس ليلها شمعة فتتذكرني وتبكي. غير أني لست أبكيها. كفرت بأمة الصحراء ووحي الأنبياء على ثراها في معاور مكة أو عند واديها.
بدر شاكر السياب
تصريح منه وتلميح منها وحكايات يرويها الاصحاب والزملاء، حتى غدت “القصة” مدار كتابات، ومجال بحث.. بدر شاكر السياب ولميعة عباس عمارة …
هما الطرق العادلة، المجهولة في الكثير من تفاصيلها، حتى جاء “زمن الموت”، موت الشاعر ليلعن الكثير. كان الشاعر يموت.. وإذا موته أشبه بما يكون بـ « طائر الفينيق» بالنسبة لذلك الحب القديم، العنيف، القاسي،: فجأة ينبعث من رماده.. يقوم.. ويحيا.. أنها « قيامة الحب «ولكن أي حب هو؟. أنه ليس حب واحدة من « بنات القبيلة»، ولا هو حب « ابنة العم «. هنا، كما يبدو كان التقاء روح وروح.. شاعرية وشاعرية. شاعرة وشاعر … ويحدثونك عن أخبارهما.. كان الأصحاب – أصحاب الشاعر – يخشون ذكر أسمها أمامه إذا ما أرادوا لجلستهم معه أن تسير في مجرى من الصفاء.. قال واحد: تجنبوا ذكر أسمها أمامه، وألا انقلبت جلستنا إلى مناحة … قال آخر: أنه كثيرا ما كان يسأل عن أخبارها.. أما الثالث فقد أكد بأنه حين ذكر لها وضعه أيام المرض شاهد الدموع تهطل من عينيها.. وتتواتر القصص والروايات.. والحقيقة تقول شيئا، والخيال ينسج أشياء.. وللشعر، هو الآخر ما يقوله: شعره هو، وشعرها.. الطرف الأول مات في الرابع والعشرين من كانون الأول عام 1964.. والطرف الثاني ما يزال حيا.. وحيا بامتلاء: النفس، والحياة، والذاكرة …
وانتهى العام بسلام: بدر بالنسبة لي، كان شيئا أرغب فيه وأتجنبه … أرغب فيه من ناحيتي، وأتجنبه عطفا عليه، ورأفة به..
(بهذا التأكيد الواثق تبدأ لميعة عباس عمارة حكايتها..)
_ كان شاعرا.. وكنت شاعرة.. تجنبته سنة كاملة، كنا خلالها نلتقي ضمن مجموعة كبيرة من الطلاب والطالبات.. فأسمع له شعره..
(صمت في كل ارتعاشة … صوت راهبة كان صوتها، الكلمات كتراتيل حزينة.. فنحن في حضرة الموت، والتذكر..)
تعمدت أن لا أكون قريبة منه.. فقد كنت أدرك مكامن شخصيتي، وأعرف أي انسان هو، فلم أشــأ أن أدخل المأساة إلى حياته … وشغلنا كلانا بمراقبة الطالبات الجميلات.. أسمع له قصيدة بشعر هذه، وأخرى بعيني تلك وغمازتي الثالثة.. فأشغله مبتعدة به عما أحسه خطرا.. وأنتهى العالم بسلام..
عــام بعـده عــام:
_ أستعد الطلاب للسفر إلى أهلهم.. وفي اليوم الأخير كنت في المكتبة.. أقترب بدر مني بخجل، وفي يده كتاب صغير … فقال: “أود أن تقبلي مني هذا الكتاب هدية”.. وعندما لمحت العنوان (أشهر رسائل الغرام) رمقته بنظرة معاتب، فأدركها مرتبكا وقال: “لا يهمك العنوان.. ففي الكتاب تاريخ وقطع من المشاعر الأنسانية العالية أحب أن تقرأيها”..
