لميعة عباس عمارة خصوصية الشعر والحياة

سعـديـة مفـرح

 

لأنني أعرف أن عمرها يربو على السبعين بعدة سنوات، فقد كانت دهشتي كبيرة عندما قابلت الشاعرة العراقية المخضرمة لميعة عباس عمارة مؤخراً لأول مرة في حياتي ووجدتها مازالت تحتفظ بما هو أكثر من مجرد أطياف جمال غابر، أو دلال كانت تشتهر به ذات زمان مضى... كانت مازالت تمارس حياتها، المليئة حباً وشعراً ووجداً، وعلاقات وصداقات، بحيوية امرأة في العشرين، وغنج امرأة في الثلاثين، وأناقة امرأة في الأربعين، وثقافة امرأة في الخمسين، وشعرية شاعرة لكل السنوات والأعمار والفصول والأوقات...

سألتها قبيل أمسيتها الأخيرة والتي أحيتها في الكويت ضمن برنامج الأنشطة الثقافية المصاحبة لمعرض الكتاب، عن سر ذلك التألق الذي تبدو عليه والذي قد لا يتناسب مع الصورة المكرسة للمرأة العربية المثقفة تقليدياً، فقالت وهي تبدو سعيدة لنجاحها في ترك ذلك الانطباع لدى الآخرين الذين يرونها لأول مرة: "تستطيع المرأة الذكية أن تحافظ على شبابها الدائم وعلى جمالها بالثقافة المستمرة، فلا شيء يعكس الجمال على العيون والفم والصوت مثل الثقافة... تبعثين أيتها المرأة جميلة لأنك تتوهجين من الداخل، وكل هذا ينعكس على شكلك الخارجي... وهذا هو السر".

ويبدو أن لميعة عباس عمارة ظلت جميلة بالفعل لأنها ظلت تتوهج من الداخل وتخلص لذاتها للدرجة التي لم تكن تهتم فيها بتكريس هذه الصورة أو تلك للمرأة المثقفة أو غير المثقفة، بقدر اهتمامها بتحقيق رؤيتها الخاصة للحياة والشعر وفقاً لقناعاتها الاجتماعية المتحررة والتي خالفت فيها قناعات الجيل السابق لها، ولقناعاتها الشعرية التقليدية والتي خالفت فيها قناعات مجايليها من الزملاء والأصدقاء الشعراء.

لقد دوخت هذه الشاعرة الجميلة بأنوثتها الطاغية وحضورها العجيب وشعريتها الصاخبة ومناكفاتها الجريئة وتعليقاتها اللاذعة أغلب، إن لم يكن كل، طلبة كلية المعلمين في الأربعينيات البغدادية والذين أخذ الشعراء منهم على عاتقهم تغيير الذائقة العربية الموروثة على صعيد الشعر بموسيقاه الكلاسيكية نحو قصيدة جديدة كان من المغريات بها في أجواء عربية مخنوقة بالاستعمار وتبعاته داخلياً وخارجياً، أنهم أطلقوا عليها اسم القصيدة الحرة .. لكن لا غنجها الأنثوي الشهير ولا النظرات الذكورية المعجبة بها منعت لميعة عباس عمارة من أن تختار لنفسها أن تكون شاعرة لا مجرد ملهمة شاعر، وأن تنتج القصيدة بدلاً من أن تكون مجرد موضوع لها، وبل والأكثر من ذلك أن تصر على خيارها الخاص لشكل القصيدة التقليدي والذي رأته وحده يعبِّر عن رؤيتها الشعرية بدلاً من أن تقلد زملاءها الذين انداحوا في دوائر القصيدة الجديدة رغم علاقتها الخاصة بأشهر رواد تلك القصيدة الجديدة..

لقد بدت لميعة عباس عمارة منسجمة مع ذاتها وخياراتها الشخصية في كل مراحل حياتها، تتعامل بالحرص والعدل والقسطاس مع كل مكونات شخصيتها فلا يطغى جانب على آخر أو يلغيه... مما هيأها لأن ترسم لنفسها تلك الخريطة الخضراء المسيجة بالشعر والجمال وأن تضع اسمها الثلاثي عنواناً خاصاً لها فهي على أية حال: لميعة عباس عمارة.