في العام الثاني: (كأن الأشياء في ذهنها قد حدثت أمس.. تقولها وكأن سجلا بها مفتوحا أمامها تقرأ فيه..) عاد بدر إلى الصف الرابع – قسم اللغة الانكليزية – وعدت أنا إلى الصف الثاني – قسم اللغة العربية.. في هذه المرة بدأنا نقترب أكثر، معتمدين على صلابة الخلق ندعيها.. فأنا أقدم له النصائح العاطفية حين أجده ملتاعا من هجر، أو متشوقا لأحدى الزميلات.. وكان يبدو لي أشبه بطفل أمام أمه.. كنا نتسلى أحيانا في الحديقة بأن اكتب بيتا من الشعر، فيكتب تحته بيتا آخر، نتحدث في شؤون عامة.. وربما تحدثنا في السياسة والاضطرابات.. ولكنه في يوم من هذه الأيام كتب في نهاية الورقة بيتين يعترف فيهما بأننا كلينا، نتهرب من الحقيقة.. قـــال:
نحوم حول المعاني البعاد
كما حام طير على مورد
ولكنه لا يمس المياه
سيمضي من الزمان ويبقى الصدي
مفترق الطرق:
في العام (1948-1949) حدثت أشياء كثرة.. وخاصة في المجال السياسي.. فقد تنامى الشعور السياسي بعد تقسيم فلسطين بشكل قومي مطلق في بادئ الأمر.. ثم تحول إلى نزاع بين الفئات السياسية … كان بدر ممن فصلوا، وهو في الصف الأول لأسباب سياسية.. ويبدو أن هذه التجربة قد أفادته تعقلا في الصف الرابع، فلم يكن طرفا عنيفا في النزاع، بل بدأ في الوقت نفسه، صراع آخر بينه وبين بعض القوى السياسية.. صراع خفي لم يتكلم بدر عنه لأحد.. وكل ما سمعته منه هو تلميح، بأن تلك القوى تعيب عليه كتابته الغزل، مع كل ما قدمه من قصائد سياسية. قال لي مرة منفعلا: “إذا جرح عامل فيجب أن أثور وأن وأكتب.؟ وإذا كنت أنا الجريح، وأنني أموت وأتمزق فلا يحق لي أن شيئا عن نفسي؟”
لكنه وقع في المأساة التي كنت تخشين عليه الوقوع فيها. (بنوع من الجزم القاطع تؤكد لميعة).
أشك في أن احب واحدة.. كان بدر أبن اللحظة في حبه.. أبن الانفعال الآني.. لايعرف أبعاد الحب الحقيقي … ولا يدري أن العذاب الذي هو فيه يجب أن يطيله، فهو دائما يختصر بالقطع غاضبا، ثائرا.. يفسر الحب أنه “ بيت زوجين “، وأن امرأة لا ترضى أن تكون له زوجة حبها زائف وعواطفها كاذبة. كنت أود أن يدرك أن الحب عالم الشعراء، وبأني مرتاحة تقدم النصائح لمقلق معذب.. ولا أظن انه فهمني..
-ولكن في شعره ما يناقض هذا الذي تقولين.. أنه يخاطب زوجته بقوله: “ أحبيني “.. لأن جميع من أحببت قبلك ما أحبوني.. ولا عطفوا علي “
هذا يصدق على أكثر النساء اللواتي أحبهن بدر، ولا يصدق كلهن … (وكأنما تستحضر صورته.. تستعيد وضعه السايكولوجي حين تؤكد): كان مبدأ “ الشك الديكارتي” يأكل قلبه.. لم المرأة التي أحبته، وكتبت له، ورأى دموعها، لأنه لا يثق بنفسه.. ولم يكن يجد من المعقول أن تكون كل هذه العواطف، وكل هذا الحب له، ومن هذا المنطلق كان يتهجم عليها عبر قصائد غزله التي كتبها لها.. فليست هناك من قصيدة له تخلو من أشارة خفية أو واضحة، لشكه بهذه المرأة، وسوء ظنه بها..
-ربما كان ذلك متأتيا من أحساس بعذاب العلاقة..؟
طبعا.. لأنها ليست علاقة عادية، لا في حياتي ولا في حياته.. وكان يحس بهذه الندرة فيقول لي: “ أتظنين أن لقاءا كهذا يتكرر في العالم بسهولة.؟ كم أليزابيث براوننج وروبرت براوننج عرف العالم.؟ ماذا كانت “ ولادة “؟ أنها تافهة.. لم تكن شاعرة أصلا.. “ كان هناك شيء يهتم له كثيرا.. ويتمثل له بأغنية “ أسمهان “: أنما اهل الغزل.. كلما خافوا الملل.. أنعشوه بالقبل.
كانت القبلة عنده تعني الحب.. ولكنها في الوقت نفسه، تعني عند صاحبته الاثم والخطيئة. فالحب عندها حلول صوفي، وتفان بلا زمن، ولا غاية.. هذه هي نقطة الاختلاف بينهما.. هي ترى أن الحب غاية بذاته.. وهو يراه “الاتحاد الكامل” في الزواج.. وكان ينمي فيه هذا الشعور شبابا متعطشا، وحياة جامدة نسبيا، في بيت الطلاب (القسم الداخلي).. وكان يقول لها: أنك لا تحبينني.. فكانت تستغرب منه هذا المفهوم الخاطئ للحب، وتجاهد أن تصححه.
الجسور الحرجة في جيكور:
(ونعود إلى الشعر، فهو “مفتاح الأسرار”. لمحة هنا.. ونبرة صوت هناك تضع وراءها الكثير من القصص والحكايات، وتنطوي على ذكريات غير قليلة.. وعلى مواقف كذلك..)
نعود إلى القصيدة.. أنه يقول: « أين أصيلنا الصيفي في جيكور «.. فحدثينا عن ذلك يا لميعة …
لم يكذب.. فقد دعانا بدر عدة مرات لقضاء أيام في جيكور.. والبصرة حارة المناخ في الصيف، في الوقت الذي كانت فيه عطلة الصيف هي الفرصة الوحيدة التي يمكن أن نسافر فيها.. فسافرت مع خالي، الذي هو في سني، وكانت تربطه ببدر رابطة صداقة.. فكان مع بدر في استقبالنا عمه الأصغر.. كانت رحلة طويلة، ابتدأناها بالسيارات، ثم تركنا السيارة، إذ كان علينا أن نمشي في أرض مليئة بالشوك.. تحملنا ذلك طبعا.. وصادف أن وصلنا متأخرين.. ولكنهم كانوا بانتظارنا.. العم يحمل فانوسا، بينما كان بدر يقوم بايصالنا.. وحين كنا نبلغ المعابر على “ بويب” (وهي جذوع النخل) كان بدر يمسك بيدي.. (فقد كنت أخاف العبور على مثل هذه الجسور الحرجة).. وكان أرتعاش ضوء الفانوس وانعكاسه في النهر في تلك الزيارة قد انعكست في شعر بدر.. فأنت لو فتشت شعره لوجدت الكثير في ظلالها. ثم الثوب الأسود.. الذي كان يلازمني منذ دخول الكلية، أي منذ معرفتي بدر، حتى تخرجي وحتى زواجي (كنت ألبس الحداد على والدي)، تلاحظ أن بدر حتى حين يصف أشباح الأموات يخلع عليها الرداء الأسود.. مع أن الأموات تلبس البياض.. لكن حتى شبح “ وفيقة “ يلوح بثوبه الأسود.. لأنه لم يرني ألا مرة واحدة بغيره.. وكان ذلك عام 1958 في اجتماع الهيئة المؤسسة لاتحاد الأدباء العراقيين، في بيت الشاعر الجواهري.. (ولهذا حديث طبعا)..
وبـعــــد..؟
كانت الضيافة بصرية.. وأعجبني من البصرة، ومن جيكور بالذات استقبال الناس لنا فيها (أقارب بدر وعماته) …وأتذكر نوعا من المخلل المصنوع من البمبر، أحببته.. أمضينا عندهم ليلة. كانت معنا “ إقبال “التي أصبحت زوجته فيما بعد. والمبيت في البصرة شيء غريب.. إذ كان يجب أن ينام كل واحد تحت “ كلة “ اتقاء الندى الكثيف المتساقط ليلا.. طبعا كان بدر في الليل وفي النهار مشغولا بالشعر.. كان يقرا وكنا نسمع ونتحدث.. وكان ينكت.. وعند الأصيل أخذنا زورقا وسرنا به في أحد فروع “ شط العرب “ تحت الظلال “ الصفصاف الباكي”.. حتى أن بدر كان يصطحب معه مظلة كان يريد أن يظللني بها من الشمس، فما رضيت، لأنني – لا ادري – كنت أحس أن أي تلطف يخصني به دون الآخرين فهو “ زيادة “.. فكنت أرفضه.. حتى تظليلي من الشمس ما كنت أرضى أن يقوم به.
انها نوع من القسوة.. أليس كذلك؟
لا أعتقد أن في هذا نوعا من القسوة، لأنني أعتقد أن أنسانا ما حين يزور أنسانا آخر، ويمضي معه كل هذا الوقت الطويل، يكون له الحق أن يتصرف بجزيئات الوقت..
العقدة الكبيرة:
(وتظل القصيدة تلح، تضرب.. ففي أشاراتها الكثير من الأشكالات التي تحتاج الايضاح.. وما دمنا في « معارج التذكر « فلنمضي)..
كفرت بأمة الصحراء..
ووحي الأنبياء على ثرائها.. الخ.. (ولميعة ي « حضرة الاعتراف « بصوتها الخاشع، المتبثل.. توضح):
لو تلاحظ كل الأديان السماوية فأنك ستجدها نزلت من هذه « الصحراء العربية « في الصحراء، او ما جاورها.. و « العقدة « التي وقفت – في رأي بدر فهي رأي صديقته بوجه زواجهما هي « عقدة دينية «. ومن هنا فهو يكفر بهذه المعتقدات، لأن هذا هو ما جعل بدر في ناحية، وحبيبته في ناحية أخرى.. (هذا شرح للمقطع أن أردت..)
تفرقت الدروب بنا نسير لغير ما رجعة..
كان بدر يعتقد أنه أصبح في “ الخط السياسي “ المعاكس لهذه المرأة. ولكنه كان محمولا بحقد بغيض. ربما على نفسه.. على المجتمع الذي ظلمه. كان مندفعا كما يندفع المنتحر لأن يهدم. (والمنتحر يهدم أعز شيء لديه، وهي حياته)، فنال الكثير من أصدقائه وشتم، وكفر بكل القيم التي كان يؤمن بها.. بينما هي لم تكفر، وبقيت كما أعرفها. فقال: أن الدروب تفرقت بهما – سياسيا- لغير ما رجعة.. وأنه لم يبك لها، (كأنما الرجولة أن لا يبكي الرجل حين يجد حبيبته في مأزق)، أنما هي بكت له حين سمعت بوضعه الصحي في مرضه الأخير.. فهو يفخر بأنها بكت له.. وهو يفخر بأنه لم يبك لها في ضيقها.. ويعتبر هذا رجولة.. (وهذا عندي يمثل نوعا من الجهالة التي بدأ يتصرف بها ضد نفسه. وطبعا ضد أحبائه)..
ذات الغمازتين.. واللعنات:
كيف كان يبدو لك « بدر أمام المرأة «..؟
البنات حول بدر كثيرات في الكلية (فالمجتمع مجتمع كلية).. ومن الصدف أن تلك السنة حشدت اكبر عدد من الجميلات في « دار المعلمين العالية «، ومن المترفات أيضا. فكان الفرق كبيرا جدا بين مستوى الطالبات ومستوى الطلاب.. الطلاب يمثلون الكادحين، والطالبات من طبقات مترفة.. فكانت العقدة موجودة من يوم القبول في الكلية، متمثلة بهذا التفاوت الطبقي. كل فتات تحلم أن يكتب فيها شعاعرا بيتا من الشعر.. لا أدري لماذا، ربما أستيفاء للغرور.. غرور المرأة.. وكان بدر يدرك هذا الضعف، ويدرك أن الطالبات يتحشدن حوله ليسمعنه.. أنا كنت أحدى هؤلاء، أو احد الحاضرين، لأني لم أكن أقف موقف الطالبات الأخريات.. نجلس.. وتأتي الطالبات ليستمعن..
بدر: بصمت، بهدوء، وان يكون هدوءا يخفي اضطرابا عنيفا (يقال أنه في القسم الداخلي كان لا يستطيع أن يهدأ أو يرتاح.. فكان الأخوان يهدؤونه)… كان يشعر أن هذا البعد ليس بينه وحده وبين الطالبات، وإنما هو وبين كل الطلاب وكل الطالبات.. ثم أن بدر لم يكن يتميز بالوسامة.. فلم يكن يؤمل أن واحدة من هؤلاء مهما كان مستواها في الجمال، ترضى أن يكون « هذا « حبيبها.. فكان يكتب قصيدته بحذر ويقراها.. وربما كانت المعنية تسمع، من بين السامعين « فتحزر « أن القصيدة لها، ولكن، صراحة، لم يكن يقول لها.. وإلى هذا الحد تنتهي علاقة الطالبة ببدر.. واحدة منهن كانت أشجع، وأكثر تجربة من بدر، هي « ذات الغمازتين «.. هذه شجعته، ربما كانت تريد أثارته ليكتب الأحسن.. (« ذات الغمازتين « مترفة أيضا)، ولكن بدر أدرك أخيرا أن ما تبديه له هو مجرد تشجيع، فشتمها أبشع شتم في قصيدته « لعنات «.. لكن العجيب أننا كنا نستعيد « لعنات «، على الرغم من انتقال « ذات الغمازتين « إلى كلية أخرى، فنعرف أنها مصير أية واحدة من الحاضرات.. (يعني اليوم يتغزل بواحدة، وغدا ربما توجه أليها نفس هذه اللعنات) !
الصديق المنتظر:
تؤكدين أن ليست هناك واحدة ترضى أن يكون بدر حبيبها.. فهل كان يحس بهذا النقص الذي شكل عنده خيبة على صعيد النساء..؟
هو لا يفصح عن مثل هذا النقص.. كان يدرك أنه الشاعر.. وانه الخالد.. وانه كان يكتب للخلود، وأن هاته النساء ما هن ألا أدوات خلوده، وبواعث للقصائد.. ولكنه، مع ذلك، كان أحيانا يفرض أنه الرجل، ويريد من المرأة أن تبادله علاقة المرأة بالرجل.. وهو يدرك أننا في مجتمع محافظ، وفي الكليات كان من التجديد، حينها، أن تجلس الفتيات مع الطلاب، أن يشربن الشاي معهم أو يخرجن في سفرة جماعية.. هذا كان تجديدا في ذلك العصر.. (والله اسميه عصرا، لأن 25 سنة مرت عليه) …
دعينا ندخل أكثر في صميم العلاقة.. علاقتكما، صراحة ماذا كان يعجبك في بدر..؟
صداقاتي دائما، لا تبنى اعتباطا.. يعني أن صداقاتي مبنية على تفهم من اختاره صديقا، مع تقييم مني لكل مواهبه وذكائه، وللانسانية فيه، ولاتجاهه السياسي كذلك.. كل هذه العوامل، مضافا أليها دماثة « خلق بصري « كانت في بدر … بمعنى أخر أن بدر كان بالنسبة لي الصديق المنتظر … الرجل الذي خططت كل حياتي لأن ألتقي به..
وهـل يدرك هـذا..؟
لا أظن.. ولا أحسب أنه أدركه حتى موته.. لأنه لا يمكن أن يصدق.. فقد مات وهو على شك من أن امرأة كانت تقيم فيه شخصيته، ولا تهتم مطلقا بشكله. كان لا يستطيع أن يجرد « الشكل «. (فهو كرجل، كان نحيف البنية، ليس طويلا، له أذنان كبيرتان ومنتصبتان، وأنف طويل وعريض، وعيون صغيرة، وفم واسع بأسنان عريضة مندفعة إلى الأمام، وذقن صغير راجع إلى الخلف، وأعصاب متحفزة دائما لأن تجعله في حالة اضطراب يفقد فيها توازنه..) كل هذه كان يدركها في نفسه طبعا.. فلم تكن لتعطيه الجرأة لمقابلة المرأة، بشكل جريء … كان يتصور أن النساء يحببن شعره.. وأنهن يهتممن بالشعر لا بالشاعر.. (وتتذكر لميعة.. فوصف الحالة يدفع إلى الذاكرة بحادثة ما، وقعت، وكانت شاهدها..)
مرة مررت به، كان قد مزق ديوانه وألقى بأوراقه، وجلس على حافة الحديقة، على الأرض.. وكان يبدو في حالة مخيفة من الألم.. لم أجرؤ أن أسأله بنفسي. فسألته صديقة لي كانت معي، بينما ابتعدت أنا عنهما.. قالت له: لم أنت في هذه الحالة.؟فأجابها: أن المرأة التي أحبها لا تحبني.. أنها تحب هذا الشعر وقد مزقته فأنتهت علاقتي بها.. إذا مات الشعر فهي لا تحبني.. أما أن كانت لي قصيدة جديدة فتأتي لتسمعها، وأن لم تكن لي قصيدة كانت تتشاغل عني بالدروس.. هذه امرأة لا تحبني … أن الحب من طرف واحد.. وأنا رجل شقي محكوم علي بالألم..
كنت محفزا له:
هل نستطيع القول أنك أثرت عليه من ناحية ما..؟
هذا شيء يقيمه النقــاد..
أنا لا أعني “ التأثير الخارجي “ الظاهر، أنا أبحث في التأثير السري واسأل عنه..؟
فترة لقاءنا التي دامت سنتين، وما تبعها، يجد النقاد والدارسون أثرها واضحا في شعر بدر.. في كمية الشعر.. في اتجاه الشعر.. في التجديد.. القصيدة الحرة الأولى التي كتبها (هل كان حبا) ولدت على يدي.. (يعني أول قصائد بدر الحرة التي كتبها هي قصائد لي).. فإذا لم يكن لي سوى هذا التأثير، أو هذا التغيير فقط، فهوة كاف. في نظري.. (وكما الفكرة تتلو الفكرة، كذلك الاعتراف يتلو الاعتراف، وتمضي لميعة): كنت محفزا له لآن يكتب.. فقد كان يريد أن يقرأ لي شيئا غريبا.. وشيئا جديدا، وشيئا يستفزني.. ولم يكن ذوقي هينا. أن أكثر الشعراء حينها، من زملاء الكلية كانوا يعرضون علي قصائدهم، مع أني كنت في سن صغيرة، لكن رأيي كان مهما عندهم. مثلا.. بدر يسمي ديوانا كاملا له باسم “ أساطير “.. (وكلمة “ أساطير “ تتردد بكثرة في شعره، وتفتح له فيما بعد، باب الأساطير.. على الأساطير التوراتية واليونانية والبابلية). هذا الباب الذي فتحه أمام بدر..؟ أعتقد أن مناقشتنا المستمرة، وتسميتي للقيود الاجتماعية باسم “ الأساطير “ هي الأساس.. ففي واحدة من قصائد تلك المرحلة الأولى أقول: أساطير نمقها الخادعون وأشباح موتى تجوب القرون لتخنق أجمل أحلامنا وتعبث فينا، فيا للجنون … يأخذ بدر هذا المقطع، فيكتب قصيدة “ أساطير “ ويعلق عليه بقصيدة أخرى، يروح يدخل في جو الأسطورة. (هذه الأساطير التي عذبت البشر، وفتتتهم)..
وسألتني نازك:
مرة سألتني نازك الملائكة قالت: أنني كتبت في مذكراتي أنك تأثرت ببدر في قصيدتك « شهرزاد « لأن لبدر أشارات للأساطير، ولهذا النوع من الحب.. فذكرت لنازك، وقد تيقنت فصححت، أنني كنت أقرأ لبدر مقاطع هذه القصيدة التي لم أنظمها في ليلة واحدة. ففي كل مرة كنت اكتب مقطعا منها، وكان بدر يعلق هذا المقطع ويجيب عليه بقصيدة.. فكانت ضلال شعري تنعكس في قصائده.. (وأنا لم أنشر قصيدتي هذه ألا بعد سنة، أو اكثر في كتابتها).. ولكن الذي لا يعرف الحوادث يظنني متأثر به … في حين أنني حرصت ان أبتعد عن كل مجالات بدر الشعرية، لأنني لاحظت أشياء خطيرة.. أولا ابتعدت نهائيا عن الشعر « الشعر الحر « لأنني تصورته خاصا ببدر، فلم أكتب قصيدة حرة واحدة في الفترة التي عرفته فيها.. (يعني أمانة).. لأنني شكا لي مرة أن نازك بدأت تتأثر بأسلوبه الجديد. فلم أكن أريده أن يشكو مني.. والشيء الثاني في ابتعادي هذا عن مجالاته الشعرية، وأجوائه لأن صحبتي لبدر، وعدم ثقة الناس بامرأة تستطيع أن تكتب شعرا، ربما يجعلهم يتصورون أن بدر هو الذي لي قصائدي. (وقد سرت هذه الشائعة بالرغم من جميع هذه التحفظات).. هناك قول لبدر أخجل عن ذكره، لأنه لم يكتبه، فحين كنت أقول لـه:
« ستمضي، فمن لي بأن أمنعك
ستمضي، فهل لي أن أتبعك
فشعري، وحبي، وعمري سدى
إذا لم أمتع بعيشي معك.. سأهواك حتى تجف الدموع بعيني، وتنهار هذه الضلوع
ملأت حياتي، فحيث ألتفت أريج بذكرك منا يضوع..»
قرأت له القصيدة.. إلى أن وصلت قولي فيها: « ففيك عرفت النبي الوديع.. «
فقال (بتأثر، بانفعال): أني أخجل أن أنظم الشعر تجاه هذا الشعر..
استغربت أن تصدر من بدر مثل هذه الكلمة، وظننتها سخرية منه يطلقها بهذه الفتات الصغيرة، فقلت: أتقول هذا.؟ هل أنت جاد.؟ قال: أني جاد، فهذا شعر يخجلني أ، اكتب أمامه شعرا ! هذا كان رأي بدر بشعري.. بينما الآخرون لم يكونوا على معرفة دقيقة بحقيقة علاقتنا..)
ماذا سأكون لو ألتزمته:
ومن الأشياء التي جعلتني ابتعد عن بدر هي هذا الظن مني: ماذا سأكون لو ألتزمت بدر.؟ ظل له.؟ (فأنا متهمة بأنه هو يكتب لي قصائدي) تقليد لخط بدر الشعري..
(يعني أنا أشعر أنني إنسان مستقل، ولا يمكن أن يؤثر بدر علي.. من الممكن أن أؤثر عليه – وقد أثرت فعلا من خلال مناقشاتنا الشفوية الكثيرة..) لو عدت إلى شعري لوجدت أنني خلال علاقتي ببدر لم أكتب شعرا كثيرا.. كنت اكتفي بأن نتحدث.. بينما كان هو يؤمن بأن الكلمة المكتوبة هي « الكلمة الخالدة «.. فكان يكتب كل يوم قصيدة، ربما.. بينما كنت أنا أتحدث فقط.. (أحاديثنا كانت شيقة، مثيرة، فيها كل الثقافة، وكل الأحاسيس، وكل المشاعر التي هي ربما …) كنت الهم الشاعر فيه، ولم أكن آخذ منه شيئا..
أذن، أين تأثيره.؟
بدر، من النواحي الفنية لم يؤثر في شيئا.. وأقول: أني أنا التي أثرت فيه.. لكن أنا تأثرت بمرور بدر في حياتي.. فلم يكن بالإنسان البسيط الذي يمكن أن ينسى.. هو لا يعرف قيمة نفسه.. لا يدرك مدى تأثير شخصيته بالنسبة لي.. لكنني أنا، سأبقى أحتفظ بكل ذكرياته.. وبكل محبتي له.
يعني قولي: « سأهواك حتى تجف الدموع بعيني، وتنهار هذه الضلوع « الذي أتخذه هو سخرية، وبنى عليه قصيدة، انتهى فيها بان القول ” سأهوى”.. أجل تصدقين.. كان مخطئا في ظنه بي.

 

*عن مجلة الف باء عام 1970